As-SamarqandiAl‑Hajj · 22:1–27

As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic

الحج

Al-Hajj

The Pilgrimage · Medinan · 78 ayahs

22:1–2Page 332

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ١

O mankind, fear your Lord. Indeed, the convulsion of the [final] Hour is a terrible thing.

يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ ٢

On the Day you see it every nursing mother will be distracted from that [child] she was nursing, and every pregnant woman will abort her pregnancy, and you will see the people [appearing] intoxicated while they are not intoxicated; but the punishment of Allāh is severe.

مكية وهي سبعون وخمس آيات مكية وثلاث آيات مدنية

قول الله سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، يقول: أطيعوا ربكم، ويقال:

اخشوا ربكم. إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ، يعني: قيام الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ يقول: هولها عظيم والزلزلة والزلزال: شدة الحركة على الحال الهائلة من قولهم: زلت قدمه، إذا زالت عن الجهة سرعة.

ثم وصف ذلك اليوم فقال: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ

، أي: تشتغل كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ

، يعني: ذات ولد رضيع. ويقال: تحَير كل والدة عن ولدها. وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها

، أي: تسقط ولدها من هول ذلك اليوم.

وروى منصور، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال: هذا بين يدي الساعة، وقال مقاتل: وذلك قبل النفخة الأولى، ينادي ملك من السماء: يا أيها الناس أتى أمر الله، فيسمع الصوت أهل الأرض جميعاً، فيفزعون فزعاً شديداً، ويموج بعضهم في بعض، فيشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، وتضع الحوامل ما في بطونها، وتزلزلت الأرض، وطارت القلوب. وعن سعيد بن جبير أنه قال: إنما هو عند النفخة الأولى التي هي الفزع الأكبر، ويقال: هو يوم القيامة.

وقال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم قال: حدّثنا الدبيلي قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: حدّثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان قال: سمعت الحسن يقول: حدّثنا عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير، فنزلت عليه هذه يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ

، فقال رسول الله ﷺ، أَتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذلكَ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذلك يَوْمَ يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لآدمَ عليه السلام: قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ أَهْلِ الجَنَّةِ. قالَ: فيقولُ آدَمْ: وَمَا بَعْثُ أَهْلُ الجَنَّةِ؟ يقولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ. قال: فَأَنْشَأَ القَوْمُ يبكون. فقال النبيّ ﷺ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ قَطَّ، إلاَّ كَانَتْ قَبْلَهُ جَاهِلِيَّةٌ، فَيُؤْخَذُ العَدَدُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ. فإنْ لَمْ يَكُنْ كملَ العددُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ، أخذَ من المنافقينَ. وَمَا مَثَلُكُمْ في الأمَمِ، إلا كَمَثَلِ الرّقْمَةِ في ذِراعٍ، وَكالشَّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: إنِّي لأَرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَكبروا، ثم قال: إنَّ مَعَكُمْ الخليقتين ما كانتا في شَيْءٍ إلا كَثَّرَتَاهُ: يأجوجُ ومأجوجُ ومن مات من كفرةِ الجَنَّةِ وَالإنْسِ» [[أخرجه الترمذي (3169) وقال: حديث من صحيح- وأحمد 4/ 434 وعزاه السيوطي: 6/ 4 إلى الترمذي وأحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم ومصححه وابن مردويه من طرق.]] .

وروى أبو سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يَقُولُ الله تَعَالَى لآدَمَ: قُمْ فَابْعَثْ أهل النار. فقال: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ أَهْلِ النَّارِ؟ فيقولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتسعةٌ وتسعون.

فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ الحَامِلُ ما فِي بَطْنِها [[أخرجه البخاري (3348) و (4741) ومسلم (379) (222) وعزاه السيوطي 6/ 6 إلى البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.]] ويقال: هذا على وجه المثل، لأن يوم القيامة لا يكون فيه حامل ولا صغير، ولكنه بيَّن هول ذلك اليوم، أنه لو كان حاملاً، لوضعت حملها من شدة ذلك اليوم.

ثم قال عز وجل: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى

من الهول أي كالسكارى وَما هُمْ بِسُكارى

، يعني: وما هم بسكارى من الشراب. وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ

قرأ حمزة والكسائي وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى

بغير ألف، وقرأ الباقون سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى

كلاهما بالألف. وروي عن ابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهما أنهما قرءا سُكارى

وهو اختيار أبي عبيدة، وروي عن أبي زرعة: أنه قرأ على الربيع بن خثيم وَتَرَى

بضم التاء، وقراءة العامة بالنصب.

22:3–6Page 332

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ ٣

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge and follows every rebellious devil.

كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٤

It has been decreed for him [i.e., every devil] that whoever turns to him - he will misguide him and will lead him to the punishment of the Blaze.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٥

O people, if you should be in doubt about the Resurrection, then [consider that] indeed, We created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot, and then from a lump of flesh, formed and unformed1 - that We may show you.2 And We settle in the wombs whom We will for a specified term, then We bring you out as a child, and then [We develop you] that you may reach your [time of] maturity. And among you is he who is taken in [early] death, and among you is he who is returned to the most decrepit [old] age so that he knows, after [once having] knowledge, nothing. And you see the earth barren, but when We send down upon it rain, it quivers and swells and grows [something] of every beautiful kind.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦

That is because Allāh is the True Reality and because He gives life to the dead and because He is over all things competent

قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ، يعني: يخاصم في الله، يعني: في وحدانيته ويقال: في دين الله. بِغَيْرِ عِلْمٍ، يعني: بغير حجة. ويقال: بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمه، وهو النضر بن الحارث وأصحابه. وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، يعني: يطيع ويعمل بأمر كل شَيْطانٍ مَرِيدٍ متمرد في معصية الله عز وجل. ويقال: معناه ويتبع ما سول له الشيطان.

والمريد: الفاسد، يقال: مرد الشيء، إذا بلغ في الشر غايته. ويقال: مرد الشيء إذا جاوز حد مثله.

ثم قال عز وجل: كُتِبَ عَلَيْهِ، أي: قضي عليه، يعني: الشيطان. أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ، يعني: من تبع الشيطان فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ عن الهدى، وَيَهْدِيهِ أي: يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ، أي: إلى عمل عذاب النار.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ، يعني: يا كفار مكة. إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، يعني: في شك مِنَ الْبَعْثِ بعد الموت، فانظروا إلى بدء خلقكم. فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: من آدم عليه السلام وآدم مِّن تُرَابٍ. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قيل: إنما نقلناكم من حال إلى حال، من خلقة إلى خلقة، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، مثل قطعة كبد. مُخَلَّقَةٍ، أي تامة وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، يعني: غير تامة، وهو السقط. ويقال: مصورة وغير مصورة. لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم. ويقال: يخرج السقط من بطن أمه مصوراً أو غير مصور، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم كيف نخلقكم في بطون أمهاتكم. ويقال: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ في القرآن أنكم كنتم كذلك. وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ فلا يكون سقطاً. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، يعني: إلى وقت خروجه من بطن أمه، ويقال: إلى وقت معلوم لتسعة أشهر. ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا من بطون أمهاتكم أطفالاً صغاراً.

وقال القتبي: لم يقل أطفالاً، لأنهم لم يخرجوا من أم واحدة، ولكنه أخرجهم من أمهات شتى، فكأنه قال: يخرجكم طفلاً طِفْلاً.

ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، يعني: ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة، ويقال: إلى ست وثلاثين سنة. والأشد: هو الكمال في القوة والخير. وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى يعني: من قبل أن يبلغ أشده، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، يعني: أضعف العمر وهو الهرم. ويقال: يعني، يرجع إلى أسفل العمر، يعني: يذهب عقله. لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً، يعني: لكيلا يعقل بعد عقله الأول.

ثم دلهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض، فقال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، يعني: ميتة يابسة جافة ذات تراب. فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ، يعني: المطر، اهْتَزَّتْ يعني: تحركت بالنبات. كقوله عز وجل: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ [النمل: 10] يعني: تتحرك، ويقال:

اهْتَزَّتْ أي: استبشرت. وَرَبَتْ، يعني: انتفخت بالنبات. وأصلهُ: من ربا يربو، وهو الزيادة. وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ، يعني: من كل صنف من ألوان النبات. بَهِيجٍ، أي: حسنا يُبْهَجَ به، فدلهم للبعث بإحياء الأرض، ليعتبروا ويعلموا بأن الله هو الحق، وعبادته هي الحق، وغيره من الآلهة باطل. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أي قادر على كل شيء من البعث وغيره.

22:7–10Page 333

وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ ٧

And [that they may know] that the Hour is coming - no doubt about it - and that Allāh will resurrect those in the graves.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٨

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening book [from Him],

ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٩

Twisting his neck [in arrogance] to mislead [people] from the way of Allāh. For him in the world is disgrace, and We will make him taste on the Day of Resurrection the punishment of the Burning Fire [while it is said],

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٠

"That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

قوله عز وجل: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ، أي: تعلموا أنّ السّاعة آتِيَةٌ، أي: كائنة، أي جائية. لاَ رَيْبَ فِيها، أي: لا شك فيها عند المؤمنين، وعند كل من له عقل وذهن. وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.

قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ يعني: يخاصم في دين الله عز وجل بِغَيْرِ عِلْمٍ، أي: بلا بيان وحجة، وَلا هُدىً يعني: ولا دليل واضح من المعقول، وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ يعني: ولا كتاب منزل مضيء فيه حجة. ثانِيَ عِطْفِهِ، يعني: لاويا عنقه عن الإيمان، وهو على وجه الكِنَايَةِ، ومعناه: يجادل في الله بغير علم متكبراً، ويقال ثانِيَ عِطْفِهِ، يعني: معرضا عن طاعة ربّه. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قرأ ابن كثير وأبو عمرو:

لِيُضِلَّ بنصب الياء، يعني: ليعرض عن دين الله عز وجل، وقرأ الباقون بالضم، يعني:

ليصرف الناس عن دين الإسلام.

قال الله تعالى: لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، يعني: النضر بن الحارث قتل يوم بدر صبراً، وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ يعني: عذاب النار فأخبر الله تعالى أن ما أصابه في الدنيا من الخزي، لم يكن كفارة لذنوبه.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ، يعني: ذلك العذاب، أي: يقال له يوم القيامة: هذا العَذَابُ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ، يعني: بما عملت يداك. وذكر اليدين كناية، يعني: ذلك العذاب لكفرك وتكذيبك. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، يعني: لا يعذب أحداً بغير ذنب.

22:11Page 333

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١

And of the people is he who worships Allāh on an edge.1 If he is touched by good, he is reassured by it; but if he is struck by trial, he turns on his face [to unbelief]. He has lost [this] world and the Hereafter. That is what is the manifest loss.

قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، أي: على شك. وعلى وجه الرياء، ولا يريد به وجه الله تعالى. ويقال: على شك، والعرب تقول: أنت على حرف، أي على شك ويقال: عَلى حَرْفٍ بلسانه دون قلبه. وروي عن الحسن أنه قال: يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي على إيمان ظاهر وكفر باطن. ويقال: عَلى حَرْفٍ، أي على انتظار الرزق. وهذه الآية مدنية، نزلت في أناس من بني أسد أصابتهم شدة شديدة فاحتملوا العيال، حتى قدموا على رسول الله ﷺ، فأغلوا الأسعار بالمدينة.

فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، يعني: إن أصابه سعة وغنيمة وخصب اطمأن به، وقال:

نعم الدين دين محمد ﷺ. وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ، أي: بلية وضيق في المعيشة، انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي: رجع إلى كفره الأول وقال: بئس الدين دين محمد ﷺ. خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ، أي: غبن الدنيا والآخرة. في الدنيا بذهاب ماله، وفي الآخرة بذهاب ثوابه. ويقال:

خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ لأنه لم يدرك ما طلب من المال، وفي الآخرة بذهاب الجنة. وروي عن حميد أنه كان يقرأ خَاسِرَ بالألف، وقراءة العامة خَسِرَ بغير ألف. ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ، يعني: الظاهر البين.

22:12–15Page 333

يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢

He invokes instead of Allāh that which neither harms him nor benefits him. That is what is the extreme error.

يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ ١٣

He invokes one whose harm is closer than his benefit - how wretched the protector and how wretched the associate.

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. Indeed, Allāh does what He intends.

مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥

Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?

قوله عز وجل: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: يعبد مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ، إن لم يعبده، يعني: الصنم، وَما لاَ يَنْفَعُهُ إن عبده. ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يعني: الخطأ البين. ويقال: في خطأ طويل بعيد عن الحق. يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، يعني: لمن إثمه وعقوبته أكثر من ثوابه ومنفعته، ويقال: ضره في الآخرة أكثر من نفعه في الدنيا. فإن قيل:

لم يكن في عبادته نفع البتة، فكيف يقال: من نفعه ولا نفع له؟ قيل له: إنما قال هذا على عاداتهم، وهم يقولون لشيء لا منفعة فيه: ضره أكثر من نفعه، كما يقولون لشيء لا يكون هذا بعيد، كما قالوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 3] .

ثم قال تعالى: لَبِئْسَ الْمَوْلى، يعني: بئس الصاحب، وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ يعني: بئس الخليط. ويقال: معناه من كانت عبادته عقوبة عليه، فبئس المعبود هو.

ثم ذكر ما أعد الله تعالى لأهل الصلاح والإيمان، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، يعني: يحكم في خلقه ما يشاء من السعادة والشقاوة.

قوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، الهاء: كناية عن النبيّ ﷺ، ويجوز في اللغة الإضمار في الكناية وإن لم تكن مذكورة إذا كان الأمر ظاهراً، كقوله تعالى: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: 45] ، يعني: على ظهر الأرض، وكقوله عز وجل: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ

[ص: 32] يعني: الشمس. ومعناه: مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لن ينصر الله محمداً ﷺ بالغلبة والحجة. فِي الدُّنْيا وَالشفاعة في الْآخِرَةِ. فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ، يعني: فليربط بحبل من سقف البيت، لأن كل ما علاك فهو سماء. ثُمَّ لْيَقْطَعْ، يعني: ليختنق، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ، أي: اخْتِنَاقُه. مَا يَغِيظُ، معناه: هل ينفعه ذلك؟ قال ابن عباس: «نزلت الآية في نفر من أسد وغطفان، فقالوا: نخافُ أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام، فيقطع ما بيننا وبين حلفائنا من المودة، يعني: اليهود» . وقال القتبي: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين، يستبطئون ما وعد لهم من النصرة، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم لهم أمره، فنزل مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، يعني: محمدا ﷺ بعد ما سمعوا منه النصرة والإظهار. ولكن كلام العرب على وجه الاختصار، يعني: إن لم تثق بما أقول لك، فاذهب فاختنق، أو اجتهد جهدك.

قال: وفيه وجه آخر وهو: أن يكون هاهنا السماء بعينها لا السقف، فكأنه قال فليمدد بسبب إليها أي بحبل وليرتق فيه، ثم ليقطع الحبل حتى يخر فيهلك، فلينظر هل ينفعه؟ كقوله عز وجل: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ [الأنعام: 35] وقال أبو عبيدة: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني: أن لن يرزقه الله. وذهب إلى قول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة، فكأنه قال: من كان قانطاً من رزق الله ورحمته، فليفعل ذلك فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ، أي حيلته ما يغيظ، أي غيظه لتأخير الرزق عنه. وقال الزجاج: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ يعني: محمدا ﷺ، حتى يظهره الله على الدين كله، فليمت غيظاً.

22:16–17Page 334

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦

And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧

Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1

ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ، أي: جبريل عليه السلام بالقرآن آياتٍ بَيِّناتٍ، يعني: واضحات بالحلال والحرام. وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ، يعني: يرشد إلى دينه مَنْ كان أهلاً لذلك، فيوفقه لذلك. وهذا كقوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [يونس: 25] .

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: أصحاب محمد ﷺ ومن كان مثل حالهم، وَالَّذِينَ هادُوا يعني: مالوا عن الإسلام يعني: اليهود وَالصَّابِئِينَ وقد ذكرناه من قبل، وَالنَّصارى وقد ذكرناه من قبل وَالْمَجُوسَ، يعني: عبدة النيران وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني:

عبدة الأوثان والأديان ستة: فواحد لله تعالى، والخمسة للشيطان. إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ، يعني: يقضي ويحكم بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ، بين هذه الأديان الستة. وقال بعضهم: إن الفاء مضمرة في الكلام ومعناه: فإن الله يفصل بينهم على معنى جواب الشرط. ويقال: جوابه في قوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، من أعمالهم.

22:18Page 334

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨

Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.

ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ، يعني: ألم تعلم؟ ويقال: ألست تعلم؟ ويقال: ألم تخبر في الكتاب؟ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الخلق، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ. قال مقاتل: سجود هؤلاء حين تغرب الشمس تحت العرش. ويقال: سجودها دورانها وَسجود الشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده.

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي المؤمنين. وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ أي وجب عليه العذاب بترك سجودهم في الدنيا ويقال وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ سجودهم ظلّهم، ويقال: يسجد أي يخضع. وفيه آية الخلق، فهو سجودهم. وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ، يعني: من قضى الله عز وجل عليه بالشقاوة، فما له من مسعد. إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ، يعني: يحكم ما يشاء في خلقه من الإهانة والإكرام.

22:19–22Page 334

۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩

These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water

يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠

By which is melted that within their bellies and [their] skins.

وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١

And for [striking] them are maces of iron.

كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢

Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"

قوله عز وجل: هذانِ خَصْمانِ، يعني: أهل دينين اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ، يعني:

احتجوا في دين ربهم. قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: «نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر، يعني: حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث من المؤمنين رضي الله عنهم، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة من المشركين» ، يعني: أن المؤمنين يخاصمون الكفار ويجاهدونهم ويقاتلونهم.

ثم بيَّن مصير كلا الفريقين بقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا وقال مجاهد: هذانِ خَصْمانِ، يعني: المؤمن والكافر اختصما في البعث، فالكافر قُطِّعَتْ له ثِيابٌ مِنْ نارٍ، والمؤمن يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقال عكرمة: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا، أي:

اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: خلقت للرحمة، وقالت النار: خلقت للعذاب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هذانِ خَصْمانِ، «وذلك أن اليهود قالوا: كتابنا أسبق ونبينا أفضل. وقالت النصارى: نبينا كان يحيي الموتى، وهو أفضل من نبيكم، فنحن أولى بالله. وقال المؤمنون: نحن آمنا بالله وبجميع الأنبياء عليهم السلام، وبجميع الكتب، وأنتم كفرتم ببعض الرسل وببعض الكتب، فديننا أولى من دينكم» ، فنزل: هذانِ خَصْمانِ الآية وقال: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا، ولم يقل اختصما، لأن كل واحد من الخصمين جمع. قرأ ابن كثير هذانِ بتشديد النون، وقرأ الباقون بالتخفيف. وفي الآية دليل: أن الكفر كله ملة واحدة، لأنه ذكر ستة أصناف من الأديان.

ثم قال: هذانِ ثم بين مصير كلا الفريقين، فقال: فَالَّذِينَ كَفَرُوا أي جحدوا بالقرآن وبمحمد ﷺ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يعني: هيّئت لهم قُمُصٌ من نار، ويقال: نحاس.

يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ قال مقاتل: يضرب الملك رأسَه بالمقمع، فيثقب رأسه.

ثم يصب فيه الحميم، الذي قد انتهى حَرُّهُ. يُصْهَرُ به، يعني: يذاب به مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، يعني: تنضج الجلود فتسلخ. وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، يضرب بها هامتهم، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ، يعني: من الغم والشدة التي أدركته، ضرب بمقمعة من حديد، فيهوي بها كذلك. فذلك قوله: أُعِيدُوا فِيها، أي ردوا إليها. وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، أي المحرق، يعني: يقال لهم: ذوقوا عذاب النار، وهذا الجزاء لأحد الخصمين.

22:23–24Page 334

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.

وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤

And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.

ثم بين جزاء الخصم الآخر، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها، يعني: يلبسون في الجنة. مِنْ أَساوِرَ، يعني: أقلبة. مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً. قرأ نافع وعاصم في رواية حفص وَلُؤْلُؤاً بالهمز والنصب، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هكذا، إلا أنه لم يهمز الواو الأولى، وقرأ الباقون بالهمز والكسر. فمن قرأ بالكسر، فلأجل مِنْ، ومن قرأ بالنصب فمعناه: يحلون لؤلؤاً نصب لوقوع الفعل عليه، وهو اختيار أبي عبيد.

ثم قال: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، أي في الجنة.

قوله عز وجل: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، يعني: أرشدوا، ويقال: دعوا إلى قول التوحيد: لا إله إلا الله، ويقال: إلى القرآن. وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ، يعني: المحمود في أفعاله، وهو دين الإسلام.

22:25Page 335

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥

Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.

ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة. وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: صرفوا الناس عن دين الإسلام. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني: وعن المسجد الحرام.

وهذه الآية مدنية، وذلك أن النبي ﷺ لما خرج مع أصحابه من الحديبية، منعهم المشركون عن المسجد الحرام.

ثم وصف المسجد الحرام، فقال: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً، يعني: عاماً للمؤمنين جميعاً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ، يعني: سواء أهلها المقيم في الحرم، ومن دخل مكة من غير أهله ومعناه: المقيم والغريب فيه سواء، ويقال: في تعظيمه وحرمته، ويقال: الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أراد به: جميع الحرم، المقيم وغيره في حق النزول سواء. وقال عمر رضي الله عنه:

«يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً، لينزل البادي حيث يشاء» [[عزاه السيوطي: 6/ 25 إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة.]] . ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: «إن بيع دور مكة لا يجوز. وفي إحدى الروايتين يجوز، وهذا قول أبي يوسف، والأول قول محمد رحمه الله. قرأ عاصم في رواية حفص سَواءً بالنصب، يعني: جعلناه سواء، وقرأ الباقون سَواءً بالضم على معنى الابتداء.

ثم قال: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ، وهو الظلم والميل عن الحق، ويقال: أصله ومن يرد فيه إلحاداً، فزيد فيه الباء، كما قال: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: 23] ويقال: من اشترى الطعام بمكة للاحتكار، فقد ألحد. ثمّ قال بِظُلْمٍ، يعني: بشرك أو بقتل. نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ.

قال الزجاج: الإلحاد في اللغة، العدول عن القصد، وقال مقاتل: نزلت الآية في عبد الله بن أنيس بن خطل القرشيّ، وذلك أن النبيّ ﷺ بعث رجلين أحدهما مهاجريّ، والآخر أنصاريّ، فافتخرا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة. فأمر النبيّ ﷺ يوم فتح مكة بقتله، فقتل. قرأ أبو عمرو: وَالبَادِي بالياء عند الوصل، وكذلك نافع في رواية ورش، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر بغير ياء في الوصل والقطع، وقرأ ابن كثير بالياء في الوصل والقطع، وهو الأصل في اللغة، ومن أسقطه، لأن الكسر يدل عليه.

22:26–27Page 335

وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧

And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -

قوله عز وجل: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ، قال مقاتل: يعني: دللنا لإبراهيم موضع البيت، فبناه مع إسماعيل عليهما السلام ولم يكن له أثر ولا أساس للبيت، لأن البيت كان أيام الطوفان مرفوعاً، قد رفعه الله إلى السماء وهو البيت المعمور. وقال الكلبي: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ يعني: جعلنا لإبراهيم مكان البيت أي: موضع البيت، جعله الله منزلاً لإبراهيم، بعث الله تعالى سحابة على قدر البيت فيها رأس يتكلم، فيقول: يا إبراهيم، ابن على قدري وحيالي، فأسس عليها البيت، وذهبت السحابة. ثم بناه حتى فرغ منه، فأوحى الله تعالى إليه:

أَنْ لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وقال أبو قلابة: «بناه من خمسة أجبل: حراء، وثبير، وطور سيناء، ولبنان، وجبل أحد» . وقال الزجاج: وَإِذْ بَوَّأْنا، أي: جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم، والمبوأ: المنزل، يعني: أن الله تعالى علم إبراهيم عليه السلام مكان البيت، فبناه على أسه القديم، وكان البيت قد رفع إلى السماء. قال: ويروى أن البيت الأول كان من ياقوتة حمراء.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «رفع السماء إلى السادسة، يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك، وهو بحيال الكعبة» .

ثم قال: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ، يعني: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: أن طهر بيتي من النجاسات ومن عبادة الأوثان لِلطَّائِفِينَ، يعني: لأجل الطائفين بالبيت من غير أهل مكة وَالْقائِمِينَ، يعني: المقيمين من أهل مكة وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، يعني: أهل الصلاة بالآفاق من كل وجه.

ثم قال الله عزّ وجلّ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، يعني: ناد في الناس، وذلك أن إبراهيم صلوات الله عليه لما فرغ من بناء الكعبة، أمره الله تعالى أن ينادي، فصعد إبراهيم على أبي قبيس ونادى: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم، إن الله تعالى قد بنى بيتاً وأمركم بأن تحجوه فحجّوه وقال مجاهد: فقام إبراهيم على المقام، فنادى بصوت أسمع من بين المشرق والمغرب: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، فأجابوه من أصلاب الرجال: لبيك، لبيك. قال: فإنما يحج من أجاب إبراهيم يومئذٍ. ويقال: التلبية اليوم جواب الله عز وجل من نداء إبراهيم عن أمر ربه، فذلك قوله:

يَأْتُوكَ رِجالًا، يعني: على أرجلهم مشاة وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ، يعني: على الإبل وغيرها.

فلا يدخل بعيره ولا غيره الحرم، إلا وقد ضمر من طول الطريق.

يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، من نواحي الأرض عَمِيقٍ، يعني: بعيد. وقال مجاهد:

الفج الطريق، والعميق البعيد، وقال: إن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين، وقال ابن عباس: «ما آسى على شيء، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشياً لأن الله تعالى قال:

يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ.

قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا كان بيته قريباً من مكة، فإذا حج ماشياً، فهو أحسن. وأما إذا كان بيته بعيداً، فالركوب أفضل. وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: الراكب أفضل، لأن في المشي يتعب نفسه ويسوء خلقه. وإن كان الرجل يأمن على نفسه أن يصبر، فالمشي أفضل، لأنه روي في الخبر: «أن الملائكة عليهم السلام تتلقى الحاج، فيسلمون على أصحاب المحامل، ويصافحون أصحاب البعير والبغال والحمير، ويعانقون المشاة» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском