As-Samin al-HalabiAl‑Baqarah · 2:265–270

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:265–270

2:265Page 45

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.

وقولُه تعالى: {وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ} : إلى قوله: «كَمَثَلِ حَبة» كقوله: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ. . . كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ} [البقرة: 261] في جميعِ التقاديرِ فليُراجَعْ. وقرأ الجحدريَّ «كمثلِ حبةٍ» بالحاءِ المهملة والباءِ.

قوله: {ابتغآء} فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ من أجلِه، وشروطُ النصبِ متوفرةٌ. والثاني: أنه حالٌ، و «تثبيتاً» عطفٌ عليه بالاعتبارين: أي لأجلِ الابتغاء والتثبيتِ، أو مبتغين مُثَبِّتِين. ومنع ابنُ عطية أن يكونَ «ابتغاء» مفعولاً من أجلِه، قال: «لأنه عَطَفَ عليه» تثبيتاً «، وتثبيتاً لا يَصِحَّ أن يكونَ مفعولاً من أجلِه، لأنَّ الإِنفاقَ لا يكونُ لأجلِ التثبيتِ، وحَكَى عن مكي كونه مفعولا من أجلِه، قال:» وهو مردودٌ بما بَيَّنَّاه «.

وهذا الذي رَدَّه لا بُدَّ فيه من تفصيلٍ، وذلك أنَّ قولَه:» وتثبيتاً «إمَّا أنْ يُجْعَلَ مصدراً متعدياً أو قاصراً، فإن كان قاصراً، أو متعدياً وقَدَّرْنا المفعولَ هكذا:» وتثبيتاً من أنفسهم الثوابَ على تلك النفقة «، فيكونُ تثبيتُ الثواب وتحصيلُه من اللهِ حاملاً لهم على النفقةِ، وحينئذٍ يَصحُّ أَنْ يكونَ» تثبيتاً « مفعولاً من أجلِه، وإنْ قَدَّرْنا المفعولَ غيرَ ذلك، أي: وتثبيتاً من أنفسِهم أعمالَهم بإخلاصِ النية، أو جَعَلْنَا» مِنْ أنفسهم «هو المفعول في المعنى، وأنَّ» مِنْ «بمَعْنَى اللام أي: لأنفسهم، كما تقولُ:» فَعَلْتُه كسراً مِنْ شهوتي «فلا يتضحُ فيه أن يكون مفعولاً من أجلِه.

وأبو البقاء قد قَدَّر المفعولَ المحذوفَ» أعمالَهم بإخلاصِ النيةِ «، وجَوَّز أيضاً أن يكونَ» مِنْ أنفسهم «مفعولاً، وأن [تكونَ] » مِنْ «بمعنى اللام، وكان قَدَّم أولاً أنه يجوزُ فيهما المفعولُ من أجلِه والحالية، وهو غيرُ واضحٍ كما تقدَّم.

وتلخَّص أنَّ في» من أنفسهم «قولين، أحدُهما: أنه مفعولٌ بالتجوُّز في الحرفِ، والثاني: أنه صفةٌ ل» تثبيتاً «، فهو متعلِّقٌ بمحذوفٍ، وتلخَّص أيضاً أن التثبيت يجوزُ أن يكونَ متعدّياً، وكيف يُقَدَّر مفعولُه، وأَن يكونَ قاصراً.

فإن قيل:» تثبيت «مصدرَ ثَبَّت وثَبَّتَ متعدٍ، فكيفَ يكونُ مصدرُه لازماً. فالجوابُ أنَّ التثبيتَ مصدرُ تَثَبَّتَ فهو واقعٌ موقعَ التثبُّتِ، والمصادرُ تنوبُ عن بعضها. قال تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 8] والأصلُ:» تبتُّلا «ويؤيِّد ذلك قراءةُ مَنْ قرأ:» وَتَثَبُّتاً «، وإلى هذا نحا أبو البقاء. قال الشيخ:» ورُدَّ هذا القولُ بأنَّ ذلكَ لا يكونُ إلا مع الإِفصاح بالفعلِ المتقدِّم على المصدر، نحوُ الآيةِ، وأمَّا أَنْ يُؤْتى بالمصدرِ من غيرِ نيابةٍ على فعلٍ مذكورٍ فلا يُحْمَل على غيرِ فعلِه الذي هو له في الأصل «ثم قال:» والذي نقول: إنَّ ثَبَتَ - يعني مخففاً - فعلٌ لازمٌ معناه تمكَّن ورَسَخَ، وثَبَّت معدَّى بالتضعيف، ومعناه مَكَّن وحَقَّق.

قال ابن رواحة:

1067 - فَثَبَّتَ اللهُ ما أتاك مِنْ حَسَنٍ ... تثبيتَ عيسى ونصراً كالذي نُصِروا

فإذا كان التثبيتُ مُسْنَداً إليهم كانت «مِنْ» في موضِع نصب متعلقةً بنفس المصدرِ، وتكونُ للتبعيضِ، مثلُها في «هَزَّ من عِطْفِهِ» و «حَرَّك مِنْ نشاطِه» وإن كان مسنداً في المعنى إلى أنفسهم كانت «مِنْ» أيضاً في موضعِ نصبٍ صفة لتثبيتاً «.

قال الزمخشري:» فإنْ قلت: فما معنى التبعيضُ؟ قلت: معناه أنَّ مَنْ بَذَلَ مالَه لوجه الله فقد ثَبَّتَ بعضَ نفسه، ومَنْ بَذَلَ روحَه ومالَه معاً فقد ثَبَّت نفسَه كلَّها «. قال الشيخ:» والظاهرُ أنَّ نفسَه هي التي تُثَبِّته وتَحْمِلُه على الإِنفاق في سبيل الله ليس له مُحَرِّكٌ إلا هي، لِما اعتقدَتْه من الإِيمان والثواب «يعني فيترجَّح أنَّ التثبيتَ مسندٌ في المعنى إلى أنفسِهم» .

قوله: {بِرَبْوَةٍ} في محلِّ جر لأنه صفةٌ لجنة. والباءُ ظرفيةٌ بمعنى «في» أي جنةٍ كائنةٍ في ربوةٍ. والربوةُ: أرضٌ مرتفعةٌ طيبةٌ، قالَه الخليلُ. وهي مشتقةٌ من رَبَا يَرْبُو أي: ارتَفَع، وتفسيرُ السدّي لها بما انخفض من الأرض ليس بشيء. ويقال: رَبْوة ورَباوة بتثليثِ الراءِ فيهما، ويُقال أيضاً: رابية، قال: 1068 - وغيثٍ من الوَسْمِيّ حُوٍّ تِلاعُه ... أَجابَتْ روابيه النَّجاءَ هَواطِلُهُ

وقرأ ابن عامر وعاصمِ «رَبْوة» بالفتح، والباقون الضمِّ، قال الأخفشُ: «ونختار الضمَّ لأنه لا يكاد يُسْمع في الجمع إلا الرُّبا» يعني فَدَلَّ ذلك على أن المفردَ مضمومُ الفاءِ، نحو بُرْمَة وبُرَم، وصورة وصُوَر. وقرأ ابن عباس «رِبْوَة» بالكسر، والأشهب العقيلي: «رَياوة» ، مثل رسالة وأبو جعفر: «رَبَاوة» مثل كراهة، وقد تقدَّم أنَّ هذه لغاتٌ.

قوله: {أَصَابَهَا وَابِلٌ} هذه الجملةُ فيها أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنها صفةٌ ثانيةٌ لجنة، وبُدىء هنا بالوصفِ بالجارِّ والمجرور ثم بالجملةِ، لأنه الأكثرُ في لسانهم لقُرْبهِ من المفرد، وبُدىء بالوصفِ الثابتِ المستقرِّ وهو كونُها بربوة، ثم بالعارضِ وهو إصابةُ الوابلِ. وجاء قولُه في وصف الصفوان - وصَفَهُ بقوله: {عَلَيْهِ تُرَابٌ} - ثم عَطَفَ على الصفةِ «فأصابه وابلٌ» وهنا لم يَعْطِفُ بل أَخْرَجَ صفةً.

والثاني: أن تكونَ صفةً ل «ربوة» ، قال أبو البقاء: «لأنَّ الجنةَ بعضُ الربوة» كأنه يعني أنه يَلْزَمُ من وصفِ الربوة بالإِصابةِ وصفُ الجنةِ به الثالث: أن تكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ لوقوعِه صفةً. الرابع: أن تكونَ حالاً من «جنة» ، وجاز ذلك لأنَّ النكرةَ قد تَخَصَّصتْ بالوصفِ، ولا بُدَّ من تقديرِ «قد» حينئذٍ، أي: وقد أصابها.

قوله: {فَآتَتْ أُكُلَهَا} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: وهو الأصحُّ أنَّ «آتَتْ» تتعدَّى لاثنين، حُذِفَ أولُهما وهو «صاحبها» أو «أهلَها» . والذي حَسَّن حَذفَه أنَّ القصدَ الإخبارُ عَمَّا تُثْمِرُ لا عمَّن تُثْمَرُ له، ولأنه مقدرٌ في قولِه: «كمثل جنةٍ» أي غارِس جنةٍ أو صاحبِ جنةٍ، كما تقدَّم. و «أُكُلَها» هو المفعولُ الثاني. و «ضِعْفَيْن» نصبٌ على الحال من «أُكُلَها. والثاني: أنَّ» ضِعْفِين «هو المفعول الثاني، وهذا سهوٌ من قائلِه وغَلَطٌ. والثالث: أنَّ» آتَتْ «هنا بمعنى أَخْرَجَت، فهو متعدِّ لمفعولٍ واحدٍ. قال أبو البقاء:» لأنَّ معنى «آتَتْ» : أَخْرَجَتْ، وهو من الإِتاء، وهو الرَّيْع «قال الشيخ:» لاَ نَعْلَم ذلك في لسان العرب «. ونسبة الإِيتاء إليها مجازٌ.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو» أُكْلها «بضمِّ الهمزة وسكونِ الكافِ، وهكذا كلُّ ما أُضِيف من هذا إلى مؤنثٍ، إلا أبا عمرو فإنه يُثَقِّل ما أُضيف إلى غير ضمير أو إلى ضمير المذكر، والباقون بالتثقيل مطلقاً، وسيأتي إيضاح هذا كلِّه. والأَكُلُ بالضم: الشيءُ المأكولُ، وبالفتحِ مصدرٌ، وأُضيف إلى الجنة لأنها محلُّهُ أو سببُه/.

قوله: {فَطَلٌّ} الفاءُ جوابُ الشرطِ، ولا بُدَّ من حذفٍ بعدَها لتكمُلَ جملةُ الجوابِ. واختُلِفَ في ذلك على ثلاثة أوجه، فذهَب المبرد إلى أنَّ المحذوفَ خبرٌ، وقوله:» فَطَلٌّ «مبتدأٌ، والتقدير:» فَطَلٌّ يِصيبها «. وجاز الابتداء هنا بالنكرةِ لأنها في جوابِ الشرطِ، وهو من جملةِ المُسَوِّغات للابتداء بالنكرةِ، ومن كلامِهم:» إنْ ذَهَبَ غَيْرُ فَعَيْرٌ في الرِّباط «. والثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ، أي: فالذي يُصيبها طَلٌّ. والثالث: أنه فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: فيُصيبها طلٌّ، وهذا أَبْيَنُها.

إلاَّ أنَّ الشيخَ قال: - بعد ذِكْرِ الثلاثة الأوجهِ -» والأخير يحتاج فيه إلى حَذْفِ الجملةِ الواقعةِ جواباً وإبقاءِ معمولٍ لبعضها، لأنه متى دخلت الفاءُ على المضارعِ فإنما هو على إضمارِ مبتدأٍ كقولِه: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ} [المائدة: 95] أي: فهو ينتقمُ، فلذلك يُحتاج إلى هذا التقديرِ هنا، أي: فهي، أي: الجنةُ يُصيبها طَلُّ، وأمَّا في التقديرين السابقين فلا يُحتاج إلاَّ إلى حَذْفِ أحدِ جُزْئي الجملةِ «وفيما قاله نظرٌ، لأنَّا لا نُسَلِّم أن المضارع بعد الفاءِ الواقعةِ جواباً يَحْتَاجُ إلى إضمارِ مبتدأ.

ونظيرُ الآية قوُ امرىء القيس:

1069 - ألا إنْ لا تَكُنْ إبِلٌ فمِعْزَى ... كأنَّ قُرونَ جِلَّتِها العِصِيُّ

فقوله» فَمِعْزى «فيه التقاديرُ الثلاثةُ.

وادَّعى بعضُهم أنَّ في هذه الآيةِ تقديماً وتأخيراً، والأصلُ:» أصابها وإبلٌ، فإنْ لم يُصِبْها وابلٌ فَطَلٌّ فآتَتْ أكلَها ضِعْفين «حتى يُجْعَلَ إيتاؤها الأُكُلَ ضعفينِ على الحالين من الوابلِ والطلِّ، وهذا لا حاجة إليه لاستقامة المعنى بدونِه، والأصلُ عدمُ التقديرِ والتأخيرِ، حتى يَخُصُّه بعضُهم بالضرورةِ.

والطَّلُّ: المُسْتَدَق مِن القَطْرِ. وقال مجاهد: «هو الندى» وهذا تَجَوُّزٌ منه. ويقال: طَلَّه الندى، وأَطَلَّه أيضاً، قال: 1070 - ولَمَّا نَزَلْنَا منزلاً طَلَّه الندى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ويُجْمع «طَلّ» على طِلال.

قوله: {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قراءةُ الجمهورِ: «تَعْلَمون» خطاباً وهو واضحٌ، فإنه من الالتفاتِ من الغَيْبة إلى الخطابِ الباعثِ على فعلِ الإِنفاقِ الخالصِ لوجهِ اللهِ والزاجر عن الرياءِ والسُمْعَةِ. والزهري بالياء على الغَيْبَة، ويَحْتَمِل وجهين، أحدُهما: أن يعودَ على المنفقين، والثاني: ان يكونَ عاماً فلا يَخُصُّ المنفقين، بل يعودُ على الناسِ أجمعين، ليندرجَ فيهم المنفقونَ اندراجاً أولياً.

2:266Page 45

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.

قوله تعالى: {مِّن نَّخِيلٍ} : في محلِّ رفعٍ صفةً لجنة، أي: كائنةٍ من نخيل. و «نخيل» فيه قولان، أحدُهما: أنه اسمُ جمعٍ. والثاني: أنه جمعُ «نخل» الذي هو اسمُ الجنسِ، ونحوه: كَلْب وكَلِيب. قال الراغب: «سُمِّي بذلك لأنه منخولُ الأشجار وصَفِيُّها، لأنه أكرمُ ما يَنْبُتُ» وذَكَرَ له منافَع وشَبَهاً من الآدميين. والأعناب: جمع عِنَبَة، ويقال: «عِنَباء» مثل «سِيرَاء» بالمدِّ، فلا ينصرفُ. وحيث جاء في القرآن ذِكْرُ هذين فإنما يَنُصُّ على النخلِ دونَ ثمرتِها وعلى ثمرةِ الكَرْم دون الكَرْم، لأنَّ النخلَ كلَّه منافعُ، وأعظمُ منافِع الكَرْم ثمرتُه دونَ باقِيه.

[قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا} هذه الجملةُ في محلِّها وجهان، أحدهما: أنَّها في محلِّ رفعٍ صفةً لجنة] . والثاني: أنها في محلِّ نصب، وفيه أيضاً وجهان فقيل: على الحالِ من «جَنَّة» لأنها قد وُصِفَت. وقيل: على أنها خبرُ «تكون» نقله مكي.

قوله: {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات} جملةٌُ من مبتدأٍ وخبرٍ، فالخبرُ قولُه: «له» و {مِن كُلِّ الثمرات} هو المبتدأُ، وذلك لا يَسْتَقِيم على الظاهر، إذ المبتدأ لا يكونُ جاراً ومجروراً فلا بدَّ من تأويلِه. واختُلف في ذلك، فقيل: المبتدأ في الحقيقةِ محذوفٌ، وهذا الجارُّ والمجرورُ صفةٌ قائمةٌ مقامَه، تقديرُه: «له فيها رزقٌ من كلِّ الثمراتِ أو فاكهةٌ من كلِّ الثمرات» فَحُذِف الموصوفُ وبقيت صفتُه: ومثله قولُ النابغة:

1071 - كأنَّك من جِمالِ بني أُقَيْشٍ ... يُقَعْقِعُ خلفَ رِجْلَيه بِشَنِّ

أي: جَمَلٌ من جمالِ بني أُقَيْشٍ، وقولُه تعالى: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ [مَّعْلُومٌ] } [الصافات: 164] أي: وما منا أحدٌ إلا له مقامٌ. وقيل: «مِنْ» زائدةٌ تقديرُه: له فيها كلُّ الثمرات، وذلك عند الأخفش لأنه لا يَشْتَرِط في زيادتها شيئاً. وأمَّا الكوفيون فيشترطون التنكير، والبصريون يَشْتَرِطُونه وعدَم الإِيجاب، وإذا قلنا بالزيادة فالمرادُ بقوله: «كلّ الثمرات» التكثيرُ لا العمومُ، لأنَّ العمومَ متعذَّرٌ. قال أبو البقاء: «ولا يجوزُ أَنْ تكونَ» مِنْ «زائدةً لا على قولِ سيبويه ولا قولِ الأخفش، لأنَّ المعنى يصير: له فيها كلُّ الثمراتِ، وليسَ الأمرُ على هذا، إلاَّ أَنْ يُراد به هنا الكثرة لا الاستيعاب فيجوزُ عند الأخفش، لأنه يُجَوِّزُ زيادةَ» مِنْ «في الواجب.

قوله: {وَأَصَابَهُ الكبر} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنَّ الواوَ للحالِ، والجملةُ بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، و» قد «مقدرةٌ أي: وقد أَصابه، وصاحبُ الحال هو» أحدُكم «، والعاملُ فيها» يَودُّ «ونظيرُها: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] ، وقوله تعالى: {وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا} [آل عمران: 168] أي: وقد كُنتم، وقد قَعَدوا.

والثاني: أن يكونَ قد وَضَع الماضي موضعَ المضارع، والتقديرُ «ويصيبه الكِبَر» كقوله: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ} [هود: 98] أي: فيوردهم. قال الفراء: «يجوزُ ذلك في» يودُّ «لأنه يُتَلَقَّى مرةً ب» أَنْ «ومرةً ب» لو «فجاز أن يُقَدَّر أحدُهما مكانَ الآخر» .

والثالث: أنه حُمِل في العطفِ على المعنى، لأنَّ المعنى: أيودُّ أحدُكم أَنْ لو كانَتْ فأصابه الكِبَرُ، وهذا الوجه فيه تأويلُ المضارع بالماضي ليصِحَّ عطفُ الماضي عليه، عكسُ الوجهِ الذي قبلَه، فإنَّ فيه تأويلَ الماضي بالمضارع. واستضعف أبو البقاء هذا الوجهَ بأنه يؤدي إلى تغيير اللفظ مع صحةِ المعنى. والزمخشري نَحَا إلى هذا الوجه أيضاً فإنه قال: «وقيل يقال: وَدِدْتُ لو كان كذا، فَحُمِل العطفُ على المعنى، كأنه قيل: أيودُّ أحدُكم لو كَانَتْ له جنةٌ وأصابَه الكِبَرُ.

قال الشيخ:» وظاهرُ كلامِه أَنْ يَكونَ «أصابه» معطوفاً على متعلَّق « أيودُّ» وهو «أَنْ تَكُونَ» لأنه في معنى «لو كانَتْ» ، إذ يقال: أيودُّ أحدُكم لو كانَتْ، وهذا ليس بشيءٍ، لأنه يَمْتَنِع من حيثُ المعنى أَنْ يكونَ معطوفاً على «كانت» التي قَبلها «لو» لأنه متعلَّق الوُدِّ، وأمَّا «أصابَه الكبر» فلا يمكنُ أن يكونَ متعلَّق الودِّ، لأنَّ «أصابه الكِبَرُ» لا يودُّه أحدٌ ولا يتمنَّاه، لكن يُحْمل قولُ الزمخشري على أنه لمّا كان «أيودُّ» استفهاماً معناه الإِنكارُ جُعِل متعلَّقُ الوَدادة الجَمْعَ بين الشيئين، وهما: كونُ جنة له وإصابةُ الكِبَر إياه، لا أنَّ كلَّ واحد منهما يكونُ مودوداً على انفرادِهِ، وإنما أنكروا وَدادة الجمع بينهما «.

قوله: {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ} هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الهاءِ في» وأَصابَه «. وقد تقدَّم اشتقاقُ الذريَّة. وقرىء» ضِعاف «، وضُعَفاءُ وضِعاف منقاسان في ضَعيف، نحو: ظَريف وظُرَفاء وظِراف، وشَريف وشُرَفاء وشِراف.

وقوله: {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} هذه الجملةُ عطفٌ على صفةِ الجنة قبلها، قاله أبو البقاء، يعني على قولِه:» مِنْ نخيل «وما بعدَه.

وأتى في هذه الآيات كلِّها نحوُ» فأصَابه وابلٌ - وأَصابَه الكِبَر، فأصابها إعصارٌ «لأنه أبلغُ وأَدَلُّ على التأثيرِ بوقوعِ الفعلِ على ذلك الشيءِ، من أنه لم يُذْكَرْ بلفظ الإِصابة، حتى لو قيل:» وَبَل «و» كَبِر «» وأَعْصَرَتْ «لم يكن فيه ما في لفظِ الإِصابة من المبالغةِ/.

والإِعصارُ: الريحُ الشديدةُ المرتفعةُ، وتُسَمِّيها العامَّةُ: الزَّوْبعة. وقيل: هي الريحُ السَّموم، سُمِّيتِ بذلك لأنها تَلُفُّ كما يُلَفُّ الثوبُ المعصورُ، حكاه المهدوي. وقيل: لأنها تَعْصِر السحابَ، وتُجْمع على أعاصير، قال:

1072 - وبَيْنما المرءُ في الأحياءِ مغتبطٌ ... إذ هُوَ في الرَّمْسِ تَعْفُوه الأعاصِيرُ

والإِعصار من بين سائرِ أسماءِ الريحِ مذكرٌ، ولهذا رَجَع إليه الضميرُ مذكَّراً في قولهِ: «فيه نارٌ» .

و «نار» يجوز فيه الوجهانِ: أعني الفاعليةَ والجارُّ قبلَها صفةٌ لإِعصاراً، والابتدائيةُ والجارُّ قبلَها خبرُها، والجملةُ صفةُ «إعصار» ، والأولُ أَوْلى لِما تقدَّم من أنَّ الوصفَ بالمفردِ أَوْلى، والجارُّ أقربُ إليه من الجملة.

وقوله: {فاحترقت} أي: أَحْرَقها فاحتَرَقَتْ، فهو مطاوعٌ لأَحْرق الرباعي، وأمَّا «حَرَقَ» من قولِهم: «حَرَق نابُ الرجل» إذا اشتدَّ غيظهُ، فيُستعمل لازماً ومتعدياً، قال:

1073 - أَبى الضيمَ والنعمانُ يَحْرِقُ نابَهُ ... عليه فَأَفْضى والسيوفُ مَعاقِلُهْ

رُوي برفع «نابه» ونصبه. وقولُه «كّذلك يُبَيَّن» إلى آخرِه قد تقدَّم نظيرُه.

2:267Page 45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.

قوله تعالى: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} : في مفعولِ «أنفقوا» قولان، أحدُهما: أنه المجرورُ ب «مِنْ» ، و «مِنْ» للتبعيض أي: أنفقوا بعضَ ما رزقناكم. والثاني: أنه محذوفٌ قامَتْ صفتُه مقامَه، أي: شيئاً مِمَّا رزقناكم، وتقدَّم له نظائرُ. و «ما» يجوزُ أن تكونَ موصولةً اسمية. والعائد محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ، أي: كَسَبتموه، وأن تكونَ مصدريةً أي: من طيباتَ كَسْبكم، وحينئذٍ لا بُدَّ من تأويلِ هذا المصدرِ باسمِ المفعولِ أي: مكسوبِكم، ولهذا كان الوجهُ الأولُ أَوْلى.

و «مِمَّا اَخْرَجْنا» عطفٌ على المجرور ب «مِنْ» بإعادةِ الجارِ، لأحدِ معنيين: إمَّا التأكيدِ وإمَّا للدلالةِ على عاملٍ آخرَ مقدرٍ، أي: وأَنْفقوا مِمَّا أَخْرجنا. ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ، أي: ومن طيباتِ ما أَخْرَجنا. و «لكم» متعلِّقٌ ب «أخرجنا» ، واللامُ للتعليلِ. و «مِنْ الأرض» متعلِّقٌ ب «أخرجنا» أيضاً، و «مِنْ» لابتداءِ الغاية.

قوله: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} الجمهورُ على «تَيَمَّموا» ، والأصلُ: تَتَيَمَّمُوا بتاءين، فحُذِفَتْ إحداهما تخفيفاً: إمَّا الأولى وإمَّا الثانيةُ، وقد تقدَّم تحريرُ القولِ فيه عند قولِه: {تَظَاهَرُونَ} [البقرة: 85] .

وقرأ البزي هنا وفي مواضع أُخَرَ بتشديدِ التاءِ، على أنه أَدْغم التاءَ الأولى في الثانيةِ، وجاز ذلك هنا وفي نظائِره؛ لأنَّ الساكنَ الأول حرفُ لينٍ، وهذا بخلاف قراءتِه {نَاراً تلظى} [الليل: 14] {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} [النور: 15] فإنه فيه جَمَعَ بين ساكنين والأولُ حرفٌ صحيحٌ، وفيه كلامٌ أهلِ العربيةِ يأتي ذِكْرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.

وقرأ ابن عباس والزهري «تُيَمِّمو» بضم التاء وكسر الميمِ الأولى وماضيه: يَمَّم، فوزنُ «تُيَمِّموا» على هذه القراءة: تُفَعِّلوا من غيرِ حذفٍ، ورُوي عن عبد الله «تُؤَمِّموا» من أَمَّمْتُ أي قَصَدْتُ.

والتيممُّ: القصدُ، يقال: أَمَّ كردَّ، وأَمَّمَ كأَخَّرَ، ويَمَّم، وتَيَمَّم بالتاء والياء معاً، وتَأَمَّم بالتاء والهمزةِ، وكلُّها بمعنَى قَصَدَ. وفَرَّق الخليلُ - رحمه الله - بينها بفروقٍ لطيفة فقال: «أَمَّمْتُه قَصَدْتُ أَمامه، ويَمَّمْتُه: قصدْتُ. . . ويَمَّمْتُه: قصدتُه من أي جهة كان.

والخبيثُ والطيبُ: صفتانِ غالبتان لا يُذْكَر موصوفُهما: قال: {والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث} [الأعراف: 157] ، قال عليه السلام:» مِنَ الخُبْث والخَبائث «

قوله: {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} » منه «متعلِّقٌ بتنفقون، وتُنْفِقُون في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل {تَيَمَّمُواْ} أي: لا تَقْصِدوا الخبيث منفقين منه، قالوا: وهي حالٌ مقدَّرةٌ، لأن الإِنفاقَ منه يَقَعُ بعد القصد إليه، قاله أبو البقاء وغيره. والثاني: أنها حالٌ من الخبيث، لأن في الجملة ضميراً يعود إليه أي: لا تَقْصِدُوا مُنْفَقاً منه.

والثالث: أنه مستأنفُ ابتداءِ إخبارٍ بذلك، وتَمَّ الكلامُ عند قولِه: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} ثم ابتدأ خبراً آخرَ، فقال: تُنفقون منه وأنتم لا تأخذُونه إلا إذا أَغْمضتم، كأن هذا عتابٌ للناسِ وتقريعٌ، وهذا يَرُدُّه المعنى.

قوله: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} فيها قولان، أحدُهما: أنها مستأنفة لا مَحَلَّ لها، وإليه ذهب أبو البقاء. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، ويَظْهَرُ هذا ظهوراً قوياً عند مَنْ يرى أن الكلامَ قد تَمَّ عند قولِهِ: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} وما بعدَه استئنافٌ، وقد تقدَّم تفسيرُ معناه.

والهاء في «بآخذِيه» تعودُ على «الخبيث» وفيها وفي نحوها من الضمائر المتصلةِ باسمِ الفاعلِ قولان مشهورانِ، أحدُهما: أنها في محلِّ جر وإن كام محلُّهَا منصوباً لأنها مفعولٌ في المعنى. والثاني: - وهو رأي الأخفش - أنها في محلِّ نصب، وإنما حُذِفَ التنوينُ والنونُ في نحو: «ضاربيك» لِلَطافة الضمير، ومذهبُ هشام أنه يجوز ثبوتُ التنوينِ مع الضميرِ، فيجيز: «هذا ضارِبُنْك» بثبوتِ التنوين، وقد يَسْتَدِلُّ لمذهبه بقوله:

1074 - همُ الفاعلونُ الخيرَ والآمِرُونه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقوله الآخر:

1075 - ولم يَرْتَفِقْ والناسُ مُحْتَضِرُونه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فقد جَمَع بين النونِ النائبةِ عن التنوينِ وبين الضميرِ. ولهذه الأقوالِ أدلةٌ مذكورةٌ في كتبِ القومِ.

قوله: {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ} الأصلُ: إلاَّ بأَنْ، فَحُذِف حرف الجر مع «أَنْ» فيجيءُ فيها القولان: أهي في محلِّ جر أم نصب؟ وهذه الباءُ تتعلَّقُ «تُيَمِّموا» «بآخذيه» . وأجاز أبو البقاء أن تكونَ «أَنْ» وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ على الحال، والعاملُ فيها «أخِذيه» . والمعنى: لَسْتم بآخذِيه في حالٍ من الأحوالِ إلا في حالِ الإِغماضِ، وقد تقدَّم أَنْ سيبويه لا يُجيز أن تقعَ «أَنْ» وما في حيِّزها موقعَ الحالِ. وقال الفراء: «المعنى على الشرطِ والجزاء؛ لأنَّ معناه: إنْ أَغْمضتم أَخَذْتم، ولكن لَمَّا وقعت» إلاَّ «على» أَنْ «فتحها، ومثلُه: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ} [البقرة: 229] {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} [البقرة: 237] . وهذا قولٌ مردودٌ عليه في كتبِ النحو.

والجمهورُ على» تُغْمِضوا «بضمِّ التاء وكسرِ الميمِ مخففةً من» أَغْمَض «وفيه وجهان، أحدُهما: أنه حُذِفَ مفعولُه، تقديرُه: تُغْمِضُوا أبصارَكم أو بصائرَكم. والثاني: في معنى ما لا يتعدَّى، والمعنى إلا أَنْ تُغْضُوا، مِنْ قولهم:» أَغْضَى عنه «.

وقرأ الزهري:» تُغْمِّضوا «بضم التاءِ وفتحِ الغينِ وكسرِ الميمِ مشددةً ومعناها كالأولى. ورُوي عنه أيضاً» تَغْمَضوا «بفتحِ التاءِ وسكونِ الغَيْن وفتحِ الميمِ، مضارعُ» غَمِضَ «بكسر الميم، وهي لغةٌ في» أَغْمض «الرباعي، فيكونُ ممَّا اتفق فيه فَعِل وأَفْعل. ورُوي عن اليزيدي» تَغْمُضوا «بفتحِ التاءِ وسكونِ الغينِ وضمِّ الميمِ. قال أبو البقاء:» وهو من غَمُضَ يَغْمُضُ كظَرُف يظرُفُ، أي: خَفِيَ عليكم رأيُكم فيه «.

ورُوي عن الحسن:» تُغَمِّضُوا «بضمِّ التاءِ وفتحِ الغَيْنِ وفتحِ الميمِ مشددةً على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وقتادةُ كذلك إلا أنه خَفَّفَ الميم، والمعنى: / إلا أن تُحْمَلوا على التغافل عنه والمسامحِة فيه. وقال أبو البقاء في قراءةِ قتادة:» ويجوزُ أن يكونَ من أَغْمَضَ أي: صُودف على تلك الحالِ كقولِك: أَحْمَدْتُ الرجل أي: وَجَدْتُه محموداً «وبه قال أبو الفتح. وقيل فيها أيضاً: إنَّ معناها إلاَّ أَنْ تُدْخَلوا فيه وتُجْذَبوا إليه.

2:268Page 45

ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

قوله تعالى: {الشيطان يَعِدُكُمُ} : مبتدأٌ وخبرٌ، وقد [تقدم] اشتقاقُ الشيطانِ وما فيه. ووزنُ يَعِدُكم: يَعِلُكم بحَذْفِ الفاءِ وهي الواوُ لوقوعِها بين ياءٍ وكسرةٍ، وقرأ الجمهور: «الفَقْر» بفتح الفاء وسكونِ القافِ، وروى أبو حيوة عن بعضِهم: «الفُقْر» بضم الفاء وهي لغةٌ، وقرىء «الفَقَر» بفتحتين. قوله: «منه» فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه نعتٌ لمغفرة. والثاني: ان يكونَ مفعولاً متعلقاً بيَعِد أي: يَعِدُكم من تِلْقاءِ نفسِه. و «فَضْلاً» صفتُه محذوفةٌ أي: وفضلاً منه، وهذا على الوجهِ الأولِ، وأمَّا الثاني فلا حَذْفَ فيه.

2:269Page 45

يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩

He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

قوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} : الجمهورُ على «يُؤْتِي» «ومَنْ يُؤْتَ» بالياءَ فيهما، وقرأ الربيع بن خيثم بالتاءِ على الخطاب فيهما. وهو خطابٌ للباري على الالتفاتِ. وقرأ الجمهور: «ومن يُؤْتَ» مبنياً للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعلِ ضميرُ «مَنْ» الشرطيةِ، وهو المفعولُ الأولُ، و «الحكمةَ» مفعولٌ ثانٍ. وقرأ يعقوب: «يُؤْتِ» مبنياً للفاعل، والفاعلُ ضميرُ الله تعالى، و «مَنْ» مفعولٌ مقدمٌ، و «الحكمة» مفعولٌ ثان كقولِك؛ «يَّاً يُعْطِ زيدٌ درهماً أُعْطِه درهماً» .

وقال الزمخشري: بمعنى «ومَنْ يُؤتِهِ اللهُ» . قال الشيخ: «إن أرادَ تفسيرَ المعنى فهو صحيحٌ، وإن أرادَ الإِعرابَ فليس كذلك، إذ ليس ثَمَّ ضميرُ نصبٍ محذوفٌ، بل مفعولٌ» يُؤْتِ «مَنْ الشرطيةُ المتقدمةُ. قلت: ويؤيِّدُ تقديرَ الزمخشري قراءةُ الأعمش: {ومَنْ يُؤْتِه الحكمةَ} بإثباتِ هاءِ الضمير، و» مَنْ «في قراءتِه مبتدأٌ لاشتغالِ الفعلِ بمعمولهِ، وعند مَنْ يجوِّزُ الاشتغالَ في أسماء الشرطِ والاستفهامِ يجُّوز في» مَنْ «النصبَ بإضمارِ فعلٍ، ويقدِّرُه متأخراً، والرفعُ على الابتداءِ، وقد تقدَّم تحقيق هذهِ في غضونِ هذا الإِعرابِ.

وقوله: {أُوتِيَ} جوابُ الشرطِ، والماضي المقترنُ بقد الواقعُ جواباً للشرطِ تارةً يكونُ ماضيَ اللفظِ مستقبلَ المعنى كهذه الآية، فهو الجوابُ حقيقةً، وتارةً يكونُ ماضيَ اللفظِ والمعنى نحو: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ} [فاطر: 4] فهذا ليسَ جواباً، بل الجوابُ محذوفٌ أي: فَتَسَلَّ فقد كُذِّبَتْ رسلٌ، وسيأتي له مزيدُ بيانٍ.

والتنكيرُ في» خيراً «قال الزمخشري:» يفيدُ التعظيمَ كأنه قال: فقد أُوتِي أيَّ خيرٍ كثير «. قال الشيخ:» وتقديرُه هكذا يُؤدي إلى حَذْفِ الموصوفِ ب «أي» وإقامةِ الصفةِ مُقامَه، فإنَّ التقديرَ: فقد أوتي خيراً أيَّ خيرٍ كثيرٍ، وإلى حذفِ «أيَّ» الواقعةِ صفةً، وإقامةِ المُضاف إليها مُقامَها، وإلى وصفِ ما يُضاف إليه «أي» الواقعةُ صفةً نحو: مَرَرْتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ كريمٍ، وكلُّ هذا يَحْتاج إثباتُه إلى دليل، والمحفوظُ عن العربِ أنَّ «أياً» الواقعةَ صفةً تُضاف إلى ما يُماثِلُ الموصوف نحو: «دَعَوْتُ أمرَأً أيَّ امرىءٍ، فأجابني» وقد يُحْذَفُ الموصوفُ بأيّ كقوله:

1076 - إذا حارَب الحَجَّاجُ أيَّ منافقٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تقديرُهُ: منافقاً أيَّ منافقٍ، وهذا نادرٌ، وقد تقدَّم أَنَّ تقديرَ الزمخشري كذلك، أعني كونَه حَذَفَ موصوفَ أيّ. وأصلُ «يَذَّكَّرُ» : يَتَذَكَّر فَأَدْغَمَ.

2:270Page 46

وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

قوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} : كقولِهِ: { مَا نَنسَخْ} [البقرة: 106] {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 197] وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيهما. وتقدَّم أيضاً مادة «نذر» في قوله: {أَأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6] ، إلاَّ أنَّ النَّذْرَ له خصوصيةٌ: وهو عقدُ الإِنسانِ ضميره على شيءٍ والتزامُهُ، وفعلُهُ: نَذَرَ - بالفتح - ينذُرُ وينذِرُ: بالكسرِ والضَّمِّ في المضارع، يُقال: نَذَرَ فهو ناذِرٌ، قال عنترة:

1077 - الشاتِمَيْ عِرْضي ولَمْ أَشْتُمهما ... والناذِرين إذا لمَ ألقهما دَمي

وقولُه: {فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} جوابُ الشرطِ إنْ كانَت «ما» شرطيةً، أو زائدةٌ في الخبرِ إنْ كانَتْ موصولةً. ووحَّد الضميرَ في «يَعْلَمُهُ» وإنْ كان قد تقدَّم شيئان: النَّفقةُ والنَّذْرَ لأنَّ العطفَ هنا ب «أو» ، وهي لأحدِ الشيئين، تقول: «إن جاء زيدٌ أو عمروٌ أكرمته» ، ولا يجوز: أكرمتهما، بل يجوز أَنْ تراعيَ الأولَ نحو: «زيدٌ أو هندٌ منطلقٌ، أو الثانيَ نحو: زيدٌ أو هندٌ منطلقة، والآيةُ من هذا، ولا يجوزُ أَنْ يُقالَ: منطلقان. ولهذا تَأوَّل النحْويون: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا} [النساء: 135] كما سيأتي. ومن مراعاةِ الأولِ قولُهُ: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] ، وبهذا الذي قررته لا يُحتاجُ إلى تأويلاتٍ ذكرها المفسرون هنا: فرُوي عن النحاس أنه قال:» التقديرُ: وما أنفقتم من نفقةٍ فإن الله يعلَمُها، أو نَذَرْتُم من نَذْرٍ فإنَّ الله يعلَمُهُ، فَحُذِفَ، ونظَّره بقوله: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا} [التوبة: 34] وقولِهِ:

1078 - نحنُ بما عندَنَا وأنت بما ... عندَكَ راضٍ والرأيُ مختلِفُ

وقولِ الآخر:

1079 - رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطَوِيِّ رماني

وهذا لا يُحتاج إليه؛ لأنَّ ذلك إنما هو في الواوِ المقتضيةِ للجَمْع بين الشيئين، وأمَّا «أو» المقتضيةُ لأحدِ الشيئين فلا. وقال ابن عطية: «وَوَحَّدَ الضمير في» يَعْلَمُهُ «وقد ذَكَرَ شيئين من حيث إنه أراد ما ذَكَرَ أو ما نَصَّ، ولا حاجَةَ إلى هذا أيضاً لِمَا عَرَفَتْ من حكم» أو «.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском