As-Samin al-HalabiAl‑Baqarah · 2:275–281

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:275–281

2:275Page 47

ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥

Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

والرِّبا لامُه واوٌ لقولِهم: رَبا يَرْبو، فلذلك يُثَنَّى بالواوُ ويكتَبُ بالألفِ. وجَوَّز الكوفيون تثنيته بالياءِ وكذلك كتابتُه، قالوا لكسر أولِه ولذلك أمالوه، وليس هذا مختصاً بمكسور الأولِ، بل الثلاثي من ذواتِ الواوِ المكسورُ الأولِ أو المضمومُه نحو: «رِبا» و «عُلا» حكمُه ما ذكرته عنهم، فأمَّا المفتوحُ الأولِ نحو: عصا وقَفَا فلم يُخالفوا البصريين، وكُتب في القرآنِ بخطِ الصحابة بواوٍ بعدها ألفٌ. والمادةُ تَدُلُّ على الزيادةِ والارتفاعِ ومنه الرَّبْوَةُ. وقال حاتم الطائي يصف رُمْحاً:

1094 - وأسمرَ خطِيَّاً كأن كعوبَه ... نَوَى القَسْبِ قد أَرْبَى ذِراعاً على العُشْرِ ... وقيل: إنما كُتِبَ بالواوِ لأنَّ أهلَ الحجازِ تَعَلَّموا الخطَّ من أهلِ الحِيرة، وأهلُ الحِيرةِ يقولونَ: «الرِّبو» بالواوِ «فكتبوها كذلك ونقلَها أهلُ الحجاز كذلك خَطَّاً لا لفظاً. وقد قرأ العدويُّ:» الرِّبَو «كذلك بواوٍ خالصة بعد فتحةِ الباء. فقيل: هذا القارىءُ أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ، وذلك أنَّ من العربِ مَنْ يقلِبُ ألفَ المقصورِ واواً فيقول: هذه أَفْعَو، وهذا من ذاك، إلا أنه أَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ.

وقد حكى أبو زيد ما هو أغربُ من ذلك فقال:» قرأ بعضُهم بكسرِ الراءِ وضمِ الباء وواوٍ بعدها «، ونَسَبَ هذه للغلط؛ وذلك لأنَّ لسانَ العرب [لا] يبقي واواً بعد ضمةٍ في الأسماءِ المعربة، بل إذا وُجد ذلك لم يُقَرَّ على حاله، بل تُقْلَبُ الضمةُ كسرةً والواوُ ياءً نحو: دَلْوٍ وأَدْلٍ، وجَرْوٍ وأَجْرٍ وأنشد أبو عليّ:

1095 - ليثٌ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عند خِيسَتِه ... بالرَّقْمتينِ له أَجْرٍ وأَعْراسُ

ونهايةُ ما قيلَ فيها أنَّ قارئها قَلَبَ الألفَ واواً كقولِهم في الوقف: أَفْعَو، ثم أُجْرِي مُجْرى الوقفِ في ذلك، ولم يَضْبِطِ الراوي عنه ما سَمِع فظنَّه بضمِّ الباء لأجلِ الواوِ فنقلها كذلك، وليت الناسَ أَخْلَوا تصانيفهم من مثلِ هذه القراءات التي لو سَمِعها العامةُ لمَجُّوها ومن تعاليلها، ولكن صارَ التاركُ لها يَعُدُّه بعضُهم جاهلاً بالاطلاع عليها.

ويقال: رِبا ورِما، بإبدالِ بائِه ميماً، كما قالوا: كََثَم في كَثَب. والألفُ واللام في» الرِّبا «يجوز أن تكونَ للعهدِ، إذ المرادُ الربا الشرعيُّ، ويجوز أن تكونَ لتعريفِ الجنس/.

قوله: {لاَ يَقُومُونَ} الظاهرُ أنها خبرُ الموصولِ المتقدِّم. وقال بعضهم: إنها حالٌ، وهو سهوٌ، وقد يُتَكلَّفُ تصحيحُه بأن يُضْمَرَ الخبرُ كقراءة من قرأ {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} وقوله:

1096 -. . . لا أنا باغياً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

في أحد الوجهين:

قوله: {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ} فيه الوجهان المشهوران وهما: النصبُ على النعتِ لمصدرٍ محذوفٍ أي: لا يقومون إلا قياماً مثلَ قيامِ الذي يتخبطه الشيطانُ، وهو المشهورُ عند المعربين، أو النصبُ على الحالِ من ضميرِ ذلك المصدرِ المقدَّرِ أي: لا يقومونَهُ أي القيامَ إلا مُشْبِهاً قيامَ الذي يتخبطه الشيطانُ، وهو رأي سيبويه، وقد قَدَّمْتُ تحقيقهما.

و «ما» الظاهرُ أنها مصدريةٌ أي: كقيامِ. وجَوَّزَ بعضُهم أن تكون بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: إلا كالقيامِ الذي يقومه الذي يتخبَّطُه الشيطانُ، وهو بعيد.

و «يتخبَّطه» يَتَفَعَّلُه، وهو بمعنى المجردِ أي يخبِطُه؛ فهو مثل: تَعدَّى الشيءَ وعَدَاه. ومعنى ذلك مأخوذٌ من خَبَط البعيرُ بأخفافِه: إذا ضرب بها الأرضَ. ويقال: فلان يَخْبِط خَبْطَ عَشْواء، قال علقمة:

1079 - وفي كل حَيًّ قد خَبَطْتَ بنعمةٍ ... فَحُقَّ لشَأْسٍ من نَداكَ ذَنُوبُ وقال زهير:

1098 - رأيتُ المنايا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ ... تُمِتْه ومَنْ تُخْطِىءْ يُعَمَّر فَيَهْرَمِ

قوله: {مِنَ المس} فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بيتخبَّطه من جهةِ الجنونِ، فيكونُ في موضعِ نصبٍ قاله أبو البقاء. والثاني: أنه يتعلَّقُ بقوله: «يقومُ» أي: لا يقومون من المسِّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. الثالث: أنه يتعلَّقُ بقولِه: «يقومُ» أي: كما يقومُ المصروع من جنونِه. ذكر هذين الوجهين الأخيرين الزمخشري.

قال الشيخ: «وكان قَدَّم في شرحِ المَسِّ أنه الجنونُ، وهذا الذي ذهب إليه في تعلُّقِ» من المس «بقوله» لا يقومون «ضعيفٌ لوجهين، أحدُهما: أنه قد شَرَحَ المسَّ بالجنون، وكان قد شَرَحَ أنَّ قيامَهم لا يكون إلا في الآخرة وهناك ليس بهم جنونٌ ولا مَسٌّ، ويَبْعُدُ أن يَكْنى بالمسِّ الذي هو الجنونُ عن أكلِ الربا في الدنيا، فيكونُ المعنى: لا يقومون يومَ القيامة أو من قبورهم من أجلِ أكلِ الرِّبا إلا كما يقومُ الذي يتخبَّطُهُ الشيطان، إذ لو أُريد هذا المعنى لكان التصريحُ به أَوْلَى من الكنايةِ عنه بلفظِ المَسِّ، إذ التصريحُ به أَبْلَغُ في الزجرِ والردعِ. والوجه الثاني: أنَّ ما بَعد.» إلاَّ «لا يتعلَّقُ بما قبلها إلا إنْ كان في حَيِّز الاستثناء، وهذا ليسَ في حَيَّز الاستثناء، ولذلك منعوا أَنْ يتعلَّقَ» بالبيناتِ والزبرِ «بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} [النحل: 44] وأنَّ التقديرَ: وما أرسلنا بالبيناتِ والزبرِ إلا رجالاً» .

قلت: أمَّا تضعيفُه المعنى فليس بجيدٍ، بل الكنايةُ في لسانِهم أَبْلَغُ وهذا مِمَّا لا يُخْتَلَفُ فيه. وأمَّا الوجهُ الثاني فإنه يُغتْفرُ في الجارِّ والظرفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غيرِه، وشواهدُهُ كثيرةٌ.

والمَسُّ عُبِّر به عن الجنونِ في لسانهم، قالوا: مُسَّ فهو مَمْسُوس، مثل: جُنَّ فهو مَجْنون، وأنشد أبو بكر:

1099 - أُعَلِّلُ نفسي بما لا يكونُ ... كذي المَسِّ جُنَّ ولم يُخْنَقِ

وأصلُه أنَّهم يقولون: إنَّ الشيطانَ يَمَسُّ الإِنسانَ بيدِه ويُرْكِضُه برجلِه، ويُعَبَّرُ بالجنونِ عن النشاطِ والسرعةِ وخفةِ الحركةِ، لذلك قال الأعشى يصف ناقته:

1100 - وتُصبحُ عن غِبِّ السُّرى وكأنما ... أَلَمَّ بها مِن طائفِ الجنِّ أَوْلَقُ

وقال آخر:

1101 - بَخِيلٍ عليها جِنَّةٌ عبقريةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} مبتدأٌ وخبرٌ، أي: ذلك التخبُّطُ، أو ذلك القيامُ بسبب افترائِهم هذا القولَ. وقيل: «ذلك» خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ تقديرُه: قيامُهم ذلك. قال الشيخ: «إلا أنَّ في هذا الوجهِ فصلاً بين المصدرِ ومتعلَّقِه الذي هو» بأنهم «، على أنه لا يَبْعُدُ جوازُ ذلك لحذفِ المصدرِ، فلم يَظْهَرْ قُبْحٌ بالفصلِ بالخبرِ» .

وقد جَعَلوا الربا أصلاً والبيعَ فرعاً حتى شَبَّهوه به، قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هلاَّ قيل: إنما الربا مثلُ البيع، لأنَّ الكلامَ في الربا لا في البيعِ. قلت: جِيء به على طريقةِ المبالغةِ، وهو أنهم قد بَلَغ من اعتقادهم في حِلّ الربا أنهم جَعَلوه أصلاً وقانوناً في الحِلِّ، حتى شَبَّهوا به البيع» . قلت: وهو بابٌ في البلاغةِ مشهورٌ، وهو أعلى رتب التشبيه، ومنه قوله:

1102 - ورَمْلٍ كأوراكِ العَذارى قَطَعْتُه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قوله: {وَأَحَلَّ الله البيع} الظاهرُ أنه من كلامِ اللهِ تعالى، أَخْبر بأنه أَحَلَّ هذا وحَرَّم ذاك، وعلى هذا فلا محلَّ لهذه الجملةِ من الإِعراب. وقال بعضُهم: «هذه الجملةُ من تَتِمَّةِ قولِ الذين يأكلون الربا، فتكونُ في محلِّ نصبٍ بالقول عطفاً على المقول» وهو بعيدٌ جداً، نَقَلْتُه عن قاضي [القضاء عز الدين في درسه] .

قوله: {فَمَن جَآءَهُ} يُحتمل أَنْ تكونَ شرطيةً وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً وعلى كِلا التقديرَيْنِ فهي في محلِّ رفعٍ بالابتداء.

وقوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} هو الخبرُ، فإنْ كانَتْ شرطيةًَ فالفاءُ واجبةٌ، وإن كانَتْ موصولةً فهي جائزةٌ، وسببُ زيادتِها ما تقدَّم مِنْ شَبَهِ الموصولِ لاسمِ الشرطِ. ويجوزُ حالَ كونها شرطيةً وجهٌ آخرُ وهو أن تكونَ منصوبةً بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره ما بعدَه، وتكونُ المسألةُ من بابِ الاشتغالِ، ويُقَدَّر الفعلُ بعدَها لأنَّ لها صدرَ الكلامِ، والتقديرُ: فأيُّ شخصٍ جاءَتِ الموعظةُ جاءته، ولا يجوزُ ذلك فيها موصولةً لأنَّ الصلةَ لا تُفَسِّر عاملاً، إذ لا يَصِحُّ تسلُّطها على ما قبلها، وشرطُ التفسيرِ صحةُ التسلُّطِ. وسَقَطَتِ التاءُ من الفعلِ لشيئين: الفصلُ بين الفعلِ وفاعلِه بالمفعولِ، وكونُ التأنيثِ مجازياً، وقرأ الحسن، «جاءَتْه» على الأصل.

قوله: {مِّنْ رَّبِّهِ} يجوزُ أن تكونَ متعلقةً بجاءَتْه، وتكونُ لابتداءِ الغاية مجازاً، وأن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ لموعظة، أي: موعظةٌ من موعظاتِ ربه، أي بعضُ مواعِظه.

وقوله: {فانتهى} نَسَقٌ على «جاءَتْه» عَطَفَه بفاءِ التعقيبِ أي: لم يتراخَ انتهاؤُه عن مجيء الموعظهِ. /

وقوله: {وَمَنْ عَادَ} الكلامُ على «مَنْ» هذه في احتمالِ الشرطِ والموصولِ كالكلامِ على التي قبلها. والضميرُ في قولِه «فَأَمْرُه» يعودُ على «ما سَلَف» ، أي: وأمرُ ما سلَفَ إلى الله، أي: في العفوِ عنه وإسقاطِ التِّبِعَةِ منه. وقيل: يعودُ على المنتهي المدلولِ عليه بانتهى أي: فأمرُ المنتهي عن الربا إلى الله في العفوِ والعقوبةِ. وقيل: يعودُ على ذي الربا في أَنْ ينتبهَ على الانتهاءِ أو يعيدَه إلى المعصيةِ. وقيل: يعودُ على الرِبا أي: في عفو الله عمَّا شاء منه أو في استمرارِ تحريمِه.

2:276Page 47

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

قوله تعالى: {يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي} : الجمهورُ على التخفيفِ في الفعلين من مَحَقَ وأَرْبى. وقرأ ابن الزبير: ورُويت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُمْحِّق ويُرَبِّي» بالتشديدِ فيهما من «مَحَّق ورَبَّى» بالتشديدِ فيهما.

وقوله: {سَلَفَ} سَلَفَ بمعنى مَضَى وانقضى، ومنه: سالفُ الدهرِ، وله سَلَفٌ صالح: آباءٌ متقدِّمون. ومنه {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً} أي: أمةً متقدمةً يَعتبر بهم مَنْ بعدهم. ويُجمع السَّلَفُ على: أَسْلاف وسُلوف. والسالِفَةُ والسُّلاف: المتقدِّمون في حربٍ أو سفرٍ. والسالفةُ من الوجه لتقدُّمها. قال:

1103 - ومَيَّةُ أحسنُ الثَّقَلَيْنِ جِيداً ... وسالفةً وأَحْسَنْه قَذالا

وسُلافة الخمر قيل لها ذلك لتقدُّمها على العَصْرِ. والسُّلْفَةُ ما يُقَدَّم من الطعامِ للضيفِ. يُقال: «سَلِّفوا ضيفكم ولَهِّنوه» أي: بادِروه بشيء ما. ومنه: السَّلَفُ في الدَّيْن لأنه تقدَّمه مالٌ.

وقوله: {عَادَ} أي: رَجَعَ، يُقال: عادَ يعود عَوْداً ومَعاداً، وعن بعضهم أنها تكونَ بمعنى صار، وعليه: 1104 - وبالمَحْضِ حتى عاد جَعْداً عَنَطْنَطَا ... إذا قام ساوى غاربَ الفَحْلِ غاربُه

وأنشدوا

1105 - تُعِدُّ لكم جَزْرُ الجَزُورِ رماحُنا ... ويَرْجِعْنَ بالأسيافِ مُنْكَسِرَاتِ

والمَحْقُ: النقصُ، يُقال: مَحَقْتُهُ فانمَحَقَ، وامتَحَقَ، ومنه المُحاق في القمر، قال:

1106 - يَزْداد حتى إذا ما تَمَّ أَعقَبهُ ... كَرُّ الجديدَيْنِ نَقْصاً ثم يَنْمَحِقُ

وأنشد ابن السكيت:

1107 - وَأَمْصَلْتُ مالي كلَّه بحياتِهِ ... وماسُسْتَ من شيءٍ فَرَبُّكَ ماحِقُهْ

ويقال: هَجِيرٌ ماحِقٌ: إذا نَقَصَ كلُّ شىءٍ بِحَرِّه.

وقد اشتملَتْ هذه الآيةُ على نوعين من البديع، أحدُهما: الطباقُ في قولِه: «يَمْحَقُ ويُرْبي» فإنهما ضِدَّان، نحو: {أَضْحَكَ وأبكى} [النجم: 43] ، والثاني: تجنيسُ التغايرِ في قولِهِ: «الرِّبا ويُرْبى» إذ أحدُهما اسمٌ والآخرُ فِعْلٌ.

2:277Page 47

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

No commentary for this ayah

2:278Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

قوله تعالى: {وَذَرُواْ} : فُتِحَتِ العينُ من «ذَرْ» حَمْلاً على «دَعْ» إذ هو بمعناه، وفُتِحَتْ في «دَعْ» لأنه أمْرٌ من «يَدَعُ» وفُتِحَتْ من «يَدَعُ» وإنْ كان قياسُها الكسرَ لكونِ الفاءِ واواً كيَعِدُ لكونِ لامِهِ حرفَ حلقٍ.

ووزنُ «ذروا» : عَلوا لأنَّ المحذوفَ الفاءُ لا يُستعمل منه ماضٍ إلاَّ في لُغَيَّة، وكذلك «دَعْ» .

وقرأ الحسن: «ما بَقَا» بقلبِ الكسرةِ فتحةً والياءِ الفاً، وهي لغةٌ لطيء ولغيرِهِم، ومنه قولُ علقمة التميمي:

1108 - زَهَا الشوقُ حتى ظَلَّ إنسانُ عينِهِ ... يَفِيضُ بمغمورٍ من الدَّمْعِ مُتْأَقِ

وقال الآخر:

1109 - وما الدُّنيا بباقاةٍ علينا ... وما حَيٌّ على الدنيا بباقِ

ويَقُولون في الناصيةِ: ناصاةٌ. وقرأ الحسنُ أيضاً: «بَقِيْ» بتسكين الياء، قال المبرد: «تسكينُ ياءِ المنقوصِ في النصب مِنْ أحسنِ الضرورةِ، هذا مع أنه مُعربٌ فهو في الفعلِ الماضي أحسنُ» قلت: وإذا كانوا قد حَذَفوها من الماضي صحيحَ الآخرَ فَأَوْلى من حرفِ العلةِ، قال:

1110 - إنما شِعْرِيَ قَيْدٌ ... قد خُلْطَ بجُلْجُلانْ

وقال جرير في تسكينِ الياء:

1111 - هو الخليفةُ فارضُوا ما رَضِيْ لكمُ ... ماضي العزيمةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ وقال آخر:

1112 - لَعَمْرُكَ لا أخشى التَّصَعْلكَ ما بقِي ... على الأرضِ قَيْسِيٌّ يسوق الأباعرا

قوله: {مِنَ الربا} متعلِّقٌ ببقيَ كقولهم: «بَقِيَتْ منه بقيةٌ» ، والذي يظهر أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من فاعلِ «بقَى» ، أي: الذي بقي حالَ كونِهِ بعضَ الربا، فهي تبعيضيةٌ.

ونَقَل ابنُ عطية هنا أنَّ العدويَّ - وهو أبو السَّمَّال - قرأ «من الرِّبُو» بتشديدِ الراء مكسورةً، وضمِّ الباءِ بعدَها واوٌ. قلت: قد قَدَّمْتُ أن أبا السَّمَّال إنما قرأ «الربا» في أولِ الآيةِ بواوٍ بعد فتحةِ الباءِ، وأنَّ أبا زيدٍ حَكَى عن بعضِهم أنه ضَمَّ الباءَ، وقدَّمْتُ تخريجَهما على ضعفه.

وقال ابن جني: «شَذَّ هذا الحرفُ في أَمْرين، أحدُهما: الخروجُ من الكسرِ إلى الضم بناءً لازماً، والآخر: وقوعُ الواوِ بعدَ الضمةِ في آخرِ الاسمِ، وهذا شيءٌ لم يأتِ إلا في الفعلِ نحو: / يَغْزُو وَيَدْعُو، وأَمَّا» ذو «الطائية بمعنى الذي فشاذةٌ جداً، ومنهم مَنْ يُغَيِّرُ واوَها إذا فارَقَ الرفعَ، فيقولُ:» رأيتُ ذا قام «، ووجهُ القراءةِ أنه لمَّا فَخَّم الألفَ انتحى بها الواوَ التي الألفُ بدلٌ منها، على حَدِّ قولهم: الصلاةُ والزكاةُ، وهي بالجملةِ قراءةٌ شاذةٌ» . قلت: غيرُهُ يقيِّدُ العبارَةَ فيقولُ: «ليسَ في الأسماء المُعْرَبَةِ واوٌ قَبْلَهَا ضمةٌ» حتى يُخرجُ عنه «ذو» بمعنى الذي و «هو» من الضمائر، وابنُ جني لم يَذْكِر القيدَ استثنى «ذو الطائية» ويَرِدُ عليه نحو «هو» ، ويَرِدُ على العبارةِ «ذو» بمعنى صاحب فإنَّها معربةٌ آخرِها واوٌ بعدَ ضمةٍ.

وقد أُجيبَ عنه بأنها تتغيَّر إلى الألفِ والياءِ فلم يُبالَ بها، وأيضاً فإنَّ ضمةَ الدالِ عارضةٌ، إذ أصلُها الفتحُ، وإنما ضُمَّت إتباعاً على ما قَرَّرتُهُ في إعرابِ الأسماءِ الستةِ في كتبِ النحوِ: وقوله: «بناءً لازماً» تحرُّزٌ من وجودِ الخروجِ من كسرٍ إلى ضم بطريقِ العَرَض نحو: الحِبُك فإنه من التداخُل، ونحوُ: «الرِّدُءْ» موقوفاً عليه، فالخروجُ من كسرٍ إلى ضَمٍّ في هاتين الكلمتينِ ليس بلازمٍ. وقوله: «مِنْهُم مَنْ يغيِّرُ واوَها» المشهورُ بناؤُهاعلى الواوِ مطلقاً، وقد تُعْرَب كالتي بمعنى صاحب وأنشدوا:

1113 - فإمَّا كِرامٌ مُوسِرُون لَقِيتُهمُ ... فَحَسْبي من ذي عندَهم ما كَفانيا

ويُروى: «مِنْ ذو» على الأصلِ.

قوله: {إِن كُنْتُمْ} شرطٌ وجوابُه محذوفٌ عند الجمهورِ أي: فاتَّقُوا وذَروا، ومتقدِّمٌ عند جماعةٍ. وقيل: «إنْ» هنا بمعنى إذ، وهذا مردودٌ مرغوبٌ عنه. وقيل: يُراد بهذا الشرطِ هنا الاستدامةُ.

2:279Page 47

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

قوله تعالى: {فَأْذَنُواْ} : قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصمٍ: «فآذِنوا» بألف بعد الهمزةِ، والباقون بدونِ ألف، ساكنَ الهمزةِ.

فالأُولى من آذَنَه بكذا أي: أَعْلمه كقولِهِ: {فَقُلْ آذَنتُكُمْ على سَوَآءٍ} [الأنبياء: 109] والمعنى: أَعْلِمُوا غيرَكم. أُمِرَ المخاطبون بتركِ الربا أَنْ يُعْلِمُوا غيرَهم مِمَّنْ هو على حالهم في المَقامِ بالرِّبا بمحاربةِ اللِّهِ ورسولِهِ، فالمفعولُ هنا محذوفٌ، وقد صَرَّحَ به الشاعرُ في قولِهِ:

1114 - آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ

وفي قولِهِ تعالى: {آذَنتُكُمْ} . وقيل: الهمزةُ في «فَأْذَنُوا» للصيرورةِ لا للتعديةِ، والمعنى: صِيروا عالِمين بالحربِ، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ كبير.

وقراءةُ الباقين أَمْرٌ من: أَذِنَ يَأْذَنُ أي عَلِمَ يَعْلَمُ أي: فاعلَموا يُقال: أَذِن به فهو أَذِين، أي: عَلِمَ به فهو عليم.

ورجَّح جماعةٌ قراءةَ حمزةَ. قال مكيّ: «لولا أَنَّ الجماعَةَ على القصرِ لكان الاختيارُ المدَّ. ووجَّه ذلك أن آذَنَ بالمدِّ أَعَمُّ من أَذِنَ بالقصر، لأنهم إذا أَعلمُوا غيرَهم فقد عَلِموا هم ضرورةً، من غيرِ عكسٍ، أو يَعْلَمُون هم بأنفسِهم ولا يَعْلَمُ غيرُهُم» . قال: «وبالقصرِ قرأ علي بن أبي طالب وجماعةٌ» .

وعَكَسَ أبو حاتمٍ فرجَّح قراءةَ القصرِ، واستبعدَ قراءةَ المَدِّ قال: «إذ الأمرُ فيه بالحربِ لغيرِهم والمرادُ هم؛ لأنهم المخاطَبون بتركِ الربا» وهذا الذي قالَه غيرُ لازمٍ؛ لأنك إذا كنتَ على حالةٍ فقلتُ لك يا فلان: «أعلِمْ فلاناً أنه مرتكبُ قبيحاً» وهو شيءٌ مماثِلٌ لِما أنت عليه عِلِمْتَ قطعاً أنك مأمورٌ به أيضاً، بل هو أَبْلَغُ من أمري لك مواجهةً. وكذلك قال ثعلب، قال: «الاختيارُ قراءةُ العامة من الإِذن لأنه يُفَسِّر كونوا على إذْنٍ وعِلْمٍ، ولأنَّ الكلامَ يَجْرى به على وجهٍ واحدٍ وهو أَدَلُّ على المرادِ، وأقربُ في الأفهام» . وقال أبو عبيدة: «يقال: أَذِنْتُه بالشيء فَأَذِنَ به» ، أي: عَلِمَ، مثل: أَنْذَرْتُهُ بالشيء فَنَذِرَ به، فجعله مطاوعاً لأفْعَلَ.

وقال أبو عليّ: «وإذا أُمرِوا بإعلامِ غيرِهم عَلِموا هم لا محالَةَ، ففي إعلامِهِم علمُهم، ليس في علمِهم إعلامُهم غيرَهم، فقراءةُ المدِّ أرجحُ لأنها أبلغُ وأكدُ.

وقال الطبري:» قراءةُ القصرِ أَرْجَحُ لأنها تختصُّ بهم، وإنما أُمِرُوا على قراءةِ المدِّ بإعلام غيرِهم «.

وقال الزمخشري:» وقُرِىء فآذِنُوا: فَأَعْلِموا بها غيرَكم، وهو من الإِذْن وهو الإِسماع، لأنه من طرق العلمِ. وقرأ الحسنُ: «فَأَيْقِنُوا» وهو دليلٌ لقراءةِ العامةِ «يعني بالقصرِ، لأنها نصٌّ في العلمِ لا في الإِعلام.

وقال ابنُ عطية:» والقراءتان عندي سواءٌ، لأنَّ المخاطَبَ محصورٌ، لأنه كلُّ مَنْ لا يَذَرُ ما بقي من الربا.

فإنْ قيل: «فَأْذَنوا» فقد عَمَّهم الأمرُ، وإنْ قيلَ «فآذِنُوا» بالمدِّ فالمعنى: أعلِمُوا أنفسَكم أو بعضكم بعضاً، وكأنَّ هذه القراءةَ تقتضي فَسْحاً لهم في الارتياءِ والتثبُّتِ أي: فَأْعِلموا نفوسَكم هذا، ثم انظُروا في الأرجحِ لكم: تَركِ الربا أو الحربِ «.

قوله: {بِحَرْبٍ} الباءُ في قراءةِ القصر قال الشيخ:» للإِلصاقِ، تقول أَذِنَ بكذا أي: عَلِمَ كذا، ولذلك قال ابنُ عباس وغيرُه: المعنى: فاستيقنوا بحربٍ من الله «قلت: قد قَرَّرْتُ أنَّ فعلَ العلمِ وإنْ كانَ في الأصلِ/ متعدياً بنفسِهِ فإنَّما يُعَدَّى بالباءِ لِما تَضَمَّنَ من معنى الإِحاطة فكذلك هذا، ويَظْهَرُ من كلامِ ابن عطية أنَّ هذه الباءَ ظرفيةٌ فإنه قال:» هي عندي من الإِذن، وإذا أَذِنَ المرءُ في شيءٍ فقد قَرَّره وبنى مع نفسِه عليه، فكأنه قيل لهم: قَرِّروا الحربَ بينكم وبين اللَّهِ ورسولهِ «فقوله:» وإذا أَذِنَ المرءُ في شيء «يقتضي تقديرَه:» فَأْذنوا في حربٍ، ولا يتأتَّى هذا إلا على قراءةِ القصرِ، وأمَّا الباءُ مع قراءةِ المَدِّ فهي مُعَدِّيةٌ للإِعلام بالطريقِ الذي قَدَّرْتُه.

قوله: {مِّنَ الله} متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنَّه صفةٌ للنكرةِ قبلَه. و «مِنْ» فيها وجهان، أظهرهما: أنها لابتداءِ الغايةِ مجازاً، وفيه تهويلٌ وتعظيمٌ للحربِ حيث هو واردٌ من جهةِ اللَّهِ تعالى. والثاني: أنها تبعيضيةٌ أي: من حروبِ الله فهو على حَذْفِ مضاف. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هلاَّ قيل بحربِ اللَّهِ ورسولهِ قلت: هذا أَبْلَغُ؛ لأنَّ المعنى فَأْذَنوا بنوعٍ من الحربِ عظيمٍ من عندِ الله ورسولِهِ. انتهى. وإنما كان أبلغَ لأنَّه لو أُضِيفَ لاحتملَ إضافةَ المصدرِ إلى فاعلِهِ وهو المقصودُ، ولاحتملَ الإِضافةَ إلى مفعوله بمعنى أنكم تُحاربون اللَّهَ ورسولَه، والمعنى الأولُ أبلغُ، فلذلك تَرَكَ ما هو محتملٌ إلى ما هو نَصٌّ في المرادِ.

قولُهُ: {وَلاَ تُظْلَمُونَ} فيها وجهان، أظهرهُما: أنها لا محلَّ لها لاستئنافِها، أخبرُهم تعالى بذلك أي: لا تَظْلِمُون غيرَكم بأَخْذِكُمْ الزيادةَ منه، ولا تُظْلمون أنتم أيضاً بضياع رؤوسِ أموالِكم. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ في» لكم «والعاملُ ما تضمَّنه الجارُّ من الاستقرارِ لوقوعِهِ خبراً في رأي الأخفش.

وقرأ الجمهورُ الأولَ مبنياً للفاعلِ والثاني مبنياً للمفعولِ. ورَوَى أبان والمفضَّلُ عن عاصم بالعكسِ. ورجَّح الفارسي قراءةَ العامةِ بأنها تناسِبُ قولَه: {وَإِنْ تُبْتُمْ} في إسنادِ الفعلين إلى الفاعلِ، فَتَظْلِمُون مبنياً للفاعل أَشْكَلُ بما قبله. وقال أبو البقاء:» يُقْرَأُ بتسمية الفاعل في الأول وتَرْكِ التسميةِ في الثاني. ووجهُه أنَّ مَنْعَهم من الظلمِ أهمُّ فبُدِىءَ به، ويُقرأ بالعكسِ، والوجهُ فيه أنه قَدَّمَ ما تطمئِنُّ به نفوسُهم من نفيِ الظلمِ عنهم، ثم مَنَعَهم من الظلمِ، ويجوزُ أن تكونَ القراءتان بمعنى واحدٍ لأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ.

2:280Page 47

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : في «كان» هذه وجهان، أحدُهما: - وهو الأظهر - أنها تامةٌ بمعنى حَدَثَ ووُجِدَ أي: وإن حَدَثَ ذو عسرةٍ فتكتفي بفاعلِها كسائرِ الأفعال، قيل: وأكثرُ ما تكونُ كذلك إذا كانَ مرفوعُها نكرةً نحو: «قد كان مِنْ مَطَرٍ» . والثاني: أنها الناقصةُ والخبرُ محذوفٌ. قال أبو البقاء: «تقديره: وإنْ كان ذو عسرة لكم عليه حَقٌّ أو نحوُ ذلك» وهذا مذهبُ بعضِ الكوفيين في الآية، وقَدَّر الخبر: وإنْ كان من غُرمائِكُمْ ذو عُسْرَةٍ. وقَدَّرَهُ بعضُهم: وإنْ كان ذو عسرةٍ غريماً.

قال الشيخ: «وَحَذْفُ خبرٍ كان» لا يُجيزه أصحابُنا لا اختصاراً ولا اقتصاراً، لعلةٍ ذكروها في النحو. فإنْ قيل: أليسَ أن البصريين لَمَّا استدَلَّ عليهم الكوفيون في أَنْ «ليس» تكونُ عاطفةً بقولِهِ:

1115 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إنما يَجْزِي الفتى ليسَ الجَمَلْ

تأوَّلوها على حَذْفِ الخبر. وأنشدوا شاهداً على حَذْفِ الخبرِ قولَه:

1116 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يبغى جِوارَك حين ليسَ مُجِيرُ

وإذا ثبَتَ هذا ثَبَتَ في سائِرِ البابِ. فالجوابُ أن هذا مختصٌّ بليس، لأنها تُشْبِهُ لا النافيةَ، و «لا» يجوز حذفُ خبرها فكذا ما أَشْبهها، والعلةُ التي أشار إليها الشيخُ هي أنَّ الخبرَ تأَكَّد طلبُهُ من وجهين: أحدُهما: كونُ خبراً عن مُخْبَرٍ عنه، والثاني: كونُه معمولاً للفعلِ قبله، فلمَّا تَأَكَّدَتْ مطلوبيتُهُ امتنَعَ حَذْفُهُ.

وتَقَوَّى الكفيون بقراءةِ عبدِ الله وأُبَيّ وعثمان: «وإن كان ذا عُسْرةٍ» أي: وإنْ كان الغريمُ ذا عسرةٍ. قال أبو عليّ: «في» كان «اسمُها ضميراً تقديرُه: هو، أي الغريمُ، يَدُلُّ على إضمارِهِ ما تقدَّم من الكلامِ، لأنَّ المُرابي لا بُدَّ له مِمَّنْ يُرابيه» .

وقرأ الأعمشُ: «وإنْ كان مُعْسِراً» قال الداني عن أحمد بن موسى: «إنها في مصحف عبد الله كذلك.

ولكنَّ الجمهورَ على ترجيحِ قراءةِ العامةِ وتخريجِهم القراءةَ المشهورة. قال مكي:» وإنْ وقع ذو عسرةٍ، وهو سائغٌ في كلِّ الناس، ولو نَصَبْتَ «ذا» على خبرِ «كان» لصار مخصوصاً في ناسٍ بأعيانِهم، فلهذه العلةِ أَجْمَعَ القُرَّاءُ المشهورون على رفع «ذو» . وقد أَوْضَحَ الواحدي هذا فقال: «أي: وإن وقع ذو عسرةٍ، والمعنى على هذا يَصِحُّ، وذلك أنه لو نُصِبَ فقيل: وإنْ كان ذا عسرةٍ لكان المعنى: وإنْ كان المشتري ذا عسرةٍ فنظرةٌ، فتكون النظرة مقصورةً عليه، وليس الأمرُ كذلك، لأن المشتريَ وغيرَه إذا كان ذا عسرةٍ فله النظرةُ إلى الميسرةِ» . وقال الشيخ: «مَنْ نصب» ذا عسرة «أو قرأ» مُعْسِراً «فقيل» : يختصُّ بأهلِ الربا، ومَنْ رفع فهو عامٌّ في جميعِ مَنْ عليه دَيْنٌ، قال: «وليس بلازمٍ، لأنَّ الآية إنما سيقت في أهلِ الربا وفيهم نَزَلَتْ» قلت: وهذا الجوابُ لا يُجْدِي، لأنه وإن كان السياقُ كذا فالحكمُ ليس خاصاً بهم.

والعُسْرَةُ بمعنى العُسْر.

قوله: {فَنَظِرَةٌ} الفاءُ جوابُ الشرط و «نَظِرةٌ» خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فالأمرُ أو فالواجِبُ، أو مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ، أي: فعليكم نظرةٌ، أو فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ، أي: فتجِبُ نظرةٌ.

وقرأ العامة: «نَظِرة» بزنة «نَبِقَة» . وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء: «فَنَظْرة» بتسكين العين، وهي لغةٌ تميمية يقولون: «كَبْد» في «كَبِد» و «كَتْف» في «كَتِف» . وقرأ عطاء «فناظِرَة» على فاعِلَة، وقد خَرَّجَهَا أبو إسحاق على أنها مصدرٌ نحو: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةً} [الواقعة: 2] {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين} [غافر: 19] {أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 25] . وقال الزمخشري «فناظِرُهُ أي فصاحبُ الحقِ ناظرُه أي: منتظره، أو صاحبُ نظرته على طريقةِ النسب، كقولِهِم:» مكان عاشِب وباقل «بمعنى ذو عشبٍ وذو بَقْلٍ، وعنه:» فناظِرْهُ «على الأمرِ بمعنى: فسامِحْهُ بالنظرةِ وباشِره بها» فنقلُه عنه القراءةَ الأولى يقتضي أن تكونَ قراءتُهُ «ناظِر» اسمَ فاعل مضافاً لضميرِ ذي العُسْرَةِ بخلافِ القراءةِ التي قَدَّمْتُها عن عطاء، فإنها «ناظرةٌ» بتاء التأنيث، ولذلك خَرَّجها الزجاج على المصدرِ. وقرأ عبد الله، «فناظِرُوه» أمراً للجماعةِ بالنظرةِ، فهذه ستُ قراءاتٍ مشهورُها واحدٌ.

وهذه الجملةُ لفظُها خبرٌ ومعناها الأمرُ، كقولِهِ: {والوالدات يُرْضِعْنَ} [البقرة: 233] وقد تقدَّم. والنظرةُ من الانتظارِ وهو الصبرُ والإِمهالُ.

قوله: {إلى مَيْسَرَةٍ} قرأ نافع وحده: «مَيْسُرَة» بضم السين، والباقون بفتحِها. والفتحُ هو المشهورُ إذ مَفْعَل ومَفْعَلَه بالفتحِ كثيرٌ، ومَفْعُلٌ بالضم معدومٌ إلا عند الكسائي، وسأُورد منه ألفاظاً، وأَما مَفْعُلة فقالوا: قليلٌ جداً وهي لغةُ الحجاز، وقد جاءَتْ منها ألفاظٌ نحو: المَسْرُقَة والمَقْبُرَةِ والمَشْرُبة، والمَسْرُبة والمَقْدُرَة والمَأْدُبَة والمَفْخُرَة والمَزْرُعة ومَعْوُلَة ومَكْرُمَة ومَأْلُكة.

وقد رَدَّ النحاسُّ الضمَّ تجرُّؤاً منه، وقال: «لم تَأْتِ مَفْعُلة إلا في حروفٍ معدودةٍ ليس هذه منها، وأيضاً فإنَّ الهاءَ زائدةٌ ولم يأتِ في كلامِهِ مَفْعُل البتةَ» انتهى. وقال سيبويه: «ليس في الكلامِ مَفْعُل» قال أَبو علي: «يعني في الآحادِ» . وقد حَكَى عن سيبويه «مَهْلَك» مثلثَ اللام. وقال الكسائي: «مَفْعُل» في الآحادِ، وأوردَ منه: مَكْرُماً في قولِ الشاعر:

1117 - ليومِ رَوْعٍ أو فَعالِ مَكْرُمِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ومَعْوُن في قولِ الآخر - وهو جميل -:

1118 - بُثَيْنُ الزمي «لا» إنَّ لا إنْ لَزِمْتِهِ ... على كثرةِ الواشين أيُّ مَعْونِ ومَأْلُكاً في قول عديّ:

1119 - أَبْلِغِ النعمانَ عني مَأْلُكاً ... أنه قد طالَ حَبْسي وانتظاري

وهذا لا يَرِدُ على سيبويهِ لوجهين، أحدُهما: أنَّ هذا جمعٌ لمَكْرُمَة ومَعُونَةَ وَمَأْلُكَة، وإليه ذهب البصريون والكوفيون خلا الكسائي، ونُقِلَ عن الفراء أيضاً. والثاني: أن سيبويه لا يعتدُّ بالقليل فيقول: «لم يَرِدْ كذا» وإن كان قد ورَدَ منه الحرفُ والحرفان، لعدمِ اعتدادِهِ بالنادر القليلِ.

وإذا تقرَّر هذا فقد خَطَّأ النحويون مجاهداً وعطاءً في قراءتهما: «إلى مَيْسُرِهِ» بإضافة «مَيْسُر» مضمومَ السينِ إلى ضميرِ الغريم، لأنهم بَنَوْهُ على أنه ليسَ في الآحادَ مَفْعُل، ولا ينبغي أن يكونَ هذا خطأ، لأنه على تقديرِ تسليمِ أنَّ مَفْعُلاً ليس في الآحادِ، فَمَيْسُر هنا ليس واحداً، إنما هو جَمْعُ مَيْسُرَة كما قلتم أنتم: إن مَكْرُماً جمع مَكْرُمَة ونحوه، أو يكونُ قد حَذَفَ تاءَ التأنيثِ للإِضافةِ كقوله:

1120 - إنَّ الخليطَ أَجَدُّوا البَّيْنَ فانجردوا ... وأَخْلَفوك عِدَ الأمرِ الذي وَعَدوا

أي: عِدة الأمر، ويَدُلُّ على ذلك أنهم نَقَلوا عنهما أنهما قرآ أيضاً: «إلى مَيْسَرِهِ» بفتح السينِ مضافاً لضميرِ الغريمِ، وهذه القراءةُ نَصٌّ فيما ذكرْتُهُ لك من حذفِ تاءِ التأنيثِ للإِضافةِ لتوافق قراءةَ العامةِ: «إلى مَيْسَرَة» بتاءِ التأنيث.

وقد خَرَّجها أبو البقاء على وجهٍ آخرَ، وهو أَنْ يكونَ الأصلُ: «ميسورِه» فَخُفِّفَ بحذفِ الواوِ اكتفاءً بدلالةِ الضمةِ عليها، وقد يتأيَّدُ ما ذَكَرَهُ على ضَعْفَهِ بقراءةِ عبد الله، فإنه قرأ: إلى مَيْسُوره «بإضافةِ» ميْسور «للضمير، وهو مصدرٌ على مفَعْول كالمَجْلود والمَعْقُول، وهذا إنما يتمشَّى على رأي الأخفش، إذ أَثْبَتَ من المصادرِ زنة مَفْعُول، ولم يُثْبِتْه سيبويه.

قوله: {وَأَن تَصَدَّقُواْ} قرأ عاصم بتخفيفِ الصاد، والباقون بتثقيلها. وأصلُ القراءتين واحدٌ، إذ الأصلُ: تَتَصَدَّقُوا، فَحَذَفَ عاصم إحدى التاءين: إمَّا الأولى وإما الثانيةِ، وتَقَدَّمَ تحقيقُ الخلافِ فيه، وغيرُهُ أدغم التاء في الصادِ، وبهذا الأصلِ قرأ عبد الله:» تَتَصَدَّقوا «. وحُذِفَ مفعولُ التصدُّقِ للعلمِ به، أي: بالإِنظار. وقيل: برأس المال على الغريم. و {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جوابُهُ محذوفٌ. و» أَنْ تَصَدَّقُوا «بتأويل مصدرٍ مبتدأٌ، و» خيرٌ لكم «خبرُهُ.

2:281Page 47

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١

And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

قوله تعالى: {تُرْجَعُونَ فِيهِ} : هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ صفةً للظرفِ. وقرأ أبو عمرو: «تَرْجِعُون» بفتح التاء مبنياً للفاعل، والباقون مبنياً للمفعول. وقرأ الحسن: «يَرْجِعُون» بياء الغيبة على الالتفاتِ. قال ابن جني: «كأنَّ اللَّهَ تعالى رَفَقَ بالمؤمنين عن أَنْ يواجِهَهُم بذكرِ الرَّجْعَةِ إذ هي مِمَّا تتفطَّر لها القلوب فقال لهم:» واتقوا «ثم رَجَعَ في ذكرِ الرجعة إلى الغَيْبَةِ فقال:» يَرْجِعُون «.

قوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} جملةٌ حاليةٌ من» كلِّ نفس «وجُمِعَ اعتباراً بالمعنى، وأعادَ الضميرَ عليها أولاً مفرداً في» كَسَبَتْ «اعتباراً باللفظِ، وقُدِّمَ اعتبارُ اللفظ، لأنه الأصلُ، ولأنَّ اعتبارَ المعنى وَقَعَ رأسَ فاصلة فكان تأخيرُهُ أحْسَنَ.

قال أبو البقاء:» ويجوزُ أن يكونَ حالاً من الضمير في: «يُرْجَعُون» على القراءةِ بالياء، ويجوزُ أن يكونَ حالاً منه أيضاً على القراءة بالتاء، على أنه خروجٌ من الخطابِ إلى الغَيْبة كقوله تعالى: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22] ، ولا ضرورةَ تَدْعُوا إلى ما ذكر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском