As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:247–254
2:247Page 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧
And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."
قوله تعالى: {طَالُوتَ مَلِكاً} : «مَلِكاً» حال من «طالوت» فالعاملُ في الحالِ «بَعَثَ» . و «طالوتُ» فيه قولان، أظهرهُما: أنه اسمٌ أعجميٌّ فلذلك لم ينصَرِفْ للعلتين، أعني العلمية والعجمة الشخصيةَ. والثاني: أنه مشتقٌ من الطُول، ووزنه فَعَلوت كرَهَبوت ورَحَموت، وأصلُه طَوَلُوت، فقُلِبت الواوُ ألفاً لتحركها وانفتاحِ ما قبلها، وكأنَّ الحاملَ لهذا القائلِ بهذا القولِ ما روي في القصةِ أنه كان أطولَ رجلٍ في زمانه، إلا أنَّ هذا القولَ مردودٌ بأنه لو كان مشتقاً من الطول لكان ينبغي أن ينصرفَ، إذ ليس فيه إلا العلميةُ. وقد أجابوا عن هذا بأنه وإن لم يكن أعجمياً ولكنه شبيه بالأعجمي، من حيث إنه ليس في أبنية العرب ما هو على هذه الصيغة، وهذا كما قالوا في حَمْدُون وسراويل ويعقوب وإسحق عند مَنْ جعلهما مِنْ سَحَقَ وعَقِب وقد تقدمَ.
قوله: {أنى يَكُونُ لَهُ الملك} «أنَّى» فيه وجهان، أحدُهما: أنها بمعنى كيف، وهذا هو الصحيحُ. والثاني: أنها بمعنى مِنْ أين، أجازه أبو البقاء، وليس المعنى عليه. ومحلُّها النصبُ على الحالِ، وسيأتي الكلام في عامِلها ما هو؟ و «يكون» فيها وجهان، أحدُهما: أنها تامةٌ، و «الملك» فاعلٌ بها و «له» متعلقٌ بها، و «علينا» متعلقٌ بالملك، تقول: «فلان مَلَك على بني فلان أمرَهم» فتتعدى هذه المادةُ ب «على» ، ويجوز أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «المُلْك» ، و «يكون» هي العاملةُ في «أنَّى» ، ولا يجوز أن يعملَ فيها أحدُ الظرفين، أعني «له» و «علينا» لأنه عاملٌ معنوي والعاملُ المعنوي لا تتقدَّمُ عليه الحالُ على المشهور. والثاني: أنها ناقصةٌ و «له» الخبر «، و» علينا «متعلقٌ: إمَّا بما تعلَّق به هذا الخبرُ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من» المُلك «كما تقدَّم، والعاملُ في هذه الحالِ» يكون «عند مَنْ يُجيز في» كان «الناقصةِ أن تعملَ في الظرفِ وشبهِه، وإمَّا بنفس المُلْك كما تقدَّم تقريرُه، والعاملُ في» أنَّى «ما تعلَّق به الخبرُ أيضاً، ويجوز أن يكونَ» علينا «هو الخبر، و» له «نصبٌ على الحال، والعاملُ فيه الاستقرارُ المتعلِّقُُ به الخبرُ، كما تقدم تقريره، أو» يكون «عند مَنْ يُجيز ذلك في الناقصة. ولم أرَ مَنْ جَوَّز أن تكونَ» أنى «في محلِّ نصب خبراً ل» يكون «بمعنى» كيف يكون الملك علينا له «ولو قِيل به لم يمتنع معنىً ولا صناعةً.
قوله: {وَنَحْنُ أَحَقُّ} جملةٌ حاليةٌ، و «بالمُلْك» و «منه» كلاهما متعلقٌ ب «أحقُّ» . {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً} هذه الجملةُ الفعليةُ عطفٌ على الاسمية قبلها، فهي في محلِّ نصب على الحالِ، ودخلت الواوُ على المضارعِ لكونه منفياً و «سعةً» مفعولٌ ثانٍ ليُؤْتَ، والأولُ قَام مقامَ الفاعلِ.
و «سَعَةً» وزنُها «عَلَة» بحذفِ الفاءِ وأصلُها «وُسْعَة» وإنما حُذِفَتِ الفاءُ في المصدر حَمْلاً على المضارع، وإنما حُذِفَتْ في المضارع لوقوعِها بين ياءٍ - وهي حرفُ المضارعة - وكسرةٍ مقدرة، وذلك أنَّ «وَسِع» مثلُ «وَثِق» ، فحقُّ مضارعهِ أن يجيء على يَفْعِل بكسرِ العين، وإنما مَنَعَ ذلك في «يَسَع» كونُ لامهِ حرف حلقٍ فَفُتِحَ عينُ مضارعهِ لذلك، وإنْ كان أصلُها الكسرَ، فَمِنْ ثَمَّ قلنا: بين ياءٍ وكسرةٍ مقدرةٍ، والدليلُ على ذلك أنهم قالوا: وَجِلَ يَوْجَل فلم يَحْذفوها لمَّا كانت الفتحةُ أصليةً غير عَارِضةً، بخلاف فتحة «يَسَع» و «يَهَب» وبابِهما.
فإن قيل: قد رأيناهم يَحْذِفُون هذه الواو وإنْ لم تَقَعْ بين ياءٍ وكسرةٍ، وذلك إذا كان حرفُ المضارعةِ همزة نحو: «أَعِدُ» أو تاءً نحو: «تَعِد» أو نوناً نحو: «نَعِد» ، وكذلك في الأمرِ والمصدر نحو: «عِدْ عِدة حسنةً» فالجوابُ أنَّ ذلك بالحَمْلِ على المضارع مع الياءَ طَرْداً لِلْبَاب، كما تقدَّم لنا في حذفِ همزةِ أَفْعَلَ إذا صار مضارعاً لأجلِ همزةِ المتكلمِ ثم حُمِل باقي البابِ عليه.
وفُتِحَتْ سينُ «السَّعة» لَمَّا فُتِحَتْ في المضارعِ لأجل حرفِ الحلقِ، كما كُسِرت عينُ «عِدة» لَمَّا كُسِرَت في «يَعِد» إلا أنه يُشْكِلُ على هذا: وَهَبَ يَهَبُ هِبة، فإنهم كَسَروا الهاء في المصدرِ وإنْ كانت مفتوحةً في المضارعِ لأجْلِ أنَّ العينَ حرفُ حلقٍ، فلا فرقَ بين «يَهَب» و «يَسَع» في كونِ الفتحةِ عارضةً والكسرةِ مقدرةً، ومع ذلك فالهاء مكسورةٌ في «هِبة» ، وكان مِنْ حَقِّها الفتحُ لفتحِها في المضارع ك «سَعَة» .
و «من المال» فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بيُؤْتَ. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لسَعَة، أي: سَعَةً كائنةً من المالِ.
قوله: {فِي العلم} فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ ب «بَسْطَة» كقولِك: «بَسَطْتُ له في كذا» . والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل «بَسْطَة» أي: بَسْطَة مستقرةً أو كائنة.
و «واسعٌ» فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه على النسبِ أي: ذو سَعَةِ رحمةٍ، كقولهم: لابن وتامر أي: صاحبُ تمرٍ ولبنٍ. والثاني: أنه جاءَ على حذفِ الزوائدِ من أَوْسَع، وأصلُه مُوْسِع. وهذه العبارةُ إنما يتداولُها النحويون في المصادرِ فيقولون: مصدر/ على حذفِ الزوائدِ. والثالث: أنه اسمُ فاعلٍ من «وَسِع» ثلاثياً. قال أبو البقاء: فالتقديرُ على هذا: واسعُ الحلم، لأنك تقول وَسِعَ حلمُه «.
2:248Page 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨
And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."
قوله تعالى: {أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت} : «أَنْ» وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ خبراً ل «إنَّ» ، تقديرُه: إنَّ علامَة مُلْكِه إيتاؤُكم التابوت.
وفي «التابوتِ» قولان، أحدُهما: أنه فاعولٌ، ولا يُعْرَفُ له اشتقاقٌ، وَمَنَع قائلُ هذا أن يكون وَزْنُه فَعَلُوتاً مشتقاً من تابَ يَتوبُ كَمَلَكوت من المُلْكِ ورهَبوت من الرُّهْبِ، قال: لأنَّ المعنى لا يساعِدُ على ذلك. والقول الثاني: أن وزنَه فَعَلوت كمَلَكوت، وجَعَلَه مشتقاً من التَّوْب وهو الرجوعُ، وجَعَلَ معناه صحيحاً فيه، لأنَّ التابوتَ هو الصندوقُ الذي توضع فيه الأشياءُ فيَرجع إليه صاحبُه عند احتياجِه إليه، فقد جعلنا فيه معنى الرجوعِ.
والمشهورُ أن يوقَفَ على تائِه بتاءٍ من غير إبدالِها هاءً لأنها: إمَّا أصلٌ إنْ كان وزنُه فاعولاً، وإمَّا زائدةٌ لغيرِ التأنيثِ كمَلَكوت، ومنهم مَنْ يَقْلِبها هاءً، وقد قُرِىء بها شاذاً، قرأها أُبيّ وزيد بن ثابت وهي لغةُ الأنصار، ويحكى أنهم لمَّا كَتَبوا المصاحفَ زمنَ عثمانَ رضي الله عنه اختلفوا فيه فقالَ زيد: «بالهاء» ، وقال [أُبَيّ:] «بالتاء» ، فجاؤوا عثمان فقال: «اكتبوه على لغةِ قريش» يعني بالتاء.
وهذه الهاءُ هل هي أصلٌ بنفسِها فيكونُ فيه لغتان، ووزنُه على هذا فاعول ليس إلا، أو بَدَلٌ من التاءِ لأنها قريبةٌ منها لاجتماعهما في الهَمْسِ، أو إجراءً لها مُجْرى تاءِ التأنيث؟ فقال الزمخشري: «فإنْ قلت: ما وزنُ التابوت؟ قلت: لا يَخْلو أَنْ يكونَ فَعَلوتا أو فاعولا، فلا يكون فاعولا لقلةِ نحو سَلِسٌ وقَلِقٌ» ، يعني أنَّ اتِّحاد الفاءِ واللامِ في اللفظِ قليلٌ جداً. «ولأنه تركيبٌ غيرُ معروفٍ» يعني في الأوزان العربية، ولا يجوز تَركُ المعروفِ [إليه] فهو إذاً فَعَلوت من التوبِ وهو الرجوعُ، لأنه ظرفٌ تُودَعُ فيه الأشياءُ فَيُرْجَعُ إليه كلَّ وقتٍ.
وأَمَّا مَنْ قرأ بالهاءِ فهو فاعول عندَه، إلاَّ مَنْ يَجْعَلُ هاءَه بدلاً من التاءِ لاجتماعِهِما في الهَمْسِ، ولأنهما من حروفِ الزيادة، ولذلك أُبْدِلَتْ منه تاءِ التَّأنِيثِ.
قوله: {فِيهِ سَكِينَةٌ} يجوز أن يكونَ «فيه» وحدَه حالاً من التابوت، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، ويرتفعُ «سكينة» بالفاعلية، والعاملُ فيه الاستقرارُ والحالُ هنا من قبيلِ المفردات، ويجوزُ أن يكونَ «فيه» خبراً مقدماً. و «سكينةٌ» مبتدأ مؤخراً، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال، والحالُ هنا من قبيلِ الجملِ. و «سكينةٌ» فعيلة من السكون، وهو الوقارُ. وقرأ أبو السَّمَّال بتشديدِ الكافِ، قال الزمخشري: «وهو غريبٌ» .
قوله: {مِّن رَّبِّكُمْ} يجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «سكينة» ، ومحلُّه الرفعُ.
ويجوز أن يتعلَّق بما تعلَّق به «فيه» من الاستقرار. و «مِنْ» يجوز أن تكونَ لابتداءِ الغايةِ وأَنْ تكونَ للتبعيضِ. وثَمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: من سكيناتِ ربكم.
و «بَقِيَّة» وزنها فَعِيلة والأصلُ: بَقِيْيَة بياءين، الأولى زائدةٌ والثانيةُ لامُ الكلمةِ، ثم أُدْغِمَ، ولا يُسْتَدَلُّ على أنَّ لامَ «بَقِيَّة» ياءٌ بقولهِم: «بَقِيَ» في الماضي، لأنَّ الواوَ إذا انكسَرَ ما قبلَهَا قُلِبَت ياءً، ألا ترى أنَّ «رَضِي» و «شَقِيَ» أصلهما من الواوِ: الشِّقْوَة والرِّضوان.
و «مِمَّا تَرَك» في محلِّ رفعٍ لأنه صفةٌ ل «بَقَيَّة» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: بقيةٌ كائنةٌ. و «مِنْ» للتبعيضِ، أي: من بَقِيَّاتِ ربكم، و «ما» موصولةٌ اسميةٌ، ولا تكونُ نكرةً ولا مصدريةً.
و «آل» تقدَّم الكلامُ فيه، وقيل: هو هنا زائدٌ كقولِهِ:
1022 - بثينةُ من آلِ النساءِ وإنَّما ... يَكُنَّ لوصلٍ لا وصالَ لغائِبِ يريدُ بُثَيْنَةُ من النساء. قال الزمخشري: «ويجوزُ أن يريدَ: مِمَّا تَرَكَ موسى وهارون، والآلُ مقحمٌ لتفخيم شأنِهِما، أي زائدٌ للتعظيمِ. واستشكل الشيخ كيفية إفادةِ التفخيمِ بزيادةِ الآل. و» هارون «أعجمي. قيل: لم يَرِدْ في شيءٍ من لغةِ العربِ، قاله الراغب، أي: لم تَرِدْ مادُتُه في لُغَتِهِم.
قوله: {تَحْمِلُهُ الملائكة} هذه الجملةُ تحتملُ أن يكونَ لها محلٌّ من الإِعرابِ على أنها حالٌ من التابوتِ أي: محمولاً للملائكةِ وألاَّ يكونَ لها محلٌّ لأنها مستأنفةٌ، إذ هي جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ كأنه قيل: كيف يأتي؟ فقيل: تَحْمِلُهُ الملائكةُ.
وقرأ مجاهد» يَحْمِلُه «بالياء من أسفلَ، لأنَّ الفعلَ مُسْنَدٌ لجمعِ تكسيرٍ فيجوزُ في فِعْلِهِ الوجهان. و» ذلك «مشارٌ به قيل: إلى التابوت. وقيل: إلى إتيانه، وهو الأحسنُ لتناسِبَ آخرُ الآيةِ أولَها. و» إنْ «الأظهَرُ فيها أنها على بابها من كونِها شرطيةً وجوابُها محذوفٌ. وقيل: هي بمعنى» إذ «.
2:249Page 41
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩
And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."
قوله تعالى: {فَصَلَ} : أي: انفصلَ، فلذلك كان قاصراً. وقيل: إنَّ أصلَه التَّعدِّي إلى مفعولٍ ولكنه حُذِفَ، والتقديرُ: فَصَلَ نفسَه ثم كَثُرَ حَذْفُ هذا المفعولِ حتى صار الفعلُ كالقاصِرِ.
و «بالجنودِ» متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «طالوت» أي: مصاحباً لهم. وبين جملةِ قولِهِ «فلمَّا فَصَلَ» وبين ما قبلَها من الجملِ جملةٌ محذوفةٌ يَدُلُّ عليها فحوى الكلامِ وقوتُه، تقديرُهُ: فجاءَهم التابوت، فَمَلَكُوا طالوتَ وتأهَّبوا للخروجِ وهي كقولِهِ: {فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق} [يوسف: 45-46] .
والجمهورُ على قراءةِ «بنهَر» بفتح الهاء وهي اللغةُ الفصيحةُ، وفيه لغةً أخرى: تسكينُ الهاء، وبها قرأ مجاهد وأبو السَّمَّال في جميع القرآنِ، وقد تقدَّم ذلك واشتقاقُ هذه/ اللفظة عند قولِهِ تعالى: {مِن تَحْتِهَا الأنهار} [البقرة: 25] .
وأصلُ الياء في «مُبْتَلِيكُمْ» واوٌ لأنه من بَلاَ يَبْلُوا أي: اختبَرَ، وإنَّما قُلِبَتْ لانكسارِ ما قبلَها.
وقوله: {فَلَيْسَ مِنِّي} أي: من أشياعي وأصحابي، و «من» للتبعيضِ، كأنه يجعلُ أصحابَه بعضَه، ومثلُه قولُ النابغة:
1023 - إذا حاوَلْتَ في أسدٍ فُجوراً ... فإني لَسْتُ منكَ ولَسْتَ مِنِّي
ومعنى يَطْعَمْهُ: يَذُقْهُ، تقولُ العربُ: «طَعِمْتُ الشيءَ» أي: ذُقْتُ طَعْمَهُ قال:
1024 - فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكُمُ ... وإنْ شئتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا
قوله: {إِلاَّ مَنِ اغترف} منصوبٌ على الاستثناء، وفي المستثنى منه وجهان، الصحيحُ أنه الجملة الأولى وهي: «فَمَنْ شَرِبَ منه فليس مني» ، والجملة الثانيةُ معترِضَةٌ بين المستثنى والمستثنَى منه، وأصلُها التأخيرُ، وإنَّما قُدِّمَتْ لأنها تَدُلُّ عليها الأولى بطريقِ المفهومِ، فإنَّه لَمَّا قال تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} فُهِمَ منه أنَّ مَنْ لم يَشربْ فإنَّه منه، فلمَّا كانَتْ مدلولاً عليها بالمفهومِ صارَ الفصلُ بها كَلا فصل. وقال الزمخشري: «والجملةُ الثانية في حكم المتأخرةِ، إلاَّ أنها قُدِّمَتْ للعنايةِ، كما قُدِّمَ» والصابئون «في قولِهِ: {إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون} [المائدة: 69] .
والثاني: أنه مستثنى من الجملةِ الثانيةِ، وإليه ذهب أبو البقاء. وهذا غيرُ سديدٍ لأنه يؤدِّي إلى أن المعنى: ومَنْ لم يَطْعَمْه فإنه مني إلاَّ مَنِ اغتَرَف بيدِهِ فإنه ليس مني، لأنَّ الاستثناءَ من النفي إثباتٌ، ومن الإِثباتِ نفيٌ، كما هو الصحيحُ، ولكن هذا فاسدٌ في المعنى لأنهم مفسوحٌ لهم في الاغترافِ غَرفةً واحدةً.
والاستثناء إذا تعقَّبَ الجملَ وصَلَحَ عَوْدُهُ على كلٍّ منها هل يختصُّ بالأخيرة أم لا؟ خلافٌ مشهورٌ، فإنْ دَلَّ دليلٌ على اختصاصِهِ بإحدى الجملِ عمِلَ به، والآيةُ من هذا القبيلِ، فإنَّ المعْنى يعود إلى عَوْدِه إلى الجملَةِ الأولى لا الثانيةِ لِمَا ذكرْتُ لك.
وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو:» غَرفة «بفتحِ الغين والباقون بضمها.
فقيل: هما بمعنى المصدرِ، إلاَّ أنهما جاءا على غيرِ الصدر كنبات من أَنْبَتَ، ولو جاءَ على الصدرِ لقيل: اغترافاً. وقيل: هما بمعنى المُغْتَرَفِ كالأكل بمعنى المأكول. وقيل: المفتوحُ مصدرٌ قُصِدَ به الدلالة على الوَحْدَةِ فإنَّ «فَعْلَة» يدلُّ على المَرَّة، والمضِمُومُ بمعنى المفعول، فحيث جعلتهما مصدراً فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُهُ: إلاَّ من اغترف ماءً، وحيث جعلَتهما بمعنى المفعولِ كانا مفعولاً به، فلا يُحتاج إلى تقديرِ مفعولٍ.
ونُقِلَ عن أبي عليّ أنه كان يُرَجِّح قراءة الضم لأنه في قراءةِ الفتح يَجْعلها مصدراً، والمصدرُ لا يوافق الفعلَ في بنائِهِ، إنما جاء على حَذْفِ الزوائد وجَعْلُها بمعنى المفعول لا يُحْوِج إلى ذلك فكانَ أرجَح.
قوله: {بِيَدِهِ} يجوزُ أن يتعلَّق ب «اغَتَرف» وهو الظاهِرُ. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه نعتٌ ل «غُرْفة» ، وهذا على قولِنا بأن «غُرفة» ، بمعنى المفعولِ أظهرُ منه على قولِنَا بأنها مصدرٌ، فإنَّ الظاهرَ من الباءِ على هذا أَنْ تكونَ ظرفيةً، أي غُرفةً كائنةً في يدهِ.
قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} هذه القراءةُ المشهورةُ، وقرأ عبدُ الله وأُبَيّ «إلا قليلٌ» ، وتأويلُهُ أنَّ هذا الكلامَ وإن كان موجباً لفظاً فهو منفيٌّ معنىً، فإنه في قوةِ: لم يُطيعوه إلا قليلٌ منهم، فلذلك جَعَلَهُ تابعاً لِمَا قبله في الإِعراب. قال الزمخشري: «وهذا مِنْ مَيْلِهم مع المعنى والإِعراضِ عن اللفظِ جانباً، وهو بابٌ جليلٌ من علمِ العربيةِ، فلمَّا كان معنى» فَشَرِبُوا منه «في معنى» فلم يُطيعوه «حَمَل عليه، ونحوُه قولُ الفرزدق:» لم يَدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ «يشير إلى قولِهِ:
1025 - وَعَضُّ زمانٍ يابنَ مروانَ لم يَدَعْ ... من المالِ إلا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ
فإنَّ معنى» لم يَدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتاً «لم يَبْقَ من المال إلا مُسْحَتٌ، فلذلك عَطَفَ عليه» مُجَلَّفُ «بالرفعِ مراعاةً للمعنى الذي ذكرْتُهُ لك. وفي البيت وجهان آخران، أحدُهما. . . .
ولا بُدَّ من التعرُّضِ لهذه المسألةِ لعمومِ فائدِتهَا فأقولُ: إذا وَقَع في كلامِهِم استثناءٌ موجَبٌ نحو:» قام القومُ إلا زيداً «فالمشهورُ وجوبُ النصبِ على الاستثناءِ. وقال بعضُهم: يجوزُ أن يَتْبَعَ ما بعدَ» إلا «ما قبلَها في الإِعراب فتقول:» مررت بالقومِ إلا زيدٍ «بجرّ» زيد «، واختلفوا في تابِعِيَّةِ هذا، فعبارةُ بعضِهم أنه نعتٌ لما قبلَه، ويقولُ: إنه يُنْعَتُ بإلاَّ وما بعدَها مطلقاً سواءً كان متبوعُها معرفةً أم نكرةً مضمراً أم ظاهراً، وهذا خارجٌ عن قياس باب النعتِ لِما قَد عَرَفْتَ فيما تقدَّم. ومنهم مَنْ قال: لا يُنْعَتُ بها إلا نكرةً أو معرفةً بأل الجنسيةِ لقربِها من النكرةِ.
ومنهم مَنْ قال: قَوْلُ النَّحْوِيين هنا نعتٌ إنما يَعْنُون به عطفَ البيانِ. ومن مجيءِ الإِتباعِ بما بعد «إلاَّ» قولُهُ:
1026 - وكلُّ أَخٍ مفارقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفرقدانِ
قولُهُ: {جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ} «هو» ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مؤكِّدٌ للضميرِ المستكنِّ في «جاوَزَ» .
وقوله: {والذين} يَحْتَمِلُ وجهين، أظهرُهُما: أنه عطفٌ على الضميرِ المستكنِّ في «جاوَزَ» لوجودِ الشرطِ، وهو توكيدُ المعطوفِ عليه بالضمير المنفصلِ. والثاني: أن تكونَ الواوُ للحالِ، قالوا: ويَلْزَمُ من الحالِ أن يكونوا جاوزوا معه، وهذا القائلُ يجعلُ «الذين» مبتدأ والخبرَ «قالوا: لا طاقة» فصارَ المعنى: «فلمَّا جاوزه والحالُ أنَّ الذين آمنوا قالوا هذه المقالة» والمعنى ليس عليه.
ويجوز إدغامُ هاء «جاوزه» في هاء «هو» ، ولا يُعْتَدُّ بفصلِ صلةِ الهاءِ لأنها ضعيفةٌ، وإنْ كان بعضُهم استضعَفَ/ الإِدغامَ، قال: إلا أَنْ تُخْتَلَس الهاءُ «يعني فلا يبقى فاصلٌ. وهي قراءةُ أبي عمرو. وأَدْغَمَ أيضاً واوَ» هو «في واو العطف بخلافٍ عنه، فوجهُ الإِدغام ظاهرٌ لالتقاء مِثْلين بشروطِهِما. ومَنْ أظهر وهو ابنُ مجاهد وأصحابُهُ قال:» لأنَّ الواو إذا أُدْغِمَت سَكَنَتْ، وإذا سَكَنَت صَدَقَ عليها أنها واوٌ ساكنة قبلَها ضمة، فصارَتْ نظيرَ: «آمنوا وكانوا» فكما لا يُدْغم ذاك لا يدغم هذا «. وهذه العلةُ فاسدةٌ لوجهين، أحدُهما: أنها [ما] صارَتْ مثلَ» آمنوا وكانوا «إلا بعد الإِدغام، فكيف يُقال ذلك؟ وأيضاً فإنهم أدغموا: {يَأْتِيَ يَوْمٌ} [البقرة: 254] وهو نظيرُ: {فِي يَوْمٍ} [إبراهيم: 18] و {الذى يُوَسْوِسُ} [الناس: 4] بعينِ ما عَلَّلوا به.
وشرطُ هذا الإِدغام في هذا الحرفِ عند أبي عمرو ضمُّ الهاءِ كهذه الآيةِ، ومثله {هُوَ والملائكة} [آل عمران: 18] {هُوَ وَجُنُودُهُ} [القصص: 39] ، فلو سَكَنَتِ الهاءُ امتنع الإِدغامُ نحو: {وهو وليُّهم} [الأنعام: 127] ولو جرى فيه الخلاف أيضاً لم يكن بعيداً، فله أُسوة بقوله: {خُذِ العفو وَأْمُرْ} [الأعراف: 199] بل أَوْلى لأن سكونَ هذا عارضٌ بخلافِ: {العفو وَأْمُرْ} .
قوله: {لاَ طَاقَةَ لَنَا} » لنا «هو خبرٌ» لا «فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. ولا يجوز أن يتعلَّقَ بطاقة، وكذلك ما بعدَه من قولِهِ» اليوم «و» بجالوت «لأنه حينئذٍ يَصير مُطَوَّلاً، والمُطوَّلُ ينصبُ منوناً، وهذا كما تراه مبنياً على الفتح، بل» اليوم «و» بجالوت «متعلِّقان بالاستقرارِ الذي تعلَّق به» لنا «.
وأجاز أبو البقاء أن يكونَ» بجالوت «هو خبرَ» لا «، و» لنا «حينئذٍ: إما تبيينٌ أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لطاقة.
والطاقَةُ: القدرةُ وعينُها واو، لأنها من الطَّوْق وهو القدرةُ، وهي مصدرٌ على حذفِ الزوائِد، فإنَّها من» أَطَاق «ونظيرُها: أجاب جابةً، وأغار غارةً، وأطاع طاعةً.
و «جالوت» اسمٌ أعجميٌّ ممنوعُ الصرفِ، لا اشتقاقَ له، وليس هو فَعَلوتا من جال يَجُول كما تقدَّم في طالوت، ومثلُهما داود.
قوله: {كَم مِّن فِئَةٍ} «كم» خبريةٌ فإنَّ معناها التكثيرُ، ويدل على ذلك قراءة أُبَيّ: «وكائن» وهي للتكثير ومحلُّها الرفعُ بالابتداء و «من فئةٍ» تمييزُها، و «مِنْ» زائدةٌ فيه. وأكثرُ ما يجيء مميِّزها ومميِّز «كائن» مجروراً بمِنْ، ولهذا جاء التنزيلُ على ذلك، وقد تُحْذَفُ «مِنْ» فَيُجَرُّ مميِّزها بالإِضافة لا بمِنْ مقدرةً على الصحيح، وقد يُنْصَبُ حَمْلاً على مميِّز «كم» . الاستفهامية، كما أنه قد يُجَرُّ الاستفهاميةِ حمْلاً عليها وذلك بشروط مذكورةٍ في النحو. ومِنْ مجيءِ مميِّز «كائن» منصوباً قولُ الشاعر:
1027 - اطرُدِ اليأسَ بالرجاءِ فكائِنْ ... آلماً حُمَّ يُسْرُهُ بعدَ عُسْرِ
وأجازوا أن يكون «من فئةٍ» في محلِّ رفعٍ صفةً ل «كم» فيتعلَّقَ بمحذوفٍ. و «غَلَبَت» هذه الجملةُ هي خبرُ «كم» والتقديرُ: كثيرٌ من الفئاتِ القليلةِ غالبةٌ الفئاتِ الكثيرةَ.
وفي «فئة» قولان أحدُهما: أنها من فاء يَفِيء أي: رَجَعَ فَحُذِفَتْ عينُها ووزنُها فِلَة. والثاني: أنها من فَأْوَتُّ رأسَه ي: كسرتُه، فحُذِفَت لامُها ووزنُها فِعَة كمئة، إلاَّ أنَّ لامَ مئة ياءٌ ولامَ هذه واوٌ، ومعناها على كلٍّ من الاشتقاقين صحيحٌ، فإنَّ الجماعَةَ من الناس يَرْجِعُ بعضُهم إلى بعضٍ، وهم أيضاً قطعةٌ من الناسِ كقِطَعِ الرأسِ الكسَّرة.
قوله: {بِإِذْنِ الله} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه حالٌ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، والتقدير: ملتبسين بتيسيرِ الله لهم. والثاني: أنَّ الباءَ للتعدية ومجرورُها مفعولٌ به في المعنى، ولهذا قال أبو البقاء: «وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مفعولاً به» .
وقوله: {والله مَعَ الصابرين} مبتدأٌ وخبرٌ، وتَحْتَمِل وجهين، أحدُهما: أن يكونَ محلُّها النصبَ على أنها من مقولهم. والثاني: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب، على أنها استئنافٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى بها.
2:250Page 41
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠
And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
قوله تعالى: {بَرَزُواْ لِجَالُوتَ} : في هذه اللام وجهان، أحدُهما: أنَّها تتعلَّق ببرزوا، والثاني: أنها تتعلَّقُ بمحذوفٍ على أنها ومجرورَها حالٌ من فاعلِ «بَرَزوا» قال أبو البقاء: «ويجوزُ أن تكونَ حالاً أي: برزوا قاصدين لجالوتَ» . ومعنى برزوا صاروا إلى بَراز من الأرض، وهو ما انكشَفَ منها واستوى، ومنه المُبَارَزَةُ في الحَرْبِ لظهورِ كلِّ قِرْن لصاحبهِ. وفي ندائِهِم بقولِهم: «رَبَّنا» اعترافٌ منهم بالعبودية وطلبٌ لإِصلاحهم لأنَّ لفظة «الرب» تُشْعر بذلك دونَ غيرها، وأتوا بلفظِ «على» في قولهم: «أَفْرِغ علينا» طلباً لأنْ يكونَ الصبرُ مستعلياً عليهم وشاملاً لهم كالظرفِ.
2:251Page 41
فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١
So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.
قوله تعالى: {وَالهَزْمُ} : أصلُه الكَسْر، ومنه «سِقاء مُتَهَزِّم» و «قَصَبٌ متهزِّمٌ» أي متكسِّر. قوله: «بإذنِ الله» فيه الوجهانِ المتقدِّمان أعني كونَه حالاً أو مفعولاً به. و «مِمَّا يشاء» فاعلٌ «يشاء» ضميرُ الله تعالى. وقيل: ضميرُ داود والاولُ أظهرُ.
قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ} قرأ نافع هنا، وفي الحج: «دِفاع» والباقون: « دَفْع» . فأمَّا «دَفْع» فمصدر دَفَعَ يَدْفَع ثلاثياً. وأمَّا «دفاع» فيحتمل وجهين: أحدُهما: أن يكونَ مصدر دَفَعَ الثلاثي أيضاً نحو: كَتَب كِتاباً، وأن يكونَ مصدرَ «دافع» نحو: قاتل قِتالاً، قال أبو ذؤيب:
1028 - ولقد حَرَصْتُ بأَنْ أدافعَ عنهُم ... فإذا المَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ
و «فاعَل» هنا بمعنى فَعَل المجرد فتتَّحد القراءتان في المعنى.
ومَنْ قرأ «دفاع» وقرأ في الحج {يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا} [الآية: 38] وهو نافع، أو قرأ «دَفْع» وقرأ «يَدْفَع» - وهما أبو عمرو وابن كثير - فقد وافق أصلَه، فجاء بالمصدرِ على وَفْقِ الفعل. وأمَّا من قرأ هنا «دَفْع» وفي الحج «يُدافِع» وهم الباقون فقد جَمَعَ بين اللغتين، فاستعمل الفعلَ من الرباعي والمصدرَ من الثلاثي. والمصدرُ هنا مضافٌ لفاعِله وهو الله تعالى، و «الناسَ» مفعول أول، و «بعضهم» بدلٌ من «الناسِ» بدلٌ بعضٍ مِنْ كُلٍّ.
و «ببعضٍ» متعلِّقٌ بالمصدرِ، والباءُ للتعديةِ، فمجرورُها المفعولُ الثاني في المعنى، والباءُ إنما تكون للتعديةِ في اللازمِ نحو: «ذَهَبَ به» فأمّا المتعدِّي لواحدٍ فإنما يتعدَّى بالهمزة تقول: «طَعِمَ زيدٌ اللحم وأَطْعَمْتُه اللحم» / ولا تقول: «طَعِمْته باللحم» فتعدِّيه إلى الثاني بالباءِ إلاَّ فيما شَذَّ قياساً وهو «دَفَع» و «صَكَّ» ، نحو: صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ أي: جَعَلْتُ أحدَهما يَصُكُّ الآخر، ولذلك قالوا: صَكَكْتُ الحجرَيْنِ أحدَهما بالآخر.
قوله: {ولكن الله} وجهُ الاستدراكِ أنه لَمَّا قسَّم الناسَ إلى مدفوعٍ ومدفوعٍ به، وأنه بهذا الدفعِ امتنع فسادُ الأرض فقد يَهْجِسُ في نفسِ مَنْ غُلِب عمّا يريدُ من الفساد أنَّ الله غيرُ متفضِّلٍ عليه حيث لم يُبْلِغه مقاصده وطلبه، فاستدرك عليه أنَّه وإن لم يَبْلُغْ مقاصده أنَّ الله متفضلٌ عليه ومُحْسِنٌ إليه لأنه مندرجٌ تحت العالمين، وما مِنْ أحدٍ ألا ولله عليه فضلٌ وله فضلُ الاختراعِ والإِيجادِ.
و «على» يتعلَّق ب «فَضْل» ، لأنَّ فعلَه يتعدَّى بها، وربما حُذِفَتْ مع الفعلِ. قال - فَجَمع بين الحذف والإِثبات -:
1029 - وجَدْنا نَهْشَلاً فَضَلَتْ فُقَيْماً ... كفَضْلِ ابنِ المَخاض على الفَصيلِ
أمّا إذا ضُعِّف فإنه لا تُحْذَفُ «على» أصلاً كقولِه: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} [البقرة: 253] ، ويجوزُ ان تتعلَّقٌ «على» بمحذوفٍ لوقوعِها صفةً لفَضْل.
2:252Page 41
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢
These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.
قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الله} : مبتدأٌ وخبرٌ، و «نَتْلوها» فيه قولان، أحدُهما: أن تكونَ حالاً، والعاملُ فيها معنى الإِشارة. والثاني أن تكونَ مستأنفةً فلا محلَّ لها. ويجوزُ غيرُ ذلك، وأَخْذُه مِمّا مضى سَهْلٌ وأُشير إليها إشارةُ البعيدِ لِما تقدَّم في قولِه: {ذَلِكَ الكتاب} [البقرة: 2] . قوله: «بالحقِّ» يجوزُ فيه أن يكونَ حالاً من مفعولِ «نَتْلوها» أي: ملتبسةً بالحق، أو مِنْ فاعِله؛ أي: نَتْلوها ومعنا الحقُّ، أو من مجرورِ «عليك» أي: ملتبساً بالحق.
2:253Page 42
۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣
Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.
قوله تعالى: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ} : يجوزُ أن يكونَ حالاً من المشارِ إليه، والعاملُ معنى الإِشارةِ كما تقدَّم، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، ويجوزُ أن يكونَ خيرَ «تلك» على أن يكونَ «الرسلُ» نعتاً ل «تلك» أو عطفَ بيانٍ أو بدلاً.
قوله: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} هذه الجملةُ تحتملُ وجهين، أحدهما: أن تكونَ لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافِها. والثاني: أنها بدلٌ من جملةِ قوله «فَضَّلْنا» والجمهورُ على رفعِ الجلالة على أنه فاعلٌ، والمفعولُ محذوفٌ وهو عائدُ الموصولِ أي: مَنْ كَلَّمه الله. وقُرِىء بالنصبِ على أنَّ الفاعلَ ضميرٌ مستترٌ وهو عائدٌ الموصولِ أيضاً، والجلالةُ نَصْبٌ على التعظيمِ.
وقرأ أبو المتوكل وابن السَّمَيْفَع: «كالَمَ اللهَ» على وزن فاعَلَ ونصبِ الجلالة، و «كليم» على هذا معنى مكالِم نحو: جَلِيس بمعنى مُجالِس، وخليط بمعنى مخالط. وفي هذا الكلامِ التفاتٌ لأنه خروجٌ من ضميرِ المتكلمِ المعظِّم نفسَه في قوله: «فَضَّلْنا» إلى الاسمِ الظاهرِ الذي هو في حكمِ الغائبِ.
قوله: {دَرَجَاتٍ} في نصبِه ستةُ أوجهٍ، أحدها أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحالِ. الثاني: انه حالٌ على حذفِ مضافٍ، أي: ذوي درجاتٍ. الثالث: أنه مفعول ثان ل «رفع» على أنه ضُمِّنَ معنى بلَّغ بعضهم درجات. الرابع أنه بدلُ اشتمالٍ أي: رَفَع درجاتٍ بعضَهم، والمعنى: على درجاتِ بعض. الخامس: أنه مصدرٌ على معنى الفعل لا لفظِه، لأن الدرجةَ بمعنى الرَّفْعة، فكأنه قيل: ورَفَع بعضَهم رَفعاتٍ. السادس: أنه على إسقاطِ الخافضِ، وذلك الخافضُ يَحْتمل أن يكونَ «على» أو «في» أو «إلى» تقديرُه: على درجاتٍ أو في درجاتٍ أو إلى درجاتٍ، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجر انتصَبَ ما بعده.
قوله: {وَلَوْ شَآءَ الله} مفعولُه محذوفٌ، فقيل: تقديرُه: أَنْ لا تختلفوا وقيل: أَنْ لا تفشلوا، وقيل: أَنْ لا تُؤمروا بالقتال، وقيل: أَنْ يضطرَّهم إلى الإِيمانِ، وكلُّها متقاربة.
و «مِنْ بعدِهم» متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صلةٌ، والضميرُ يعودُ على الرسل. و {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ} فيه قولان، أحدُهما: أنه بدلٌ من قولِه: «مِنْ بعدِهم» بإعادةِ العاملِ. والثاني: أنه متعلقٌ باقتتل، إذ في البينات - وهي الدلالاتُ الواضحةُ - ما يُغْنِي عن التقاتلِ والاختلافِ. والضميرُ في «جاءتهم» يعودُ على الذين مِنْ بعدِهم، وهم أممُ الأنبياء.
قوله: {ولكن اختلفوا} وجهُ هذا الاستدراكِ واضحٌ، فإنَّ «لكن» واقعةٌ بين ضدين، إذ المعنى: ولو شاءَ اللهُ الاتفاقَ لاتفقوا ولكنْ شاءَ الاختلافَ فاختلفوا. وقال أبو البقاء: «لكنْ» استدراكٌ لما دَلَّ الكلامُ عليه، لأنَّ اقتتالهم كان لاختلافهم، ثم بيَّن الاختلاف بقوله: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ} فلا محلَّ حينئذٍ لقولِه: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ} .
وقوله: {وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا} فيه قولان، أحدُهما: أنها الجملةُ الأولى كُرِّرت تأكيداً قاله الزمخشري. والثاني: أنها ليست لتأكيدِ الأولى، بل أفادَتْ فائدةٌ جديدةً، والمغايَرةُ حَصَلَتْ بتغايرِ متعلَّقهما، فإنَّ متعلَّقَ الأولى مغايرٌ لمتعلَّق المشيئةِ الثانيةِ، والتقديرُ في الأولى: «ولو شاءَ الله أن يَحُولَ بينهم وبين القتال بأن يَسْلُبَهم القِوى والعقول، وفي الثاني: ولو شاءَ لم يأمرِ المؤمنين بالقتال، ولكن شاءَ أَمَرهم بذلك. وقوله: {ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} هذا استدراكٌ أيضاً على المعنى، لأنَّ المعنى: ولو شاءَ الله لمنعَهم [ من ذلك] ، ولكنَّ اللهَ يفعل ما يريدُ مِنْ عدمِ منعِهم من ذلك أو يفعلُ ما يريدُ من اختلافِهم.
2:254Page 42
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤
O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.
قوله تعالى: {أَنْفِقُواْ} : مفعولُه محذوفٌ، تقديرُه: شيئاً ممَّا رزقناكم فعلى هذا «ممَّا رزقناكم» متعلقٌ بمحذوفٍ في الأصل لوقوعِه صفةٌ لذلك المفعولِ، وإنْ لم تقدِّرْ مفعولاً محذوفاً فتكونُ متعلقةً بنفسِ الفعلِ.
و «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: رزقناكُموه، وأن تكونَ مصدريةً فلا حاجةَ إلى عائدٍ، ولكن الرزقَ المرادَ به المصدرُ لا يُنفقُ، فالمراد به اسمُ المفعول، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً وقد تقدَّم تحقيقُ هذا عند قولِه: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] .
قوله: {مِّن قَبْلِ} متعلقٌ أيضاً بأنفِقوا، وجاز تعلُّقُ حرفين بلفظٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ لاختلافِهما معنىً؛ فإنَّ الأولى للتبعيضِ والثانيةَ لابتداءِ الغايةِ، و «أَنْ يأتي» في محلِّ جرٍ بإضافة «قبل» إليه أي: من قبلِ إتيانه.
وقوله: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} إلى آخره: الجملةُ المنفيَّةُ صفةٌ ل «يوم» فمحلُّها الرفعُ. وقرأ/ «بَيْعٌ» وما بعدَه مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيهُ ذلك، مذكورٌ في قوله: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} [البقرة: 197] فليُنْظر ثَمَّةَ.
والخُلَّة: الصداقة كأنها تتخلَّل الأعضاء، أي: تدخل خلالها، أي وَسْطَها.
والخُلَّة: الصديقُ نفسه، قال: 1030 - وكان لها في سالفِ الدهرِ خُلَّةً ... يُسارِقُ بالطَّرْفِ الخِباءَ المُسَتَّرا
وكأنه من إطلاقِ المصدرِ على العينِ مبالغةً، أو على حذفِ مضافٍ، أي: كان لها ذو خُلَّة. والخليلُ: الصديقُ لمداخَلَتِه إياك، ويَصْلُح أَنْ يكونَ بمعنى فاعل أو مفعول، وجَمْعُه «خُلاَّن» ، وفُعْلان جمعُ فَعيل نُقِل في الصفات، وإنما يَكْثرُ في الجوامِدِ نحو: «رُغفانٍ. وقوله:» هم الظالمون «يجوز أن يكونَ» هم «فصلاً أو مبتدأً وما بعده خبرٌ، والجملةُ خبرُ الأولِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences