As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:21–35
24:21–22Page 352
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١
O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.
وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢
And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، يعني: لا تتبعوا تزيين الشيطان ووساوسه بقذف المؤمنين والمؤمنات، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ. وفي الآية مضمر، ومعناه: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ وقع في الفحشاء والمنكر. فَإِنَّهُ، يعني: به الشيطان يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ يعني: المعاصي وَالْمُنْكَرِ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. وروي عن أبي مجلز قال: خُطُواتِ الشَّيْطانِ، النذور في معصية الله تعالى.
ثم قال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ، يعني: ما ظهر وما صلح منكم مِنْ أَحَدٍ أَبَداً، يعني: أحداً ومَنْ صلة. وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي، يعني: يوفق للتوحيد مَنْ يَشاءُ، ويقال: ما زكى، أي ما وحد وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي: أي يطهر. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِمَقالتهم، عَلِيمٌ بهم.
ثم قال عز وجل: وَلا يَأْتَلِ، يعني: لا يحلف، وهو يفتعل من الألية وهي اليمين. قرأ أبو جعفر المدني، وزيد بن أسلم ولا يتألّ على معنى يتفعل، ويقال: معناه ولا يدع أن ينفق ويتصدق، وهو يتفعل من ألوت أني أصنع كذا. ويقال: ما ألوت جهدي، أي ما تركت طاقتي.
وذلك أن أبا بكر كان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره، فلما تكلم بما تكلم به، حلف أبو بكر رضي الله عنه إن لا ينفق عليه، فنزلت هذه الآية: أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ يعني: أُولُوا الْفَضْلِ في دين الله، لأنه كان أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ. وَالسَّعَةِ يعني السعة في المال. وهذا من مناقب أبي بكر رضي الله عنه حيث سماه الله أُولُوا الْفَضْلِ في الإسلام. ويقال: وَلا يَأْتَلِ يعني: ولا يحلف أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ، يعني: أولو الغنى والسعة في المال، والأول أشبه، لكي لا يكون حمل الكلام على التكرار. أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى، يعني: لا يحلف أن لا يعطي ولا ينفق على أُولِي الْقُرْبى يعني: على ذوي القربى وهو مسطح وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وكان مسطح من فقراء المهاجرين ومن أقرباء أبي بكر [[عزاه السيوطي: 6/ 162 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2، 3) عزاه السيوطي: 6/ 162 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.]] .
وَلْيَعْفُوا، يقول: ليتركوا وَلْيَصْفَحُوا يعني: وليتجاوزوا. أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، فقال أبو بكر: أنا أحب أن يغفر الله لي، فقد تجاوزت عن قرابتي، ويقال: إن النبيّ ﷺ قال لأبي بكر: «أَلاَ تُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكَ» ؟ قال: نعم. فقرأ عليه السلام هذه الآية، وأمره بأن ينفق على مسطح «2» . وفي الآية دليل: على أن من حلف على أمر فرأى الحنث أفضل منه، فله أن يحنث ويكفر عن يمينه، ويكون له ثلاثة أجور: أحدها: ائتماره بأمر الله تعال والثاني: أجر بره وذلك صلته في قرابته، والثالث: أجر التكفير. ثم قال تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يعني:
غَفُورٌ لذنوبكم رَحِيمٌ بالمؤمنين.
24:23–26Page 352
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment
يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.
يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥
That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، يعني: العفائف الْغافِلاتِ، يعني:
عن الزنى والفواحش. الْمُؤْمِناتِ، يعني: المصدقات بالألسن والقلوب، لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وأصل اللعن: هو الطرد والبعد، ويقال للشيطان: اللعين، لبعده عن الرحمة. وروي في الخبر: «أن يوم القيامة تكون هذه الأمة شاهدة على الأمم الأولين، إلا الذين تجري على لسانهم اللعنة» . وروي عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلاً يلعن بعيره، فقال: «أَتَلْعَنُهَا وَتَرْكَبُهَا؟» فنزل عنها، ولم يركبها أحد «3» .
قوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يعني: شديد يوم القيامة. وذكر أن حسان بن ثابت ذهب بصره في آخر عمره، فدخل يوماً على عائشة رضي الله عنها، فجلس عندها ساعة، ثم خرج، فقيل لها: إن الله تعالى قال: لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدنيا والآخرة. فقالت عائشة:
أو ليس هذا أعظم؟ يعني: ذهاب بصره. ويقال: عَذابٌ عَظِيمٌ إن لم يتوبوا. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي بِمَا تكلموا.
ثم قال: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، يعني: يوفيهم جزاء أعمالهم. قرأ حمزة والكسائي يَشْهَدُ بالياء بلفظ المذكر، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن الفعل مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث. وقرأ مجاهد الحق بضم القاف، فيكون الحق نعت لله، وتكون قراءة أبي بن كعب شاهدة له، كأنه يقول: يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم، وقراءة العامة: الْحَقَّ بالنصب. وإنما يكون نصباً لنزع الخافض، يعني: يوفيهم الله ثواب دينهم بالحق، أي بالعدل.
وجه أخر: أن يكون الحق نعتاً للدين، ويكون كقوله: حَقًّا ثم يدخل عليه الألف واللام.
ثم قال: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، يعني: عبادة الله هي الحق المبين. ويقال:
ويعلمون أن ما قال الله عزّ وجلّ هو الحق.
ثمّ قال: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ قال الكلبي: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال، يعني: عبد الله بن أبي، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من الكلام على معنى التكرار والتأكيد. ويقال: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، مثل عبد الله بن أبي تكون له زوجة خبيثة زانية، وامرأة النبيّ ﷺ لا تكون زانية خبيثة. ويقال: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ يعني: لا يتكلم بكلام الخبيث إلا الخبيث، ولا يليق إلا بالخبيث. ويقال: الكلمات الخبيثات إنما تليق بالخبيثين من الرجال.
ثم قال: وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، يعني: الطَّيِّباتُ من الكلام لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، ويقال الطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ على معنى التكرار والتأكيد.
ثم قال: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ، يعني: عائشة وصفوان مما يقولون من الفرية، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، يعني: رزقاً في الجنة كثيراً، ويقال: كَرِيمٌ يعني: حسن. وذكر ابن عباس أنه دخل على عائشة رضي الله عنها في مرضها الذي ماتت فيه، فذكرت ما كان منها من الخروج في يوم الجمل وغيره، فقال لها ابن عباس: «أبشري، فإن الله تعالى يقول: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، والله تعالى ينجز وعده» . فسري بذلك عنها.
24:27–29Page 352
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧
O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].
فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨
And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.
لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩
There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ، يعني: بيوتاً ليست لكم حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا، يعني: حتى تستأذنوا. وروي عن سعيد بن جبير: أن عبد الله بن عباس كان يقرأ: حتى تستأذنوا ويقول: تستأذنوا خطأ من الكاتب. وروي عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أخطأ الكاتب في قوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا، وقراءة العامة حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وقال القتبي: الاستئناس أن تعلم من في الدار، يقال: استأنست فما رأيت أحداً، أي استعلمت وتعرفت، ومنه. قوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء: 6] ، أي علمتم. وروي، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار قال: جاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ، فقالت: «يا رسول الله، إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، فكيف أصنع؟ قال: «ارجعي» . فنزلت هذه الآية [[عزاه السيوطي: 6/ 171 إلى الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار.]] : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا. قال مجاهد: وهو التنحنح. وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، يعني:
التسليم والاستئذان خير لكم من أن تدخلوا بغير إذن وسلام، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أن التسليم والاستئذان خير لكم.
قال عز وجل: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً، يعني: إن لم تجدوا في البيوت أحدا يأذن لكم في الدخول، فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ في الدخول، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا، ولا تقيموا على أبواب الناس، فلعل لهم حوائج. هُوَ أَزْكى لَكُمْ، يعني:
الرجوع، أصلح لكم من القيام والقعود على أبواب الناس. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، يعني:
إذا دخلتم بإذن أو بغير إذن. ثم رخص لهم في البيوت على طريق الناس مثل الرباطات والخانات، وذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله، فكيف بالبيوت التي بين الشام ومكة والمدينة التي على ظهر الطريق ليس لها ساكن [[عزاه السيوطي: 6/ 176 إلى ابن أبي حاتم.]] ، فنزل قوله عز وجل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ، مثل الخانات وبيوت السوق. فِيها مَتاعٌ لَكُمْ، يعني: منافع لكم ويقال: الخربات التي يدخل فيها لقضاء الحوائج فيها منفعة لكم، ويقال: في الخانات منفعة لكم من الحر والبرد. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ من التسليم والاستئذان.
24:30–31Page 353
قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠
Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.
وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١
And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.
قوله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ، يعني: يكفوا أبصارهم ومِنْ صلة في الكلام. وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عما لا يحل لهم. وقال أبو العالية الرياحي: كلما ذكر حفظ الفرج في القرآن، أراد به الحفظ عن الزنى، إلا هاهنا، فإن المراد به هاهنا: الستر عن النظر، يعني: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم عن عورات النساء، ويحفظوا فروجهم عن أبصار الناس. وقال النبيّ ﷺ، لعليّ رضي الله عنه: «يا عَلِيُّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإنَّ الأُولَى لَكَ وَالأُخْرَى عَلَيْكَ» . وروي عن عيسى ابن مريم أنه قال: «إياكم والنظرة، فإنها تزرع في القلب شهوة» . فذلك قوله: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ وأطهر من الريبة، يعني: غض البصر والحفظ خير لكم من ترك الحفظ والنظر. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ، يعني: عالم بهم.
قوله عز وجل: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ، يعني: يحفظن أبصارهن عن الحرام، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عن الفواحش، وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن، إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها. روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: «وجهها وكفيها» ، وهكذا قال إبراهيم النخعي. وروي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «الوجه والكفان» ، وهكذا قال الشعبي. وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال: «الوجه والكفان» ، وقال مجاهد: «الكحل والخضاب» . وروى أبو صالح، عن ابن عباس: «الكحل والخاتم» . وروي، عن ابن عباس في رواية أُخرى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها يعني: «فوق الثياب» . وروى أبو إسحاق، عن ابن مسعود أنه قال: «ثيابها» ، وروي عن ابن مسعود رواية أُخرى أنه سئل عن قوله: إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها «فتقنع عبد الله بن مسعود، وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه» .
قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ يعني: ليرخين بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ، يعني:
على الصدر والنحر. قال ابن عباس: «وكنّ النساء قبل هذه الآية يبدين خمرهن من ورائهن، كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية، سدلن الخمر على الصدر والنحر» .
ثم قال: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ، يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن، وهو الصدر والساق والساعد والرأس، لأن الصدر موضع الوشاح، والساق موضع الخلخال، والسّاعد موضع السوار، والرأس موضع الإكليل، فقد ذكر الزينة وأراد بها موضع الزينة. إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ، يعني: لأزواجهن، أَوْ آبائِهِنَّ يعني: يجوز للآباء النظر إلى مواضع زينتهن، أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ. وقد ذكر في الآية بعض ذوي الرحم المحرم، فيكون فيه دليل على ما كان بمعناه، لأنه لم يذكر فيها الأعمام والأخوال، ولكن الآية إذا نزلت في شيء، فقد نزلت فيما هو في معناه، والأعمام والأخوال بمعنى الإخوة وبني الإخوة، لأنه ذو رحم محرم. وقد ذكر الأبناء في آية أُخرى، وهي قوله:
لاَّ جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ [الأحزاب: 55] .
والنظر إلى النساء على أربع مراتب: في وجه: يجوز النظر إلى جميع أعضائها، وهي النظر إلى زوجته وأمته. وفي وجه: يجوز النظر إلى الوجه والكفين، وهو النظر إلى المرأة التي لا يكون محرماً لها، ويأمن كل واحد منهما على نفسه، فلا بأس بالنظر عند الحاجة. وفي وجه: يجوز النظر إلى الصدر والساق والرأس والساعد، وهو النظر إلى امرأة ذي رحم أو ذات رحم محرم، مثل الأخت والأم والعمة والخالة وأولاد الأخ والأخت وامرأة الأب وامرأة الابن وأم المرأة سواء كان من قبل الرضاع أو من قبل النسب، وفي وجه: لا يجوز النظر إلى شيء، وهو أن يخاف أن يقع في الإثم إذا نظر.
ثم قال تعالى: أَوْ نِسائِهِنَّ يعني: نساء أهل دينهن، ويكره للمرأة أن تظهر مواضع زينتها عند امرأة كتابية، لأنها تصف ذلك عند غيرها. ويقال: نِسائِهِنَّ يعني: العفائف، ولا ينبغي أن تنظر إليها المرأة الفاجرة، لأنها تصف ذلك عند الرجال.
ثم قال: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، يعني: الجواري، فإنها نزلت في الإماء وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، يعني: الجواري، فإنها نزلت في الإماء. لا ينبغي للمرأة أن ينظر العبد إلى شعرها، ولا إلى شيء من محاسنها. وقال مجاهد أكره أن ينظر العبد إلى شعر مولاته، وكذلك قال عطاء وطاوس. وقال مجاهد: في بعض القراءات أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، الذين لم يبلغوا الحلم. وروى سفيان، عن ليث قال: كان بعضهم يقرأ: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من الصغار وقال الشعبي: لا ينظر العبد إلى مولاته، ولا إلى شعرة منها.
ثم قال تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، يعني: الخادم أو الأجير للمرأة، يعني:
غير ذوي الحاجة مثل الشيخ الكبير ونحوه، وقال مجاهد: هو الذي لا إرب له، أي لا حاجة له بالنساء، مثل فلان، وكذا روى الشعبي عن علقمة، وقال الحسن والزهري: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ: هو الأحمق، وقال الضحاك: هو الأبله، ويقال: هو الذي طبعه طبع النساء، فلا يكون له شهوة الرجال. وسئلت عائشة رضي الله عنها هل يرى الخصي حسن المرأة؟ قالت: «لا، ولا كرامة، أليس هو رجل؟» قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ بنصب الراء، وقرأ الباقون بالكسر. فمن قرأ بالكسر، يكون على النعت للتابعين، فيكون معناها:
التابعين الذين هذه حالهم. ومن نصب، أراد به الاستثناء، والمعنى: إلا أولي الإربة.
ثم قال: مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، يعني: لم يطلعوا ولم يشتهوا الجماع.
ثم قال: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ، يعني: لا يضربن بإحدى أرجلهن على الأخرى ليقرع الخلخال بالخلخال، لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني: ما يواري الثياب من زينتهن.
وروى سفيان، عن السدي قال: «كانت المرأة تمر على المجلس وفي رجلها الخلخال، فإذا جازت بالقوم ضربت برجلها ليصوت خلخالها، فنزلت: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ وقال بعض المفسرين: قد علم الله تعالى أن من النساء من تكون حمقاء، فتحرك رجلها ليعلم أن لها خلخالاً، فنهي النساء أن يفعلن، كما تفعل الحمقاء.
ثم قال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً، يعني: من جميع ما وقع التقصير من الأوامر والنواهي التي ذكر من أول السورة إلى هاهنا، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، يعني: أيها المصدقون بالله ورسوله.
وفي هذه الآية دليل: أن الذنب لا يخرج العبد من الإيمان، لأنه أمر بالتوبة، والتوبة لا تكون إلا من الذنب، ولم يفصل بين الكبائر وغيرها، فقال بعد ما أمر بالتوبة أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، سماهم مؤمنين بعد الذنب. ثم قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، أي تنجون من العذاب. قرأ ابن عامر أَيُّهَ بضم الهاء، وكذلك في قوله: يا أيّه السّاحر، وأيّه الثقلان، وقرأ الباقون بالنصب.
24:32–34Page 354
وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢
And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣
But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤
And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.
قوله عز وجل: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، والأيَامَى: الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم يقال: رجل أيم وامرأة أيم، كما يقال: رجل بكر وامرأة بكر، ويقال: الأيم من النساء خاصة كل امرأة لا زوج لها، فهي أيم. فأمر الأولياء بأن يزوجوا النساء، وأمر الموالي بأن يزوجوا العبيد والإماء إذا احتاجوا إلى ذلك، فقال للأولياء: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، يعني: من قومكم ومن عشيرتكم. ثم قال للموالي: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ، يعني: من عبيدكم زوجوهم امرأة، وهذا أمر استحباب وليس بحتم، وَإِمائِكُمْ يعني: زوجوا إماءكم لكيلا يقعن في الزنى. إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: يرزقهم الله من فضله وسعته.
وقال بعضهم: هذا منصرف إلى الحرائر خاصة دون العبيد والإماء، وقال بعضهم: انصرف إلى جميع ما سبق ذكرهم من الأحرار والمماليك يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه، والغنى على وجهين: غني بالمال وهو أضعف الحالين، وغنى بالقناعة وهو أقوى الحالين. كما روي في الخبر: «الغنى غنى النفس» . وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «أنْكِحُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَكُمْ بِالْمَالِ» . وقال عمر رضي الله عنه: «ابتغوا الغنى في النكاح» . ثم قرأ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر، فأمره أن يتزوج، فتزوج الرجل، ثم جاء فشكا إليه الفقر، «فأمره بأن يطلقها، فسأل عن ذلك، فقال: قلت لعله من أهل هذه الآية إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. فلما لم يكن من أهلها، قلت لعله من أهل آية أخرى» وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: 130] .
ثم قال: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، أي واسع الفضل، ويقال: واسِعٌ أي موسع في الرزق، يوسع على من يشاء عَلِيمٌ بقدر ما يحتاج إليه كل واحد منهم.
ثم أخبر أنه لا رخصة لمن لم يجد النكاح في الزنى، وأمر بالتعفف للذي لا امرأة له، فقال عز وجل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ، يعني: ليحفظ نفسه عن الحرام الذين لا يَجِدُونَ نِكاحاً، يعني: سعة بالنكاح: المهر والنفقة ويقال: يعني، امرأة موافقة، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه بالنكاح. وقد قيل: إنَّ الصبر والطلب خير من الغارة والهرب.
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ- أي يطلبون الكتابة [[ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .]] -- قال ابن عباس: وذلك أن مملوكاً لحُويطب يقال له صبيح، سأل مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه، فنزلت الآية وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ يعني: يطلبون الكتابة [[ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .]] - مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، يعني: حرفة. قال مجاهد وعطاء، يعني: مالاً. وروي، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: أدَباً وصلاحاً، وقال إبراهيم: يعني: وفاءً وصدقاً. وروى يحيى بن أبي كثير، قال: إن النبيّ ﷺ قال: «إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، أي حِرْفَةً وَلا تُرْسِلُوهُمْ كَلاًّ عَلَى النَّاسِ» . وقال ابن عباس: «الخير المال» ، كقوله إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة: 180] يعني: مالاً، وقيل: خَيْراً، يعني: صلاحاً في دينه، لكيلا يقع في الفساد بعد العتق، وهذا أمر استحباب لا إيجاب. وقال بعضهم: هو واجب. وروى معمر، عن قتادة قال: سأل سيرين أبو محمد بن سيرين، أنس بن مالك بأن يكاتبهُ، فأبى أنس بن مالك، فرفع عليه عمر الدرة وتلا هذه الآية: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً.
ثم قال: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ، يعني: أعطاكم، يعني: يحطّه من الكتاب شيئاً، ويقال: يعطى من بيت المال، حتى يؤدي كتابه. وقال عمر وعلي رضي الله عنهما:
«يترك له ربع الكتابة» ، وقال قتادة: «يترك له العشر» ، وقال إبراهيم: حثّ المولى وغيره بأن يعينوه، هذا أمر استحباب وليس بواجب، وقال بعضهم: الحط واجب، والأول أصحّ.
ثمّ قال: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ، يعني: لا تكرهوا الإماء على الزنى. وقال عكرمة: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ، يقال لها: معاذة، وكان يكلفها الخراج عن الزنى، فنزل: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً يعني: تعففاً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: لتطلبوا بكسبهن وولدهن المال. وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ، يعني: يجبرهن على الزنى، فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ يعني: من بعد إجبارهن على الزنى، غَفُورٌ لذنوبهنّ رَحِيمٌ يعني: الإماء، لأنهن كن مكرهات على فعل الزنى.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ يعني: واضحات وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، يعني: فيه خير من قبلكم من الأمم الماضية وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، لكي يعتبروا بما أصابهم.
24:35Page 354
۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥
Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.
قوله عز وجل: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن عباس رضي الله عنه: «هادي أهل السموات وأهل الأرض» ، ويقال: هادي أهل السموات والأرض من يشاء، وبين ذلك في آخر الآية بقول: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ويقال: معناه، الله مُنَّورُ السموات والأرض، وقال ابن عباس: «بدليل قوله: مَثَلُ نُورِهِ، فأضاف النور إليه» ، وبدليل ما قال في سياق الآية وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً [النور: 40] وروي عن أبي العالية أنه قال: معناه، الله منور قلوب أهل السموات وقلوب أهل الأرض بالمعرفة والتوحيد، يعني: من كان أهلاً للإيمان. ويقال: الله منور السموات والأرض، أما السموات فنورها بالشمس والقمر والكواكب، وأما الأرض فنورها بالأنبياء والعلماء والعباد عليهم السلام.
ثم قال تعالى: مَثَلُ نُورِهِ، يعني: مثل نور المعرفة في قلب المؤمن، كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ يعني: كمثل كوة فيها سراج، ويقال: المشكاة الكوة التي ليست بنافذة، وهي بلغة الحبشة. وروي في قراءة ابن مسعود مَثَلُ نُورِهِ في قلب المؤمن، كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ.
ثم وصف المصباح، فقال: الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، يعني: كمثل سراج في قنديل في كوة، فكذلك الإيمان والمعرفة في قلب المؤمن. والقلب في الصدر، والصدر في الجسد، فشبه القلب بالقنديل، والماء الذي في القنديل سبّه بالعلم، والدهن بالرفق وحسن المعاملة. وشبه الفتيلة باللسان، وشبه النار بالجوف في زجاجة. يعني: في قلب مضيء، ويقال: إنما شبَّه القلب بالزجاجة، لأن ما في الزجاجة يرى من خارجها، فكذلك ما في القلب يرى من ظاهره، ويبيّن ذلك في أعضائه. ويقال: لأن الزجاجة تسرع الكسر بأدنى آفة تصيبها، فكذلك القلب بأدنى آفة تدخل فيه، فإنه يفسد.
ثم وصف الزجاجة، فقال: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، يعني: استنارة القنديل بصفاء الزجاجة كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ. قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم في رواية حفص كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بضم الدال غير مهموز، وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال وبهمز الياء، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر بالضم والهمز. فمن قرأ بضم الدال فهو منسوب إلى الدر، يعني: يشبه في ضوئه الدر. وممن قرأ بكسر الدال يعني: الذي يدرأ عَن نَّفْسِهِ، يعني: لا يكاد يقدر النظر إليه من شدة ضوئه.
ثم قال تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، يعني: السراج يوقد بدهن من شجرة مباركة زَيْتُونَةٍ قرأ أبو عمرو وابن كثير توقد بنصب التاء والواو والقاف بلفظ التأنيث، وأصله:
تتوقد، فحذف إحدى التاءين. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي بضم التاء والتخفيف بلفظ التأنيث، على فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون يُوقَدُ بالياء والضمّ بلفظ التذكير والتفسير على معنى فعل ما لم يسم فاعله. فمن قرأ بالتأنيث انصرف إلى الزجاجة، ومن قرأ بالتذكير انصرف إلى المصباح والسراج.
ثم وصف الشجرة المباركة، فقال: زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يعني: لم تكن بحال يصيبها الشمس في أول النهار ولا يصيبها في آخر النهار، ولكنها في مكان مطمئن تصيبها الشمس في أول النهار وآخره، فكذلك هذا المؤمن تكون كلمة الإخلاص في قلبه ثابتة مثل ثبوت الشجرة. فلا يكون مشبّها، ولا معطّلا، ولا قدرياً، ولا جبرياً، ولكنه على الاستقامة.
ويقال: لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يعني: تكون في وسط الأشجار حتى لا تحرقها الشمس، فكذلك هذا المؤمن بين أصحاب صلحاء، يثبتونه على الاستقامة. وروي عن الحسن أنه قال:
ليس هذه من أشجار الدنيا، لكن من أشجار الآخرة، يعني: أن أشجار الدنيا لا تخلو من أن تكون شرقية أو غربية، ولكن هذه من أشجار الآخرة، فكذلك هذا المؤمن من أصاب المعرفة بتوفيق الله عز وجل.
وقال: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ يعني: أن الزيت في الزجاجة، يكاد أن يضيء، ولو لم يكن موقداً، فكذلك المؤمن يعرف الله تعالى ويخافه ويطيعه، وإن لم يكن له أحد يذكره ويأمره وينهاه.
ثم قال: نُورٌ عَلى نُورٍ، يعني: الزجاجة نور، والسراج نور، والزيت نور، فكذلك المؤمن اعتقاده نور، وقوله نور، وفعله نور. وقال أبو العالية: فهو يتقلب في خمسة من الأنوار: فكلامه نور، وعمله نور، ومخرجه نور، ومدخله نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، يعني: يوفق ويعطي من يشاء، يعني: الهدى. وللآية وجه آخر: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الله مرسل الرسل إلى أهل السموات وأهل الأرض مَثَلُ نُورِهِ يعني: مثل نور محمد ﷺ، فسماه نورا كقوله: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ [المائدة: 15] . ثم قال: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، يعني: مثل نور محمد ﷺ في صلب أبيه، كالقنديل يضيء البيت المظلم. فكما أن البيت يكون مضيئاً بالقنديل، فإذا أخذ منه القنديل يبقى البيت مظلماً، فكذلك محمد ﷺ كان كالقنديل في صلب أبيه، فلما خرج بقي صلب أبيه مظلماً. يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، يعني: نور محمد ﷺ من نور إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يعني: لم يكن إبراهيم عليه السلام يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا، وَلَكِن كان حنيفاً مسلماً. ويقال: لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يعني محمدا ﷺ كان من العرب.
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ يعني: يضيء بطاعته وإن لم يكن نبيا نُورٌ عَلى نُورٍ يعني محمدا ﷺ كان عمله نورا وقوله نورا يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ يعني: يعطي النبوة لمن يشاء. ولها وجه آخر اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يعني: منزل القرآن، فنور بالقرآن السموات والأرض. مَثَلُ نُورِهِ يعني: مثل نور القرآن في قلب المؤمن كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، يعني: قلب المؤمن بالقرآن، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ يعني: ينزل القرآن من رب كريم ذي بركة لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، أي ليس القرآن بلغة السريانية ولا بلغة العبرانية، ولكنه عربي مبين يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، يعني: القرآن يضيء وألفاظه مهذبة، وإن لم تفهم معانيه يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، يعني: يوفق ويكرم بفهم القرآن من يشاء.
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ يعني: الله عزّ وجل يبيّن الأشباه للناس لكي يفهموا، ويقال:
المثل كالمرآة يظهر عنده الحق وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من ضرب الأمثال.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences