As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:24–39
9:24Page 190
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ، يعني:
قومكم. قرأ عاصم في رواية أبي بكر وعَشِيرَاتُكُمْ بالألف بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون وَعَشِيرَتُكُمْ بغير ألف. وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها، يعني: اكتسبتموها بمكة، وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها يعني: تخشون أن تبقى عليكم فلا تنفق، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها يعني: منازلكم بمكة تعجبكم الإقامة فيها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: أن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة، وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ يعني: في طاعة الله فَتَرَبَّصُوا، يعني: فانتظروا، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، يعني: فتح مكة، ويقال: الموت والقيامة. وقال الضحاك: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ يعني: حتى يأمر الله بقتال آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم.
ثم قال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. وهذا وعيد من الله تعالى للذين لم يهاجروا، ويقال: من أول سورة براءة إلى قوله: وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة: 11] نزلت بعد فتح مكة. ثم من قوله: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ [التوبة: 12] إلى هاهنا، كان نزل قبل فتح مكة فوضع هاهنا.
9:25Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
ثم بعد هذا، نزلت بعد فتح مكة وهو قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة: 5] ، فأمرهم الله تعالى بأن يقاتلوا ويتوكلوا على الله، ويطلبوا النصرة منه، ولا يعتمدوا على الكثرة والقلة، لأن النصرة من الله تعالى فذلك قوله: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، يعني: من مشاهد كثيرة وهو يوم بدر، ويوم بني قريظة، ويوم خيبر، ويوم فتح مكة، وخاصة يوم حنين يعني: نصركم الله في مواطن كثيرة. إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، يعني: جماعتكم، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً يعني: عن قضاء الله تعالى لم تغن كثرتكم شيئاً. وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى حنين في اثني عشر ألفاً، وعشرة آلاف خرجوا معه من المدينة إلى فتح مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة، فَقَالَ رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة: لن نغلب اليوم من قلة. وقد كان فتح مكة في شهر رمضان، وبقيت عليه أيام من رمضان، فمكث حتى دخل شوال. فبعث رسول الله ﷺ رجلاً من بني سليم عيناً له يقال له عبد الله بن أبي حدرد، فأتى حنينا فكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع من مالك بن عوف أمير القوم يقول لأصحابه: أنتم اليوم أربعة آلاف رجل، فإذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، واكسروا جفون سيوفكم، فو الله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئاً إلا أفرج لكم. وكان مالك بن عوف على هوازن، فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى النبيّ ﷺ، فأخبره بمقالتهم، فقال رجل من المسلمين: فو الله يا نبيّ الله ﷺ لا نغلب اليوم من كثرة، فساء رسول الله ﷺ كلمته، وابتلى الله المؤمنين بكلمته تلك.
قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر قال: حدثنا الفقيه علي بن أحمد الفارسي قال: حدثنا نصير بن يحيى قال: حدثنا أبو سليمان قال: حدثنا الفقيه محمد بن الحسن، عن مجمع بن يعقوب، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «لما انتهى رسول الله ﷺ إلى وادي حنين، وهو وادي من أودية تهامة له مضايق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن جيش لا والله ما رأيت مثله في ذلك قط من السواد والكثرة، وقد ساقوا أموالهم ونساءهم وأبناءهم وراءهم. ثم صفوا، فحملوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاءوا بالإبل والغنم وراء ذلك لكيلا يفروا بزعمهم. فلما رأينا ذلك السواد، حسبناهم رجالاً كلهم. فلما انحدرنا بالوادي، وهو وادي حدور، فبيَّنا نحن فيه إذ شعرنا، أي ما شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضايق الوادي وشعبه، فحملوا علينا حملة رجل واحد. وقد كانت قريش بمكة طلبوا إلى النبيّ ﷺ أن يخرجوا معه إلى حنين، فلم يقل لهم لا ولا نعم، فخرجوا وكانوا هم أول من انهزم من الناس. قال أنس: فولوا دبرهم، وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء. فسمعت رسول الله ﷺ يومئذ يقول، والتفت عن يمينه وعن يساره: «يَا أَنْصَارَ الله وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ، أَنَا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ صَابِرٌ اليَوْمَ» ، ثم تقدم بحربته أمام الناس، فو الذي بعثه بالحق ما ضربنا بسيف ولا طعنا برمح، حتى هزمهم الله تعالى. ثم رجع النبيّ ﷺ إلى المعسكر، وأمر بطلبهم وأن يقتل كل من قدر عليه منهم [[عزاه السيوطي: 4/ 159 إلى ابن شيبة وأحمد والحاكم وصححه وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.]] .
وجعلت هوازن تولي، وثاب من انهزم من المسلمين. قال الراوي: فقالت أم سليم وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب تقول: أرأيت يا رسول الله الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم إن أمكنك الله منهم، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين. فقال رسول الله ﷺ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، عَفْوُ الله أَوْسَعُ» .
وروي في خبر آخر: أن دريد بن الصمة كان شيخاً كبيراً في عسكر مالك بن عوف، وكان صاحب تدبير، وكان لا يبصر شيئا ما لم يرفع حاجباه. فقال: ما لي أسمع رغاء الإبل وثغاء الغنم وصوت الصبيان؟ فقالوا له: إن مالك بن عوف أمرنا بإخراج الأموال لكي يقاتل كل واحد منهم عن ماله. فقال لهم: هلا أخبرتموني بذلك قبل الخروج فقال: هل يرى المنهزم شيئا؟ فالرجل إذا جاءته الهزيمة متى يبالي بماله وولده؟ ولكن إذا فعلتم ذلك فاكسروا جفون سيوفكم، واحملوا حملة رجل واحد. ففعلوا ذلك، فانهزم المسلمون، ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا العباس، وأبو سفيان بن حرب بن عبد المطلب، وعدة من الأنصار. فنزل رسول الله ﷺ عن بغلته، وأخذ السيف نحو العدو، وجعل ينادي: «يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ، يَا أَصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ إِليَّ إليّ» فأمدّه الله بخمسة آلاف من الملائكة، ورجع إليه المسلمون، وانهزم المشركون، وأخذ المسلمون أموالهم، وهو الذي يسمى يوم أوطاس، فنزلت هذه الآية لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ فأخبر الله تعالى أن الغلبة ليست بكثرتكم، ولكن بنصر الله تعالى، وكان ذلك مِنْ آيات الله.
ثم قال: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ يعني: برحبها وسعتها من خوف العدو، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ يعني: منهزمين لا تلوون على أحد.
9:26–27Page 190
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: رحمته وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً، يعني: خمسة آلاف من الملائكة لَمْ تَرَوْها وفي الآية دليل: أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل الكبيرة، لأنهم ارتكبوا الكبيرة حيث هربوا وكان عددهم أكثر من عدد المشركين، فسماهم الله تعالى مؤمنين. وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: بالقتل والهزيمة.
وَذلِكَ يعني: ذلك العذاب جَزاءُ، عقاب الْكافِرِينَ.
قوله: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ من أصحاب مالك بن عوف، من كان أَهْلاً للإسلام. - وروي عن محمد بن كعب القرظي [[ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .]] - قال: لما انهزم مالك بن عوف، سار مع ثلاثة آلاف، فقال لأصحابه: هل لكم أن تصيبوا من محمد مالاً؟ قالوا: نعم. فأرسل إلى النبي ﷺ: إني أريد أن أسلم، فما تعطيني؟ فأرسل إليه النبيّ ﷺ: «إِنِّي أُعْطِيكَ مِائةً مِنَ الإِبِلِ وَرُعَاتَهَا» . فجاء فأسلم، فأقام يومين أو ثلاثة، فلما رأى المسلمين ورقتهم وزهدهم واجتهادهم، رق لذلك فقال له رسول الله ﷺ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ أَلاَ نَفِي لَكَ بِمَا أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الشَّرْطِ؟» فقال: يا رسول الله، أمثلي يأخذ على الإسلام شيئاً؟ قال: فكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن افتتح عامة الشام، ثم قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ لما كان في الشرك، رَحِيمٌ بهم في الإسلام.
9:28Page 191
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، يعني: قذر ورجس، ولم يقل أنجاس، لأن النَّجَس مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا فهذه الآية من الآيات التي قرأها عليهم علي بن أبي طالب بمكة، يعني: لا يدخلوا أرض مكة، وقال مقاتل: يعني: الحرم كله، وقال مالك بن أنس: لا يجوز للكفار أن يدخلوا المساجد، لأن الله تعالى قال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ كما أن الجنب لا يجوز له أن يدخل المسجد.
وقال الزهري: له أن يدخل جميع المساجد إلا المسجد الحرام، وهو قول الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه: يجوز للذمي أن يدخل جميع المساجد، لأن الكفار كانوا يدخلون مسجد المدينة إذا قدموا وافدين من قومهم. وهذه الآية نزلت في شأن أهل الحرب: إنهم لا يدخلون المسجد الحرام بغير أمان، ولا يكون لهم ولاية البيت. وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «لا يدخلون المسجد الحرام إلا بإذن أو عهد» .
ثم قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، يعني: حاجة وفقراً. وقال الزجاج: العيلة الفقر، كما قال الشاعر:
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاه ... وَلاَ يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
ثم قال: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي من رزقه وذلك أنه لما منع المشركون من مكة، قال أناس من التجار لأهل مكة: من أين تأكلون؟ فنزل وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
، يعني: من رزقه، ففرحوا بذلك، فأسلم أهل جدة وصنف من أهل اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة من البر والبحر، وأغناهم الله بذلك، يعني: أغناهم عن تجار الكفار بالمؤمنين. ثم قال: إِنْ شاءَ، يعني: يدوم لكم بمشيئة الله. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ في أمره.
9:29Page 191
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩
Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.
قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، يعني: لا يصدقون بتوحيد الله، وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ بالبعث بعد الموت، وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، في التوراة والإنجيل والقرآن، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، يقول: لا يخضعون لدين الحق، ولا يقرون بشهادة لا إله إلا الله. ومعناه: لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، لأن أهل الكتاب كانوا يقرون بالله، ولكنهم قالوا: لله ولد، وأقروا بالبعث، ولكنهم لا يقرون لأهل الجنة بالنعمة، ولأنهم لا يقرون بالأكل والشرب والجماع ولا يقرّون كما أعلم الله تعالى فليسوا يدينون بدين الحق، يعني: دين الإسلام ويقال: دين الله تعالى، لأن الله تعالى هو الحق، فأمر الله تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية. وهو قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ قال بعضهم: عن قهر وذلّ، كما تقول: اليد في هذا لفلان، يعني: الأمر النافذ لفلان. ويقال: عَنْ يَدٍ، يعني: عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية وترك أنفسهم يد ونعمة عليهم. ويقال: عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. ويقال: عَنْ يَدٍ يعني: عن قيام، يمشون بها صاغرين، تؤخذ من أيديهم. وقال الأخفش: يعني: كرهاً. وَهُمْ صاغِرُونَ، يعني: ذليلين.
قال الفقيه: قتال الكفار على ثلاثة أنواع: في وجه: يقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم مشركو العرب والمرتدون من الأعراب أو من غيرهم. وفي وجه: يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وهم اليهود والنصارى والمجوس. فأما اليهود والنصارى فبهذه الآية، وأما المجوس فبالخبر، وهو قوله ﷺ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ» [[عزاه السيوطي: 4/ 169 إلى مالك والشافعي وأبي عبيد في الأموال وابن أبي شيبة عن عمر، عن عبد الرحمن بن عوف.]] وفي الوجه الثالث: اختلفوا فيه، وهم المشركون من غير العرب وغير أهل الكتاب، مثل الترك والهند ونحو ذلك، في قول الشافعي: لا يجوز أخذ الجزية منهم، وفي قول أبي حنيفة وأصحابه: يجوز أخذ الجزية منهم، كما يجوز من المجوس، لأنهم من غير العرب.
9:30–31Page 191
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠
The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?
ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١
They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.
قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قرأ عاصم والكسائي عُزَيْرٌ بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين فمن قرأ بالتنوين، فلأنّ الابن خبر، وليس بنسبة، ومن قرأ بغير تنوين فلالتقاء الساكنين، كما قرأ بعضهم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: 1] بغير تنوين. فلا اختلاف بين النحويين: أن إثبات التنوين أجود من طريق أهل اللغة. وإنما قالت اليهود ذلك، لأنه لما خرّب بخت نصّر بيت المقدس وأحرق التوراة، حزنوا على ذهاب التوراة، فأملاها عليهم عزير صلوات الله عليه عن ظهر قلبه، فتعلموها وفي أنفسهم منها شيء مخافة أن يكون قد زاد فيها أو نقص منها شيئاً. فبينما هم كذلك، إذ وقعوا على خوابي مدفونة في قرية فيها التوراة، فعارضوا بها ما كتبوا من عزير، فلم يزد شيئاً ولم ينقص حرفاً، فقالوا عند ذلك: ما علم عزير هذا، إلا وهو ابن الله.
وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وإنما قالوا ذلك، لأن المسيح كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله تعالى، فقالوا: لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله. ويقال:
إنّ الإفراط في كل شيء مذموم، لأن النصارى أفرطوا في حب عيسى عليه السلام وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا بسبب ذلك. واليهود أفرطوا بحب عزير، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا، كما أفرطت الروافض في حب عليّ حتى أبغضوا غيره. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوما» .
ثم قال تعالى: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: ذلِكَ كذبهم بألسنتهم، ويقال: معناه يقولون بأفواههم قولاً بلا فائدة، ولا برهان، ولا معنى صحيح تحته.
ثم قال: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يوافقون قول الذين كَفَرُواْ مِنْ قَبْلُ، حين قالوا: الملائكة بنات الله. وقال قتادة: يشبهون قول الذين كفروا، يعني: قول اليهود موافق قول النصارى، وقول النصارى يوافق قول اليهود. ويقال: يتشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم، يعني: إنما قالوا اتباعاً لهم، بدليل قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ. قرأ عاصم يضاهئون بكسر الهاء مع الهمزة، وهي لغة لبعض العرب وقرأ الباقون بالسكون بغير همزة، وهي اللغة المعروفة. وقال القتبي: يُضاهِؤُنَ يعني: يشبهون، قول من كان في عصر النبيّ ﷺ من اليهود والنصارى، قول أوليهم الذين كانوا قبلهم.
ثم قال تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، يعني: لعنهم الله. أَنَّى يُؤْفَكُونَ، يعني: من أين يكذبون بتوحيد الله تعالى. ثم قال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ، يعني: أهل الصوامع والمتعبدين منهم. أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: اتخذوهم كالأرباب يطيعونهم في معاصي الله.
قال الفقيه الزاهد: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال:
حدثنا محمد بن عيسى قال: حدّثنا الحسن بن يزيد الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعيد، عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ من سورة براءة اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ولكن كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلُّوا، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئَاً حرّموا» [[عزاه السيوطي 4/ 174 إلى ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في سننه.]] .
ثم قال: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، يعني: اتخذوا المسيح رباً من دون الله. وَما أُمِرُوا، يقول وما أمرهم عيسى عليه السلام إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، يعني: إلا قوله:
الله ربي وربكم ويقال: وَما أُمِرُوا في جميع الكتب إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها يعني: ليوحدوا الله تعالى إلها واحداً. ثم نزه نفسه فقال تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يعني: يعبدون من دونه.
9:32–33Page 192
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣
It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.
ثم قال عز وجل: يُرِيدُونَ، يعني: اليهود النصارى أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: يريدون أن يردوا القرآن تكذيباً بألسنتهم ويقال: يريدون أن يغيروا دين الإسلام بألسنتهم، ويقال: يريدون أن يبطلوا كلمة التوحيد بكلمة الشرك. وَيَأْبَى اللَّهُ، يعني: لا يرضى الله ولا يترك إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، يعني: يظهر دينه الإسلام. وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ فيظهره.
ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى، يعني: بالقرآن والتوحيد، وَدِينِ الْحَقِّ يعني: دين الإسلام ويقال: دين الله، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حتى: يظهره بالحجة على الدين كله ويقال: بالقهر والغلبة والرعب في قلوب الكفار وقال ابن عباس:
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: بعد نزول عيسى عليه السلام لا يبقى أحد إلا ودخل في دين الإسلام، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
9:34–35Page 192
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤
O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.
يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥
The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ، قال السدي: الأحبار اليهود، والرهبان النصارى. وقال ابن عباس: «الأحبار العلماء، والرهبان أصحاب الصوامع» .
لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، يعني: بالظلم بغير حق، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني:
يصرفون الناس عن دين الله. ثم بيّن الله تعالى حالهم للمؤمنين لكي يحذروا منهم ولا يطيعونهم.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني:
يجمعون ويمنعون زكاتها. قال بعضهم: هذا نعت للأحبار والرهبان، وقال بعضهم: هذا ابتداء في حق كل من جمع المال ومنع منه حق الله، وقال ابن عباس: «الكنز الذي لا يؤدى عنه زكاته» [[عزاه السيوطي: 4/ 177 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.]] .
وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال: «أي مال كان على وجه الأرض لا تؤدى زكاته، فهو كنز يعذب صاحبه يوم القيامة وما كان في الأرض تؤدى زكاته، فليس بكنز» . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كان أكثر منها فهو كنز» .
ثم قال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ، يعني: أهل هذه الصفة الذين يكنزون الذهب والفضة، وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: لا يؤدون حقها في طاعة الله تعالى. وقال: وَلا يُنْفِقُونَها ولم يقل: ينفقونه، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني: لا ينفقون الكنوز، ويقال: لا ينفقون الأموال، ويقال: يعني الفضة.
وقال بعضهم: نزل هذا في شأن الكفار، وقال بعضهم: كان هذا في أول الإسلام ووجب عليهم أن يؤدوا الفضل، ثم نسخ بآية الزكاة. وقال بعضهم: كل مؤمن لا يؤدي الزكاة فهو من أهل هذه الآية، وهو قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ، يعني: يوقد على الكنوز، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، ويقال لهم: هذا ما كَنَزْتُمْ يعني: ما جمعتم لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم أنه قال: «والذي لا إله غيره، لا يعذب رجل بكنز فيمس دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على جسده وكل دينار على خدّه» [[عزاه السيوطي: 4/ 179 إلى ابن أبي حاتم والطبراني وأبي الشيخ.]] . وروى أبو أمامة الباهلي قال: «مات رجل من أهل الصُّفة فوجد في مؤتزره دينار، فقال ﷺ: «كية» . ومات رجل آخر فوجد في مؤتزره ديناران فقال النبيّ ﷺ:
«كيتان» [[حديث ابن مسعود: أخرجه أحمد: 1/ 457 وأبو يعلى: (5037) .]] ، والمعنى في ذلك: أنه قد أصاب ذلك من الغلول، ولو لم يكن أصابه من الغلول لكان لا يستحق العقوبة، لأن الزكاة لا تجب في أقل من عشرين ديناراً. وقال بعضهم: كان هذا في الوقت الذي وجب عليه أن ينفق الفضل.
9:36Page 192
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦
Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].
قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ، فأعلم الله تعالى أن عدة الشهور للمسلمين التي يعدون: اثنا عشر شهرا على منازل القمر، فجعل حجهم وأعيادهم وصيامهم على هذا العدد. فالحج والصوم يكون مرة في الشتاء، ومرة في الصيف. وكانت أعياد أهل الكتاب في متعبداتهم، وسنتهم على حساب دوران الشمس على كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، فجعل شهور المسلمين بالأهلة، كما قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: 189] ويقال: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ، يعني: عدد الشهور التي وجبت عليكم الزكاة فيها اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ، يعني: في اللوح المحفوظ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، كتبها عليكم. مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، يعني: رجب وذا القعدة وذا الحجة والمحرم. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، يعني: ذلك الحساب المستقيم، لا يزاد ولا ينقص.
وقال مقاتل بن حبان: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني: ذلك القضاء البيِّن، وهكذا قال الضحاك.
ثم قال: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، قال بعضهم: في الأربعة أشهر، وقال قتادة:
الظلم في الشهر الحرام أعظم وزراً مما سوى ذلك، وإنْ كان الظلم على كل حال غير جائز، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء. ويقال: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، يعني: في هذه الاثني عشر شهراً، ويقال: هو على وجه التقديم: إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً، فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ، منها أربعة حرم، يعني: وخاصة في الأربعة أشهر.
ثم قال: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، يعني: جميعاً في الشهر الحرام وغيره. وكان القتال في الشهر الحرام محرماً، فنسخ بهذه الآية وصار مباحاً في جميع الشهور. وقال بعضهم: هو غير مباح، ومعنى هذه الآية: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً إن قاتلوكم في الشهر الحرام، وإن لم يقاتلوكم فلا يجوز. والقول الأول أصح، لأن النبيّ ﷺ قد حاصر الطائف في الشهر الحرام، ثم فتحها بعد ما مضى الشهر الحرام، فلو كان القتال حراماً لم يحاصرهم في الشهر الحرام. ثم قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، يعني: معينهم وناصرهم.
9:37Page 193
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧
Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يعني: تأخير المحرم إلى صفر زيادة الإثم في كفرهم. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: «كانوا يحجون في ذي الحجة عامين، ثم يحجون في المحرم عامين، ثم يحجون في صفر عامين، وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبيّ ﷺ، ثم حج النبيّ ﷺ من قابل في ذي الحجة وقال في خطبته: «ألا إن الزمان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات والأَرْضِ» [[عزاه السيوطي: 4/ 189 إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد.]] .
وروى أسباط، عن السدي أنه قال: «كان رجل من بني مالك بن كنانة، يقال له:
جنادة بن عوف، يكنى أبا أمامة، ينسئ عدد الشهور. وقال في رواية الكلبي: كان اسمه نعيم بن ثعلبة من بني كنانة. وقال في رواية مقاتل: كان اسمه ثمامة الكناني، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض، فإذا أرادوا أن يغيروا، قام الكناني يوم منى وخطب الناس وقال: إني قد أحللت لكم المحرم، وحرمت صفر لكم مكانه، فقاتل الناس في المحرم. فإذا كان صفر، غمدوا السيوف ووضعوا الأسنة، ثم يقوم من قابل ويقول:
إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم [[عزاه السيوطي 4/ 189 إلى ابن أبي حاتم.]] . يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بتأخير المحرم إلى صفر، فذلك قوله: يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ قرأ ابن كثير [[وفي النسخة «ب» قرأ ورش عن نافع.]] : إِنَّمَا النَّسِيءُ بتشديد الياء بغير همز، وقرأ الباقون بالتخفيف والهمزة ومعناها واحد. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بضم الياء ونصب الضاد على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون يُضَلُّ بِهِ بفتح الياء وكسر الضاد، ويكون معناه: تأخيرهم عمل يضل به الذين كفروا، يحلونه عاماً ويقاتلون فيه، ويحرمونه عاماً ولا يقاتلون فيه، لِيُواطِؤُا يعني: ليوافقوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ، يعني: حسن لهم قبح أعمالهم. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ، يعني: لا يرشدهم إلى دينه مجازاة لكفرهم.
9:38–39Page 193
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨
O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.
إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: في الجهاد اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، يعني: تثاقلتم، فأدغم التاء في الثاء، وحذفت الألف لتسكين ما بعدها يعني: قعدتم ولم تخرجوا. وذلك أن النبيّ ﷺ أمر الناس بالخروج إلى غزوة تبوك، وكان في أيام الصيف، حين اشتد الحر وطابت الثمار والظلال، فكانوا يتثاقلون عن الخروج، فعاتبهم الله تعالى فقال: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، يقول: آثرتم واخترتم عمل الدنيا على عمل الآخرة. فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: منفعة الدنيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، يعني: بجنب منفعة الآخرة إلا ساعة، ويقال: معناها ما يتمتع به في الدنيا قليل عند ما يتمتع به أولياء الله في الجنة.
ثم خوفهم فقال تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ الله، وأصله: إن لا تنفروا، فأدغم النون في اللام، ومعناه: إن لم تنفروا، يعني: إن لم تخرجوا إلى الغزو مع نبيكم يُعَذِّبكُمْ. عَذاباً أَلِيماً، يعني: يسلط عليكم عدوكم أو يهلككم، وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ خيراً منكم وأطوع لله تعالى. وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً، يقول: ولا تنقصوا عن ملكه شيئاً بجلوسكم عن الجهاد. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أن يستبدل بكم قوما غيركم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences