As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic
الرحمن
Ar-Rahman
The Beneficent · Medinan · 78 ayahs
55:1–11Page 531
ٱلرَّحۡمَٰنُ ١
The Most Merciful
عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢
Taught the Qur’ān,
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣
Created man,
عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤
[And] taught him eloquence.
ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ ٥
The sun and the moon [move] by precise calculation,
وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ ٦
And the stars and trees prostrate.1
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧
And the heaven He raised and imposed the balance
أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ ٨
That you not transgress within the balance.
وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩
And establish weight in justice and do not make deficient the balance.
وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠
And the earth He laid [out] for the creatures.
فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١
Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]
وهي سبعون وثمان آيات مدنية
قوله تبارك وتعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قال كفار مكة: وَمَا الرحمن؟ أَنَسْجُدُ لِمَا تأمرنا؟ وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب. فأنزل الله تعالى: الرَّحْمنُ فأخبر عن نفسه، وذكر صفة توحيده، فقال:
الرَّحْمنُ يعني: الرحمن الذي أنكروه عَلَّمَ الْقُرْآنَ يعني: أنزل القرآن على محمد ﷺ ليقرأ عليه جبريل- عليه السلام، - ويعلمه، خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: الذي خلق آدم من أديم الأرض. ويقال: خلق محمداً. ويقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ أراد به جنس الإنسان. يعني: جعله مخبراً، مميزاً، حتى يميز الإنسان من جميع الحيوان عَلَّمَهُ الْبَيانَ يعني: الكلام. ويقال:
يعني: الفصاحة. ويقال: الفهم.
ثم قال: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ يعني: بحساب، ومنازل، ولا يتعدانها. ويقال:
بِحُسْبانٍ يعني: يدلان على عدد الشهور، والأوقات، ويعرف منها الحساب وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ وَالنَّجْمُ كل نبات ينبسط على وجه الأرض ليس له ساق، مثل الكرم، والقرع، ونحو ذلك، وَالشَّجَرُ كل نبات له ساق يَسْجُدانِ يعني: ظلهما يسجدان لله تعالى في أول النهار، وآخره ويقال: يَسْجُدانِ يعني: يسبحان الله تعالى كما قال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ويقال: خلقهما على خلقه، فيها دليل لربوبيته، ويدل الخلق على سجوده. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ قال: نجوم السماء، وأشجار الأرض، يسجدان بكرة وعشياً.
ثم قال عز وجل: وَالسَّماءَ رَفَعَها يعني: من الأرض مسيرة خمسمائة عام وَوَضَعَ الْمِيزانَ يعني: أنزل الميزان للخلق، يوزن به، وإنما أنزل في زمان نوح- عليه السلام-، ولم يكن قبل ذلك ميزان أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ يعني: لكي لا تظلموا في الميزان. ويقال:
ووضع الميزان. يعني: أنزل العدل في الأرض ألا تطغوا فى الميزان. يعني: لكي لا تميلوا عن العدل وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ يعني: اعدلوا في الوزن وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يعني: لا تنقصوا حقوق الناس في الوزن. ويقال: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ يعني: أقيموا اللسان بالقول، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يعني: لا تقولوا بغير حق. وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ يعني: بسط الأرض للخلق فِيها فاكِهَةٌ يعني: وخلق من الأرض، من ألوان الفاكهة، وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ يعني: ذات النخيل الطويل، الموقرة بالطلع، ذات الخلق، وإنما العجائب في خلقه، وما يتولد منه لأنه يتولد من النخيل، من المنافع ما لا يحصى. وقال القتبي: ذاتُ الْأَكْمامِ يعني:
ذات الكوى قبل أن تتفتق، وغلاف كل شيء أكمه ذاتُ الْأَكْمامِ يعني: ذات الغلاف.
55:12–18Page 531
وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢
And grain having husks and scented plants.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣
So which of the favors of your Lord would you deny?1
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤
He created man from clay like [that of] pottery.
وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥
And He created the jinn from a smokeless flame of fire.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦
So which of the favors of your Lord would you deny?
رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧
[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨
So which of the favors of your Lord would you deny?
ثم قال: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ يعني: ذو الورق وَالرَّيْحانُ يعني: ثمره. وقال مجاهد: الْعَصْفِ يعني: ورق الحنطة وَالرَّيْحانُ الرزق. وقال الضحاك: الحب، الحنطة، والشعير، الْعَصْفِ: التبن وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
الْعَصْفِ الزرع وَالرَّيْحانُ الورق بلسان حمير. ويقال: الْعَصْفِ السنبل وَالرَّيْحانُ ثمرته، وما ينتفع به. ويقال: الرَّيْحانُ يعني: الرياحين، جمع الريحان وهو نبت لا ساق له. قرأ ابن عامر: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ بنصب الباء، وإنما نصبه لأنه عطف على قوله:
الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وَالْحَبُّ يعني: وخلق الحب ذا العصف وَالرَّيْحانُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ بضم النون والباء، لأنه عطف على قوله: فِيها فاكِهَةٌ وقرأ حمزة، والكسائي، هكذا إلا أنَّهما كسرا النون في قوله:
وَالرَّيْحانُ عطفاً على الْعَصْفِ على وجه المجاورة.
وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه، ثم خاطب الإنس والجن فقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
وإن لم يسبق ذكرهما، لأن في الكلام دليلاً، وقد ذكرهما من بعده، وهو قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تُكَذِّبانِ يعني: تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى. قال بعضهم: آلاء الله ونعماء الله واحد. إلا أن الآلاء أعم، والنعماء أخص. ويقال: الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد، والنعماء: النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب، كقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: 20] وقال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا. مثاله أن رجلاً لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء. وكذلك لسان الأخرس، ورجل مقعد، فله الآلاء، وليست له النعماء. وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية، وإيصال النعمة. فكل ذلك سماه الآلاء. وروى محمد بن المنذر، عن جابر، بن عبد الله، أن النبي ﷺ قرأ على أصحابه سورة الرحمن، فسكت القوم، فقال النبيّ ﷺ: «الجنُّ كَانُوا أَحْسَنَ رَدّاً مِنْكُمْ، مَا قَرَأْتَ عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلاَّ قَالُوا: ولا بواحدة منها فلك الحَمْدُ» . وفي رواية أُخرى: أنه قال: «مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ إلاَّ قَالُوا وَلا بواحدة منها فلك الحمد» .
ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: آدم مِنْ صَلْصالٍ يعني: الطين اليابس الذي يتصلصل أي: يصوت، كما يصوت الفخار. ويقال: الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء، وتشقق. كَالْفَخَّارِ يعني: الطين الذي يصنع به الفخار. وقال في موضع آخر:
خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5] وقال في موضع آخر: مِنْ طِينٍ [السجدة: 7] وقال في موضع آخر: مِنْ صَلْصالٍ فهذا كله قد كان حالاً بعد حال.
وَخَلَقَ الْجَانَّ يعني: أبا الجن. ثم قال هو إبليس: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ يعني: من لهب من نار، وليس لها دخان. وقال بعضهم: خلق من نار جهنم. وقال بعضهم: من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء، ومنها يكون البرق، ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة أنتم. يعني: خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة، وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة. فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى؟.
ثم قال: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: هو رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الشمس، ومشرق القمر. وقيل: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: مغرب الشتاء، والصيف.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟ ومعناه: أنتم حيث ما كنتم من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى، وتأكلون رزقه، وهو عالم حيث ما كنتم، وهو حافظكم، وناصركم، فكيف تنكرون هذه النعم.
55:19–32Page 532
مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩
He released the two seas,1 meeting [one another];
بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠
Between them is a barrier so neither of them transgresses.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١
So which of the favors of your Lord would you deny?
يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢
From both of them emerge pearl and coral.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣
So which of the favors of your Lord would you deny?
وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤
And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦
Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,
وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧
And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨
So which of the favors of your Lord would you deny?
يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ٢٩
Whoever is within the heavens and earth asks Him; every day He is in [i.e., bringing about] a matter.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠
So which of the favors of your Lord would you deny?
سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ ٣١
We will attend to you, O prominent beings.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢
So which of the favors of your Lord would you deny?
قوله عز وجل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ يعني: أرسل البحرين. ويقال: خلَّى البحرين.
ويقال: خلق البحرين يَلْتَقِيانِ يعني: مالح، وعذب، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ يعني: حاجز لاَّ يَبْغِيانِ يعني: لا يختلطان فيغير طعمه. وأصل البغي: التطاول، والجَوْرُ، والظلم. وقال بعضهم: بينهما حاجز لطيف لا يراه الخلق، وإنما العبرة في ذلك أنه لا يرى. ويقال: بعضهم ليس هناك شيء، وإنما تمنعهما من الاختلاط قدرة الله تعالى. ويقال: يَلْتَقِيانِ أي: يتقابلان أحدهما بحر الروم، والآخر بحر فارس. وقيل: بحر الهند بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيانِ أي: لا يختلطان بَيْنَهُما بَرْزَخٌ. بلطف الله تعالى أي: باللطف تمنع عن الامتزاج، وهما بحر واحد، لن يمس أحدهما بالآخر. وقال الزجاج: البرزخ الحاجز، فهما من دموع العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان. وقيل: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ أي: جزيرة العرب. وقيل: بحر السماء، والأرض، كقوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) [القمر: 11- 12] وبينهما برزخ الهواء، والأرض، وسكان الأرض.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: خلق البحرين لمنفعة الخلق، وبين لكم العبرة، وقدرته، ولطفه، لتعتبروا به، وتوحدوه، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى؟.
ثم قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ يعني: من بحر مالح اللؤلؤ وَالْمَرْجانُ ما صغر منه.
ويقال: اللؤلؤ يعني: الصغار وَالْمَرْجانُ يعني: العظام.
وقرأ نافع وأبو عمرو يَخْرُجُ بضم الياء ونصب الراء على فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون: بنصب الياء، وضم الراء. وقرأ بعضهم: بكسر الراء. يعني: يخرج الله تعالى، ونصب اللؤلؤ، والمرجان لأنه مفعول به.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: خلق في البحر اللؤلؤ لمنفعة الخلق، ولصلاحهم، ولكي تعتبروا به، فكيف تنكرون هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ يعني: السفن التي تجري في الماء كَالْأَعْلامِ يعني: كالجبال فشبّه السفن في البحر بالجبال في البر. وقرأ حمزة المنشئات بكسر الشين. والباقون: بالنصب. فمن قرأ: بالكسر يعني: المبتدئات في السير.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أنه جعل السفن في البحر لمنفعة الخلق، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى.
ثم قال عز وجل: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ يعني: كل شيء على وجه الأرض يفنى وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ يعني: ذو الملك، والعظمة، والإكرام، ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ يعني: ذو الملك، والعظمة، والإكرام، يعني: ذو الكرم، والتجاوز، فلما نزلت هذه الآية، قالت الملائكة:
هلكت بنو آدم، فلما نزل كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أيقنوا بهلاك أنفسهم، وهذا من النعم، لأنه يحذرهم، وبين لهم ليتهيؤوا لذلك.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ومعناه إن الله تعالى يعينكم، فتوكلوا عليه، ولا تعتمدوا على الناس، لأنهم لا يقدرون على دفع الهلاك عن أنفسهم، والله هو الباقي بعد فناء الخلق، وهو الذي يتجاوز عنكم، ويعينكم، فكيف تنكرون ربكم الذي خلقكم، وأحسن إليكم؟.
قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الملائكة يسألون لأهل الأرض المغفرة، ويسأل أهل الأرض جميع حوائجهم من الله تعالى.
ثم قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ يعني: في كل يوم يُعز، ويذل، ويحيي، ويميت، ويعطي، ويمنع. وذلك أن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً فنزل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فأخبر الله تعالى أنه يقضي في جميع الأيام، وكان هذا من النعم. وذكر أن الحجاج بن يوسف الثقفي أرسل إلى محمد بن الحنفية يتوعده قال: لأفعلن بك كذا وكذا.
فأرسل إليه محمد بن الحنفية وقال: إن الله تعالى ينظر في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة إلى اللوح المحفوظ، وكل يوم يعز، ويذل، ويعطي، ويمنع فأرجو أن يرزقني الله تعالى ببعض نظراته، أن لا يجعل لك علي سلطان. فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك بهذه الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية، ووضعها في خزانته، فكتب إليه ملك الروم يتوعده في شيء، فكتب إليه عبد الملك بتلك الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية، فكتب إليه صاحب الروم: ولله ما هذا من كنزك، ولا من كنز أهل بيتك، ولكنها من كنز أهل بيت النبوة.
ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: تجحدون نعمته، وأنتم تسألون حوائجكم منه.
قوله عز وجل: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ أي: سنحفظ عليكم أعمالكم أيها الجن والإنس. فنجازيكم بذلك. وروى جبير عن الضحاك في قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ قال: هذا وعيد من غير شغل. إن الله تعالى لا يشغل بشيء. وقال الزجاج: الفارغ في اللغة على ضربين. أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر القصد للشيء، كما تقول سأفرغ لفلان أي:
سأجعل قصدي له. قرأ حمزة، والكسائي، سيفرغ لَكُمْ بالياء. والباقون: بالنون. وكلاهما يرجع إلى معنى واحد. يعني: سيحفظ الله عليكم أعمالكم، ويحاسبكم بما تعملون.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: ما عملتم فإنه لا ينسى، ولا يمنح ثوابه، وينصفكم من ظلمكم، فكيف تنكرون هذه النعم بأنها ليست من الله تعالى؟ واعلموا أن هذه النعم كلها من الله، فاشكروه. فكيف تنكرون من هو يجازيكم بأعمالكم، ولا يمنع ثواب حسناتكم، وينصركم على أعدائكم؟ فهذه النعم كلها من الله، فاشكروه، ووحدوه.
55:33–44Page 532
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ ٣٣
O company of jinn and mankind, if you are able to pass beyond the regions of the heavens and the earth, then pass. You will not pass except by authority [from Allāh].
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤
So which of the favors of your Lord would you deny?
يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ ٣٥
There will be sent upon you a flame of fire and smoke,1 and you will not defend yourselves.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦
So which of the favors of your Lord would you deny?
فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧
And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨
So which of the favors of your Lord would you deny? -
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩
Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠
So which of the favors of your Lord would you deny?
يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١
The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢
So which of the favors of your Lord would you deny?
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣
This is Hell, which the criminals deny.
يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤
They will circulate between it and scalding water, heated [to the utmost degree].
ثم قال: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ يعني: إن قدرتم أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يعني: أن تخرجوا من أطراف السَّمَوَاتِ، والأرض، ونواحيها، فَانْفُذُوا يعني: فاخرجوا إن استطعتم. قال مقاتل: هذا الخطاب للجن، والإنس في الدنيا.
يعني: إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروباً من الموت، فانفذوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: أينما أدرككم الموت. وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا الخطاب في يوم القيامة، وذلك أن السماء تتشقق بالغمام، وتنزل ملائكة السموات، ويقومون حول الدنيا محيطين بها، وجاء الروح وهو ملك يقوم صفّاً وهو أكبر من جميع الخلق، فحينئذٍ يقال لهم: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: لا تنجون إلا بحجة، وبرهان.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بيّن لكم أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا، وترجعوا. ويقال: معناه ذلك اليوم لا يفوته أحد ولا يعينكم أحد غيره، فكيف تجحدون هذه النعم.
ثم قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ يعني: يرسل على كفار الجن، وكفار الإنس، لهب من النار وَنُحاسٌ يعني: الصُّفْر المذاب يعذبون بهما. ويقال: دخان لهب فيه.
ويقال: النحاس هو لباس أهل النار فَلا تَنْتَصِرانِ يعني: لا تُمْنعان من ذلك. قرأ ابن كثير:
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ بكسر الشين. والباقون: بالضم. فهما لغتان، ومعناهما واحد. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: وَنُحاسٌ بكسر السين. والباقون: بالضم. فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار، ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: لا يعينكم أحد غير الله، ولا يحفظكم حين يرسل عليكم العذاب إلا الله فكيف تنكرون قدرته وتوحيده؟.
ثم قال عز وجل: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني: انفرجت السماء لنزول الملائكة، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] .
ثم قال: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ يعني: صارت كدهن الورد الصافي، وهذا قول مقاتل. وقال القتبي: صارت حمراء في لون الفرس. يعني: بمنزلة الدابة الجُلْجُون الذي تغير لونه في كل وقت، يرى لونه على خلاف اللون الأول، ويقال له: المورد ويقال: الدهن الأديم الأحمر بلغة الفارسي. يعني: الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر، يعنون أخضر يضرب إلى سواد، يتغير لونه بياض. ويقال: من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن.
ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، تغيرت السموات من هيبته، ويأمر الخلق بالحساب، فهو الذي ينجيكم من هول ذلك اليوم، فكيف تنكرون هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعني: عن علمه إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يعني:
إنسياً، ولا جنياً لأن الله تعالى قد أحصى عليه: ويقال: لا يسأل سؤال استفهام، ولكن يسأل سؤال التوبيخ والزجر كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) [الحجر: 92] ويقال لا يسأل الكافر لأنه عرف بعلامته.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، أعطاكم الثواب، وأدخلكم في جنته، فكيف تنكرون وحدانيته؟ ويقال: معناه إن الله قد بين لكم أنه يعلم أعمالكم، ونهاكم عن الذنوب، وتجاوز عنكم، فكيف تنكرون، وحدانيته.
قوله عز وجل: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ يعني: يُعرف الكافر بسواد الوجوه، وزرقة الأعين، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب، يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم على وجوههم، فيطرحونهم في النار.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي يدفع عنكم ذلك العذاب إن آمنتم به، وأطعتموه ووحدتموه، فكيف تنكرون هذه النعمة؟.
ثم قال عز وجل: هذِهِ جَهَنَّمُ وذلك أن الكفار إذا دنوا من النار، تقول لهم الخزنة:
هذه جهنم الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يعني: جهنم التى كنتم بها تكذبون في الدنيا.
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ يعني: الشراب الحار الذي قد انتهى حره، وذلك أنه يسلط عليهم الجوع، فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين، فأكلوا منه، فأخذ في حلقهم، فاستغاثوا بالماء، فأتوا من الحميم. فإذا قربوا إلى وجوههم، تناثر لحم وجوههم، فيشربون، فيغلي في أجوافهم، ويخرج جميع ما فيها، ثم يلقى عليهم الجوع، فمرة يذهب بهم إلى الحميم، ومرة إلى الزقوم، فذلك قوله تعالى:
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences