As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:182–184
2:182Page 28
فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢
But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ} : يجوزُ فيها الوجهان الجائزان في «مَنْ» قبلَها. والفاءُ في «فلا إثم» هي جوابُ الشرطِ أو الداخلةُ في الخبر. و «مِنْ موصٍ» يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ متعلقةً بخاف على انها لابتداءِ الغاية. الثاني: أن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من «جَنَفَاً» ، قُدِّمَتْ عليه، لأنها كانَتْ في الأصل صفةً له، فلمَّا تَقَدَّمَتْ نُصِبَتْ حالاً. ونظيره: «أخَذْتُ من زيد مالاً» إن شِئت عَلَّقْتُ «مِنْ زيد» ب «أَخَذْتُ» ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من «مالاً» لأنه صفته في الأصلِ، الثالث: أن تكونَ لبيان جنسِ الجانفين: وتتعلَّقُ أيضاً بخاف. فعلى القولين الأولين لا يكونَ الجانِفُ من الموصِين بل غيرُهم، وعلى الثالث يكونُ من الموصين.
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: «مُوَصٍّ» بتشديدِ الصادِ والباقون بتخفيفها. وهما من أوصى ووصَّى، وقد تقدَّم أنهما لغتان، إلاَّ أن حمزةَ والكسائي وأبا بكر هم من جملةِ الذين يَقْرؤون {ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ} [البقرة: 132] مضعَّفاً، وأنَّ نافعاً وابن عامر يقرآن: «أوصى» بالهمزة، فلو لم تكن القراءةُ سُنَّةً متبعةً لا تجوزُ بالرأي لكان قياسُ قراءةِ ابن كثير وأبي عمرو وحفص هناك «ووصَّى» بالتضعيف أن يقرآ هنا «مُوَصٍّ» بالتضعيف، وأما نافعٌ وابنُ عامر فإنهما قرآ هنا «مُوصٍ» مخففاً على قياس قراءتهما هناك و «أَوْصَى» على أَفْعَل. وكذلك حمزة والكسائي وأبو بكر قرؤوا: «ووصَّى» هناك بالتضعيف فقرؤوا هنا «مُوَصٍّ» بالتضعيفِ على القياس.
والخَوْفُ هنا بمعنى الخَشْيَة وهو الأصلُ، وقيل: بمعنى العِلْم وهو مجازٌ، والعلاقةُ بينهما هو أنَّ الإِنسَان لا يَخافُ شيئاً حتى يَعْلَم أنه مِمَّا يُخاف منه فهو من باب التعبير عن السبب بِالمُسَبِّبِ. ومِنْ مجيء الخوف بمعنى العِلْم قولُه تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} [البقرة: 229] ، وقولُ أبي مِحْجن الثقفي:
830 - إذا مُتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبٍ كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عظامي في المَمات عروقُها
ولا تَدْفِنَنِّي في الفلاةِ فإنني ... أخَافُ إذا ما مُتُّ ألاَّ أذوقُها
والجَنَفُ لأهلِ اللغةِ فيه قولان أحدُهما: المَيْلُ، قال الأعشى:
831 - تَجانَفُ عن حُجْرِ اليمَامةِ ناقتي ... وما قَصَدَتْ من أهلِها لِسِوائكا
وقال آخر:
832 - هُمُ المَوْلى وإنْ جَنَفُوا عَلَيْنا ... وإنَّا مِنْ لقائِهِمْ لَزُورُ
وقيل: هو الجَوْرُ. قال:
833 - إني امرؤٌ منعَتْ أَرومةُ عامرٍ ... ضَيْمي وقد جَنَفَتْ عليَّ خُصومُ
يقال: جَنِفَ بكسر النون يَجْنَفُ بفتحها فهو جَنِفٌ وجانِفٌ، وأَجْنَفَ جاء بالجَنَفِ كَألاَم جاء بما يُلام عليه.
والضميرُ في «بينهم» عائد على الموصي والورثةِ، أو على الموصَى لهم، أو على الورثةِ والمُوصى لهم. والظاهرُ عودُه على المَوصى لهم، إذ يدلُّ على ذلك لفظُ «المُوصى» . وهو نظيرُ {وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ} [البقرة: 178] [في] أن الضمير يعودُ للعافي لاستلزام «عفا» له، ومثلُه ما أنشد الفراء:
834 - وما أَدْري إذا يَمَّمْتُ أرضاً ... أريدُ الخيرَ أيُّهما يَليِني
فالضمير في «أيُّهما» يعودُ على الخيرِ والشرِّ، وإنْ لم يَجْرِ ذِكْرُ الشِّر لدلالةِ ضِدِّه عيله، والضميرُ في «عليه» وفي «خاف» وفي «أصلح» يعود على «مَنْ» .
2:183Page 28
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣
O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -
قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} : «الصيامُ» مفعولُ لم يُسَمَّ فاعلُه وقُدِّم عليه هذه الفَضْلَةُ وإنْ كان الأصلُ تأخيرها عنه لأنَّ البداءة بذكرِ المكتوبِ عليه آكدُ مِنْ ذِكْر المكتوبِ لتعلُّق الكتب بِمَنْ يؤدِّي.
والصيام: مصدرُ صام يصوم صوماً، والأصلُ: صِواماً، فَأُبْدِلَتْ الواوُ ياءٌ والصومُ مصدرٌ أيضاً، وهذان البناءانِ - أعني فَعْل وفِعال - كثيران في كلِّ فعلٍ واويِّ العينِ صحيحِ اللامِ، وقد جاء منه شيءٌ قليل على فُعول قالوا: غار غُووراً، وإنما استكرهوه لاجتماعِ الواوَيْنِ/، ولذلك هَمَزه بعضُهم فقال: الغُؤُور. والصيام لغةً الإِمساكُ عن الشيء مطلقاً، ومنه: صامَتِ الريحُ: أمسكَتْ عن الهبوبِ، والفرسُ: أَمْسَكَتْ عن العَدْوِ، [وقال] :
835 - خيلٌ صِيامُ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلِكُ اللُّجُما وقال تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً} [مريم: 26] أي: سكوتاً لقوله: {فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً} . وصامَ النهارُ أي: اشتدَّ حَرَّه، قال:
836 - حتى إذا صامَ النهارُ واعتَدَلْ ... ومالَ للشمسِ لُعابٌ فَنَزَلْ
كأنهم تَوَهَّموا ذلك الوقتَ إمساكَ الشمسِ عن المَسِيرِ. ومَصَامُ النجومِ: إمساكُها عن السيرِ، قال امرؤ القيس:
837 - كأنَّ الثُّرِيَّا عُلِّقَتْ في مَصامِها ... بأمراسِ كُتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ
قوله: {كَمَا كُتِبَ} فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّ محلَّها النصْب على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ أي: كُتِبَ كَتْباً مثلَ ما كُتِبَ. الثاني: أنه في محلِّ حالٍ من المصدرِ المعرفةِ أي: كُتِبَ عليكم الصيامُ الكَتْبَ مُشْبِهاً ما كُتِبَ. و «ما» على هذين الوجهينِ مصدريةٌ. الثالث: أن يكون نعتاً لمصدرٍ من لفظِ الصيام، أي: صوماً مثلَ ما كُتِبَ. ف «ما» على هذا الوجه بمعنى الذي، أي: صوماً مماثلاً للصومِ المكتوبِ على مَنْ قبلكم. و «صوماً» هنا مصدر مؤكِّد في المعنى، لأنَّ الصيامَ بمعنى: أنْ تصُومُوا صوماً، قاله أبو البقاء، وفيه أنَّ المصدرَ المؤكِّد يُوصَفُ، وقد تقدَّم مَنْعُه عندَ قولِهِ تعالى {بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين} [البقرة: 180] . وقال الشيخ - بعد أَنْ حكى هذا عن ابن عطية - «وهذا فيه بُعْدٌ؛ لأنَّ تشبيهَ الصوم بالكتابةِ لا يصحُّ، هذا إن كانت» ما «مصدريةً، وأمّا إن كانت موصولةً ففيه أيضاً بُعْدٌ؛ لأنَّ تشبيه الصومِ بالصومِ لا يَصِحُّ إلاَّ على تأويلٍ بعيدٍ» .
الرابع: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من «الصيام» ، وتكونُ «ما» موصولةً، أي: مُشْبهاً الذي كُتِبَ. والعاملُ فيها «كُتِبَ» لأنه عاملٌ في صاحبِها. الخامس: أن يكونَ في محلِّ رفعٍ لأنَّه صفةٌ للصيامِ، وهذا مردودٌ بأنَّ الجارَّ والمجرورَ من قبيلَ النكرات والصيامُ معرفةٌ، فكيف تُوصَفُ المعرفةُ بالنكرةِ؟ وأجابَ أبو البقاء عن ذلك «بأنَّ الصيامَ غيرُ مُعَيَّنٍ» كأنه يعني أنَّ «أل» فيه للجنسِ والمعرَّفُ بأل الجنسيةِ عندهم قريبٌ من النكرةِ، ولذلك جازَ أن تَعْتَبِرَ لفظة مرةً ومعناه أخرى، قالوا: «أهلك الناسَ الدينارُ الحمرُ والدِرْهَمُ البيض» ومنه:
838 - ولقد أَمُرُّ على اللئيمَ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِيني
[وقولُه تعالى:] {وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار} [يس: 37] وقد تقدَّم الكلامُ على مثلِ قولِه: {الذين مِن قَبْلِكُمْ} كيف وُصِلَ الموصول بهذا، والجوابُ عنه في قولِه: {خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] .
قوله {أَيَّاماً} في نصبِه أربعةُ أوجه، أظهرُها: أنه منصوبٌ بعاملٍ مقدَّرٍ يَدُلُّ عليه سياقُ الكلامِ تقديرُه: صوموا أياماً، ويَحْتَمِلُ هذا النصبُ وجهين: إمَّا الظرفيةَ وإمَّا المفعولَ به اتساعاً.
الثاني: أنه منصوبٌ بالصيام، ولم يَذْكُرِ الزمخشري غيرَه، ونَظَّرهُ بقولِكَ: «نَوَيْتُ الخروجَ يوم الجمعةِ» ، وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّه يلزُم الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِهِ بأجنبي، وهو قولُه: «كما كُتِبَ» لأنه ليس معمولاً للمصدرِ على أيَّ تقديرٍ قَدَّرْتَه. فإنْ قِيل: يُجْعَل «كما كُتِبَ» صفةً للصيام، وذلك على رأي مَنْ يُجِيزِ وَصْفَ المعرَّفِ بأل الجنسيةِ بما يَجْرِي مَجْرى النكرةِ فلا يكونُ أجنبياً. قيل: يَلْزُمُ مِنْ ذَلك وصفُ المصدرِ قبل ذِكْرِ معمولِهِ، وهو ممتنعٌ.
الثالث: أنه منصوبٌ بالصيام على أَنْ تقدِّر الكافَ نعتاً لمصدرٍ من الصيام، كما قد قال به بعضُهم، وإنْ كان ضعيفاً، فيكونُ التقديرُ: «الصيام صوماً كما كُتِبَ» فجاز أن يَعْمل في «أياماً» «الصيامُ» لأنه إذ ذاك عاملٌ في «صوماً» الذي هو موصوفٌ ب «كما كُتِبَ» فلا يقعُ الفصلُ بينهما بأجنبي بل بمعمولِ المصدرِ.
الرابع: أن ينتصِبَ بكُتب: إمَّا على الظرف وإمَّا على المفعولِ به توسُّعاً، وإليه نحا الفَراء وتَبِعَهُ أبو البقاء. قال الشيخ: «وكِلا القولينِ خطأٌ: أمَّا النصبُ على الظرفِ فإنه محلٌّ للفعل، والكتابةُ ليست واقعةً في الأيامِ، لكنْ متعلَّقُها هو الواقعُ في الأيام. وأمَّا النصبُ على المفعولِ اتِّساعاً فإنَّ ذلك مبنيٌّ على كونِهِ ظرفاً لكُتِبَ، وقد تقدَّم أنه خطأ.
و» معدوداتٍ «صفةٌ، وجَمْعُ صفةِ ما لا يَعْقِل بالألفِ والتاءِ مُطَّرِدٌ نحو هذا، وقولِه» جبال راسيات - وأيام معلوماتٌ «.
قوله: {أَوْ على سَفَرٍ} في محلِّ نصبٍ عطفاً على خبرِ كان. و» أو «هنا للتنويع، وعَدَلَ عن اسمِ الفاعلِ، فلم يَقُلْ:» أو مسافراً «إشعاراً بالاستعلاءِ على السفرِ لما فيه من الاختيارِ بخلافِ المرضِ فإنه قَهْرِيٌّ.
قوله: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} الجمهورُ على رفعِ» فَعِدَّةٌ «، وفيه وجوهٌ أحدُها، أنه مبتدأ والخبرُ محذوفٌ: إمَّا قبلَه تقديرُهُ: فعليه عِدَّةٌ، أو بعدَه أي: فَعِدَّةٌ أمثلُ به. الثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: فالواجبُ عِدَّةٌ.
الثالث: أن يرتفَع بفعلٍ محذوفٍ، أي: فتجزيه عِدَّةٌ. وقرىء: «فَعِدَّةً» نصباً بفعلٍ محذوف، تقديره: فَلْيَصُمْ عِدَّةً. وكأن أبا البقاء لم يَطَّلِعْ على هذه القراءة فإنه قال: «ولو قُرِىء بالنصبِ لكان مستقيماً» . ولا بدَّ من حذفِ مضافٍ تقديرُه: «فَصَوْمُ عدَّة» ومِنْ حَذْفِ جملةٍ بين الفعلينِ ليصحَّ الكلامُ تقديره: فأفْطَرَ فعدةٌ، ونظيرُه: {أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق} [الشعراء: 63] أي: فَضَرَبَ فانفلقَ. و «عدةٌ» بمعنى معدودةٌ كالطِّحْن والذِّبْح. ونَكَّر قوله «فَعِدَّةٌ» ولم يَقُل «فَعِدَّتُها» اتِّكالاً على المعنى. و «من أيامٍ» في محلِّ رفعٍ أو نصبٍ على حَسَبِ القراءتين صفةُ لِعِدَّة.
قوله: {أُخَرَ} صفةٌ لأيَّامٍ. و «أُخَرُ» على ضَرْبَيْن، ضربٍ: جَمْعُ «أخرى» تأنيثِ «آخَر» الذي هو أَفْعَلُ تفضيلٍ. وضَرْبٍ جمعُ أُخْرى بمعنى آخِرة، تأنيث: «آخِر» المقابِل لأوَّل، ومنه قولُه تعالى: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ} [الأعراف: 49] . فالضربُ الأولُ لا يَنْصَرِفُ، والعلةُ المانعةُ له من الصرفِ: الوصفُ والعَدْلُ.
واختلف النحويون في كيفيةِ العَدْلِ، فقال الجمهورُ: إنه عَدْلٌ عن الألفِ واللامِ، وذلك أن «أُخَر» جمع أُخْرى، وأُخْرَى تأنيث «آخَر» وآخَرُ أَفعَلُ تفضيلٍ، وأفعلُ التفضيل لا يخلو عن أحدِ ثلاثةِ استعمالات: إمَّا مع أل وإمَّا مع «مِنْ» وإمَّا مع الإِضافة. لكنَّ «مِنْ ممتنعةٌ لأنَّها معها يَلْزَمُ الإِفرادُ والتذكير، ولا إضافة/ في اللفظِ، فَقَدَّرْنَا عَدْلَه عن الألفِ واللامِ، وهذا كما قالوا في» سَحَر «إنه عَدْلٌ عن الألفِ واللامِ إلاَّ أنَّ هذا مع العَلَمِيَّةِ. ومذهبُ سيبويه أنه عَدْلٌ من صيغةً إلى صيغة لأنه كان حقُّ الكلام في قولك:» مررت بنسوة أُخَرَ «على وزن فُعَل أن يكونَ» بنسوة آخَرَ «على وزن أَفْعَل لأنَّ المعنى على تقديرِ مِنْ، فَعُدِلَ عن المفردِ إلى الجمع. ولتحقيقِ المذهبين موضعٌ هو أليقُ به من هذا.
وأما الضَّرْب الثاني فهو مُنْصَرِفٌ لِفُقْدَانِ العلةِ المذكورةِ. والفرقُ بين» أُخْرَى «التي للتفضيل و» أُخرى «التي بمعنى متأخرة أنَّ معنى التي للتفضيلِ معنى» غير «ومعنى تَيْكَ معنى متأخرة، ولكونِ الأولى بمعنى» غير «لا يجوزُ أن يكونَ ما اتصل بها إلا مِنْ جنسِ ما قبلَها نحو:» مررتُ بك وبرجلٍ آخرَ «ولا يجوزُ: اشتريت هذا الجَمَل وفرساً آخرَ لأنه من غيرِ الجنس. وأمَّا قوله:
839 - صَلَّى على عَزَّةَ الرحمانُ وابنتِها ... ليلى وصَلَّى على جاراتِها الأُخَرِ
فإنه جعل ابنتَها جارةً لها، ولولا ذلك لم يَجُزْ. ومعنا التفضيل في آخَر وأوَّل وما تصرَّف منهما قلقٌ، وتحقيقُ ذلك في كتبِ النحوِ، وقد بَيَّنْتُ ذلك في» شرح التسهيل «فَلْيُلتفت إليه.
وإنَّما وُصِفَت الأيام ب «أُخَر» من حيث إنها جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ، وجَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يجوزُ أن يعامَلَ معاملَةَ الواحدَةِ المؤنثةِ ومعاملةَ جَمْعِ الإِناث، فَمِن الأولِ: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 18] ، ومِنْ الثاني هذه الآيةُ ونظائرها، وإنما أُوثِرَ هنا معاملتُه معاملَةَ الجَمْعِ لأنه لو جِيءَ به مُفْرَداً فقيل: عِدَّةٌ من أيامٍ أخرى لأوْهَمَ أنه وصفٌ لعِدَّة فيفوتُ المقصودُ.
قوله: {يُطِيقُونَهُ} الجمهورُ على «يُطِيقُونه» من أطاق يُطِيق، مثل أَقامَ يُقيم. وقَرَأَ حُميد: «يُطْوِقُونه» من أَطْوقَ، كقولهم: أَطْوَلَ في أَطال، وأَغْوَلَ في أَغال، وهذا تصحيحٌ شاذ، ومثله في الشذوذ من ذواتِ الواو: أَجْوَدَ بمعنى أجاد، ومِنْ ذوات الياء: أَغْيَمتِ السماءُ وأَجْيَلَت، وأَغْيَلَتِ المرأة، وأَطْيَبَت، وقد جاء الإِعلال في الكلِ وهو القياسُ، ولم يَقُلْ بقياسِ نحو: «أَغْيَمَت» و «أطْوَل» إلا أبو زيد.
وقرأ ابن عباس وابن مسعود: «يُطَوَّقونه» مبنياً للمفعول من طَوَّق مضعفاً على وزنِ قَطَّع. وقرأت عائشة وابن دينار: «يَطَّوَّقُونَه» بتشديد الطاء والواو من أَطْوَقَ، وأصلُه تَطَوَّق، فَلَمَّا أُريد إدغامُ التاءِ في الطاء قُلِبَتْ طاءً، واجْتُلِبَتِ همزةُ الوصل لتمكُّنِ الابتداءِ بالساكن، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك في قولِه: {أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] . وقرأ عكرمة وطائفةٌ: «يَطَّيَّقونُه» بفتحِ الياء وتَشْدِيد الطاء والياء، وتُرْوى عن مجاهدٍ أيضاً. وقُرىء أيضاً هكذا لكن ببناءِ الفعل للمفعول.
وقد رَدَّ بعضُ الناسِ هذه القراءةَ. وقال ابن عطية: «تشديدُ الياء في هذه اللفظةِ ضعيفٌ» وإنما قالوا بِبُطْلاَنِ هذه القراءةِ لأنها عندهم من ذوات الواوِ وهو الطَّوْق، فمن أين تَجِيءُ الياءُ؟ وهذه القراءةُ ليست باطلةً ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنٌ: وهو أنَّ هذه القراءةَ ليست مِنْ تَفَعَّل حتى يلزمَ ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من تَفَيْعَل، والأصلُ: تَطَيْوَق من الطَّوْقِ، كتَدَيَّر وتَحَيَّر من الدَّوَران، والحَوْر، والأصلُ: تَدَيْوَر وتَحَيْوَرَ، فاجتمعت الياءُ والواوُ، وسبقت إحداهما بالسكونِ فقُلِبَت الواوُ ياءً، وأُدْغِمَت الياءُ في الياءِ، فكان الأصلُ: يَتَطَيْوَقُونه، ثم أُدْغِمَ بعد القلبِ، فَمَنْ قَرَأَه «يَطَّيَّقونه» بفتح الياءِ بناه للفاعل، ومَنْ ضَمَّها بَناه للمفعول. وتَحْتَمِل قراءةُ التشديد في الواوِ أو الياءِ أن تكونَ للتكلفِ، أي: يتكلَّفون إطاقَتَه، وذلك مجازٌ من الطَّوْقِ الذي هو القِلاَدَةُ، كأنه بمنزلةِ القِلادَةِ في أَعْنَاقِهِم.
وأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أنَّ «لا» محذوفةٌ قبلَ «يُطِيقُونَه» وأنَّ التقديرَ: «لا يُطيقونه» ونَظَّره بقولِهِ:
840 - فحالِفْ فلا واللَّهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً ... من الأرضِ إلا أنت للذلِّ عارِفُ
وقوله:
841 - آليتُ أمدحُ مُغْرَما أبداً ... يَبْقى المديحُ وَيذْهَبُ الرِّفْدُ
وقوله:
842 - فقلتُ يمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قاعِداً ... ولو قَطَعوا رأسي لديك وأَوْصَالي المعنى: لا تهبط ولا أمدح ولا أبرحُ.
وهذا ليس بشيء، لأنَّ حَذْفَهَا مُلْبِسٌ، وأمَّا الأبيات المذكورةٌ فلدلالةِ القَسَمِ على النفي.
والهاءُ في «يُطِيقُونَه» للصومِ، وقيل: للفِداءِ، قاله الفراء.
و «فِدْيَةٌ» مبتدأٌ، خبرُهُ في الجارِّ قبلَه. والجماعةُ على تنوينِ «فِدْيَة» ورفع «طعام» وتوحيدِ «مسكين» وهشامٌ كذلك إلاَّ أنه قرأ: «مساكين» جمعاً، ونافع وابنُ ذكوان بإضافة «فدية» إلى «طعام مساكين» جمعاً. فالقراءةُ الأولى يكونُ «طعام» بدلاً من «فِدْية» بَيَّن بهذا البدلِ المرادَ بالفدية، وأجازَ أبو البقاء أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوف، أي: هي طعام. وأما إضافة الفِدْية للطعامِ فمِنْ باب إضافة الشيء إلى جنسه، والمقصودُ به البيانُ كقولِك. خاتَمُ حديدٍ وثوبُ خَزٍّ وبابُ ساجٍ، لأنَّ الفِدْيَةَ تكونُ طعاماً وغيرَه. وقال بعضهم: «يجوزُ أن تكونَ هذه الإِضافة من بابِ إضافة الموصوفِ إلى الصفةِ، قال:» لأنَّ الفديةَ لها ذاتٌ وصفتُها أنَّها طعامٌ «وهذا فاسدٌ، لأنَّه: إمَّا أنَّ يريدَ بطعام المصدر بمعنى الإِطعام كالعَطاءِ بمعنى الإِعطاء، أو يريدَ به المفعولَ، وعلى كِلا التقديرين فلا يُوصف به؛ لأن المصدرَ لا يُوصَفُ به إلا عند المبالغةِ، وليسَتْ مُرادةً هنا، والذي بمعنى المفعولِ ليس جارياً على فِعْلٍ ولا ينقاسُ، لا تقولُ: ضِراب بمعنى مَضْروب، ولا قِتال بمعنى مَقْتُول، ولكونِها غيرَ جاريةً على فِعْلٍ لم تعملْ عَمَله، لا تقول:» مررت برجلٍ طعامٍ خبزُه «وإذا كانَ غيرَ صفةٍ فكيفَ يقال: أُضيف الموصوفُ لصفتِه؟ وإنَّما أُفْرِدَت» فِدْية «لوجهين، أحدُهما: أنَّها مصدرٌ والمصدرُ يُفْرَدُ، والتاء فيها ليست للمَرَّة، بل لِمُجَرَّدِ التأنيث. والثاني: أنه لَمَّا أضافها إلى مضافٍ إلى الجمع أَفْهَمَتِ الجَمْعَ/، وهذا في قراءةِ» مساكين «بالجمع. ومَنْ جمع» مساكين «فلمقابلةِ الجمع بالجمعِ، ومَنْ أَفْرَدَ فعلى مراعاةِ إفرادِ العمومِ، أي: وعلى كلِّ واحدٍ مِمَّن يُطيق الصومَ لكلِّ يوم يُفْطِرُه إطعامُ مسكين. ونظيرهُ: {والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] .
وتَبَيَّن مِنْ إفراد» المسكين «أنَّ الحكم لِكلِّ يومٍ يُفْطِرُ فيه مسكينٌ، ولا يُفْهَم ذلك من الجَمْعِ. والطعامُ: المرادُ به الإِطعامُ، فهو مصدرٌ، ويَضْعُفُ أنْ يُراد به المفعولُ، قال أبو البقاء:» لأنه أضافه إلى المسكين، وليس الطعامُ للمسكين قبل تمليكِه إياه، فلو حُمِلَ على ذلك لكان مجازاً، لأنه يصير تقديرُه: فعليه إخراجُ طعامٍ يصيرُ للمساكين، فهو من باب تسميةِ الشيءِ، بما يَؤُول إليه، وهو وإنْ كان جائزاً إلا أنه مجازٌ والحقيقةُ أولى منه «.
قوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} قد تقدَّم نظيرُه والكلامُ مستوفىً عليه عند قولِه: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] فَلْيُلْتفت إليه. والضميرُ في قولِهِ:» فهو «ضميرُ المصدرِ المدلولِ عليه بقولِهِ:» فَمَنْ تَطَوَّع «أي: فالتطوعُ خيرٌ له و» له «في مَحَلِّ رفعٍ لأنه صفةٌ لخيرٍ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: خيرٌ كائنٌ له.
قوله: {وَأَن تَصُومُواْ} في تأويل مصدرٍ مرفوعٌ بالابتداء تقديرُه:» صومكم «و» خَيْرٌ «خبرُه. ومثلُه: {وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى} [البقرة: 237] وقوله: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} شرطٌ حُذِفَ جوابُهُ، تقديرُه: فالصومُ خيرٌ لكم. وحُذِفَ مفعولُ العلم: إمَّا اقتصاراً، أي: إن كنتمْ من ذوي العلم والتمييز، أو اختصاراً أي: تعلمونَ ما شرعيتُه وتبيينُه، أو فَضْلَ ما عِلِمْتُم.
2:184Page 28
أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤
[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences