As-SamarqandiMaryam · 19:40–76

As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:40–76

19:40–47Page 308

إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠

Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١

And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢

[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?

يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣

O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.

يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤

O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.

يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥

O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦

[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧

[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.

ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، يعني: نميت أهل الأرض كلهم ومن عليها، وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ في الآخرة.

قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، يعني: خبر إبراهيم. إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً. وقال الزجاج: الصديق اسم للمبالغة في الصدق، يقال: كل من صدق بتوحيد الله عز وجل وأنبيائه عليهم السلام وفرائضه وعمل بما صدق فيه فهو صديق، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ

، وهو آزر بن تارخ بن تاخور وكان يعبد الأصنام: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ

دعاءك وَلا يُبْصِرُ

عبادتك وَلا يُغْنِي عَنْكَ

من عذاب الله عز وجل شَيْئاً

قرأ ابن عامر: يَا أَبَتِ بالنصب، والباقون بالكسر، وكذلك ما بعده. والعرب تقول في النداء: يا أبت ولا تقول يا أبتي.

ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ من الله عز وجل من البيان، مَا لَمْ يَأْتِكَ أنه من عبد غير الله عز وجل، عذبه الله في الآخرة بالنار. فَاتَّبِعْنِي، يعني: أطعني فيما أدعوك، ويقال: اتبع دين الله أَهْدِكَ، يعني: أرشدك صِراطاً سَوِيًّا، يعني: طريقاً عدلاً قائماً ترضاه.

ثم قال: يا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، يعني: لا تطع الشيطان، فمن أطاع شيئاً فقد عبده.

إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا، يعني: عاصياً.

ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ، يعني: أعلم أن يمسك عَذابٌ يعني: إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب. مِنَ الرَّحْمنِ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا يعني: قريناً في النار. قالَ له أبوه: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، يعني: أتارك أنت عبادة آلهتي؟ يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ، يقول: إن لم تنته عن مقالتك ولم ترجع عنها، لأسبنك وأشتمنك.

وكل شيء في القرآن من الرجم فهو القتل غير هاهنا، فإن هاهنا أراد به السبُّ والشتم.

وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، يعني: تباعد عني حيناً طويلاً ولا تكلمني وقال السدي: مَلِيًّا تعني أبداً، وقال قتادة: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا يعني: تباعد عني سالماً، ويقال: لا تُكلِّمني دهراً طويلاً.

قالَ إبراهيم: سَلامٌ عَلَيْكَ، يعني: أكرمك الله بالهدى، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، يعني: سأدعو لك ربي. إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا، يعني: باراً عوّدني الإجابة إذا دعوته، ويقال:

تحفَّيتُ بالرجل إذا بالغتُ في إكرامه، وهذا قول القتبي، ويقال: حَفِيًّا يعني: عالماً يستجيب لي إذا دعوته، وكان يستغفر له ما دام أبوه حياً، وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل، فلما مات كافراً، ترك الاستغفار له.

19:48–50Page 308

وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨

And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."

فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩

So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.

وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠

And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.

قوله عز وجل: وَأَعْتَزِلُكُمْ، يعني: وأترككم وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: وأترك عبادة ما تعبدون من دون الله عز وجل، وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا يعني: لا يخيبني إذا دعوته، ثم هاجر إلى بيت المقدس. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، يعني: أكرمناه بالولد وهو إسحاق وولد الولد وهو يعقوب عليهما السلام. وقال بعض الحكماء: من هاجر لطلب رضاء الله عز وجل، أكرمه الله عَزَّ وَجَلَّ في الدنيا والآخرة، كما أن إبراهيم عليه السلام هاجر من قومه في طلب رضى الله تعالى عنه، فأكرمه الله تعالى بإسحاق ويعقوب عليهما السلام والثناء العمل الصالح.

ثم قال تعالى: وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا، يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أكرمناهم بالنبوة، وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا يعني: من نعمتنا المال والولد في الدنيا، كما قال النبيّ ﷺ: «نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِح» . وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا، يعني:

أكرمناهم بالثناء الحسن، وكل أهل دين يتولّون دين إبراهيم عليه السلام بزعمهم.

19:51–53Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١

And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1

وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢

And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].

وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣

And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.

قوله عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً، يعني: أخلصه الله عَزَّ وَجَلَّ، ويقال: مُخْلَصاً يعني: جعله الله مختاراً خالصاً. قرأ حمزة والكسائي وعاصم بنصب اللام يعني: أخلصه الله عَزَّ وَجَلَّ ويقال: معصوما من الكفر والمعاصي. وقرأ الباقون مُخْلَصاً بالكسر يعني: مخلصاً في العمل. وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا إلى بني إسرائيل، وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ، يعني: من يمين موسى عليه السلام ولم يكن للجبل يمين ولا شمال وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا، أي كلمناه بلا وحي. وقال الكلبي: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا يعني: وقربناه حتى سمع صرير القلم في اللوح، وقال السدي: أدخل في السماء الدنيا وكلم، وقال الزجاج: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا مناجيا حتى سمع.

ثم قال عز وجل: وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أي: من نعمتنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا، فكان هارون عليه السلام معه وزيرا نبيا معينا.

19:54–55Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤

And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.

وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥

And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].

قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ، يعني: اذكر في القرآن خبر إسماعيل. إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ، إذا وعد أنجز. قال مقاتل: إن إسماعيل وعد رجلاً أنْ ينتظره، فقام مكانه ثلاثة أيام للميعاد، حتى رجع الرجل إليه. وقال في رواية الكلبي: كان ميعادُه الذي وعد فيه صاحبه انتظره حتى حال الحول، وقال مجاهد: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ يعني: لم يعد شيئاً إلا وفى به. وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا، يعني: كانَ رَسُولًا إلى قومه، نَبِيًّا يُخبر عن الله عز وجل. وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ، يعني: أهل دينه وقومه بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، يعني: بإتمام الصلاة وإيتاء الزكاة. وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا، يعني: صالحاً ذكياً.

19:56–58Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦

And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧

And We raised him to a high station.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨

Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.

قوله عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ، يعني: خبر إدريس عليه السلام. إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً يُخبر عن الله عز وجل، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال: «إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل والسنن، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من لبس ثوب القطن، وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن، واسمه أخنوخ، ويقال:

إلياس» . وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا، يعني: الجنة. وقال مجاهد: يعني: في السماء الرابعة.

قال: أخبرني الثقة بإسناده، عن ابن عباس، أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب: «إن إدريس كان رجلاً خياطاً، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين. فأتاه ملك من الملائكة عليهم السلام يقال له إسرافيل، فبشره بالجنة وقال له: هل لك من حاجة؟ قال: وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيراً.

فقال له: ما أعلمه، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء. قال: فحمله إلى السماء، فلقي ملك الموت، فسأله عن أجله، ففتح كتاباً معه فقال: لم يبق من أجلك إلا سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ ساعات، وقال: أُمرتُ أن أقبض نفسك هاهنا، فقبض نفسه في السماء، فذلك قوله: رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.

وروى الكلبي، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن إدريس جد أبي نوح» وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً، فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم، فأحبه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في خلته، فأذن له. قال: فهبط إليه في صورة غير صورته، على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال: يا إدريس، إني أحب أن أصحبك وأكون معك. فقال له إدريس: إنك لا تطيق ذلك. قال: أنا أرجو أن يقويني الله عز وجل على ذلك، فكان معه يصحبه. وكان إدريس عليه السلام يسيح النهار كله وهو صائم، فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمسي، فيفطر عليه، ثم يحيي الليل كله. فساحا النهار كله صائمين، حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر، فقال: لا الله الذي جعلك بشراً ما أشتهيه، فطعم إدريس ثم استقبلا الليل بالصلاة. وإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس عليه السلام يتعجب منه، ثم أصبحا صائمين، فساحا حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال: لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فطعم إدريس.

ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه، ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين، فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب، فقال: يا إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا. فقال إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن. قال: فمضيا حتى مرا على غنم فقال: يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها، فقال له إدريس: إنك معي منذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئا، فلو كنت آدمياً لطعمت، وإني لأدعوك إلى الحلال كل ليلة فتأبى علي، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه؟

فبصحبة ما بيني وبينك إلا أنبأتني من أنت؟ قال: إنك ستعلم. قال: أخبرني من أنت؟ قال: أنا ملك الموت. ففزع إدريس عليه السلام حين قال أنا ملك الموت.

قال: فإني أسألك حاجة. قال: ما هي؟ قال: أن تذيقني الموت- فإنه قد بلغني عنه شدة ولعلي أعلم ما شدته، فأكون له أشد استعدادا [[ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .]] -. قال ملك الموت عليه السلام: مالي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه قال: فأوحى الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله. قال: فقبض نفسه ساعة ثم أرسله، فقال: كيف رأيت؟ قال: لقد بلغني عنه شدة، فلقد كان أشد مما بلغني عنه.

قال: فإني أسألك حاجة أُخرى. قال: ما هي؟ قال: أحب أن تُريني النار. قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب لك، فإن قدرت عليه فعلت. فسأل ربه، فأمره فبسط جناحه فحمله عليه، حتى صعد به إلى السماء، فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقه فقيل: من هذا؟

فقال: ملك الموت. فقال: مرحباً بأمين الله عز وجل، فهل أمرت فينا بشيء؟ فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس عليه السلام سألني أن أريه النار، فأحب أن تروها إياه. ففتح باب منها بشيء، فجاءت بأمر عظيم، فخرّ إدريس مغشياً عليه. فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك.

قال: فإني أسألك حاجة أخرى لا أسألك غيرها. قال: ما هي؟ قال: أحب أن تريني الجنة. قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب فإن قدرت عليه فعلت. فانطلق به إلى خزنة الجنة، فدق باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟ فقال: أنا ملك الموت. فقالوا: مرحباً بأمين الله عز وجل، هل أمرت فينا بشيء؟ فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه. قال: ففتح له الباب، فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج. فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال: والله لا أخرج حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني. فقال ملك الموت: إنه ليس حينها ولا زمانها، ولكن طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا. فأبى عليه، فقيض الله له ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت: اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك قال: نعم. قال الملك: ما هو يا ملك الموت؟ فأخبره بالقصة، ثم نظر الملك إلى إدريس قال: ما تقول يا إدريس؟ قال:

أقول إن الله يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] فقد ذقته ويقول الله عز وجل:

وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: 71] وقد وردتها وقال لأهل الجنة: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48] . فو الله لا أخرج منها حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني. قال: فسمع هاتفاً يقول: بإذني دخل وبإذني فعل فخل سبيله، فذلك قوله عز وجل: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» يعني: الجنة. ويقال: وَرَفَعْناهُ في القدر والمنزلة، ويقال: وَرَفَعْناهُ في النبوة والعلم.

ثم قال عز وجل: أُولئِكَ، يعني: إبراهيم، وموسى، وإسماعيل، وإدريس، وسائر الأنبياء عليهم السلام الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ من سائر الأنبياء وهم ولد نوح عليه السلام إلا إدريس عليه السلام، يعني: حملناهم على السفينة وهم في صلب نوح وأولاده، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وهو يعقوب وَمِمَّنْ هَدَيْنا يعني: أكرمنا بالنبوة، ويقال: أكرمنا بالإسلام، وَاجْتَبَيْنا يعني: واصطفينا بعد هؤلاء. إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ، يعني: القرآن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا يعني: يسجدون ويبكون من خوف الله عز وجل. بكيّ: جمع باكي. وقوله: سُجَّداً وَبُكِيًّا منصوب على الحال، وقال بعضهم: بُكِيًّا مصدر بكى يبكي بكياً، وقال الزجاج: من قال مصدر فهو خطأ، لأن سُجَّداً جمع ساجد وَبُكِيًّا عطف عليه فهو جمع باك.

19:59–62Page 309

۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩

But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠

Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.

جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١

[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢

They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.

قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، يعني: بقي بعد الأنبياء الذين ذكرناهم من أول السورة إلى هنا بقيات سوء، وهم اليهود والنصارى. يقال: في الرداءة خَلْفٌ بإسكان اللام، وفي الصلاح خَلَفَ بفتح اللام.

ثم وصفهم فقال: أَضاعُوا الصَّلاةَ، يعني: عن وقتها، ويقال: تركوها، ويقال: تركوا الصلاة فلم يؤدُّوها وجحدوا بها فكفروا، وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ يعني: شرب الخمر، ويقال:

استحلوا الزنى، ويقال: استحلوا نكاح الأخت من الأب. فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، يعني: شراً، ويقال: وادي في جهنم يسمى غَيّاً، ويقال: مجازاة الغيّ كما قال الله عزّ وجلّ يَلْقَ أَثاماً [الفرقان: 68] أي مجازاة الآثام.

ثم استثنى فقال تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ، يعني: رجع عن الكفر وَآمَنَ، يعني: صدق بتوحيد الله عز وجل، وَعَمِلَ صالِحاً بعد التوبة. فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً، يعني: لا ينقصون شيئاً من ثواب أعمالهم.

ثم قال عز وجل: جَنَّاتِ عَدْنٍ صار خفضاً، لأن معناه يدخلون في جَنَّاتِ عَدْنٍ.

الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ، يعني: ما غاب عن العباد والله عز وجل لا يغيب عنه شيء. إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، يعني: جائياً كائناً. وقال القتبي: مَأْتِيًّا يعني: المفعول بمعنى الفاعل، يعني: جائياً. وقال الزجاج: مَأْتِيًّا مفعول من الإتيان، لأن كل من وصل إليك فقد وصلت إليه، وكل من أتاك فقد أتيته.

ثم قال عز وجل: لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها، يعني: في الجنة لَغْواً، يعني: حَلفاً وباطلاً.

إِلَّا سَلاماً، يعني: ويسمعون السلام، يسلم بعضهم على بعض. وقال الزجاج: اللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، والسلام اسم جامع للخير، لأنه يتضمن السلامة، يعني: لا يسمعون إلا سلامهم.

ثمّ قال: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يعني: طعامهم على مقدار البكرة والعشي، وليس هناك بُكرة ولا عشيّ. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبهم ذلك، فأخبرهم الله تعالى أن لهم في الجنة هذه الحالة.

وقال القتبي: الناس يختلفون في طاعمهم، فمنهم من يأكل الوجبة، أي مرة واحدة في كل يوم، ومنهم من يأكل متى وجد بغير وقت ولا عدد، ومنهم من يأكل الغداء والعشاء، فأعدل هذه الأحوال كلها وأنفعها الغداء والعشاء. والعرب تقول: من ترك العشاء يهرمه، ويذهب بلحم الكارة، يعني: باطن الفخذ، فجعل طعام أهل الجنة على قدر ذلك.

19:63–64Page 309

تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣

That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤

[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -

ثم قال عز وجل: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا أي ننزّل مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كانَ تَقِيًّا يعني: مطيعاً لله عز وجل.

قوله عز وجل: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ وذلك حين أبطأ عليه الوحي، وعند سؤال أهل مكة عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وأمر الروح، عاتب المصطفى جبريل عليه السلام، فقال الله تعالى: قُلْ يا جبريل لمحمد، ومعناه قل: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا من أمر الآخرة وَما خَلْفَنا من أمر الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي ما بين النفختين وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا يعني: لم يكن ينساك ربك حيث لم يوح إليك، ويقال: مَا بَيْنَ أَيْدِينا يعني: أمر الآخرة والثواب والعقاب وَما خَلْفَنا جميع ما مضى من أمر الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ ما يكون في هذا الوقت منا. وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي قد علم الله عز وجل ما كان وما يكون وما هو كائن حافظ لذلك، ويقال: ما نسيك ربك وإن تأخر عنك الوحي. وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قال لجبريل عليه السلام: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَر مِمّا تَزُورُنَا» [[عزاه السيوطي 5/ 529- 530 إلى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير والحاكم والبيهقي.]] فنزلت هذه الآية.

19:65–70Page 310

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"

وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦

And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"

أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧

Does man not remember that We created him before, while he was nothing?

فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨

So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩

Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.

ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠

Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.

ثم قال: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: خالق السموات والارض وَما بَيْنَهُما من الخلق، ويقال: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مالكهما وعالم بهما وما فيهما. فَاعْبُدْهُ أي:

أطعه وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ يعني: احبس نفسك على عبادته هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا يعني: هل تعلم أحداً يسمى الله سوى الله؟ وهل تعلم أحداً يسمى الرحمن سواه؟ ويقال: هل تعلم أحداً يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون؟

قوله عز وجل: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ يعني: أبي بن خلف أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا للبعث على معنى الاستفهام، قال الله عزّ وجلّ: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ يعني: أو لا يتعظ ويعتبر أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً قرأ: نافع وعاصم وابن عامر أَوَلا يَذْكُرُ بجزم الذال مع التخفيف يعني: أو لا يعلم، والباقون أَوَلا يَذْكُرُ، بنصب الذال والتشديد.

ثم قال عز وجل: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أقسم الرب بنفسه ليبعثنهم وليجمعنهم، يعني:

الذين أنكروا البعث. وَالشَّياطِينَ يعني الشياطين قرناءهم ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ يعني: لنجمعنهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا يعني: جميعاً. قال أهل اللغة: الجثيُّ جمع جَاثِي، مثل بارِك وبرك، وساجد وسجد، وقاعد وقعد، أي على ركبهم ولا يقدرون على القيام. قال الزجاج: الأصل ضمّ الجيم، وجاز كسرها إتباعاً لكسر التاء، وهو نصب على الحال. ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ يعني: لنخرجن مِن كُلّ شِيعَةٍ يعني: من أهل كل دين أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا يعني: جرأة على الله عز وجل، وهم القادة في الكفر وساداتهم، نبدأ بهم فنعذبهم فِي النَّارِ.

وروي عن سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص في قوله أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً.

قوله عز وجل: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا أي: أحق بالنار دخولاً.

19:71–72Page 310

وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١

And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.

ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢

Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال بعضهم: يعني: داخلها، المؤمن والكافر يدخلون على الصراط، وهو ممدود على متن جهنم، ويقال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم.

وروى سفيان عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، أن نافع بن الأزرق خاصم ابن عباس وقال: لا يردها مؤمن، فقال ابن عباس: «أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر بماذا نخرج منها إن خرجنا» [[عزاه السيوطي: 5/ 535 إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.]] .

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «يرد الناس جميعاً الصراط وورودهم قيامهم حول النار، ثم يمرون على الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى أن آخرهم مثل رجل نوره على موضع إهاب قدميه، ثم يتكفأ به الصراط، والصراط دحض [[دحض: دحضت رجله أي زلقت، والإدحاض الإزلاق.]] مزلق [[زلق: بالتحريك، دحض. وهو في الأصل مصدر زلقت وأزلقتها، والمزلق والمزلقة.]] مزلقة كحدّ السيف، عليه حسك [[حسك: ما يعمل من الحديد على مثاله وهو من آلات العسكر كما في الصحاح.]] كحسك العتاد، وحافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس، فبين مارٍ ناج، وبين مخدوش مكدوش [[مخدوش هو الكدوح وخدش وجهه من باب ضرب. وكدش: كدح وبابه ضرب.]] في النار، والملائكة عليهم السلام يقولون: ربِّ سلِّم سلِّم» .

وروى سفيان عن ثور بن خالد بن معدان قال: «إذا دَخَلَ أَهْلُ الجنة الجنة قالوا: أَلَمْ يَعِدْنا رَبُّنَا أنّا نرد النّار؟ قيل: إنكم قد مررتم بها وهي خامدة، فذلك قوله عز وجل وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يعني: الخلائق على الصراط، والصراط في جهنم كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا يعني قضاء واجباً.

قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مندوست رحمه الله قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا عدي بن عاصم قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا جرير عن أبي السليل عن غنيم بن قيس عن أبي العوام قال: قال كعب: «هل تدرون ما قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها؟ قالوا: ما كنا نرى ورودها إلا دخولها. قال: لا، ولكن ورودها أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة، حتى إذا استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، نادى مناد: خذي أصحابك وذري أصحابي، فتخسف بكلّ ولي لها، وهي أعلم بهم من الوالد بولده، وينجو المؤمنون نديَّة ثيابهم» .

قال الفقيه: وحدثني الثقة بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية كبا لها الناس كبوةً شديدة، وحزنوا حتى بلغ الحزن منهم كل مبلغ، وقالوا:

وليس أحد إلا وهو يدخلها فأنشؤوا يبكون. قال: ونزل بابن مظعون ضيف فقال لامرأته: هيئي لنا طعاماً فاستوصي بضيفك خيراً حتى آتي رسول الله ﷺ، فانتهى إليهم وهم يبكون فقال: ما يُبْكِيكُمْ؟ قالوا: نزلت هذه الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا يقول: كائناً لا يبقى أحد إلا دخلها، فأنشأ عثمان بن مظعون يبكي، ثم انصرف إلى منزله باكياً، فلما أتى منزله سمعت امرأته بكاءه، فأنشأت تبكي، فلما سمع الضيف بكاءهما أنشأ يبكي، فلما دخل عليهما عثمان قال لها: ما يبكيك؟ قالت: سمعت بكاءك فبكيت، فقال للضيف: وأنت ما يبكيك؟ قال: عرفت أن الذي أبكاكما سيبكيني، قال عثمان: فابكوا وحق لكم أن تبكوا، أنزل الله عز وجل اليوم على رسوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فمكثوا بعد هذه الآية سنتين، ثم أنزل الله هذه الآية، وهو قوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وروي في بعض الأخبار أنه نزل بعد ثلاثة أيام ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا أي الذين اتقوا الشرك والمعاصي وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين فِيها جِثِيًّا يعني: جميعا، ففرح المسلمون بها. قرأ الكسائي. ننجي بالتخفيف، قرأ والباقون بالنصب والتشديد، أنجى ينجي وَنَجَّى ينجي بمعنى واحد.

19:73–76Page 310

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤

And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?

قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥

Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."

وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦

And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.

قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: تعرض عليهم آياتُنا بَيِّناتٍ يعني: واضحات، قد بين فيها الحلال والحرام قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: النضر بن الحارث قال لأصحاب النبيّ ﷺ ويقال: أهل مكة قالوا لأصحاب النبيّ ﷺ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يعني أيّ دينين خَيْرٌ مَقاماً، يعني: منزلاً. قرأ ابن كثير مَقاماً بضم الميم، وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم فهو الإقامة، يقال: أقمت إقامة ومقاماً، ومن قرأ بالنصب فهو المكان الذي يقام فيه وَأَحْسَنُ نَدِيًّا يعني: مجلساً، وذلك أنهم لبسوا الثياب، وادّهنوا الرؤوس، ثم قالوا للمؤمنين: أيُّ الفريقين خير منزلةً: المسلمون أو المشركون؟ وأرادوا أن يصرفوهم عن دينهم.

قوله عز وجل: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً يعني: أكثر أموالا وَرِءْياً يعني: منظراً حسناً، فلم يُغن عنهم ذلك من عذاب الله شيئا. قرأ نافع وابن عامر وريّاً بتشديد الياء بغير همز، يعني: النعمة، وقرأ الباقون ورئياً بالهمز بغير تشديد، يعني:

المنظر. قال أبو عبيد: وهكذا تقرأ مهموزة لأنه من رؤية العين، وإنما هي المنظر.

ثم قال عز وجل: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ يعني: قل يا محمد، من كان في الكفر والشرك فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا يعني: يزيد له مالاً وولداً. قوله: فَلْيَمْدُدْ هذا لفظ الأمر، ومعناه الخبر، وتأويله: أن الله عز وجل جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها، ويمده فيها، كما قال وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: 15] .

ثم قال تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ يعني: في الآخرة من العذاب والثواب إِمَّا الْعَذابَ في الدنيا وَإِمَّا السَّاعَةَ يعني: قيام الساعة فَسَيَعْلَمُونَ يعني: فسيعرفون يوم القيامة مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً في الدنيا، ومنزلاً في الآخرة وَأَضْعَفُ جُنْداً يعني:

أقل عدداً وقوة ومنعة، أهم أم المؤمنون.

قوله عز وجل: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً يعني: يزيد الله عز وجل الذين آمنوا بالمنسوخ هدى بالناسخ، ليعملوا بالناسخ دون المنسوخ، ويقال: جعل جزاءهم أن يزيدهم في يقينهم، ويزيدهم بصيرة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وقد ذكرناه وَخَيْرٌ مَرَدًّا يعني: وأفضل مرجعاً في الآخرة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском