As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic
التوبة
At-Tawbah
The Repentance · Medinan · 129 ayahs
9:1–2Page 187
بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١
[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1
فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢
So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.
مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عباس: كلها مدنية وقال مقاتل: كلها مدنية إلا قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية. قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الماسرخسي قال: حدثنا إسحاق قال: أخبرني أسامة قال: حدثنا عوف بن أبي جميلة قال: حدثني يزيد الفارسي وهو كاتب ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعثمان: «ما حملكم على أن عدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المائين، فقرأتموهما معا ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموهما في السبع الطوال» ؟ فقال عثمان: «كان النبيّ ﷺ تنزل عليه السورة ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب له ويقول: «ضعوا هذه في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا» . وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة في آخر القرآن، وكانت قصتهما يشبه بعضها بعضا فظننت أنها منها، وقبض النبيّ ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» .
وذكر عن الكلبي أنه قال: براءة من الأنفال، فلذلك لم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» وهي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين. وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذلك، فقال: «لأنها نزلت في السيف، وليس في السيف أمان» ، «وبسم الله الرّحمن الرّحيم» من الأمان. وروي عن عائشة أنها قالت: نسي الكاتب أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول هذه السورة، فتركت على حالها.
قوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أي: تبرؤ من الله ورسوله- لمن كان له عهد من المشركين من ذلك العهد ويقال: بَراءَةٌ أي قطع من الله ورسوله إلى من كان له عهد في المشركين من ذلك العهد [[ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .]] - ويقال: هذه السورة بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ- ويقال: هذه الآية بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [[ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .]] - إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وقال ابن عباس: «البراءة نقض العهد إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول: من كان بينه وبين رسول الله عهد، فقد نقضه [[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]] ، وذلك أن المشركين نقضوا عهودهم قبل الأجل، وأمر الله تعالى نبيه فيمن كان له عهد أربعة أشهر، أن يقره إلى أن يمضي أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك أن يحطه إلى أربعة أشهر.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ منها، فأراد الحج، ثم قال: «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» . فأرسل أبا بكر وعلياً، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يجتمعون بها، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي الأشهر الحرم، ثم لا عهد لهم [[عزاه السيوطي 4/ 122 إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.]] فذلك قوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، يعني: فسيروا في الأرض أربعة أشهر آمنين غير خائفين، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ يعني: غير سابقي الله بأعمالكم، وغير فائتين بعد الأربعة الأشهر. ومعناه: إنكم وإن أجلتم هذه الأربعة الأشهر إنكم لن تفوتوا الله. وَأَنَّ اللَّهَ يعني: واعلموا أن الله مُخْزِي الْكافِرِينَ، يعني: مذل الكافرين. ويقال: معذب الكافرين في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار.
9:3–4Page 187
وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣
And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.
إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤
Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
ثم قال عز وجل: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، يعني: إعلام من الله ورسوله. وروي عن أبي هريرة أنه قال: «كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة ببراءة، فقيل: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله وأمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك» .
ويقال: «بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ومعه عشر آيات، وأمره أن يقرأها على أهل مكة، ثم بعث عليّاً وأمره أن يقرأ هذه الآيات» ويقال: إنما أمر علياً بالقرآن، لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وكان عليّ جهوري الصوت، فأراد أن يقرأ عليّ حتى يسمعوا جميعاً فذلك قوله تعالى:
وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. وروي الأعمش، عن عبد الله بن أبي سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم النحر، وقال: «هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر» وقال الحسن: إنما سمي الحج الأكبر، لأنه حج أبو بكر فاجتمع فيها المسلمون والمشركون، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى، فلذلك سمي الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين في ذلك اليوم.
وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: «الحج الأكبر يوم النحر» . وروي عن قيس بن مخرمة أن النبيّ ﷺ قال: «الحج الأكبر يوم عَرَفَةَ» وإنما سمي يوم عرفة يوم الحج الأكبر [[عزاه السيوطي: 4/ 127 إلى الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.]] ، لأنه يوقف بعرفة» . ويقال: الحج الأكبر هو الحج، والحج الأصغر هو العمرة. كما قال ابن عباس:
«العمرة هي الحجة الصغرى» وقال ابن أبي أوفى: «يوم الحج الأكبر يوم إهراق الدماء وحلق الشعر، وهو يوم النحر» .
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، يعني: ورسوله أيضاً بريء من المشركين. وقرأ بعضهم وَرَسُولِهِ بنصب اللام ومعناه: أن رسوله بريء من المشركين، وهي قراءة شاذة.
ثم قال: فَإِنْ تُبْتُمْ، يعني: رجعتم من الكفر، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من الإقامة عليه.
وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ، يعني: أبيتم الإسلام وأقمتم على الكفر وعبادة الأوثان، فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ يعني: لن تفوتوا من عذابه.
ثم قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو القتل في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
ثم استثنى الذين لم ينقضوا العهد فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وهم بنو كنانة وبنو ضمرة ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من عهودكم، وَلَمْ يُظاهِرُوا يقول: ولم يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، يعني: إلى تمام أجلهم. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون نقض العهد.
9:5Page 187
فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ يقول: إذا مضى الأشهر التي جعلتها أجلهم، فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحل والحرم، يعني: المشركين الذين لا عهد لهم بعد ذلك الأجل. ويقال: إن هذه الآية فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ نسخت سبعين آية في القرآن من الصلح والعهد والكف، مثل قوله قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام: 66] وقوله:
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: 22] ، وقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء: 63] ، وقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6] وما سوى ذلك من الآيات التي نحو هذا صارت كلها منسوخة بهذه الآية.
قوله تعالى: وَخُذُوهُمْ، يعني: ائسروهم وشدوهم بالوثاق، وَاحْصُرُوهُمْ يعني:
إن لم تظفروا بهم، فاحصروهم في الحصن والحصار. قال الكلبي: يعني: واحبسوهم عن البيت الحرام أن يدخلوه. وقال مقاتل: وَاحْصُرُوهُمْ يعني: التمسوهم، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ يعني: ارصدوا لهم بكل طريق. وقال الأخفش: يعني: اقعدوا لهم على كل مرصد.
وكلمة «على» محذوفة من الكلام، ومعناه: واقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه. فَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ، يعني: وأقرّوا بالصلاة. وَآتَوُا الزَّكاةَ، يعني: وأقروا بالزكاة المفروضة. فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، يعني: اتركوهم ولا تقتلوهم. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يعني: غَفُورٌ لما كان من الذنوب في الشرك، رَحِيمٌ بهم بعد الإسلام.
فقال رجل من المشركين: يا عليّ، إن أراد رجل منا بعد انقضاء الأجل أن يأتي محمدا ويسمع كلامه، أو يأتيه لحاجة، أيقتل؟ فقال عليّ: «لا» .
9:6–7Page 187
وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦
And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.
كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧
How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، يعني: استأمنك. ويقال: فيه تقديم، ومعناه: وإن استجارك أحد من المشركين، يقول: وإن طلب أحد من المشركين منك الأمان، فَأَجِرْهُ، يقول: فأمنه، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ يعني: اعرض عليه القرآن حتى يسمع قراءتك بكلام الله، فإن أبى أن يسلم ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ يقول: فرده إلى مأمنه من حيث أتاك. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ، يعني: أمرتك بذلك، لأنهم قوم لا يعلمون حكم الله تعالى. وفي الآية دليل: أن حربياً لو دخل دار الإسلام على وجه الأمان، يكون آمناً ما لم يرجع إلى مأمنه.
ثم قال على وجه التعجب: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ويقال:
على وجه التوبيخ، يعني: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله، ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، يعني: بني كنانة وبني ضمرة، وهم لم ينقضوا العهد، فأمر الله تعالى بإتمام عهدهم. ويقال: هم بنو خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة. فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ على وفاء العهد، فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ بالوفاء على التمام. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون ربهم ويمتنعون عن نقض العهد.
9:8–10Page 188
كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨
How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.
ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩
They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.
لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠
They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.
قوله تعالى كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يقول: كيف تقاتلوهم [[في النسخة «ب» كيف لا تقتلونهم.]] . ويقال: كيف يكون لهم عهد، وقد سبق في الكلام ما يدل على هذا الإضمار وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يقول: يغلبوا عليكم ويظفروا بكم. لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً، يعني: لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهداً.
وقال سعيد بن جبير: الإل هو الله تعالى. وقال ابن عباس: «الإل القرابة والذمة والعهد» .
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: بألسنتهم مثل قول المنافقين. وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ، يعني: وتنكر قلوبهم، يقولون قولاً بغير حقيقة. وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ، يعني: عاصون بنقض العهد.
قوله تعالى: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا قال مقاتل: باعوا الإيمان بعرض من الدنيا وذلك أن أبا سفيان كان يعطي الناقة والطعام والشيء، ليصد بذلك الناس عن متابعة النبيّ ﷺ.
وقال الكلبي: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يقول: كتموا صفة رسول الله ﷺ في كتابهم بشيء من المآكلة، يأخذونه من السفلة. إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ، يعني: بئسما كانوا يعملون بصدهم الناس عن دين الله.
قوله تعالى: لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً، يعني: لا يحفظون في المؤمنين قرابة ولا عهداً. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ بنقض العهد وترك أمر الله تعالى.
9:11–12Page 188
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١
But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.
وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢
And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.
قوله تعالى: فَإِنْ تابُوا من الشرك. وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ، يعني: أقروا بهما، فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ، يعني: هم مؤمنون مثلكم. وَنُفَصِّلُ الْآياتِ، يعني: نبيّن العلامات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنه من الله تعالى.
قوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يعني: نقضوا عهودهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ يعني:
بعد أجله، وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ يقول: وعابوا فِى دِينِكُمْ الإسلام، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ يعني: قادة أهل الكفر ورؤساءهم. إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ. قرأ ابن عامر لا أَيْمانَ بالكسر، وهي قراءة الحسن البصري يعني: لا إسلام لهم، والباقون لا أَيْمانَ بالنصب يعني: لا عهد لهم. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَئِمَّةَ بهمزة، واحدة والباقون بهمزتين. ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ، يعني: لعلهم ينتهون عن نقض العهد.
9:13–16Page 188
أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣
Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.
قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤
Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people
وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥
And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦
Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.
ثم حث المؤمنين على قتال كفار قريش، وذلك قبل فتح مكة، فقال عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يقول: نقضوا عهودهم من قبل أجلها. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ يقول: هموا لقتال الرسول، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة. أَتَخْشَوْنَهُمْ أي: أفلا تقاتلونهم؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك أمره، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى.
ثم وعد لهم النصرة، فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، يعني: بالقتل والهزيمة وَيُخْزِهِمْ يعني: ويذلهم بالهزيمة، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: على قريش، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يعني: ويفرح قلوب بني خزاعة. وفي الآية دلالة نبوة محمد ﷺ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبيّ ﷺ أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم.
قال الفقيه: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال: حدثنا محمد بن الحسن الجوى باري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال: لما واعد رسول الله ﷺ أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكان بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، ثم كان بين بني خزاعة وبين بني بكر قتال: فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم، ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد وجدد الحلف ثانيا، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض عهد- يعني: إن الذي أطعم الطعام فلا يكون عليه نقض عهد [[ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .]] - فانطلق أبو سفيان في ذلك، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله ﷺ: «قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ» . فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس، فقال له أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر: أن نقضتم، أن نقضتم؟ [[في النسخة «ب» نقضتم.]] فما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى، فقال له أبو سفيان: ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة يعني: شاهداً على هلاك قومه مثلك. ثم أتى فاطمة فقال لها: يا فاطمة، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر، فقالت: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك، فقال له عليّ:
ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك، أنت سيد الناس، فجدِّد الحلف وأصلح بين الناس. فضرب أبو سفيان يمينه على يساره فقال: أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه فأخبرهم بما صنع، فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد قوم والله ما جئتنا بصلح فنأمن، ولا بحرب فنحذر وقدم وافد بني خزاعة على النبيّ ﷺ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً:
اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا ... حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا
إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أذلّ وأقلّ عددا
هم بيّتونا بالوتين هجدا [[في النسخة: «ب» بالحطيم.]] ... وقتلونا ركّعا وسجّدا
إسلامنا قد صحّ لم ننزع يدا ... فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا
وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا [[قال السيوطي في الدر المنثور: 4/ 138- 139: أخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور ابن مخرمة. وفيه أن عمرو بن سالم قدم المدينة على رسول الله ﷺ بأبيات أنشده إياها.]]
فأمر النبيّ ﷺ بالرحيل. وروي في خبر آخر أن النبيّ ﷺ قال: «والله، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً» [[حديث ابن عباس: أخرجه أبو داود (3285) والبيهقي: 10/ 47- 48 والطحاوي: 2/ 379 وأبو يعلى (2674) .]] . وقال: «والله لا نُصِرْتُ، إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ» . فخرج إلى مكة ومعه عشرة آلاف رجل، ثم رجعنا إلى حديث عكرمة قال: فتجهزوا. وأقبل رسول الله ﷺ بالناس، حتى نزلوا برمال الظهران، فخرج أبو سفيان من مكة، فرأى العسكر والنيران فقال: ما هذه؟ فقيل: هؤلاء بنو تميم. فقال: والله هؤلاء أكثر من أهل منًى. فلما علم أنه رسول الله ﷺ، تنكَّر وأقبل يقول:
دلوني على العباس، فأتاه فانطلق به إلى رسول الله ﷺ، حتى أدخله عليه، فقال له: رسول الله ﷺ: «يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَسْلِمْ تسلم» . فقال أبو سفيان: كيف أصنع بالَّلات والعزى؟
قال حماد بن زيد: حدثني أبو الخليل، عن سعيد بن جبير، أن عمر قال وهو خارج من القبة، وفي عنقه السيف: «أخر عليهما، أما والله لو كنت خارجاً عن القبة ما سألت عنهما أبدا، قال: من هذا؟ فقالوا: عمر بن الخطاب، فأسلم أبو سفيان، فانطلق به العباس إلى منزله، فلما أصبح رأى الناس قد تحركوا للوضوء والصلاة، فقال أبو سفيان للعباس: يا أبا الفضل، أو أمروا فيَّ بشيء؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة، فتوضأ ثم انطلق به إلى رسول الله ﷺ، فلما قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة قاموا، فلما كبر كبروا، فلما ركع ركعوا، فلما سجد سجدوا. فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، ما رأيت كاليوم طاعة قوم، لا فارس الأكارم، والروم ذات القرون.
قال حماد بن زيد: فزعم يزيد بن حازم، عن عكرمة أنه قال: يا أبا الفضل، أصبح ابن أخيك عظيم الملك، فقال له العباس: إنه ليس بملك ولكن نبوة. قال: هو ذاك. فقال حماد:
قال أيوب ثم قال: «واصباح قريش» فقال العباس: يا رسول الله، لو أذنت لي فأتيتهم ودعوتهم، وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئاً يذكر به. قال ﷺ: «فَافْعَلْ» فركب العباس بغلة رسول الله ﷺ، ودخل مكة فنادى: يا أهل مكة أسلموا تسلموا فقد استبطأتم بأشهب باذل، قد جاءكم الزبير من أعلى مكة، وجاء خالد من أسفل مكة، وخالد وما خالد، والزبير وما الزبير، ثم قال:
من أسلم فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل وأغلق بابه فهو آمن ومن تعلّق بأستار الكعبة فهو آمن. ثم إن رسول الله ﷺ ظهر عليهم، فآمن الناس جميعاً إلا بني بكر من أجل خزاعة، فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله تعالى:
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وهم خزاعة. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ يعني: حقد قلوب خزاعة. وروى مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة، آمن الناس إلا ستة نفر: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن ضبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وامرأتين فقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» .
وروى عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ حين سار إلى مكة، ذكر إلى أن قال: «دخل صناديد قريش من المشركين إلى الكعبة، وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فطاف رسول الله ﷺ بالبيت فصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تَقُولُونَ وما تظنّون؟» قالوا: نقول أخ كريم، وابن عم حليم رحيم. قال: أقول كما قال يوسف:
«لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» فخرجوا كأنما نشروا من القبور ودخلوا في الإسلام، وخرج رسول الله ﷺ من الباب الذي يلي الصفا فخطب والأنصار أسفل منه، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما إن الرجل أخذته الرأفة بقومه وأدركته الرغبة في قرابته، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ: «أَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ وَالله إِنِّي رَسُولُ الله حَقّاً، إنّ محياه لمحياكم، وإنّ مماته لَمَمَاتُكُمْ» .
فقالوا: يا رسول الله، قلنا مخافة أن تفارقنا ضناً بك. قال: «أَنْتُمْ الصَّادِقُونَ عِنْدَ الله وَعِنْدَ رَسُولِهِ» .
قال الله تعالى: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، يعني: من أهل مكة يهديهم الله لدينه.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن يؤمن من خلقه، حَكِيمٌ في أمره.
قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا، وذلك أنه لما أمرهم الله تعالى بالقتال، شق ذلك على بعض المؤمنين، فنزل قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا، يعني: أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها المؤمنون، ولا تبتلوا بالقتال ولا تؤمروا به. وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، يعني:
لم يميز الله الذين جاهدوا مِنكُمْ من الذين لم يجاهدوا. وقد كان يعلم الله ذلك منهم قبل أن يجاهدوا وقبل أن يخلقهم، ولكن كان علمه علم الغيب، ولا يستوجبون الجنة والثواب بذلك العلم، وإنما يستوجبون الثواب والعقاب بما يظهر منهم من الجهاد. ويقال: معناه أظننتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد وبغير تعب النفس؟ وهكذا قال في آية أخرى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] . وكما قال في آية أُخرى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: 2] الآية.
ثم قال: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ، يعني: لم يتخذوا أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله تعالى ولا رسوله، يعني: ولا من دون رسوله، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ، يعني: يميِّزهم من غيرهم، وَلِيجَةً يعني: بطانة من غير أهل دينه، ليفشي إليه سره. وقال الزجاج: الوليجة البطانة، وهي مأخوذة من ولج الشيء في الشيء إذا دخل، يعني: ولم يتخذوا بينهم وبين أهل الكفر خُلَّةً ومودة. ويقال: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بأن النبيّ ﷺ يريد الخروج إليهم، وأراد بذلك مودة أهل مكة، وفيه نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: 1] الآية.
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ، يعني: من الخير والشر والجهاد والتخلف ومودة أهل الكفر.
9:17–18Page 189
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨
The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.
قوله تعالى: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ، قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مَساجِدَ بلفظ الجماعة، وكذلك الثاني يعني: جميع المساجد. وقرأ الباقون الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف. وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف، يعني:
المسجد الحرام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف، يعني:
المسجد الحرام. ومن قرأ مَساجِدَ أيضاً، يجوز أن يحمل على المسجد الحرام، لأنه يذكر المساجد ويريد به مسجدا واحدا، كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: 51] ، يعني به: النبي ﷺ.
ثم قال تعالى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، يعني: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، يعني: لا ثواب لهم بغير إيمان. أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، يعني: بطل ثواب أعمالهم، ويقال: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: كلامهم يشهد عليهم بالكفر. وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ، يعني: يكونون في النار هم دائمون، ويقال: شاهدين على أنفسهم يوم القيامة، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان. وروى أسباط، عن السدي في قوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أنه قال: يسأل النصراني ما أنت؟ فيقول: نصراني، ويسأل اليهودي ما أنت؟ فيقول: يهودي، ويسأل المشرك ما أنت؟ فيقول: مشرك، فذلك قوله تعالى شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ.
ويقال: الآية نزلت في شأن العباس حين أُسِر يوم بدر، فأقبل عليه نفر من المهاجرين وعيّروه بقتال النبيّ ﷺ وبقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟» فقال له عليّ رضي الله عنه: «فهل لكم من المحاسن شيء؟» فقال: «نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف» فنزل مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ إلى قوله: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ.
قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، يعني: صدق بوحدانية الله تعالى.
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يعني: آمن بالبعث بعد الموت، لأن عمارة المسجد بإقامة الجماعات، وهم كانوا لا يقيمون الصلاة، فلم يكن ذلك عمارة المسجد، فذلك قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ، يعني:
يداوم على الصلوات الخمس، ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها، وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة، وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يعني: ولم يعبد إلا الله ولم يوحّد غيره فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، يعني: أُولئك هم المهتدون لدينه، ولهم ثواب أعمالهم.
9:19Page 189
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: كإيمان من آمن بالله وَجاهَدَ في طاعة الله. وقال القتبي:
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ، يعني: صاحب سقاية الحاج كمن آمن بالله؟ ويقال: أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله؟ كما قال في آية أخرى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج: 40] والصلوات لا تهدم، وإنما أراد به بيوت الصلوات، كما قال مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: 13] ، يعني: أهل قريتك. كذلك هاهنا سقاية الحاج، أراد به صاحب السقاية. قرأ بعضهم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام يعني: جمع الساقي والعامر، وهي قراءة شاذة.
ثم قال: لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: لا يستوون في الثواب والعمل عند الله. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يعني: لا يرشد المشركين إلى الحجة، ويقال: لا يكرمهم بالمعرفة ما لم يتركوا كفرهم. كما قال في آية أُخرى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] .
9:20–22Page 189
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢
[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.
قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا، يعني: صدقوا بوحدانية الله، وَهاجَرُوا إلى المدينة. وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، يعني: هؤلاء أفضل عند الله، وأفضل درجة في الجنة من الذين لم يهاجروا ولم يؤمنوا ولم يعمروا المسجد الحرام، ولم يسقوا الحاج. وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، يعني: الناجين من النار.
قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ، يعني: يفرحهم بِرَحْمَةٍ، يعني: بجنة مِنْهُ وَرِضْوانٍ رضي الله تعالى عنهم كما قال في آية أخرى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة: 22] بالثواب الذي أعطاهم.
ثم قال تعالى: وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ، يعني: دائماً لا ينقطع عنهم. خالِدِينَ فِيها، يعني: مقيمين دائمين في الجنات أَبَداً، هو تأكيد للخلود. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وهي الجنة.
9:23Page 190
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ، يعني: الذين بمكة أولياء. قال مقاتل: نزلت الآية في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهاهم الله تعالى عن ولايتهم. وقال في رواية الكلبي: لما أُمر رسول الله ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فجعل الرجل يقول لامرأته ولأخيه: إنا قد أمرنا بالهجرة. فيخرج معه، ومنهم من تعلّق به زوجته وعياله فيرقّ لهم، فيقولون له: لمن سوف تدعنا حتى نضيع؟ فيرق لهم ويجلس معهم، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ في الدين والعون إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ، يعني: إن اختاروا الكفر عَلَى الْإِيمانِ، ويقال: اختاروا الكفر عَلَى الإيمان، ويقال: اختاروا الجلوس مع الكفار على الجلوس مع المؤمنين. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ بعد نزول هذه الآية، فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي: الضارون بأنفسهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences