As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:285–286
2:285Page 49
ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥
The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."
قوله تعالى: {والمؤمنون} : يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أنه مرفوعٌ بالفاعليةِ عطفاً على «الرسول» فيكونُ الوقفُ هنا، ويَدُّلُّ على صحةِ هذا ما قرأ به أمير المؤمنين عليُّ ابن أبي طالب: «وآمن المؤمنون» ، فَأَظْهَر الفعلَ، ويكون قولُه: «كلُّ آمَن» جملةً من مبتدأٍ وخبر يَدُلُّ على أنَّ جميعَ مَنْ تقدَّم ذكرُه آمَنَ بما ذكر. والثاني: أن يكون «المؤمنون» مبتدأً، و «كلٌّ» مبتدأٌ ثانٍ، و «آمن» خبرٌ عَنْ «كل» وهذا المبتدأ وخبرُه خبرُ الأولِ، وعلى هذا فلا بُدَّ من رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين ما أخبر بها عنه، وهو محذوفٌ تقديرُه: «كلُّ منهم» وهو كقولهم: «السَّمْنُ منوانِ بدرهم» تقديرُه: منوانِ منه. قال الزمخشري: «والمؤمنون إْن عُطِفَ على الرسول كان الضميرُ الذي التنوينُ نائبٌ عنه في» كل «راجعاً إلى» الرسول «و» المؤمنون «أي: كلهم آمن بالله وملائكتِه وكتبهِ ورسلِه من المذكورين ووُقِفَ عليه، وإن كان مبتدأ كان الضميرُ للمؤمنين» .
فإن قيل: هل يجوزُ أَنْ يكون «المؤمنون» مبتدأ، و «كلٌ» تأكيدٌ له، و «آمن» خبرُ هذا المبتدأ، فالجوابُ أنَّ ذلك لا يجوزُ لأنهم نَصُّوا على أنَّ «كُلاَّ» وأخواتِها لا تَقَعُ تأكيداً للمعارف إلا مضافةً لفظاً لضميرِ الأول، ولذلك رَدُّوا قولَ مَنْ قال: «إنَّ كُلاَّ في قراءة من قرأ: {إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ} [غافر: 48] تأكيدٌ لاسم إنَّ.
وقرأ الأخَوَان هنا» وكتابِه «بالإِفراد والباقون بالجمعِ. وفي سورة التحريم قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم بالجمعِ والباقون بالإِفراد. فتلخَّص من ذلك أنَّ الأخوين يقرآن بالإِفراد في الموضعين، وأنَّ أبا عمرو وحفصاً يقرآن بالجمعِ في الموضعين، وأنَّ نافعاً وابن كثير وابن عامر وأبا بكر عن عاصم قرؤوا بالجمعِ/ هنا وبالإِفرادِ في التحريم.
فأمَّا الإِفرادُ فإنه يُراد به الجنسُ لا كتابٌ واحدٌ بعينِه، وعن ابن عباس:» الكتاب أكثر من الكتب «قال الزمخشري:» فإنْ قلت: كيف يكون الواحدُ أكثرَ من الجمع؟ قلت: لأنه إذا أُريد بالواحدِ الجنسُ، والجنسيةُ قائمةٌ في وحدات الجنس كلِّها لم يَخْرُجْ منه شيء، وأمَّا الجمعُ فلا يَدْخُل تحته إلاَّ ما فيه الجنسية من الجموع «. قال الشيخ:» وليس كما ذكر لأنَّ الجمعَ متى أُضِيف أو دَخَلَتْه الألفُ واللامُ [الجنسية] صارَ عامَّاً، ودلالةُ العامِّ دلالةٌ على كلِّ فردٍ فردٍ، فلو قال: «أَعْتَقْتُ عبيدي» لشمل ذلك كلَّ عبدٍ له، ودلالةُ الجمعِ أظهرُ في العموم في الواحدِ سواءً كانت فيه الألفُ واللامُ أو الإضافةُ، بل لا يُذْهَبُ إلى العموم في الواحدِ إلاَّ بقرينةٍ لفظيةٍ كَأَنْ يُسْتَثْنَى منه أو يوصفَ بالجمعِ نحو:
{إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ} [العصر: 2] «أهلك الناسَ الدينارُ الصُّفر والدرهم البيض» أو قرينةٍ معنويةٍ نحو: «نيَّةُ المؤمنِ أبلغُ مِنْ عملِه» وأقصى حالِهِ أن يكونَ مثلَ الجمعِ العامِّ إذا أريد به العمومُ «قلت: للناس خلافٌ في الجمعِ المحلَّى بأَلْ أو المضافِ: هل عمومُه بالنسبةِ إلى مراتبِ الجموعِ أم إلى أعمَّ من ذلك، وتحقيقُه في علم الأصول.
قال الفارسي:» هذا الإِفرادُ ليس كإفراد المصادر وإنْ أريدَ بها الكثيرُ كقوله تعالى: {وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً} [الفرقان: 24] ولكنه كما تُفْرَدُ الأسماءُ التي يُرَاد بها الكثرةُ نحو: كَثُرَ الدينارُ والدرهمُ، ومجيئها بالألف واللامِ أكثرُ من مجيئها مضافةً، ومن الإِضافةِ: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] وفي الحديث: «مَنَعَتِ العراقُ درهمَها وقَفِيزها» يُراد به الكثيرُ، كما يُراد بما فيه لامُ التعريفُ «. قال الشيخ:» انتهى ملخصاً، ومعناه أنَّ المفردَ المحلَّى بالألفِ واللامِ يَعُمُّ أكثرَ من المفردِ المضافِ «.
قلت: وليس في كلامه ما يدُلُّ على ذلك البتةَ، إنما فيه أنَّ مجيئها في الكلامِ مُعَرَّفةً بأل أكثرُ من مجيئها مضافةً، وليس فيه تَعَرُّضٌ لكثرةِ عمومٍ ولا قِلَّتِهِ.
وقيل: المرادُ بالكتابِ هنا القرآن فيكونُ المرادُ الإِفرادَ الحقيقي. وأمَّا الجمعُ فلإِرادةِ كلِّ كتابٍ، إذ لا فرق بين كتابٍ وكتابٍ، وأيضاً فإنَّ فيه مناسبةً لِما قبلَه وما بعدَه من الجمعِ.
ومَنْ قَرَأ بالتوحيدِ في التحريم فإنما أراد به الإِنجيلَ كإرادة القرآن هنا، ويجوزُ أن يُرادَ به أيضاً الجنسُ. وقد حَمَل على لفظ» كُل «في قوله:» آمن «فَأَفْرَدَ الضميرَ وعلى معناه فجمع في قوله:» وقالوا سَمِعْنَا «. قال الزمخشري:» ووحَّد ضمير «كل» في «آمَنَ» على معنى: كُلُّ واحدٍ منهم آمَنَ، وكان يجوزُ أن يُجْمَعَ كقولِه تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] .
وقرأ يَحْيى بن يَعْمر - ورُويت عن نافع - «وكُتْبِهِ ورُسْلِهِ» بإسكانِ العينِ فيهما. ورُوي عن الحسن وأبي عمرو تسكينُ سين «رُسْله» .
قوله: {لاَ نُفَرِّقُ} هذه الجملةُ منصوبةٌ بقولٍ محذوف تقديرُه: يقولون لا نُفرِّق، ويجوز أن يكونَ التقديرُ: يقول، يعني يجوزُ أَنْ يراعى لفظُ «كل» تارةً ومعناها أخرى في ذلك القولِ المقدرِ، فَمَنْ قَدَّر «يقولون» راعى معناها، وَمَنْ قدَّر «يقول» راعى لفظَها، وهذا القَولُ المضمرُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ لأنه خبرٌ بعد خبرٌ، قاله الحوفي.
والعامَّةُ على «لا نفرِّقُ» بنون الجمعِ. وقرأ ابن جبير وابن يعمر وأبو زرعة ويعقوب، ورُويت عن أبي عمرو أيضاً: «لا يُفَرِّقُ» بياء الغيبة حملاً على لفظ «كل» .
وروى هارون أن في مصحف عبد الله «لا يُفَرِّقون» بالجمعَ حَمْلا على معنى «كل» ، وعلى هاتين القراءتين فلا حاجةَ إلى إضمارِ قولٍ، بل الجملةُ المنفيةُ بنفسِها: إمَّا في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وإمَّا في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً كما تقدَّم في ذلك القولِ المضمرِ.
قوله: {بَيْنَ أَحَدٍ} متعلِقٌ بالتفريقِ، وأُضيف «بين» إلى أحد وهو مفرد، وإنْ كان يقتضي إضافَتَه إلى متعدد نحو: «بين الزيدين» أو «بين زيد وعمرو» ، ولا يجوزُ «بين زيد» ويَسْكُت: إمَّا لأنَّ «أحداً» في معنى العموم وهو «أحد» الذي لا يُسْتعمل إلا في الجَحْد ويُراد به العمومُ، فكأنه قيل: لا نفرِّقُ بين الجميعِ من الرسل. قال الزمخشري: كقوله: {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] ، ولذلكَ دَخَل عليه «بين» وقال الواحدي: «وبين» تقتضي شيئين فصاعداً، وإنما جاز ذلك مع «أحد» وهو واحدٌ في اللفظِ، لأنَّ «أحداً» يجوزُ أَنْ يُؤَدَّى عن الجميعِ، قال الله تعالى: {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} وفي الحديث: «ما أُحِلَّتْ الغنائمُ لأحدٍ سودِ الرؤوسِ غيرِكم» يعني فوصَفَه بالجمع، لأنَّ المرادَ به جمعٌ. قال: «وإنَّما جازَ ذلكَ لأن» أحداً «ليس كرجل يجوز أن يُثَنَّى ويُجْمع، وقولُك:» ما يفعل هذا أحدٌ «تريد ما يفعلُه الناسُ كلُّهم، فلمٌا كان» أحد «يؤدَّى عن الجميع جاز أَنْ يُسْتعمل معه لفظُ» بَيْن «وإنْ كان لا يجوز أَنْ تقولَ:» لا نفرِّقُ بين رجلٍ منهم «.
قلت: وقد رَدَّ بعضُهم هذا التأويلَ فقال:» وقيل إنَّ «أحداً» بمعنى جميع، والتقديرُ: بين جميعِ رسلهِ «ويَبْعُدُ عندي هذا التقديرُ، لأنه لا ينافي كونَهم مفرِّقين بين بعضِ الرسلِ، والمقصودُ بالنفي هو هذا؛ لأن اليهود والنصارى ما كانوا يُفَرِّقون بين كلَّ الرسلِ بل البعضُ. وهو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَبَت أنَّ التأويل الذي ذكروه باطلٌ، بل معنى الآية: لا نفرِّق بين أحدٍ من رسلهِ وبين غيرهِ في النبوة، وهذا وإنْ كان في نفسه صحيحاً إلا أنَّ القائلين بكونِ» أحد «بمعنى جميع، وإنما يريدون في العمومِ المُصَحِّح لإِضافة» بين «إليه/، ولذلك يُنَظِّرونه بقولِه تعالى: {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} وبقوله:
1146 - إذا أمورُ الناسِ دِيكَتْ دُوْكاً ... لا يَرْهَبُون أحداً رَأَوْكا
فقال:» رَأَوْكَ «اعتباراً بمعنى الجميعِ المفهومِ من» أحد «.
وأمَّا لأن ثَمَّ معطوفاً محذوفاً لدلالةِ المعنى عليه، والتقديرُ:» لا نفرِّقُ بين أحدٍ من رسلهِ وبين أحدٍ، وعلى هذا فأحد هنا ليس الملازمَ للجحدِ ولا همزتُه أصليةٌ بل هو «أحد» الذي بمعنى واحد وهمزتُه بدلٌ من الواو، وحَذْفُ المعطوفِ كثيرٌ جداً [نحو] :
{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 81] أي: والبرد، [وقوله] :
1147 - فما كانَ بين الخيرِ لو جاءَ سالماً ... أبو حُجُرٍ إلاَّ ليالٍ قلائِلُ
أي: بينَ الخيرِ وبيني.
و «مِنْ رسله» في محلِّ جرٍ لأنه صفةٌ ل «أحد» ، و «قالوا» عطفٌ على «آمَنَ» ، وقد تقدَّم أنه حَمَل على معنى «كُل» .
قوله: {غُفْرَانَكَ} منصوبٌ: إمَّا على المصدريةِ. قال الزمخشري: «منصوبٌ بإضمارِ فعلِه، يقال:» غفرانَك لا كُفْرانَك «أي: نَسْتغفرك ولا نَكْفرك» فقدَّره جملةً خبريةً، وهذا ليس مذهبَ سيبويه، إنما مذهبُه تقديرُ ذلك بجملةٍ طلبية كأنه قيل: «اغفْر غفرانَك» . ونَقَلَ ابنُ عطيَة هذا قولاً عن الزجاج، والظاهر أنَّ هذا من المصادرِ اللازمِ إضمارُ عاملِها لنيابتِها عنه، وقد اضطربَ فيها كلامُ ابن عصفور، فَعَدَّها تارةً مع ما يلزمُ فيه إضمارُ الناصبِ نحو: «سبحانَ الله ورَيْحَانَه» ، و «غفرانَك لا كفرانكَ» ، وتارةً مع ما يجوزُ إظهارُ عاملهِ. والطلبُ في هذا البابِ أكثرُ، وقد تقدَّم لك نحوٌ من هذا في أولِ الفتحة.
والمصير: اسمُ مصدرٍ مِنْ صارَ يصير أي: رَجَعَ، وقد تقدَّم لك في قوله: {المحيض} [البقرة: 222] أنَّ في المَفْعِل من الفعلِ المعتلِّ العينِ بالياءِ ثلاثةَ مذاهبَ وهي: جريانُه مَجْرَى الصحيح، فيُبْنى اسمُ المصدرِ منه على مَفْعَل بالفتح، والزمانُ والمكانُ بالكسرِ نحو: ضَرَبَ يَضْرِبَ مَضْرِباً، أو يُكْسَرُ مطلقاً، أو يُقْتَصَرُ فيه على السَّماعِ فلا يَتَعَدَّى وهو أعدلُهَا، ويُطلَق المصيرُ على المعنى، ويُجْمَعُ على مُصْران كرغيفَ ورُغْفان، ويُجْمَع مُصْران على مَصارين.
2:286Page 49
لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦
Allāh does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."1
قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} : «وُسْعَها» مفعولٌ ثانٍ. وقال ابنُ عطية: «يُكَلِّفُ» يتعدَّى إلى مفعولَيْنِ، أحدُهما محذوفٌ، تقديرُه: عبادةً أو شيئاً «. قال الشيخ:» إن عَنى أنَّ أصلَه كذا فهو صحيحٌ، لأنَّ قولَه: «إلاَّ وُسْعَها» استثناءٌ مفرغٌ من المفعولِ الثاني، وإنْ عَنَى أنَّه محذوفٌ في الصناعة فليس كذلك، بل الثاني هو «وُسْعَها» نحو: وما أعطَيْتُ زيداً إلا درهماً «و» ما ضربْتُ إلا زيداً «هذا في الصناعة هو المفعولُ وإن كان أصلُه: ما أعطيت زيداً شيئاً إلاّ درهماً» . والوُسْعُ: ما يَسَعُ الإِنسانَ، ولا يَضِيقُ عليه، ولا يَخْرج منه.
وقرأ ابنُ أبي عَبْلَة: «إلا وَسِعَها» جَعَلَه فعلاً ماضياً، وخَرَّجُوا هذه القراءةَ على أنَّ الفعلَ فيها صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ تقديرُه: «إلاَّ ما وَسِعَها» وهذا الموصولُ هو المفعولُ الثاني كما كان «وُسْعَها كذلك في قراءةِ العامةِ، وهذا لا يجوزُ عند البصريين، بل عند الكوفيين، على أنَّ إضمارَ مثلِ هذا الموصولِ ضعيفٌ جداً إذ لا دلالةَ عليه، وهذا بخلافِ قولِ الآخر:
1148 - ما الذي دَأْبُه احتياطٌ وحَزْمٌ ... وهواهُ أَطاعَ يَسْتَوِيان
وقول حسان أيضاً:
1149 - أَمَنْ يَهْجُو رسولَ الله منكم ... ويَمْدَحُه ويَنْصُرُه سَواءٌ
وقد تقدَّم تحقيقُ هذا. وهل لهذه الجملة محلٌّ من الإِعراب أم لا؟ الظاهرُ الثاني لأنها سِيقَتْ للإِخبارِ بذلك، وقيل: بل محلُّها نصبٌ عطفاً على» سَمِعْنا «و» أَطَعْنَا «أي: وقالوا أيضاً: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً. وقد خُرِّجَتْ هذه القراءةُ على وجهٍ آخرَ: وهو أَنْ تَجْعَلَ المفعولَ الثاني محذوفاً لفَهْمِ المعنى، وتَجْعَلَ هذه الجملة الفعلية في محلِّ نصبٍ صفةً لهذا المفعولِ، والتقديرُ: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً شيئاً إلاَّ وَسِعَها. قال ابن عطية: وفي قراءةِ ابن أبي عبلة تَجَوُّزٌ لأنه مقلوبٌ، وكان وجهُ اللفظِ: إلا وَسِعَتْه كما قال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض} [البقرة: 255] {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 98] ، ولكن يجيءُ هذا من باب:» أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رأسي «.
قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} هذه الجملةُ لا محلَّ لها لاستئنافِها وهي كالتفسيرِ لِما قبلها؛ لأنَّ عَدَم مؤاخذتِها بكسْبِ غيرِها واحتمالَها ما حَصَّلَتْهُ هي فقط من جملةِ عدمِ تكليفِها بما لا تَسَعُه. وهل يظهرُ بين اختلافِ لفظَيْ فعلِ الكسبِ معنىً أم لا؟ فقال بعضُهم: نعم، وفَرَّقَ بأنَّ الكسبَ أَعَمُّ، إذ يقال:» كَسَب «لنفسِه ولغيرِه» ، و «اكتسب» أخصُّ؛ إذ لا يقال: «اكتسب لغيرِه» وأنشدَ قولَ الحطيئة:
1150 - أَلْقَيْتَ كاسِبَهم في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويقال: هو كاسبُ أهلهِ، ولا يُقالُ: مكتسبُ أهلِه.
وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ خَصَّ الخيرَ بالكَسْب والشرَّ بالاكتسابِ؟ قلت: في الاكتساب اعتمالٌ، ولمَّا كان الشرُّ مِمَّا تَشْتهيه النفسُ وهي منجذبةٌ إليه وأمَّارةٌ به كانَتْ في تحصيلهِ أَعْمَلَ وآجَدَ فَجُعِلَتْ لذلك مكتسبةً فيه، ولمَّا لم تكنْ كذلكَ في بابِ الخيرِ وُصِفَتْ بما لا دلالةَ فيه على الاعتمالِ» .
وقال ابنُ عطية: «وكَرَّر فعلَ الكسبِ فَخَالَفَ بين التصريف حُسْناً لنمطِ الكلامِ، كما قال تعالى: {فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ} [الطارق: 17] هذا وجهٌ، والذي يَظْهَرُ لي في هذا أنَّ الحسناتِ هيَ مما يُكْسَبُ دونَ تكلُّفٍ، إذ كاسبُها على جادَّةِ أمرِ الله ورَسْمِ شَرْعِهِ، والسيئاتُ تكتسب ببناء المبالَغَة، إذ كاسبُها يَتَكَّلفُ في أَمرِها خَرْقَ حجابِ نَهْيِ الله تعالى، ويَتجاوَزُ إليها/ فَحَسُنَ في الآية مجيءُ التصريفَيْنِ إحرازاً لهذا المعنى» . وقال بعضُهم: «لا فَرْقَ، وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في موردٍ واحدٍ. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] . وقال تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] ، وقال تعالى: {بِغَيْرِ مَا اكتسبوا} [الأحزاب: 58] فقد استعمل الكَسْب والاكتسابَ في الشرِّ» .
وقال أبو البقاء: «وقال قومٌ:» لا فَرْقَ بينهما، وذكر نحواً مِمَّا تقدَّم. وقال آخرون: «افتْعَلَ يَدُلُّ على شدَّة الكَلَفِة. وفعلُ السيئة شديدٌ لِما يَؤُول إليه» . وقال الواحدي: «الصحيحُ عند أهلِ اللغة أن الكسبَ والاكتسابَ واحدٌ لا فرقَ بينهما، قال ذو الرمة:
1151 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ألفَى أباه بذاك الكسبِ يَكْتَسِبُ
قلت: وإنما أَتى في الكسبِ باللامِ وفي الاكتسابِ ب» على «؛ لأنَّ اللامَ تقتضي المِلْكَ والخيرَ يُحَبُّ ويُسَرُّ به، فجيء معه بما يَقْتَضِي المِلْكُ، ولَمَّا كان الشرُّ يُحْذَرُ وهو ثِقَلٌ ووِزْرٌ على صاحبهِ جِيءَ معه ب» على «المقتضيةِ لاستعلائِهِ عليه.
وقال بعضَهم:» فيه إيذانٌ أَنَّ أَدْنى فعلٍ من أفعالِ الخير يكونُ للإنسان تكرُّماً من اللهِ على عبدهِ حتى يصلَ إليه ما يفعلُهُ معه ابنُ من غيرِ علمِه به، لأنه من كسبهِ في الجملةِ، بخلافِ العقوبةِ فإنه فا يُؤَاخَذُ بها إلا مَنْ جَدَّ فيها واجتهَدَ «. وهذا مبنيٌّ على القولِ بالفرق بين البنائين وهو الأظهرُ.
قوله: {لاَ تُؤَاخِذْنَا} يُقْرأ بالهمزةِ وهو من الأخْذ بالذَّنْبِ، ويُقْرَأُ بالواوِ، ويَحْتمل وجهين، أحدُهما: أَنْ يكونَ مِن الأخْذِ أيضاً، وإنما أُبْدِلَتِ الهمزةُ واواً لفتحِها وانضمامِ ما قبلها، وهو تخفيفٌ قياسي، ويَحْتمل أَنْ يكونَ من: واخذه بالواو، قاله أبو البقاء: وجاء هنا بلفظِ المفاعلةِ وهو فعلُ واحدٍ، لأنَّ المسيءَ قد أَمْكَنَ من نفسِه وطَرَقَ السبيلَ إليها بفعله، فكأنه أعانَ مَنْ يعاقِبُه بذَنْبِه، ويأخذُ به على نفسِه فَحَسُنَتْ المفاعَلَةُ. ويجوزُ أَنْ يكونَ من بابِ: سافرت وعاقبت وطارقت.
وقرأ أُبَيّ:» ربَّنا ولا تُحَمِّلْ علينا إصْراً «بتشديد الميم.
قال الزمخشري: «فإنْ قلت: أَيُّ فرق بين هذه الشديدةِ والتي في» ولا تُحَمِّلْنا؟ قلت: هذه للمبالغةِ في حَمَّل عليه، وتلك لنقل «حَمَلَه» من مفعولٍ واحدٍ إلى مفعولَيْن «. انتهى يعني أنَّ التضعيفَ في الأولِ للمبالغةِ ولذلك لم يتعدَّ إلا لمفعولٍ واحدٍ، وفي الثانيةِ للتعدية، ولذلك تعدَّى إلى اثنين أولُهما» ن «والثاني {مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} .
والإِصْرُ: في الأصل الثِّقَلُ والشِّدَّة. وقال النابغة:
1152 - يا مانعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتَهُمُ ... والحاملَ الإِصرِ عنهم بعد ما عَرِقُوا وأُطْلِقَ على العهدِ والميثاقِ لِثِقَلِهما، كقولِه تعالى: {وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي} [آل عمران: 81] أي: عَهْدِي. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} [الأعراف: 157] أي: التكاليف الشاقة ثم يُطْلَقُ على كل ما يَثْقُل، حتى يُرْوى عن بعضِهم أنه فسَّر الإِصرَ هنا بشماتةِ الأعداءِ وأنشد:
1153 - أَشْمَتَّ بيَ الأعداءَ حينَ هَجَرْتَني ... والموتُ دونَ شماتةِ الأَعْدَاءِ
ويقال: الإِصْرُ أيضاً: العَطْفُ والقَرابةُ، يُقال:» ما يَأْصِرُني عليه آصِرَةٌ «أي: ما يَعْطِفُني عليه قرابةٌ ولا رَحِمٌ، وأنشد للحطيئة:
1154 - عَطَفُوا عليَّ بغير آ ... صِرَةٍ فقد عَظُمَ الأواصِرْ
وقيل: الإِصرُ: الأمرُ الذي تُرْبَطُ به الأشياءُ، ومنه» الإِصارُ «للحبلِ الذي تُشَدُّ به الأحْمَال، يقال: أَصَرَ يأصِرُ أَصْراً بفتحِ الهمزةِ، فأما بكسرها فهو اسمٌ. ويُقال بضمِّها أيضاً، وقد قُرىء به شاذاً:
وقرأ أُبَيّ: {وَلاَ تُحَمِّل عَلَيْنَآ} بالتشديدِ مبالغةً في الفِعْلِ.
والطاقَةُ: القُدْرَةُ على الشيءِ وهي في الأصلِ، مصدرٌ، جاءَتْ على حَذْفِ الزوائدِ، وكان مِنْ حقِّها» إطاقة «لأنها من أَطَاق، ولكن شَذَّتْ كما شَذَّتْ أُلَيفْاظٌ نحو: أَغار غارةً، وأَجابَ جابةً، قالوا:» ساء سمعاً فساءَ جابة «؛ ولا ينقاسُ فلا يُقال: طال طالة. ونظيرُ أجابَ جابةً: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] وأعطى عَطاءً في قوله:
1155 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وبعدَ عطائِك المئةَ الرِّتاعا
وقولُه تعالى: {مَوْلاَنَا} والمَوْلَى: مَفْعَل من وَلِي يَلِي، وهو هنا مصدر يُرادُ به الفاعلُ، فيجوز أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: صاحِبُ تولِّينا أي: نُصْرتِنا ولذلك قال:» فانصُرْنا «، والمَوْلَى يجوزُ أَنْ يكونَ اسمَ مكانٍ ايضاً واسمَ زمانٍ.
وقوله تعالى: {فانصرنا} أتى هنا بالفاء إعلاماً بالسببيةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لمَّا كانَ مولاهم ومالكَ أمورِهم وهو مُدَبِّرُهم تَسَبَّب عنه أَنْ دَعَوْه بأن يَنصُرَهم على أعدائِِهم كقولِك» أنت الجوادُ فتكرَّمْ عليَّ وأنت البطلُ فاحْمِ حَرَمَك «.
وقد اشتملَتْ هذه السورةُ على أنواع كثيرةٍ من العلومِ، تقدَّم التبيهُ على غالبِها، والذكيُّ مستغنٍ عن التصريحِ بالتلويحِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences