As-SamarqandiAl‑Kahf · 18:1–26

As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic

الكهف

Al-Kahf

The Cave · Meccan · 110 ayahs

18:1–6Page 293

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1

قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢

[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]

مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣

In which they will remain forever

وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤

And to warn those who say, "Allāh has taken a son."

مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥

They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.

فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦

Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.

مكية وهي مائة وعشر آيات

قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ، يقول: الشكر لله، والألوهية لِلَّهِ. الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ، أي أنزل على عبده محمدا ﷺ القرآن. وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، أي لم ينزله متناقضاً. قَيِّماً، بل أنزله مستقيماً. ويقال: في الآية تقديم، ومعناه: الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عبده الكتاب قيماً أي مستقيماً، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً أي لم ينزله مخالفاً للتوراة والإنجيل. قال أهل اللغة: عِوَجاً بكسر العين في الأقوال وبنصب العين في الأشخاص ويقال: في كلامه عوج، وفي هذه الخشبة عوج. لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً، أي لينذركم ببأس شديد، كما قال: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [آل عمران: 175] أي بأوليائه وهذا قول القتبي وقال الزجاج:

أي لينذرهم بالعذاب البئيس. مِنْ لَدُنْهُ، أي من قبله، ويقال: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً، أي يخوفهم بالعذاب الشديد بما في القرآن مِنْ لَدُنْهُ، أي من عنده. قرأ عاصم في رواية أبي بكر: مِنْ لَدُنْهُ بجزم الدال، وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد. وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ، بالجنة.

ثم وصف المؤمنين، فقال: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ، فيما بينهم وبين ربهم. ثم بيّن الذي يبشرهم به، فقال: أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً في الْجَنَّةِ، ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً أي مقيمين في الثواب والنعيم خالداً مخلدا وماكِثِينَ منصوب على الحال في معنى خالدين.

وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا، أي يخوف بالقرآن الذين قَالُواْ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، وهم المشركون والنصارى. مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، أي ليس لهم بذلك القول بيان ولا حجة، وَلا لِآبائِهِمْ أي ولا حجة لآبائهم الذين مضوا، فأخبر أنهم أخذوا دينهم من آبائهم بالتقليد لا بالحجة والبيان، لأنهم قالوا كان آباؤُنا على هذا. كَبُرَتْ كَلِمَةً، أي عظمت الكلمة. قرأ الحسن بالضم، ومعناه: عظمت كلمة وهي قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: 116] كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، فصارت نصباً بالتفسير. إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً، أي ما يقولون إلا كذبا.

وقال: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ، أي قاتل نفسك أسفاً وحزناً عَلى آثارِهِمْ، أي على أعمالهم. إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً، أي بهذا القرآن أسفاً، والأسف: المبالغة في الحزن والغضب، وهو منصوب لأنه مصدر في موضع الحال.

18:7–10Page 294

إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧

Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.

وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨

And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.

أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩

Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1

إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠

[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."

قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها، أي ما على وجه الأرض من الرجال زينة لها، أي للأرض. ويقال: جعلنا ما على الأرض من النبات والأشجار والأنهار زينة لها، أي للأرض لِنَبْلُوَهُمْ، أي لنختبرهم أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، أي أخلص، ويقال: أيهم أخلص في الزهد في الدنيا وأترك لها. وَإِنَّا لَجاعِلُونَ مَا عَلَيْها، أي ما على الأرض في الآخرة من شيء من الزهرة. صَعِيداً جُرُزاً، أي تراباً أملس لا نبات فيه. وقال القتبي: الصعيد المستوي قال:

ويقال وجه الأرض، ومنه يقال للتراب صعيد، لأنه وجه الأرض، والجرز الذي لا نبات فيه.

يقال: أرض جرز وسنة جرز، إذا كان فيه جدوبة.

قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ، أي غار في الجبل وَالرَّقِيمِ الكتاب.

وقال قتادة: دراهمهم، وقال عكرمة، عن ابن عباس قال: «كل القرآن أعلمه إلا أربعة غسلين، وحنان، والأواه، والرقيم» ، وقال القتبي: الرَّقِيمِ لوح كتب فيه خبر أصحاب الكهف، ونصب على باب الكهف. وَالرَّقِيمِ الكتاب، وهو فعيل بمعنى مفعول ومنه: كِتَابٌ مَرْقُومٌ أي مكتوب. وقال الزجاج: هو اسم الجبل الذي فيه الكهف، وقال كعب الأحبار: الرَّقِيمِ اسم القرية.

روي عن ابن عباس: أن قريشاً اجتمعوا، وكان فيهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، وأبو جهل بن هشام، وأمية وأبي أبناء خلف، والأسود بن عبد المطلب، وسائر قريش، فبعثوا منهم خمسة رهط إلى يهود يثرب- أي يهود المدينة- فسألوهم عن محمد وعن أمره وصفته، وأنه خرج من بين أظهرنا ويزعم أنه نبي مرسل، واسمه محمد، وهو فقير يتيم.

فلما قدموا المدينة، أتوا أحبارهم وعلماءهم، فوجدوهم قد اجتمعوا في عيد لهم، فسألوهم عنه ووصفوا لهم صفته، فقالوا لهم: نجده في التوراة كما وصفتموه لنا، وهذا زمانه، ولكن سلوه عن ثلاث خصال، فإن أخبركم بخصلتين ولم يخبركم بالثالثة، فاعلموا أنه نبي فاتبعوه، فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب عن هؤلاء الخصال، فلم يدر ما هن، وقد زعمتم أنه يتعلم من مسيلمة الكذاب. سلوه عن أصحاب الكهف، أي: قصوا عليه أمرهم، وسلوه عن ذي القرنين أن كان ملكاً وكان أمره كذا وكذا، وسلوه عن الروح، فإن أخبركم عن قليل أو كثير فهو كاذب، ففرحوا بذلك. فلما رجعوا وأخبروا أبا جهل، ففرح وأتوه فقال أبو جهل: إنا سائلوك عن ثلاث خصال، فسألوه عن ذلك، فقال لهم: «ارجعوا غداً أخبركم» ولم يقل: إن شاء الله. فرجعوا ولم ينزل عليه جبريل إلى ثلاثة أيام وفي رواية الكلبي: إلى خمسة عشر يوماً [[عزاه السيوطي: 5/ 337 إلى ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] ، وفي رواية الضحاك: إلى أربعين يوماً، فجعلت قريش تقول: يزعم محمد أنه يخبرنا غداً بما سألناه، وقد مضى كذا وكذا يوماً. فشق ذلك على رسول الله ﷺ، ثم أتاه جبريل، فقال لجبريل: «لقد علمت ما سألني عنه قومي، فلم أبطأت علي؟» فقال: أنا عبد مثلك وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: 64] وقال: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الكهف: 23- 24] . وكان المشركون يقولون: إن ربه قد ودعه وأبغضه، فنزل: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى: 3] ونزل: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً. فلما قرأ عليهم، قالوا: هذان ساحران، يعني: محمداً وموسى عليهما السلام ولم يصدقوه. وقوله:

عَجَباً يقول هم عجب، وأمرهم أعجب، وغيرهم مما خلقت أعجب منهم: الشمس والقمر والجبال والسموات والأرض أعجب منهم.

ثم بيَّن أمرهم، فقال تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ، أي صاروا إِليه وجعلوه مأواهم. والفتية: جمع فتى، غلام وغلمة، وصبي وصبية. فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، أي ثبتنا على الإسلام. وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً، أي هب لنا من أمرنا مخرجا.

18:11–13Page 294

فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١

So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.

ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢

Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.

نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣

It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.

قوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ، أي أنمناهم وألقينا عليهم النوم وقال الزجاج:

فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي: منعناهم أن يسمعوا، لأن النائم إذا سمع انتبه. فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ويراد بذكر العدد التأكيد، لأن الكثير يحتاج أن يعد، وإنما صار نصباً لأنه مصدر.

قال ابن عباس في حديث أصحاب الكهف أنه قال: «إن مدينة كانت بالروم ظهر عليها ملك من الملوك يقال له دقيانوس، غلب على مدينتهم وأرضهم، وكانت المدينة تسمى أفسوس، فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان ويقتلهم على ذلك، فمن كفر بالله واتبع دينه تركه.

فهدى الله شاباً من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام، فجعل يدعوهم سراً حتى تابعه على ذلك سبعة أغلمة، ففطن لهم الملك، فأرسل إليهم وأخذهم ودفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم. فأَرسل إليهم فهربوا، فقالت آباؤهم: والله لقد خرجوا من عندنا بالأمس، فما ندري أَين هم. فمروا بغلام راعٍ ومعه كلب له، فدعوه إلى أمرهم فأعجبه ذلك، فتابعهم عليه. فمضى معهم واتبعه كلبه، حتى أَتوا غاراً، أي: كهفاً فدخلوا فيه. ثم أرسلوا بعضهم إلى السوق، ليشتري لهم طعاماً من السوق، فركب الملك والناس معه في طلبهم وهم يسألون عنهم. فسمع رسولهم بذلك، فعجَّل أن يشتري لهم كل الذي أرادوا. فاشترى بعضه، وأتاهم فأخبرهم أن الملك والناس في طلبهم، فأكلوا ما أتاهم به ولم يشبعوا. ثم ناموا على وجوههم، فضرب الله على آذانهم بالنوم سنين عدداً.

وسار الملك والناس معه، حتى انتهوا إلى باب الكهف، فوجدوا آثارهم داخلين ولم يجدوا آثارهم خارجين. فدخلوا الكهف، فأعمى الله عليهم، فطلبوهم فلم يجدوا شيئاً. فقال الملك: سدوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا فيه، فيكون قبرهم إن كانوا فيه، ثم انصرف الملك والناس معه. فعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما إلى لوح من رصاص، فكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء آبائهم ومدينتهم، وأنهم خرجوا فراراً من دقيانوس الملك الكافر. فمن ظهر عليهم، يعلم بأنهم مسلمون، وأَلْزَقَاهُ في السد من داخل الكهف» .

وقال في رواية السدي، في قصة أصحاب الكهف: «كان في المدينة فتية ليس منهم أحد يعرف صاحبه، فخرج ملكهم مخرجاً له وخرج الفتية ومنهم واحد له كلب، وليس منهم أحد إلا وهو يقول في نفسه: إن رأيت أحداً استضعفت، دعوته إلى الإيمان بالله. فلما رجع الناس، تخلف الفتية فاجتمعوا على باب المدينة، وقد أغلق الباب دونهم، فطلبوا أن يدخلوا فلم يفتح لهم. فقال بعضهم: إني أسر إليكم أمراً، فإن تابعتموني عليه رشدتم. فقص عليهم أمره، فقالوا جميعاً: نحن على هذا فذلك. قوله عز وجل: إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية، فصاروا إلى الكهف فدخلوه ورقدوا فيه، ورقد الكلب بفناء الكهف، فضرب الله على آذانهم بالنوم. فلما فقدهم أهلوهم، انطلقوا إلى الملك فأخبروه، فدعا بصخرة، فكتب فيها أسماءهم وكتب فيها أنهم هلكوا في زمن كذا، ثم ضربها في سور المدينة على الباب، وهو الرقيم.

وفي رواية وهب بن منبه قال: «جاء حواريّ من حواريي عيسى ابن مريم عليهما السلام إلى مدينة أَصحاب الكهف، فأَراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إِلاَّ سجد له. فكره أن يدخلها، وأتى حماماً كان قريباً من تلك المدينة، فكان يعمل فيه يعني: أنه أجّرَ نفسه من صاحب الحمام، فرأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ودر عليه الرزق، واجتمع إليه فتية من أهل المدينة، فكان يخبرهم بخبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه. وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، فكانوا في ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فماتا في الحمام جميعاً. فأتي الملك، فقيل له: صاحب الحمام قتل ابنك: فالتمسه، فلم يقدر عليه. فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية، فالتمسوهم فخرجوا من المدينة. فمروا بصاحب لهم في زرع له، وكان على مثل أمرهم، فذكروا له أنهم التمسوا.

فانطلق معهم ومعه الكلب، حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه وقالوا: نبيت هاهنا الليلة، ثم نصبح إن شاء الله، فترون رأيكم. فضرب على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوا آثارهم وقد دخلوا الكهف، فلما أراد رجل منهم أن يدخل الكهف، أرعب فلم يطق أحد أن يدخل عليهم، فقال له قائل: ألست لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ فسد عليهم باب الكهف ودعهم حتى يموتوا عطشاً وجوعاً، ففعل ذلك.

ثم إن راعياً احتاج أن يبني حظيرة لغنمه، فهدم ذلك السد وبنى عليه لغنمه، فصار باب الكهف مفتوحاً. وكلما غزا ملك تلك المدينة فظهر عليها، أظهر علامته. إن كان مسلماً أظهر علامة المسلمين، وإن كان كافراً أظهر علامة المشركين. ثم مات دقيانوس، وملك ملك آخر مسلم، فأظهر علامة المؤمنين بالمدينة، وكان يقال له: ستفاد الملك.

ثم إن أصحاب الملك استيقظوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فنظر واحد منهم إلى الشمس وقد دنت إلى الغروب ويقال: عند زوال الشمس، فقال: كَمْ لَبِثْتُمْ؟ قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. فقال كبيرهم: لا تختلفوا، فإنه لم يختلف قوم إلا هلكوا. ثم قال:

الآخرون: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً [الكهف: 19] ، أي أحلّ وأطهر، لأنهم كانوا يذبحون الخنازير. فدفعوا الدراهم إلى رجل يقال له تمليخا.

فخرج تملينا، فلما انتهى إلى باب الكهف، رأى حجارة مكسرة على بابه فقال: إن هذا شيء ما رأيناه بالأمس. فلما خرج أنكر الطريق، فدنا إلى باب المدينة فلم يعرفها. فلما دخل المدينة لم يعرف أحداً من الناس، فأشكل عليه فقال: لعل هذه غير تلك المدينة. فسأل إنساناً، فقال: أي مدينة هذه؟ فقال: أقسوس. فقال: لقد أصابني شر أو تغير عقلي، فهذه مدينتنا ولا أعرفها، ولا أعرف أحداً من أهلها. فأخرج الدراهم، وجاء إلى الخباز ودفعها إليه. فأخذ الخباز الدراهم فأنكرها، وقال: من أين لك هذه الدراهم؟ لقد وجدت كنزاً لتخبرني وإلا رفعتك إلى الملك.

وكان كل ملك يحدث بعد آخر، تضرب دراهم على سكته وختمه، فمن وجد معه دراهم غير تلك الدراهم، علم أنه كنز. فلما وجدوا معه تلك الدراهم، قالوا: هذا كنز. فقال: هذه الدراهم ما أخرجت من المدينة إلا أمس. فظن الخباز أنه يتجانن عليه ليرسله، فقال له: لقد علمت أنك تتجانن علي، لا أرسلك حتى تعطيني من هذا الكنز، وإلا رفعتك إلى الملك.

فاجتمع الناس عليه وذهبوا به إلى الملك، فجعل تمليخا يبكي خوفاً من الملك، وأن يرفع إلى ملكهم الجبار الذي فرّ منه. فلما أدخل على غيره سكن، فقال له الملك: من أين لك هذه الدراهم؟ فقال: خرجت بها عشية أمس أنا وأصحاب لي فراراً من دقيانوس الملك. فقال: إنك رجل شاب، وذلك الملك قد مضى عليه دهر طويل، فما أنا بالذي أرسلك، حتى تخبرني من أين لك هذه الدراهم؟ فقص عليه أمره وأمر أصحابه، فقال أُنَاسٌ من المسلمين قد أخبروا بقصتهم: أن آباءنا أخبرونا أن فتية قد خرجوا بدينهم وهم مسلمون فراراً من دقيانوس الملك، وإنا والله لا ندري ولعله صادق، فاركب وانظر لعله شيء أراد الله أن يظهرك عليه، أو يكون في ولايتك. فركب الملك وركب معه الناس، المسلم والكافر، حتى انتهوا إلى الكهف. فلما رأى أصحابه الناس قد انتهوا إليهم، عانق بعضهم بعضاً يبكون ولا يشكون، إلا أنه الملك الجبار الكافر. فقال لهم تمليخا: امكثوا حتى أدخل أولاً، فدخل عليهم، فأخبرهم بالقصة» .

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «دخل عليهم الملك والناس، فسألوهم عن أمرهم، فقصوا عليهم قصتهم، فنظروا فإذا اللوح الرصاص الذي كتبه المسلمان فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم، فقال الملك: هم قوم هلكوا في زمن دقيانوس، وأحياهم الله في زماني، فلم يبق أحد من الكفار مع الملك إلا أسلموا كلهم إذا رأوهم. فبينما هم يتحدثون، إذ ماتوا كلهم» .

وقال في رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «إن القوم لما انتهوا إلى الكهف، قال لهم الفتى: مكانكم حتى أدخل على أصحابي، لا تهجموا عليهم فيفزعوا منكم. فدخل فعمي عليهم المكان، فلم يدروا أين ذهب، ولم يقدروا على الدخول عليهم، فقالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً، فجعلوا عليهم مسجداً وصاروا يصلون فيه، فذلك قوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْناهُمْ، أي: أيقظناهم. لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ، يعني: أي الفريقين المسلم والكافر أَحْصى، أي أحفظ. لِما لَبِثُوا أَمَداً، يعني: لما مكثوا أجلاً. وكان المسلمان كتبا في اللوح، فظهر لهم مقدار ما لبثوا فيه، ولم يعلم الكفار مقدار ذلك ويقال:

أَيُّ الْحِزْبَيْنِ، يعني: الذين كانوا مؤمنين قبل ذلك، والذين أسلموا في ذلك الوقت، ويقال:

أي الفريقين أصدق قولاً، لأنهم قد اختلفوا في البعث: منهم من كان ينكر ذلك، فظهر لهم أن البعث حق.

قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ، أي ننزل عليك في القرآن خبر الفتية بِالْحَقِّ، أي بالصدق. إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، أي صدقوا بتوحيد ربهم. وَزِدْناهُمْ هُدىً، أي يقيناً وبصيرة في أمر دينهم.

18:14–16Page 294

وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤

And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.

هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥

These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"

وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦

[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."

وقال عز وجل: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ، أي حفظنا قلوبهم على الإيمان: وقيل:

ألهمناهم الصبر حتى ثبتوا على دينهم. إِذْ قامُوا من نومهم: ويقال: قاموا بإثبات الحجة، ويقال: خرجوا من عند الملك. فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، أي لم نقل من دون الله ربا وإن فعلنا لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً، أي كذباً وجوراً. ويقال:

شَطَطاً، أي علواً، يقال: قد أشط إذا علا في القول، أي جاوز الحد. هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا، أي عبدوا. مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ، يعني: هلا يأتون بحجة بينة على عبادة آلهتهم. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى، أي اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً أن له شريكاً.

ثم قال: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ، يقول بعضهم لبعض: لو تركتموهم وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يعني: لو تركتم ما يعبدون فلا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله. ويقال: لو اعتزلتم عبادتهم إلا الله، يعني:

قولهم: الله خالقنا، ويقال: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ هذا قولهم، ثم قال حكاية عن قولهم، فقالَ:

وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يعني: أَصحاب الكهف. فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ، أي فارجعوا إلى الكهف، ويقال: فادخلوا الكهف. يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، أي يهب لكم ربكم من نعمته، ويقال: يبسط لكم من رزقه. وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً، أي يجعل لكم من أَمركم الذي وقعتم فيه ما يرفق بكم ويصلحكم ويقال: مخرجا ونجاة ورزقا.

18:17–18Page 295

۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧

And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.

وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨

And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.

قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ، أي تميل وتنحرف عن كهفهم. ذاتَ الْيَمِينِ، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ، أي تجاوزهم. ويقال: تتركهم وتمر بهم، وأصل القرض: القطع، ومنه سمي المقراض. ذاتَ الشِّمالِ، أي شمال الكهف. وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ، أي في ناحية من الغار، ويقال: في متسع منه. فأخبر أنه بوأهم كهفاً مستقبلاً بنات نعش، والشمس تميل عنه وتستدير طالعة وغاربة، ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها، ولا يحلفهم سمومها فيغير ألوانهم وتبلى أبدانهم، وكانوا في متسع منه ينالهم نسيم الريح، وينفي عنهم غمة الغار، والغمة: الهواء العفن، ويجوز الرفع النصب فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ الغار وكربه.

قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ، أي: ذلك الخبر والذكر، ويقال: ذلك الذي فعل بهم واختار لهم المكان الموافق من عجائب الله ولطفه وكرمه. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، أي من يوفقه الله للهدى فهو المهتدي. وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً، أي موفقاً يرشده إلى التوحيد. قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً بنصب الميم وكسر الفاء، والباقون بكسر الميم ونصب الفاء ومعناهما واحد، وهو ما يرتفق به. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: تَتَزاوَرُ بتشديد الزاي مع الألف، لأن أصله: تتزاور أي: تميل، فأدغم وشدد الزاي. وقرأ ابن عامر تَزْورُّ بجزم الزاي وتشديد الراء، ومعنى ذلك كله واحد وهو الميل.

قال الله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ، لأن عيونهم كانت مفتحة، ويقال: من كثرة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وذلك أن جبريل عليه السلام كان يقلبهم في كل سنة مرة لكيلا تأكل الأرض لحومهم، وهو قول ابن عباس.

وقال مجاهد: مكثوا ثلاثمائة عام على شق واحد، وقلبوا في التسع سنين. وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ، أي مَاداً ذراعيه بفناء الباب. لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً، أي لو هجمت عليهم اليوم، لأدبرت فراراً من هيئتهم.

وروى سعيد بن جابر، عن ابن عباس أنه قال: «غزا معاوية غزوة نحو الروم، فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشفنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع الله ذلك عمن هو خير منك، يعني: قال للنبي ﷺ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً فقال معاوية: «لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث أناسا، فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف، فلما ذهبوا ودخلوا، بعث الله تعالى ريحاً فأخرجتهم» .

18:19–21Page 295

وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩

And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.

إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠

Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."

وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١

And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2

وقال: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ، أيقظناهم من نومهم. لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ، ليتحدثوا. قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، أي: كم مكثتم في نومكم؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً. فلما رأوا الشمس قد زالت قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: «كانت دراهم أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل» . قرأ ابن كثير ونافع وَلَمُلِئْتَ بتشديد اللام، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان. وقرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بِوَرِقِكُمْ بجزم الراء، وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان.

فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً، أي أطيب خبزاً أو أحل ذبيحة، وهذا قول ابن عباس، ويقال: أي أهلها أزكى طعاماً. وقال عكرمة: أي أكثر وأرخص طعاما. فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ، أي بطعام مِنْهُ. وَيُقَالُ: أَزْكى طَعاماً أي: لم يكن غصبا. وَلْيَتَلَطَّفْ، أي: وليرفق في السؤال. وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً، أي لا يُعلمن بمكانكم أحداً من الناس. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، يعني: إن يطلعوا عليكم يَرْجُمُوكُمْ، يقتلوكم. أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً، أي لن تفوزوا، ولن تسعدوا إذاً أبداً إن عبدتم غير الله تعالى.

وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ، يقول: أطلعنا الملك عليهم. قال القتبي: وأصله في اللغة أن من عثر بشيء، نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير العثار مكان التبين والظهور لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، يعني: البعث بعد الموت. وذلك أن القوم كانوا مختلفين، منهم من كان مقراً بالبعث، ومنهم من كان جاحداً، فلما ظهر حالهم، عرفوا أن البعث حق وأنه كائن. وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ، يعني: إذ يختلفون فيما بينهم، وقال بعضهم: اختلفوا في عددهم وقال بعضهم: اختلفوا، فقال المؤمنون: فيما بينهم نبني مسجداً وقالت النصارى: نبني كنيسة، فغلب عليهم المسلمون وبنوا المسجد. فذلك قوله: فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً، أي مسجداً. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، أي عالم بِهِمْ. قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ، الذين كانوا على دين أصحاب الكهف وهم المؤمنون. لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً قال الزجاج: فيه دليل أنه ظهر أمرهم، وغلب الذين أقروا بالبعث على غيرهم، لأنهم اتخذوا مسجداً، والمسجد للمسلمين.

18:22–24Page 296

سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢

They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣

And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"

إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤

Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."

ثم قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ قال بعضهم: اختلفوا في أمرهم ويقال:

هذا الاختلاف في زمن النبيّ ﷺ. فاختلفوا وذلك أن أهل نجران: السيد والعاقب ومن معهما، قدموا على رسول الله ﷺ، فكان السيد صارماً يعقوبياً، والعاقب نسطورياً، وصنف منهم ملكانيا فسألهم النبيّ ﷺ عن عدة أصحاب الكهف، فقال السيد وأصحابه: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ، أي العاقب وأصحابه: خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، أي ظنا بالغيب.

وَيَقُولُونَ، أي صنف منهم: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.

قال الله تعالى للنبي ﷺ: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وهذا إخبار من الله تعالى أن عدتهم سبعة. قال ابن عباس وفي رواية أُخرى أنه قال: «أظن القوم كانوا ثلاثة.

قال واحد منهم: كم لبثتم؟ فقال الثاني: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يوم. فقال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم» . وروي عن ابن عباس أنه قال: «إنهم سبعة وذكر أسماءهم فقال: مكسلمينا وهو أكبرهم، وتمليخاً، ومطرونس، وسارينوس، ونوانس، وكفاشطهواس، وبطنبورسوس» . وذكر في رواية وهب أسماؤهم بخلاف هذا إلا تمليخا، فقد اتفقوا على اسمه. وقال ابن عباس: «كان اسم الكلب قطمير» وقال سعيد بن جبير: كان اسمه فرفدين ويقال: كان لونه خليج، ويقال: كان لونه غلبة بالفارسية ومعناه بالعربية أبلق، وقال بعض المحدثين: إن كلب أهل الكهف يكون معهم في الجنة، وقال بعضهم: يصير تراباً مثل سائر الحيوانات. وإنما الجنة للمؤمنين خاصة.

ثم قال عز وجل: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً قال قتادة: فَلا تُمارِ يقول:

حسبك ما أعلمناك من خبرهم. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً، أي لا تَسألْ عن أصحاب الكهف من النصارى أحداً. وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أردت أن أفعله إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، يعني: إلا أن تستثني فتقول: إن شاء الله. وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، يعني: إذا نسيت الاستثناء، فاذكرها بعد ما ذكرت واستثن، وهذا في غير اليمين. وأما في اليمين، فاتفق الفقهاء من أهل الفتوى أن الاستثناء لا يكون موصولاً إلا رواية عن ابن عباس، روى عنه مجاهد قال:

«يستثني الرجل في يمينه متى ذكر» . ثم قرأ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وهذه الرواية غير مأخوذة.

وروى أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كَانَ لِسُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ مِائةُ امْرأَة، فَقَالَ:

لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعاً وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَأْتِي بِغُلاَمٍ يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ الله، وَنَسِيَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشَيْءٍ، إِلاَّ امْرأَةٌ وَاحِدَةٌ أَتَتْ بِشِقِّ غُلامٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَوُلِدَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ دَركاً له فِيْ حَاجَتِهِ» .

ثم قال تعالى: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي، أي: يرشدني لِأَقْرَبَ، أي: لأسرع مِنْ هذا الميعاد الذي وعدت لكم، رَشَداً أي صواباً، وهذا قول مقاتل. وقال الزجاج:

معناه عسى ربي أن يعطيني من الآيات والدلائل على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل على قصة أصحاب الكهف. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَنْ يَهْدِيَنِي بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بحذف الياء.

18:25–26Page 296

وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥

And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1

قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦

Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."

قال تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً قالت النصارى: أمّا ثلاثمائة فقد عرفنا، وأمّا تسعا فلا علم لنا فيه، فنزل وَازْدَادُوا تِسْعاً قرأ حمزة والكسائي ثَلاثَ مِائَةٍ بكسر الهاء بغير تنوين على معنى الإضافة، وقرأ الباقون بالتنوين. لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ

، أي عالم بما لبثوا في رقودهم. وقال الكلبي: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ، أي هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم. مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ أي أصحاب الكهف.

وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً قرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء، ومعناه: أنه قد جرى ذكر علمه وقدرته، وأعلم أنه لا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا. كما قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً [الجن: 26] ، ومن قرأ بالتاء يقول: لا تنسبن أحداً إلى عالم الغيب، ومعناه: أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بين رجلين بغير حكم الله تعالى، فيما حكم أو دل عليه حكم الله، فليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском