As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:96–110
18:96Page 303
ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ٩٦
Bring me bars of iron" - until, when he had leveled [them] between the two mountain walls, he said, "Blow [with bellows]," until when he had made it [like] fire, he said, "Bring me, that I may pour over it molten copper."
قوله: {آتُونِي} : قرأ أبو بكر «ايتوني» بهمزةِ وصل مِنْ أتى يَأتي في الموضعين من هذه السورة بخلافٍ عنه في الثاني. وافقه حمزةُ على الثاني من غيرِ خلافٍ عنه. والباقون بهمزةِ القطعِ فيهما.
ف «زُبُرَ» على قراءةِ همزةِ الوصل منصوبةٌ على إسقاط الخافض، أي: جيئوني بزُبُرِ الحديد. وفي قراءة قَطْعِها على المفعول الثاني لأنه يتعدَّى/ بالهمزة إلى اثنين. وعلى قراءة أبي بكر يُحتاج إلى كسر التنوين من «رَدْماً» لالتقاءِ الساكنين؛ لأنَّ همزةَ الوصلِ تسقط دَرْجاً فيُقْرأ له بكسر التنوين، وبعده همزةٌ ساكنة هي فاءُ الكلمة. وإذا ابتدأت بكلمتي «ائتوني» في قراءتِه وقراءةِ حمزة تبدأ بهمزةٍ مكسورةٍ للوصل ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزةِ فاء الكلمة، وفي الدَّرْجِ تسقط همزةُ الوصل، فتعود الهمزةُ لزوالِ موجِبِ إبدالها.
والباقون يَبْتَدِئون ويَصِلُون بهمزةٍ مفتوحة لأنها همزة قطع، ويتركون تنوين «رَدْماً» على حاله من السكون، وهذا كلُّه ظاهرٌ لأهلِ النحو، خَفِيٌّ على القُرَّاء.
والزُّبَرُ جمع زُبْرَة كغُرْفَة وغُرَف. وقرأ الحسن بضم الباء.
قوله: «ساوَى» هذه قراءةُ الجمهور، وقتادة «سوَّى» بالتضعيف. وعاصمٌ في رواية «سُوِّيَ» مبنياً للمفعول.
قوله: «الصَّدَفَيْن» قرأ أبو بكر بضم الصاد وسكون الدال. وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضمِّهما، والباقون بفتحهما. وهذه لغاتٌ قُرِئ بها في السبع. وأبو جعفر وشيبة وحميد بالفتح والإِسكان، والماجِشون بالفتح والضم، وعاصم في روايةٍ بالعكس.
والصَّدَفان: ناحيتا الجبلين. وقيل: أَنْ يتقابلَ جبلان وبينهما طريق، فالناحيتان صَدَفان لتقابُلِهما وتصادُفِهما، مِنْ صادَفْتُ الرجلَ، أي: لاقَيْتُه وقابَلْته. وقال أبو عبيد: «الصَّدَفُ: كل بناءٍ مرتفع وليس بمعروفٍ، والفتح لغة تميم، والضمُّ لغة حِمْير» .
قوله: «قِطْراً» هو المتنازَعُ فيه. وهذه الآيةُ أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب التنازع، وهي من إعمالِ الثاني للحذف من الأول. والقِطْر: النُّحاس أو الرَّصاصُ المُذاب.
18:97Page 303
فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧
So they [i.e., Gog and Magog] were unable to pass over it, nor were they able [to effect] in it any penetration.
قوله: {فَمَا اسطاعوا} : قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بتخفيفها. والوجهُ في الإِدغام كما قال أبو علي: «لمَّا لم يمكن إلقاءُ حركةِ التاءِ على السين لئلا يُحَرَّكَ ما لا يتحرك» - يعني أنَّ سين استفعل لا تتحرك - أُدْغم مع الساكن، وإن لم يكن حرف لين. وقد قرأت القراءُ غيرَ حرفٍ من هذا النحو. وقد أنشد سيبويه «ومَسْحِيِ» يعني في قول الشاعر:
319 - 8- كأنَّه بعد كَلالِ الزَّاجِرِ ... ومَسْحِي مَرُّ عُقُابٍ كاسِرِ
يريد «ومَسْحِه» فأدغم الحاء في الهاء بعد أَنْ قَلَبَ الهاءَ حاءً، وهو عكسُ قاعدةِ الإِدغام في المتقاربين. وهذه القراءةُ قد لحنَّها بعضُ النحاة. قال الزجاج: «مَنْ قرأ بذلك فهو لاحِنٌ مخطئٌ» وقال أبو علي: «هي غيرُ جائزة» .
وقرأ الأعشى، عن أبي بكر «اصْطاعوا» بإبدال السين صاداً. والأعمش «استطاعوا» كالثانية.
18:98Page 304
قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨
[Dhul-Qarnayn] said, "This is a mercy from my Lord; but when the promise of my Lord1 comes [i.e., approaches], He will make it level, and ever is the promise of my Lord true."
قوله: {جَعَلَهُ دَكَّآءَ} : الظاهرُ ان الجَعْلَ هنا بمعنى التصيير فتكون «دَكَّاء» مفعولاً ثانياً. وجوَّز ابنُ عطية أن يكونَ حالاً، و «جعل» بمعنى خلق، وفيه بُعدٌ؛ لأنه إذ ذاك موجودٌ. وقد تقدَّم خلافٌ القراء في «دَكَّاء» في الأعراف.
قوله: {وَعْدُ رَبِّي} الوَعْدُ هنا مصدرٌ بمعنى الموعود أو على بابه.
18:99Page 304
۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩
And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.
قوله: {يَمُوجُ} : مفعولٌ ثانٍ ل «تَرَكْنا» والضمير في «بعضَهم» يعودُ على «يَأْجُوج ومَأْجوج» أو على سائر الخلق.
قوله: «يومئذ» التنوينُ عوضٌ من جملةٍ محذوفة. تقديرُها: يوم إذ جاء وَعْدُ ربي، أو إذ حَجَرَ السَّدُّ بينهم.
18:100Page 304
وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠
And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -
No commentary for this ayah
18:101Page 304
ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١
Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2
قوله: {الذين كَانَتْ} : يجوزُ أَنْ يكونَ مجروراً بدلاً من «للكافرين» أو بياناً أو نعتاً، وأن يكونَ منصوباً بإضمار أَذُمُّ، وأن يكونَ مرفوعاً خبرَ ابتداءٍ مضمر.
18:102Page 304
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢
Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.
قوله: {أَفَحَسِبَ} : العامَّةُ على كسرِ السين وفتح الباء فعلاً ماضياً. و {أَن يَتَّخِذُواْ} سادٌّ مَسَدَّ المفعولين. وقرأ أمير المؤمنين على بن أبي طالب وزيد علي وابن كثير ويحيى بن يعمر في آخرين، بسكون السينِ ورفعِ الباءِ على الابتداء، والخبر «أَنْ» وما في حَيَّزها.
وقال الزمخشري: «أو على الفعلِ والفاعلِ لأن اسمَ الفاعلِ إذا اعتمد على الهمزةِ ساوى الفعلَ كقولك:» أقائمٌ الزيدان «وهي قراءةٌ مُحْكَمةٌ جيدةٌ» .
قال الشيخ: والذي يظهرُ أنَّ هذا الإِعرابَ لا يجوزُ لأنَّ حَسْباً ليس باسمِ فاعل فيعمل، ولا يلزم مِنْ تفسير شيءٍ بشيء أن تجريَ عليه / أحكامُه. وقد ذكر سيبويه أشياءَ مِنَ الصفات التي تجري مَجْرى الأسماءِ، وأنَّ الوجهَ فيها الرفعُ. ثم قال: وذلك نحو: مررتُ برجلٍ خيرٌ [منه] أبوه، ومررتُ برجلٍ سواءٌ عليه الخيرُ والشرُّ، ومررت برجلٍ أبٌ له صاحبُه، ومررت برجلٍ حَسْبُك مِنْ رجلٍ هو، ومررت برجلٍ أيُّما رجلٍ هو. ثم قال الشيخ: «ولا يَبْعُدُ أَنْ يُرْفَعَ به الظاهرُ، فقد أجازوا في» مررت برجلٍ أبي عشرةٍ أبوه «ان يرتفعَ» أبوه «بأبي عشرة لأنه في معنى والدِ عشرة» .
قوله: «نزلاً» فيه أوجهٌ، أحدها: أنه منصوبٌ على الحالِ جمعَ «نازِل» نحوشارِف وشُرُف. الثاني: أنه اسمُ موضعِ النزول. الثالث: أنَّه اسمُ ما يُعَدُّ للنازلين من الضيوفِ، ويكونُ على سبيلِ التهكُّم بهم، كقولِه تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] ، وقوله:
319 - 9-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تحيَّةُ بينِهم ضَرْبٌ وجميعُ
ونصبُه على هذين الوجهين مفعولاً به: أي: صَيَّرنا.
وأبو حيوة «نُزلاً» بسكونِ الزاي، وهو تخفيفُ الشهيرةِ.
18:103Page 304
قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣
Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?
قوله: {أَعْمَالاً} : تمييزٌ للأَخْسَرين، وجُمِعَ لاختلافِ الأنواع.
18:104Page 304
ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤
[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."
قوله: {الذين ضَلَّ} : يجوز فيه الجرُّ نعتاً وبدلاً وبياناً، والنصبُ على الذمِّ، والرفعُ على خبر ابتداء مضمر.
قوله: {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ} يُسَمَّى في البديع «تجنيسَ التصحيف» وتجنيس الخَطِّ، وهذا مِنْ أحسنِه. وقال البحتري:
320 - 0- ولم يكن المُغْتَرُّ بالله إذ شَرَى ... لِيُعْجِزَ والمُعْتَزُّ بالله طالبُهْ
فالأولُ من الغُرور، والثاني مِن العِزِّ. ومِنْ أحسنِ ما جاء في تجنيس التصحيف قوله:
320 - 1- سَقَيْنَني رِيِّيْ وغَنِّيْنَنِيْ ... يُحْتُ بحبِّي حين بِنَّ الخُرُدْ
يصحف بنحو:
320 - 2- شَقَيْتَني ربي وعَنَّيْتِنيْ ... بحُبِّ يحيى خَتَنِ ابن الجُرُدْ
وفي بعضِ رسائلِ الفصحاء: «قَبَّلَ قبلَ يَدِكَ ثَراك، عبدٌ عند رَخاك رجاك، آمِلٌ أَمَّك» .
18:105Page 304
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥
Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].
وقرأ ابن عباس «فَحَبِطَتْ» بفتح الباء. والعامَّة على «نُقيم» بنون العظمة مِنْ «أقام» . ومجاهد وعبيد بن عمير. «فلا يُقيم» بياءِ الغَيبة لتقدُّم قولِه: {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} ، فالضميرُ يعود عليه. ومجاهدٌ أيضاً «فلا يقومُ لهم» مضارع قام، «وزنٌ» بالرفع. وعن عبيد بن عمير أيضاً «فلا يقومُ وزناً» بالنصبِ كأنه تَوَهَّم أنَّ «قام» متعدٍّ. كذا قال الشيخ. والأحسنُ مِنْ هذا أنْ تُعْرَبَ هذه القراءةُ على ما قاله أبو البقاء أَنْ يُجْعَلَ فاعلُ «يقومُ» صنيعُهم أو سَعْيهُم، وينتصِبُ حينئذٍ «وَزْناً» على أحد وجهين: إمَّا على الحال، وإمَّا على التمييز.
18:106Page 304
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦
That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.
قوله: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ} : فيه أوجهُ كثيرةٌ أحدُها: أَنْ يكونَ «ذلك» خبرَ مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، و «جزاؤُهم جهنَّم» جملةٌ برأسها. الثاني: أن يكون «ذلك» مبتدأ اولَ، و «جزاؤهم» مبتدأٌ ثانٍ و «جهنُم» خبرُه، وهو وخبرُه خبرُ الأول. والعائدُ محذوف، أي: جزاؤهم به، كذا قال أبو البقاء، فالهاء في «به» تعود على «ذلك» ، و «ذلك» مُشارٌ به إلى عدم إقامة الوزن.
قال الشيخ: «ويحتاج هذا التوجيهُ إلى نظر» . قلت: إنْ عَنَى النظرَ من حيث الصناعةُ فَمُسَلَّمٌ. ووجهُ النظر: أنَّ العائدَ حُذِفَ مِنْ غيرِ مُسَوِّغٍ إلا بتكليفٍ، فإنَّ العائدَ على المبتدأ إذا كان مجروراً لا يُحْذَفُ إلا إذا جُرَّ بحرفِ تبعيضٍ أو ظرفية، أو يَجُرُّ عائداً جُرَّ قبله بحرفٍ، جُرَّ به المحذوفُ كقولِه:
320 - 2- أَصِخْ فالذي تُدْعَى به أنت مُفْلِحٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: مفلحٌ به. وإنْ عَنَى من حيث المعنى فهو معنى جيدٌ.
الثالث: أن يكون «ذلك» مبتدأً، و «جزاؤهم» بدلٌ أو بيان، و «جهنم» خبره. الرابع: أن يكون «ذلك» مبتدأ أيضاً، و «جزاؤهم» خبره و «جهنمُ» بدلٌ أو بيانٌ أو خبر ابتداء مضمر. الخامس: أن يُجعل «ذلك» مبتدأ و «جزاؤهم» بدلٌ أو بيان و «جهنم» خبر ابتداءٍ مضمرٍ، و «بما كفروا» خبر الأول، والجملة اعتراضٌ. السادس: أن يكون «ذلك» مبتدأً، والجارُّ الخبر، و «جزاؤهم جهنمُ» جملةٌ معترضةٌ وفيه بُعْدٌ. السابع: أن يكون «ذلك» إشارةً إلى جماعة / وهم مذكورون في قوله: «بالأخسرين» ، وأُشير إلى الجمع كإشارة الواحد كأنه قيل: أولئك جزاؤهم جهنَّمُ، والإِعرابُ المتقدمُ يعودُ إلى هذا التقدير.
قوله: «واتَّخذوا» فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه عطفٌ على «كفروا» ، فيكونُ محلُّه الرفعَ لعطفِه على خبر «إنَّ» . الثاني: أنه متسأنفٌ فلا مَحَلَّ له.
والباء في قوله: «بما كفروا» لا يجوزُ تعلُّقُها ب «جزاؤهم» للفَصْلِ بين المصدرِ ومعمولِه.
18:107Page 304
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - they will have the Gardens of Paradise1 as a lodging,
قوله: {نُزُلاً} : فيه ما تقدَّم: من كونِه اسمَ مكانِ النزولِ، او ما يُعَدُّ للضيفِ. وفي نصبه وجهان، أحدهما: أنه خبر «كانت» ، و «لهم» متعلقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حال مِنْ «نُزُلا» ، أو على البيان، أو ب «كانت» عند مَنْ يرى ذلك. والثاني: أنه حالٌ من «جنات» ، أي: ذوات نُزُلٍ، والخبرُ الجارُّ.
18:108Page 304
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨
Wherein they abide eternally. They will not desire from it any transfer.
قوله: {لاَ يَبْغُونَ} : الجملةُ حالٌ: إمَّا مِنْ صاحب «خالدين» ، وإمَّا من الضمير في «خالدين» ، فتكونُ حالاً متداخلة.
والحِوَل: قيل: مصدرٌ بمعنى التحوُّل: يُقال: حال عن مكانه حِوَلاً، فهو مصدرٌ كالعِوَج والعِوَد والصِّغَر قال:
320 - 4- لكلِّ دولةٍ أجلُ ... ثم يُتاحُ لها حِوَل
وقال الزجاج: «هو عند قومٍ بمعنى الحِيلة في التنقُّل» . وقال ابن عطية: «والحِوَلُ: بمعنى التحوُّل» قال مجاهد: «مُتَحَوَّلاً» وأنشد الرجز المتقدم ثم قال: «وكأنه اسم جمع، وكأنَّ واحدَة حوالة» قلت: وهذا غريب والمشهورُ الأولُ. والتصحيح في فِعَل هو الكثير إن كان مفرداً نحو: الحِوَل وإن كان جمعاً فالعكسُ نحو: «ثِيَرة» و. . . .
18:109Page 304
قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ١٠٩
Say, "If the sea were ink for [writing] the words1 of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it in [continual] supplement."
قوله: {تَنفَدَ} : قرأ الأَخوان «يَنْفَذَ» بالياء من تحتُ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازي. والباقون بالتاء من فوقُ لتأنيثِ اللفظ. وقرأ السُّلمي - ورُويت عن أبي عمرو وعاصم - تَنَفَّدَ - بتشديدِ الفاءِ، وهو مُطاوَعُ نَفَّدَ بالتشديد نحو: كسَّرته فتكسَّر. وقراءةُ الباقين مطاوعُ أَنْفَدْته.
قوله: «ولو جِئنا» جوابُها محذوف لِفَهْمِ المعنى تقديره: لنفِدَ. والعامَّةُ على «مَدَداً» بفتح الميم. والأعمشُ قرأ بكسرها، ونصبُه على التمييز كقوله:
320 - 5-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإنَّ الهوى يَكْفِيْكه مثلُه صَبْرا
وقرأ ابن مسعود وابنُ عباس «مِداداً» كالأول. ونصبُه على التمييز أيضاً عند أبي البقاء. وقال غيرُه - كأبي الفضل الرازي -: إنه منصوب على المصدرِ بمعنى الإِمداد نحو: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] قال: والمعنى: ولو أَمْدَدْناه بمثلِه إمداداً.
18:110Page 304
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠
Say, "I am only a man like you, to whom has been revealed that your god is one God. So whoever would hope for the meeting with his Lord - let him do righteous work and not associate in the worship of his Lord anyone."
قوله: {أَنَّمَآ إلهكم} : «أنَّ» هذه مصدرية وإنْ كانت مكفوفةً ب «ما» . وهذا المصدر قائمٌ مقامَ الفاعلِ كأنه قيل: إنما يُوْحَى إليَّ التوحيدُ.
قوله: {وَلاَ يُشْرِكْ} العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ، عُطِفَ بها على أمرٍ. ورُوي عن أبي عمروٍ {وَلاَ تُشْرِكْ} بالتاءِ مِنْ فوقُ خطاباً على الالتفات من الغَيْبة إلى الخطاب ثم التُفِتَ في قولِه {بِعِبَادَةِ رَبِّهِ} إلى الأول. ولو جيْءَ على الالتفات الثاني: لقيل: ربك. والباءُ سببية، أي: بسبب. وقيل: بمعنى في.
والفِرْدوس: الجَنَّةُ مِن الكَرْم خاصة. وقيل: بل ما كان غالبُها كَرْماً. وقيل: كل ما حُوِطَ فهو فِرْدوسٌ والجمع فراديس. وقال المبرد: «الفِرْدوس فيما سمعتُ من العرب: الشجرُ الملتفُّ، والأغلبُ عليه أن يكون من العِنَب» . وحكى الزجاج أنها الأَوْدِيَة التي تُنْبِتُ ضُروباً من النَّبْت. واختُلف فيه: فقيل: هو عربيٌّ وقيل: أعجمي. وهل هو روميٌّ أو فارسيٌّ أو سُرْيانيٌّ؟ قيل: ولم يُسْمع في كلام العرب إلا في بيت حَسَّان:
320 - 6- وإنَّ ثوابَ اللهِ كلَّ مُوحِّدِ ... جِنانٌ من الفردوسِ فيها يُخْلَّدُ
وهذا ليس بصحيح، لأنه سُمع في شعرِ أميةَ بنِ أبي الصلت:
320 - 7- كانت منازلُهمْ إذ ذاك ظاهرةً ... فيها الفَراديسُ ثم الثومُ والبَصَلُ
ويقال: كَرْمٌ مُفَرْدَسٌ، أي: مُعَرَّشٌ، ولهذا سُمِّيَتِ الروضةُ التي دونَ اليَمامة فِرْدَوساً.
وإضافةُ «جنَّات» إلى الفِرْدوس إضافةٌ تبيينٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences