As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:47–83
21:47–50Page 326
وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧
And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous
ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩
Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.
وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠
And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1
قوله عز وجل: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ، يعني: ميزان العدل لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، يعني:
في يوم القيامة. قال ابن عباس: «هو ميزان له لسانان وكفّتان توزن فيه أعمال الحسنات والسيئات، فيجاء بالحسنات في أحسن صورة، ويجاء بالسيئات في أقبح صورة. فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، يعني: لا ينقص من ثواب أعمالهم شيئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ، يعني: وزن حبة مِنْ خَرْدَلٍ. قرأ نافع مِثْقالَ حَبَّةٍ بضم اللام، وقرأ الباقون بالنصب. فمن قرأ بالرفع فمعناه: وإن حصل للعبد مثقال حبة من خردل، ومن قرأ بالنصب معناه: وإن كان العمل مِثْقَالَ حَبَّة يصير خبر كان أَتَيْنا بِها، يعني: جئنا بها وأحضرناها، وقرأ بعضهم أَتَيْنا بالمد، يعني: جازينا بها وأعطينا بها وأثبتنا، وقراءة العامة بغير مد. ثم قال: وَكَفى بِنا حاسِبِينَ، أي: مجازين.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ يقول: النصرة والنجاة، فنصر موسى وهارون عليهما السلام، وأهلك عدوهما فرعون. وَضِياءً، يعني: الذي أنزل عليهما من الحلال والحرام في الكتاب. قرأ ابن كثير وَضِياءً بهمزتين، وقرأ الباقون بهمزة واحدة. وَذِكْراً، يعني: عظة لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون الكفر والفواحش والكبائر، وقال مجاهد: الفرقان الكتاب، وقال السدي: الفرقان والنصر والضياء النور وذكراً قال: التوراة، وقال مقاتل: الفرقان والتوراة. وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضِيَاء وَذِكْراً، يعني: أعطيناهما التوراة نورا وعظة وروي عن عكرمة قال: كان ابن عباس أنه كان يقرأ: الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول اقرءوا بالواو، يعني: والذين استجابوا. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً بغير واو وقال: اجعلوا هذه الواو عند قوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.
ثم قال عز وجل: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ، يعني: يعملون لربهم في غيب عنه، والله تعالى لا يغيب عنه شيء. وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ، يعني: من عذاب الساعة خائفون.
قوله عز وجل: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ، يعني: هذا القرآن ذِكْرٌ مُبارَكٌ يعني: فيه السعادة والمغفرة للذنوب والنجاة لمن آمن به. أَنْزَلْناهُ لكم أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ؟ يعني: أفأنتم للقرآن مكذبون جاحدون؟.
21:51–60Page 326
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١
And We had certainly given Abraham his sound judgement before,1 and We were of him well-Knowing
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢
When he said to his father and his people, "What are these statues to which you are devoted?"
قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣
They said, "We found our fathers worshippers of them."
قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤
He said, "You were certainly, you and your fathers, in manifest error."
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥
They said, "Have you come to us with truth, or are you of those who jest?"
قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦
He said, "[No], rather, your Lord is the Lord of the heavens and the earth who created them, and I, to that, am of those who testify.
وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧
And [I swear] by Allāh, I will surely plan against your idols after you have turned and gone away."
فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨
So he made them into fragments, except a large one among them, that they might return to it [and question].
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩
They said, "Who has done this to our gods? Indeed, he is of the wrongdoers."
قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠
They said, "We heard a young man mention them who is called Abraham."
قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ، يعني: أكرمناه بالمغفرة من قبل النبوة. وقال مقاتل: من قبل موسى وهارون عليهما السلام، وقال مجاهد: من قبل بلوغه، وقال الكلبي: يقول ألهمناه رشدَه الخير، وهديناه قبل بلوغه. ويقال من قبل محمد ﷺ والقرآن. وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ بأنه أهل للرشد، ويقال: للنبوة، ويقال: وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ. إِذْ قالَ، أي: حين قال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ؟ يعني: التصاوير، يعني: الأصنام، الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ يعني: عابدين. ويقال: عليها مقيمين. وروى ميسرة النهدي أن علياً رضي الله عنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ.
فلما قال ذلك لهم ذلك إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ، يعني:
فنحن نعبدها. قالَ لهم إبراهيم عليه السلام لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، يعني: في خطإ بَيِّنٍ. قَالَ السدي: كان أبوه يصنع الأصنام، يبعث بها مع بنيه فيبيعونها، فبعث إبراهيم بصنم ليبيعه، فجعل ينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، وكان إخوته يبيعون ولا يبيع هو شيئا، وقال: أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ يعني: أجدا تقول يا إبراهيم أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين؟ قَالَ إبراهيم: بل أقول لكم حقاً وأدعوكم إلى عبادة الله تعالى. هو رَبُّكُمْ، يعني:
خالقكم ورازقكم. رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، هو ربكم الَّذِي فَطَرَهُنَّ، يعني: هو الذي خلقهن. وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ بأن الَّذِي خلق السموات والأرض هو ربكم.
ثم قال عز وجل: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ، أي: قَالَ إبراهيم عليه السلام: والله لأكسرن أصنامكم. بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، يعني: بعد أن تنطلقوا ذاهبين إلى عيدكم. وذلك أن القوم كانوا أرادوا أن يخرجوا إلى عيد لهم، فقالوا لإبراهيم: اخرج معنا حتى تنظر إلى عيدنا. وكان القوم في ذلك الزمان ينظرون إلى النجوم، فينظر أحدهم ويقول: إنه يصيبني كذا وكذا من الأمر، وكان ذلك معروفاً عندهم. وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يخلفوا بعدهم إلا من كان مريضاً، فَنَظَرَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام فِى النجوم فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: 89] يعني:
أشتكي غداً. فأصبح من الغد معصوباً رأسه، وخرج القوم إلى عيدهم، ولم يتخلف أحد غيره.
فلما خرج القوم، قال إبراهيم: أما والله لأكيدن أصنامكم. فسمعها رجل منهم فحفظها عليه.
فأخذ إبراهيم فأساً ويقال قدوما، وجاء إلى بيت أصنامهم وقد وضعوا ألوان الطعام بين أيديهم، فإِذا رجعوا من عيدهم، كانوا يرفعون ذلك الطعام ويأكلونه تبركاً. ودخل إبراهيم بيت الأصنام، فرأى ذلك الطعام بين أيديهم، فقال: أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: 91] فلم يجيبوه، فقال: مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ [الصافات: 92] فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [الصافات: 93] ، يعني: جعل يضرب القدم بيده. وقال السدي: قطع رؤوسها كلها. وقال ابن عباس: «كسرها كسراً» وقال بعضهم: نَحَتَ وجوههم. وقال بعضهم: قطع يد بعضهم ورجل بعضهم وأُذُنَ بعضهم، فذلك قوله تعالى:
فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً، يعني: فتاتاً، ويقال: كسرهم قطعاً قطعاً. وقال أهل اللغة: كل شيء كسرته فقد جذذته. وقال أبو عبيد: يعني: فتاتاً يقال: كسرهم أي استأصلهم، ويقال: جذَّ الله دابرهم أي: استأصلهم. وقرأ الكسائي: جُذاذاً بكسر الجيم، والباقون بالضم جُذاذاً وقرئ بالشاذ جُذاذاً بالنصب، ومعناه قريب بعضها من بعض، وهو الكسر.
إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لم يكسره وتركه على حاله، وقال الزجاج: يحتمل الكبير في الخلقة، ويحتمل أكبر ما عندهم في تعظيمهم. لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، يعني: إلى الصنم الأكبر، ويقال: يَرْجِعُونَ إلى قوله باحتجاجه عليهم لوجوب الحجة عليهم، فجعل القدوم على عنق ذلك الصنم الأكبر. فلما رجعوا من عيدهم، نظروا إلى آلهتهم مكسرة، ويقال: حين دخل إبراهيم عليه السلام بيت الأصنام، كان عندهم خدم، يعني: الوصائف، فخرجن وقلن: إن هذا الرجل مريض، جاء يطلب من الآلهة العافية. فلما خرج إبراهيم ودخلن، فنظرن إلى الأصنام مقطوعة الرؤوس، فخرجن إلى الناس بالويل والصياح وأخبرنهم بالقصة، فتركوا عيدهم ودخلوا، فلما رأوا ذلك، قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ في فعله. قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ، يعني: يَعيبهُمْ، ويقال: أخبر الرجل الذي سمع منه فقال: إني سمعت فتى يذكرهم قال: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ. يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ. صار إبراهيمُ رفعاً، بمعنى: يقال له هو إبراهيم. وقال: ويحتمل يقال له إبراهيم، رفع على معنى النداء المفرد.
21:61–67Page 327
قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١
They said, "Then bring him before the eyes of the people that they may testify."1
قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢
They said, "Have you done this to our gods, O Abraham?"
قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣
He said, "Rather, this - the largest of them - did it, so ask them, if they should [be able to] speak."
فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤
So they returned to [blaming] themselves and said [to each other], "Indeed, you are the wrongdoers."
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥
Then they reversed themselves,1 [saying], "You have already known that these do not speak!"
قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦
He said, "Then do you worship instead of Allāh that which does not benefit you at all or harm you?
أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧
Uff1 to you and to what you worship instead of Allāh. Then will you not use reason?"
قوله عز وجل: قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، يعني: يشهدون عليه بما يعرفون منه، ويقال: يشهدون عقوبته. قال: فجاؤوا به إلى ملكهم النمرود بن كنعان، قالُوا، أي قال له الملك: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ إبراهيم بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، يعني: عظيمهم عندكم. وإنما قال هذا على وجه الاستهزاء، لا على وجه الجد.
فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ، يعني: إن كانوا يتكلمون، فسألوهم من فعل هذا بكم.
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ، فلاموها يعني: إلى أصحابهم. فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، يعني:
حَيْثُ قلتم إن إبراهيم كَسَّرها.
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ، يعني: رجعوا إلى قولهم الأول، وقال القتبي: أي ردوا إلى ما كانوا يعرفون من أنها لا تنطق، فقالوا: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ يا إبراهيم، يعني:
تعلم أنهم لا يتكلمون. قالَ لهم إبراهيم عليه السلام: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً؟ إنْ عبدتموهم، وَلا يَضُرُّكُمْ إن تركتموهم. أُفٍّ لَكُمْ، يعني: قذراً لكم وسحقاً لكم، وتعساً لكم والاختلاف في قوله: أُفٍّ لَكُمْ مثل ما سبق. وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله. أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ أن من ليس له ذهن ولا قوة ولا منفعة ولا مضرة أن لا تعبدوه.
21:68–71Page 327
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨
They said, "Burn him and support your gods - if you are to act."
قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
We [i.e., Allāh] said, "O fire, be coolness and safety upon Abraham."
وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the greatest losers.
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١
And We delivered him and Lot to the land which We had blessed for the worlds [i.e., peoples].
ثم قال عز وجل: قالُوا يعني: قال ملكهم: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ، يعني:
انتقموا لآلهتكم، إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ به شيئاً فافعلوا. فأمر النمرود أهل القرى حتى جمعوا له الحطب أياماً كثيرة، وأمر بأن يبنى بنيانا، فبنى حائط مستدير وجمعوا له الحطب ما شاء الله، ثم أضرموا فيه النار، فارتفعت النار حتى بلغت السماء في أعين الناظرين، وكانت الطير يمر بها فيصيبها حر النار، فلا تستطيع أن تجوز فيه فتقع ميتة. فلما أرادوا أن يلقوه فيها لم يستطيعوا لشدة حرها، ولم يقدر أحد أن يدنو منها، فبطل تدبيرهم وكادوا أن يتركوه. حتى جاء إبليس عدو الله لعنه الله، فدلهم على المنجنيق، وهو أول منجنيق صنعت. وجاءوا بإبراهيم، فأوثقوا يديه وجعلوه في المنجنيق. وروي في الخبر: أن السموات والأرض والجبال بكوا عليه، وبكت عليه ملائكة السموات، وقالوا: ربنا عبدك إبراهيم يحرق فيك. فقال لهم: إن استغاث بكم فأغيثوه. فلما رمي في المنجنيق، قال: حسبي الله ونعم الوكيل. فرمي به بالمنجنيق في الهواء، فجعل يهوي نحو النار. فقال جبريل عليه السلام: يا رب، عبدك إبراهيم يحرق فيك، قال الله تعالى: إِنَّ استغاث بك فأَغِثْهُ. فأتاه جبريل وهو يهوي نحو النار، فقال: أتطلب النجاة؟ فقال:
أما منك فلا، قال: أفلا تسأل الله عز وجل أن ينجيك منها؟ فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي. فلما أخلص قلبه لله تعالى، فعند ذلك قال الله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ، يعني: سلميه من حرّك وبردك.
وقال عكرمة رحمه الله: بردت نار الدنيا كلها يومئذ، فلم ينتفع بها أحد من أهلها. وقال كعب: «ما أحرقت النار من إبراهيم غير وثاقه» ، وقال قتادة: إن الخطاف كان تطفئ النار بأجنحته، وكانت الوزغة تنفخ. وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «اقْتُلُوا الوَزَغَةَ، فَإنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ عَلَى إبْرَاهِيمَ» وكانت عائشة تقتلهن، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله:
بَرْداً وَسَلاماً لو لم يقل وَسَلاماً لأهلكه البرد» وكذلك قال ابن عباس. فضمه جبريل بجناحه ووضعه على الأرض، وضرب جناحه على الأرض، فأظهر الماء واخضرت الأرض.
فلما كان في اليوم الثالث، خرج النمرود مع جيشه وأَشْرَفَ على موضع مرتفع لينظر إلى النار، فرأى في وسط ذلك الموضع ماء وخضرة، ورأى هناك شخصين والنار حواليهما، فقال: إنا قد رمينا إنساناً واحداً، فما لي أرى فيها نفسين؟ فرجع متحيراً.
قال الله تعالى: وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً، يعني: حرقاً، فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ يعني:
الأذلين الأسفلين، وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ يعني: إلى الأرض المقدسة، فخرج إبراهيم عليه السلام من ذلك الموضع وقال للوط عليه السلام: إِنّى أُرِيدُ أَنْ أهاجر، فصدقه واتبعه، فخرجا إلى بيت المقدس، ويقال إلى الشام الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والثمار للناس.
21:72–73Page 327
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ ٧٢
And We gave him Isaac and Jacob in addition, and all [of them] We made righteous.
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣
And We made them leaders guiding by Our command. And We inspired to them the doing of good deeds, establishment of prayer, and giving of zakāh; and they were worshippers of Us.
. قوله عز وجل: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ، يعني: الولد. وَيَعْقُوبَ نافِلَةً، يعني: زيادة.
وذلك أنه سأل الله تعالى الولد، فأعطاه الله تعالى الولد وهو إسحاق عليه السلام، وولد الولد فضله على مسألته وهو يعقوب عليه السلام ويقال: نافِلَةً أي: غنيمة. وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ، يعني: أكرمناهم بالإسلام. وقال الكلبي: كان لوط ابن أخي إبراهيم، فكان لوط بن هازر بن آزر وإبراهيم بن آزر وهو عم لوط. وقال بعضهم: كان لوط ابن عمه، وكانت سارة أخت لوط.
ثم قال عز وجل: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً، يعني: قادة في الخير، ويقال: أكرمناهم بالإمامة والنبوة. يَهْدُونَ بِأَمْرِنا، أي: يدعون الخلق بِأَمْرِنا إلى أمرنا وإلى ديننا. وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ، يعني: أمرناهم بالأعمال الصالحة، ويقال: بالدعاء إلى الله عز وجل، أي قول لا إله إلا الله. وَإِقامَ الصَّلاةِ، يعني: إتمام الصلاة، وَإِيتاءَ الزَّكاةِ يعني: الزكاة المفروضة وصدقة التطوع. وَكانُوا لَنا عابِدِينَ، يعني: مطيعين.
21:74–75Page 328
وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ ٧٤
And to Lot We gave judgement and knowledge, and We saved him from the city that was committing wicked deeds. Indeed, they were a people of evil, defiantly disobedient.
وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥
And We admitted him into Our mercy. Indeed, he was of the righteous.
. وقوله عز وجل: وَلُوطاً، يعني: واذكر لوطاً إذ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً، يعني: النبوة والفهم، ويقال: وَلُوطاً، يعني: وأوحينا إليهم، وآتينا لوطا يعني: وآتينا لوطاً حكماً وعلماً، أي: النبوة والفهم. وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ، يعني: مدينة سدوم الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ، يعني: اللواطة. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ، يعني: عاصين. وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا، يعني: أكرمنا لوطا عليه السلام في الدنيا بطاعتنا وفي الآخرة بالجنة. إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، أي: من المرسلين.
21:76–77Page 328
وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
And [mention] Noah, when he called [to Allāh]1 before [that time], so We responded to him and saved him and his family from the great affliction [i.e., the flood].
وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٧٧
And We aided [i.e., saved] him from the people who denied Our signs. Indeed, they were a people of evil, so We drowned them, all together.
. قوله عز وجل: وَنُوحاً، يعني: واذكر نوحاً عليه السلام إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ، أي: دعا على قومه مِن قَبْلُ إبراهيم وإسحاق عليهما السلام، فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ يعني: الغرق. وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ، أي: على القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، يعني: كذبوا نوحاً بما أنذرهم من الغرق، ويقال: نَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ، أي: نجيناه من القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ، يعني: كفارا، فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ يعني:
الصغير والكبير فلم يبق منهم أحد إلا هلك بالطوفان.
21:78–79Page 328
وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨
And [mention] David and Solomon, when they judged concerning the field - when the sheep of a people overran it [at night],1 and We were witness to their judgement.
فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩
And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1
قال عز وجل: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ، يعني: واذكر داود وسليمان عليهما السلام، إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ يعني: الزرع إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ وذلك أن غنماً لقوم وقعت في زرع رجل، فأفسدته. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «إن غنم قوم وقعت في كرم قوم ليلاً حين خرج عناقيده، فأفسدته، فاختصموا إلى داود بن أيشا النبيّ ﷺ فقوَّم داود الكرم والغنم، فكانت القيمتان سواء، أي: قيمة الغنم وقيمة ما أفسدت من الكرم، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم، فخرجوا من عنده، فمروا بسليمان فقال: بمَ قضى بينكم الملك؟
فأخبروه فقال: نِعْمَ ما قضى به، وغير هذا كان أرفق للفريقين جميعاً. فرجع أصحاب الكرم والغنم إلى داود، فأخبروه بما قال سليمان، فأرسل داود إلى سليمان عليهما السلام فقال: كيف رأيت قضائي بين هؤلاء فإني لم أقض بالوحي، إنما قضيت بالرأي؟ فقال: نِعْمَ ما قضيت.
فقال: عزمت عليك بحق النبوة وبحق الوالد على ولده، إلا أخبرتني. فقال سليمان: غير هذا كان أرفق بالفريقين. فقال: وما هو؟ قال سليمان: يأخذ أهل الكرم الغنم، ينتفعون بألبانها وسمنها وصوفها ونسلها، ويعمل أهل الغنم لأهل الكرم في كرمهم، حتى إذا عاد الكرم كما كان ردوه. فقال داود: نِعْمَ ما قضيت به، فقضى داود بينهم بذلك.
وقال بعضهم: كان ذلك القضاء نافذاً فلم ينقض ذلك. وكان سليمان في ذلك اليوم ابن إحدى عشرة سنة، فذلك قوله: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ يعني: دخلت فيه غنم القوم، ويقال:
نفشت أي: دخلت فيه بالليل من غير حافظ لها. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري رحمهم الله قال: «النفش لا يكون إلا ليلا، والعمل بالنهار» وروى قتادة، عن الشعبي رحمه الله أن شاة وقعت في غزل الحواك، فاختصموا إلى شريح رحمه الله، فقال شريح: انظروا أوقعت فيه ليلاً أو نهاراً. فإن كان بالليل يضمن، وإن كان بالنهار لا يضمن، ثم قرأ شريح: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وقال: النفش بالليل والعمل بالنهار، وكلاهما الرعي بلا راع.
وروى سعيد بن المسيب أن ناقة البراء بن عازب دخلت حَائِطاً لقوم فأفسدته، فقضى رسول الله ﷺ «أن حفظ الأموال على أهلها بالنهار، وعلى أهل الماشية ما أصابت الماشية بالليل» . وبهذا الخبر أخذ أهل المدينة، وقال أهل العراق: لا يضمن ليلاً كان أو نهاراً، إلا أن يتعمد صاحبها فيرسلها فيه، وذهبوا إلى ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «جُرْحُ العَجْماءِ جبار» .
ثمّ قال: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ، يعني: عالمين.
قوله عز وجل: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، يعني: ألهمناها سليمان. وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً، يعني: النبوة والفهم بالحكم. وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: لولا هذه الآية، لم يجرأ أحد منا أن يفتي في الحوادث.
ثم قال: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ، يعني: كلما سبح داود، تسبح معه الجبال والطير، أي: سخرنا الجبال والطير يسبحن معه إذا سبح. وقال: كان داود يمر بالجبال مسبّحا، وهي تجاوبه وكذلك الطير. وقال قتادة: يُسَبِّحْنَ أي يصلين معه إذا صلى، يعني:
كل ما سبح داود تسبح معه الجبال والطير، أي: سخرنا الطير والجبال يسبحن معه. وَكُنَّا فاعِلِينَ، يعني: نحن فعلنا ذلك بهما.
21:80–82Page 328
وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠
And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١
And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢
And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1
قوله عز وجل: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ، يعني: دروع الحديد. وذلك أن داود عليه السلام خرج يوماً متنكراً ليسأل عن سيرته في مملكته، فاستقبله جبريل عليه السلام على صورة آدميّ فلم يعرفه داود فقال: كيف ترى سيرة داود في مملكته؟ فقال له جبريل عليه السلام: نِعْمَ الرجل هو، لولا أن فيه خصلة واحدة. قال: وما هي؟ قال: بلغني أنه يأكل من بيت المال، وليس شيء أفضل من أن يأكل الرجل من كدّ يده. فرجع داود عليه السلام وسأل الله عز وجل أن يجعل رزقه من كدّ يديه، فألان له الحديد، وكان يتخذ منها الدروع ويبيعها ويأكل من ذلك، فذلك قوله: وَعَلَّمْناهُ يعني: ألهمناه، ويقال: عَلَّمْناهُ بالوحي صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ.
لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ، يعني: يمنعكم قتال عدوكم. قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص بالتاء لِتُحْصِنَكُمْ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر لنحصنكم بالنون بدليل قوله وعلمناه وقرأ الباقون بالياء بلفظ التذكير يعني: ليحصنكم الله عز وجل، ويقال: يعني: اللبوس. ومن قرأ بالتاء فهو كناية عن الصنعة، واختار أبو عبيد بالتاء لِتُحْصِنَكُمْ، لأن اللبوس أقرب إليه.
ثم قال: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ. اللفظ لفظ الاستفهام، يعني: اشكروا رب هذه النعم ووحّدوه.
قوله عز وجل: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ قرأ أبو عبد الرحمن الأعرج الريح بضم الحاء على معنى الابتداء، وقراءة العامة الرِّيحَ بالنصب، ومعناه: وسخرنا لسليمان الريح عاصِفَةً، يعني: قاصفة شديدة، وقال في موضع آخر تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً [ص: 36] أي: لينة، فإنها كانت تشتد إذا أراد وتلين إذا أراد تَجْرِي بِأَمْرِهِ، يعني: تسير بأمر الله عَزَّ وَجَلَّ، ويقال:
بأمر سليمان. إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والشجر وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ، يعني:
من أمر سليمان وغيره.
قوله عز وجل: وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ، يعني: سخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ من البنيان وغيره، وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ من أن يهيجوا أحداً في زمانه، ويقال: يحفظهم أن لا يفسدوا ما عملوا، ويقال: وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ليطيعوا سليمان عليه السلام ولا يعصوه.
21:83Page 329
۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣
And [mention] Job, when he called to his Lord, "Indeed, adversity has touched me, and You are the most merciful of the merciful."
قوله عز وجل: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ، يعني: اذكر أيوب عليه السلام وصبره. روي في الخبر: أن أيوب كان بمنزلة الملك، وهو أيوب بن برضى النبي عليه السلام وكانت له أموال من صنوف مختلفة، وكانت له ضياع كثيرة، وكان له ثلاثمائة زوج ثيران، وغلمان يعملون له في ضياعه، وأموال السوائم من الغنم والإبل والبقر، وكان متعبداً ناسكاً منفقاً متصدقاً، فحسده إبليس عدو الله وقال: إن هذا يذهب بالدنيا والآخرة. وأراد أن يفسد عليه إحدى الدارين أو كلتيهما، فسأل الله تعالى وقال: إن عبدك أيوب يعبدك، لأنك أعطيته السعة في الدنيا، ولولا ذلك لم يعبدك قال الله تعالى: إِنّى أعلم منه أنه يعبدني ويشكرني، وإن لم يكن له سعة في الدنيا. فقال: يا رب سلطني عليه، فسلطه على كل شيء منه إلا على روحه.
فرجع إبليس إلى غنمه كهيئة النار، وضرب عليها فأهلك جميع غنمه، فجاءت رعاته فأخبروه بالقصة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: هو الذي أعطى وهو الذي أخذ، وهو أحق به. ويقال: إنه أحرق غنمه ورعاته، فجاء إبليس على هيئة راع من رعاته فأخبره بذلك، فقال له أيوب عليه السلام: لو كان فيك خير لهلكت مع أصحابك. ثم جاء إلى إبله وبقره ففعل مثل ذلك، ثم جاء إلى زرعه كهيئة النار فأفسد جميع زرعه، فأخبر بذلك، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، وقال: هو الذي أعطى وهو الذي أخذ، وهو أحق به.
وكان له سبعة بنين وثلاث بنات ويقال: سبعة بنين وسبع بنات في بيت، فجاء إبليس عليه اللعنة فهدم البيت عليهم فماتوا كلهم، فذكر ذلك لأيوب عليه السلام فحمد الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذلك، وأثنى عليه، ولم يجزع وقال: هو الذي أعطى وهو الذي أخذ. ثم جاء إلى أيوب وكان في الصلاة، فلما سجد نفخ في أنفه وفمه نفخة، فانتفخ أيوب عليه السلام وخرجت به قروح، وجعل تسيل منها الصديد، وتفرق عنه أقرباؤه وأصدقاؤه، ولم يبق معه أحد إلا امرأته.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «كان اسم امرأته ما حين بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب، ويقال: كان اسمها رحمة. فتأذى به جيرانه وقالوا لامرأته: احمليه من هاهنا، فإنا نتأذى به. فحملته حتى أخرجته إلى كناسة قوم، ووضعته عليها، وجعلت تدخل على الناس وتخدمهم وتأخذ شيئاً وتنفقه عليه. وكان ذلك البلاء ما شاء الله. فجاء إبليس في صورة طبيب، وقال للمرأة: إني أردت أن يبرأ من علته، فمريه يشرب الخمر، ويتكلم بكلمة الكفر. فأخبرته المرأة بذلك، فقال لها: ذلك إبليس الذي أمرك بهذا، فألحَّت عليه، فغضب وقال: والله لئن برئت، لأضربنك مائة سوط. قالت: متى تبرأ؟ فقال عند ذلك: ربِّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ.
ويقال: إنه اشتهى شيئاً يتخذ بالسمن، فدخلت امرأته على امرأة غني من الأغنياء وسألتها ذلك، فأبت عليها. ثم نظرت إلى ذوائبها، فرأت ذوائبها مثل الحبل، فقالت: لئن دفعت إليّ ذوائبك، دفعت إليك ما تطلبين مني. فدفعت بالمقراض وقطعت ذوائبها ودفعتها إليها، وأخذت منها ما سألت، وجاءت به إلى أيوب عليه السلام فقال لها: من أين لك هذا؟ فأخبرته بالقصة، فبكى أيوب عند ذلك، وقال: رَبِّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ.
قال بعضهم: مكث أيوب في بلائه سبع سنين، وقال بعضهم: عشر سنين، وروي عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ أيُّوبَ نَبِيَّ الله لَبِثَ فِي بَلاَئِهِ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، إلاَّ رَجُلَيْنِ من إخوانه كانا يغدوان إلَيْهِ وَيَرُوحَانِ، فَقَالَ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: وَالله لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْباً مَا أذْنَبَهُ أحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وما ذلك؟ فقال من ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ الله تَعَالَى، فَيَكْشِف ما بِهِ. ثُمَّ رَاحَا إلَيْهِ فَلَمْ يَصْبِرَا، حَتَّى ذَكَرا ذلكَ لَهُ، فَعِنْدَ ذلكَ قالَ: ربِّ مَسَّنِيَ الضُّرُّ» [[عزاه السيوطي: 5/ 659 إلى ابن أبي الدنيا، وأبي يعلى، والحاكم وابن حبّان وابن مردويه.]] .
قال: فلما كان ذات يوم، خرجت امرأته، فأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام في مكانه أن ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [ص: 42] فشرب واغتسل، فأذهب الله عز وجل ما به من البلاء، فقال أيوب: كان الركض برجلي أشد علي من البلاء الذي كنت فيه. قال ابن عباس: «لما قال الله تعالى له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ففعل، فانفجرت عين اغتسل منها فصح جسده. ثم قيل له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ففعل، فخرجت عين فشرب منها، فالتأم ما في جوفه.
فلما رجعت إليه المرأة لم تعرفه، فقالت له: بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله المبتلى؟ فو الله ما رأيت أحداً أشبه به منك إذ كان صحيحاً. قال: فإني أيوب. قال: وكان له آنذاك أندران أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين: إحداهما على أندر القمح فأفرغت الذهب حتى فاض، وأفرغت الأُخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض، ذلك قوله تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ، أصابني البلاء والشدة وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فعرّض ولم يفصح بالدعاء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences