As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:38–41
2:38Page 7
قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨
We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
قولُه: {قُلْنَا اهبطوا} إنما كرَّر قولِه: «قُلْنا» لأنَّ الهبوطَيْنِ مختلفان باعتبارِ متعلَّقَيْهما، فالهبوطُ الأول [عَلَّق به العداوةَ، والثاني علَّقَ به إتيانَ الهدى. وقيل: «لأنَّ الهبوطَ الأول] من الجنةِ إلى السماءِ، والثاني من السماءِ إلى الأرض» . واستَعْبَدَه بعضُهم لأجلِ قوله: {وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ} . وقال ابن عطيةِ: «وحكى النقاش أن الهبوطَ الثاني إنما هو من الجنة إلى السماءِ، والأولى في ترتيبِ الآيةِ إنما هو إلى الأرضِ وهو الأخيرُ في الوقوعِ» . انتهى، وقيل: كُرِّر على سبيلِ التأكيدِ نحو قولِك: قُمْ قُمْ، والضمير في «منها» يَعُودُ على الجنةِ أو السماء.
قوله: «جميعاً» حالٌ من فاعلِ «اهبِطوا» أي: مجتمِعِين: إمَّا في زمانٍ واحدٍ أو في أزمنةٍ متفرقة لأنَّ المرادَ الاشتراكُ في أصلِ الفعل، وهذا [هو] الفرقُ بين: جاؤوا جميعاً، وجاؤوا معاً، فإن قولَك «معاً» يستلزمُ مجيئهم جميعاً في زمنٍ واحدٍ لِما دَلَّتْ عليه «مع» مِن الاصطحاب، بخِلاف «جميعاً» فإنها لا تفيدُ إلا أنه لم يتخلَّفْ أحدٌ منهمْ عن المجيءِ، من غيرِ تعرُّضٍ لاتحادِ الزمانِ. وقد جَرَتْ هذه المسألةُ بين ثعلب وغيره، فلم يعرِفْها ذاك الرجلُ فأفادها له ثعلب.
و «جميع» في الأصل من ألفاظِ التوكيد، نحو: «كُل» ، وبعضُهم عَدَّها معها. وقال ابنُ عطية: «وجميعاً حالٌ من الضميرِ في» اهبِطوا «وليس بمصدرٍ ولا اسمِ فاعل، ولكنه عِوَضٌ منهما دالٌّ عليهما، كأنه قال:» هبوطاً جميعاً أو هابطين جميعاً «كأنه يعني أنَّ الحالَ في الحقيقةِ محذوفٌ، وأنَّ» جميعاً «تأكيدٌ له، إلا أنَّ تقديرَه بالمصدرِ يَنْفي جَعْلَه حالاً إلا بتأويلٍ لا حاجةَ إليه. وقال بعضُهُم: التقديرُ: قُلْنا اهبِطوا مجتمِعِين فهبطوا جميعاً، فَحُذِفَ الحالُ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه، وحُذِفَ العاملُ من الثاني لدلالةِ الأولِ عليه، وهذا تكلُّفٌ لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ.
قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِع} . . . الآية. الفاءُ مُرَتَّبَةٌ معقِّبةٌ. و» إمَّا «أصلُها: إن الشرطيةُ زِيدَتْ عليها» ما «تأكيداً، و» يأتينَّكم «في محلِّ جزمٍ بالشرطِ، لأنه بُني لاتصالِه بنونِ التوكيدِ. وقيل: بل هو مُعْرَبٌ مطلقاً. وقيل: مبنيٌّ مطلقاً. والصحيح: التفصيلُ: إنْ باشَرَتْه كهذه الآيةِ بُني، وإلاَّ أُعْرِبَ، نحو: هل يقومانِّ؟ وبُني على الفتحِ طلباً للخفَّة، وقيل: بل بُني على السكونِ وحُرِّكَ بالفتحِ لالتقاءِ الساكنينِ. وذهب الزجاج والمبردُ إلى أن الفعلَ الواقعَ بعد إن الشرطية المؤكَّدة ب» ما «يجب تأكيدُه بالنون، قالا: ولذلك لم يَأْتِ التنزيلُ إلا عليه. وذهب سيبويه إلى أنه جائزٌ لا واجبٌ، لكثرةِ ما جاءَ به منه في الشعر غيرَ مؤكَّد، فكثرةُ مجيئِه غيرَ مؤكَّدٍ يدلُّ على عَدَمِ الوجوبِ، فمِنْ ذلك قولُه:
387 - فإمَّا تَرَيْني كابنةِ الرَّمْلِ ضاحياً ... على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أَتَنَعَّلُ
وقولُ الآخر:
388 - يا صاحِ إمَّا تَجِدْني غيرَ ذي جِدَةٍ ... فما التَخلِّي عن الخُلاَّنِ من شِيَمي
وقولُ الآخر:
38 - 9- زَعَمَتْ تُماضِرُ أنَّني إمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوها الأَصاغِرُ خُلَّتي وقول الآخر:
39 - 0- فإمَّا تَرَيْني ولِي لِمَّةٌ ... فإنَّ الحوادثَ أودى بِها
وقولُ الآخر:
39 - 1- فإمَّا تَرَيْني لا أُغَمِّضُ ساعةً ... مِن الدهرِ إلا أَنْ أَكِبَّ فَأَنْعَسَا
وقول الآخر:
392 - إمَّا تَرَيِْني اليومَ أمَّ حَمْزِ ... قارَبْتُ بينَ عَنَقي وجَمْزِي
وقال المهدوي: «إما» هي إنْ التي للشرطِ زِيدَتْ عليها «ما» ليصِحَّ دخولُ النون للتوكيدِ في الفعلِ، ولو سَقَطَتْ «ما» لم تَدْخُلِ النونُ، ف «ما» تؤكِّدُ أولَ الكلامِ، والنونُ تؤكِّدُ آخرَه «وتبعه ابنُ عطية. وقال بعضهم:» هذا الذي ذَهَبا إليه من أنَّ النونَ لازِمَةٌ لفعلِ الشرطِ إذا وُصِلَتْ «إنْ» ب «ما» هو مذهبُ المبردِ والزجاجِ «. انتهى. وليس في كلامِهما ما يدُلُّ على لزومِ النونِ كما ترى، غايةُ ما فيه أنَّهما اشترطا في صِحَّةِ تأكيدِه بالنونِ زيادةَ» ما «على» إنْ «، أمَّا كونُ التأكيدِ لازماً أو غيرَ لازم فلم يتعرَّضا له، وقد جاء تأكيدُ الشرطِ بغيرِ» إنْ «كقوله:
393 - مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فليس بآئِبِ ... أبداً وقتلُ بني قُتَيْبَةَ شافي
و» مني «متعلق ب» يَأْتِيَنَّ «، وهي لابتداءِ الغاية مَجازاً، ويجوز أن تكون في محلِّ حالٍ من» هُدَىً «لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، وهو نظيرُ ما تَقَدَّم في قوله تعالى: {مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] ، و» هُدى «فاعلٌ، والفاءُ مع ما بعدها مِنْ قولِه: {فَمَن تَبِعَ} جوابُ الشرطِ الأولِ، والفاءُ في قوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ} جوابُ الثاني، وقد وقع الشرطُ [الثاني وجوابُه جوابَ الأول، ونُقِل عن الكسائي أن قوله: {فَلاَ خَوْفٌ} جوابُ الشرطين] معاً. قال ابن عطية بعد نَقْلِه عن الكسائي:» هكذا حُكِي وفيه نَظَرٌ، ولا يتوجَّه أن يُخالَفَ سيبويه هنا، وإنما الخلافُ في نحوِ قولِه: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ} [الواقعة: 88-89] فيقولُ سيبويهِ: جوابُ أحدِ الشرطينِ محذوفٌ لدلالةِ قوله «فَرَوْحٌ» عليه. ويقول الكوفيون «فَرَوْح» جوابُ الشرطين. وأمَّا في هذه الآية فالمعنى يمنع أَنْ يكونَ «فلا خوف» جواباً للشرطين «. وقيل: جوابُ الشرطِ الأول محذوفٌ تقديرُه: فإمَّا يأتِيَنَّكم مني هدىً فاتَّبعوه، وقولُه: {فَمَنْ تَبِع} جملةٌ مستقلةٌ. وهو بعيدٌ أيضاً.
و» مَنْ «يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً وهو الظاهرُ، ويجوز أَنْ تكونَ موصولةً، ودَخَلَت الفاءُ في خبرِها تشبيهاً لها بالشرطِ، ولا حاجةَ إلى هذا.
فإن كانتْ شرطيةً كان «تبع» في محل جزم، وكذا: «فلا خَوْفٌ» لكونِهما شرطاً وجزاءً، وإنْ كانت موصولةً فلا محلَّ ل «تَبِع» . وإذا قيل بأنَّها شرطيةٌ فهي مبتدأٌ أيضاً، ولكنْ في خبرها خلافٌ مشهور: الأصحُّ أنه فعلُ الشرطِ، بدليل أنه يَلزُم عودُ ضميرٍ مِنْ فعلِ الشرط على اسمِ الشرط، ولا يلزَمُ ذلك في الجوابِ، تقول: مَنْ يَقُمْ أُكْرِمْ زيداً، [فليس في «أُكرم زيداً» ضميرٌ يعودُ على «مَنْ» ولو كان خبراً للزِمَ فيه ضميرٌ] ، ولو قلتَ: «مَنْ يَقُمْ زيداً أُكْرِمْه» وأنت تعيدُ الهاءَ على «مَنْ» لم يَجُزْ لخلوِّ فعلِ الشرطِ من الضمير. وقيل: الخبرُ الجوابُُ، ويلزُم هؤلاء أن يأتوا فيه بعائدٍ على اسمِ الشرطِ، فلا يَجُوزُ عندهم: «مَنْ يَقُمْ أُكْرِمْ زيداً» ولكنه جائز، هذا ما أورده أبو البقاء. وسيأتي تحقيقُ القول في لزوم عَوْدِ ضميرٍِ مِنَ الجوابِ إلى اسمِ الشرطِ عند قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} [البقرة: 97] . وقيل: مجموعُ الشرطِ والجزاءِ هو الخبرُ لأنَّ الفائدةَ إنما تَحْصَلُ منهما. وقيل: ما كان فيه ضميرٌ عائدٌ على المبتدأِ فهو الخبرُ.
والمشهورُ: «هُدَايَ» ، وقُرئ: هُدَيَّ، بقلبِ الألفِ ياءً، وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة هُذَيْل، يقولون في عَصاي: عَصَيَّ، وقال شاعرُهم يرثي بَنيه:
394 - سَبَقوا هَوَيَّ وأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
كأنهم لمَّا لم يَصِلوا إلى ما تستحقُّه ياءُ المتكلمِ مِنْ كسرِ ما قبلَها لكونِه ألفاً أتَوا بما يُجَانِسُ الكسرةَ، فقلبوا الألفَ ياءً، وهذه لغةٌ مطردةٌ عندهم، إلا أَنْ تكونَ الألفُ للتثنية فإنهم يُثْبِتُونها نحو: جاء مسلمايَ وغلامايَ.
قولُه: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} قد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ جواباً للشرطِ، فيكونَ في محلِّ جزم، وأن يكونَ خبراً ل «مَنْ» إذا قيل بأنها موصولةٌ، وهو أَوْلَى لمقابلتِه بالموصولِ في قولِه: {والذين كَفَرواْ} فيكونَ في محل رفع، و «لا» يجوز أَنْ تكونَ عاملةً عملَ ليس، فيكونَ «خوفٌ» اسمها، و «عليهم» في محلِّ نصبٍ خبرَها، ويجوز أن تكونَ غيرَ عاملةٍ فيكونَ «خوفٌ» مبتدأ، و «عليهم» في محل رفع خبرَه. وهذا أَوْلَى مِمَّا قَبْله لوجهين، أحدُهما: أنَّ عملَها عملَ ليس قليلٌ ولم يَثْبُتْ إلا بشيءٍ محتملٍ وهو قوله:
395 - تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقياً ... ولا وَزرٌ ممَّا قضى اللهُ واقِيَا
والثاني: أنَّ الجملة التي بعدها وهي: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تُعَيِّنُ أن تكونَ «لا» فيها غيرَ عاملةٍ لأنها لا تعملُ في المعارفِ، فَجَعْلُها غيرَ عاملةٍ فيه مشاكلةٌ لِما بعدها، وقد وَهِمَ بعضُهم فَجَعَلها عاملةً في المعرفة مستدلاًّ بقوله:
396 - وحَلَّتْ سوادَ القلبِ لا أنا باغياً ... سِواها في حُبِّها مُتَراخِيا
ف «أنا» اسمُها و «باغياً» خبرُها. قيل: ولا حُجَّةَ فيه لأنَّ «باغياً» حال عاملُها محذوفٌ هو الخبرُ في الحقيقة تقديره: ولا أنا أرى باغِياً، أو يكونُ التقديرُ: ولا أُرَى باغيا، فلمَّا حُذِفَ الفعلُ انفصلَ الضميرُ.
وقُرِئَ: «فلا خَوْفُ» بالرفعِ مِنْ غيرِ تنوين، والأحسنُ فيه أَنْ تكونَ الإِضافةُ مقدرةً أي: خوفُ شيءٍ، وقيلَ: لأنه على نيةِ الألفِ واللامِ، وقيل: حَذَفَ التنوينَ تخفيفاً. وقرئ: «فلا خوفَ» مبنياً على الفتح، لأنها لا التبرئة وهي أبلغُ في النفي، ولكن الناسَ رجَّحوا قراءةَ الرفع، قال أبو البقاء: «لوجهَيْنِ، أحدُهما: أنه عُطِف عليه ما لا يجوزُ فيه إلا الرفعُ وهو قولُه:» ولا هم «لأنه معرفةٌ، و» لا «لا تعملُ في المعارِفِ، فالأَوْلى أن يُجْعَلَ المعطوفُ عليه كذلك لتتشاكلَ الجملتان» ، ثم نظَّره بقولِهم: «قام زيد وعمراً كلَّمْتُه» يعني في ترجيحِ النصب في جملة الاشتغالِ للتشاكل. ثم قال: «والوجهُ الثاني من جهة المعنى، وذلك أنَّ البناءَ يَدُلُّ على نفي الخوفِ عنهم بالكُلِّيَّة، وليس المراد ذلك، بل المرادُ نفيُه عنهم في الآخرةِ. فإنْ قيل: لِمَ لا يكونُ وجهُ الرفعِ أنَّ هذا الكلامَ مذكورٌ في جزاءِ مَنِ اتَّبع الهدى، ولا يَليق أن يُنْفَى عنهم الخوفُ اليسيرُ ويُتَوَهَّمَ ثَبوتُ الخوفِ الكثير؟ قيل: الرفعُ يجوزُ أَنْ يُضْمَرَ معه نفيُ الكثيرِ، تقديرُه: لا خوفٌ كثيرٌ عليهم، فيُتَوَهَّمَ ثبوتَ القليلِ، وهو عكسُ ما قُدِّر في السؤال فبانَ أنَّ الوجهَ في الرفعِ ما ذكرنا» . انتهى.
قولُه تعالى: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تقدَّم أنه جملةٌ منفيةٌ وأنَّ الصحيحَ أنَّها غيرُ عاملةٍ، و «يَحْزنون» في محلِّ رفعٍ خبراً للمبتدأ، وعلى هذا القولِ الضعيفِ يكون في محل نصب.
والخوفُ: الذُّعْرُ والفَزَع، يقال: خافَ يخاف فهو خائِفٌ والأصل: خَوِف بزون عَلِمَ، ويتعدَّى بالهمزةِ والتضعيف. قال تعالى: {وَنُخَوِّفُهُمْ} [الإسراء: 60] ، ولا يكونُ إلا في الأمر المستقبل. والحزنُ ضدُّ السرورِ، وهو مأخوذٌ من الحَزْن، وهو ما غَلُظَ من الأرض فكأنه ما غَلُظ من الهمِّ، ولا يكون إلا في الأمرِ الماضي، يقال: حَزِن يَحْزَن حُزْناً وحَزَناً. ويتعدَّى بالهمزةِ نحو: أَحْزَنْتُه، وحَزَّنْتُه، بمعناه، فيكون فَعَّل وأَفْعَلَ بمعنى. وقيل: أَحْزَنَه حَصَّل له حُزْناً. وقيل: الفتحةُ مُعَدِّيةٌ للفعلِ نحو: شَتِرَتْ عينُه وشَتَرها الله، وهذا على قولِ مَنْ يَرَى أنَّ الحركةَ تُعَدِّي الفعلَ. وقد قُرِئ باللغتين: «حَزَنَه وأَحْزَنه» وسيأتي تحقيقهما.
2:39Page 7
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩
And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."
قوله: {والذين كَفَرواْ، إلى قوله: خَالِدُونَ} : «الذين» مبتدأ وما بعده صلةٌ وعائدٌ، و «بآياتنا» متعلقٌ بكذَّبوا. ويجوز أن تكونَ الآيةُ من بابِ الإِعمال، لأنَّ «كفروا» يَطْلُبها، ويكونُ من إعمالِ الثاني للحذف من الأول، والتقديرُ: كفروا بنا وكَذَّبوا بآياتِنا. و «أولئك» مبتدأٌ ثانٍ و «أصحابُ» خبرُه، والجملةُ خبرُ الأولِ، ويجوزُ أن يكونَ «أولئك» بدلاً من الموصول أو عطفَ بيان له، و «أصحابُ» خبرَ المبتدأ الموصول. وقوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} جملةٌ اسميةٌ في محلِّ نصبٍ على الحالِ للتصريحِ بذلك في مواضعَ. قال تعالى: {أَصْحَابُ النار خَالِدِينَ} [التغابن: 10] . وأجاز أبو البقاء أن تكونَ حالاً من «النار» ، قال: «لأنَّ فيها ضميراً يعودُ عليها، ويكونُ العامل فيها معنى الإِضافةِ أو اللام المقدَّرَةَ» . انتهى. وقد عُرِف ما في ذلك.
ويجوز أن تكونَ في محلِّ رفع خبراً لأولئك، وأيضاً فيكونُ قد أُخْبِرَ عنه بخبرين، أحدُهما مفردٌ وهو «أصحابُ» . جملةٌ، وقد عُرَف ما فيه من الخلافِ.
و «فيها» متعلقٌ ب «خالدون» . قالوا: وحُذِف من الكلام الأول ما أُثْبِتَ في الثاني، ومن الثاني ما أُثْبِتَ في الأول، والتقدير: فَمَنْ تبع هُدايَ فلا خوفٌ ولا حُزْنٌ يَلْحَقُه وهو صاحبُ الجنةِ، ومَنْ كَفَر وكَذَّب لَحِقَه الحزنُ والخوفُ وهو صاحبُ النار لأنَّ التقسيمَ يقتضي ذلك، ونظَّروه بقولِ الشاعر:
397 - وإني لَتَعْروني لِذِكْراكِ فَتْرَةٌ ... كما انتفَضَ العصفورُ بلَّلَه القَطْرُ
والآيَةُ [لغةً] : العلامةُ، قال النابغةُ الذبياني:
398 - تَوَهَمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابِعُ
وسُمِّيَتْ آيةُ القرآنِ [آيةً] لأنها علامةٌ لانفصالِ ما قبلَها عمَّا بعدَها. وقيل: سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَجْمَعُ حروفاً من القرآن فيكون مِنْ قولِهم: «خرج بنو فلان بآيتِهم» أي: بجماعتهم، قال الشاعر: 399 - خَرَجْنا مِن النَّقْبَيْنِ لا حَيَّ مِثْلُنا ... بآياتِنا نُزْجي اللِّقاحَ المَطافِلاَ
واختلف النحويون في وَزْنِها: فمذهب سيبويه والخليلِ أنها فَعَلَة، والأصل: أَيَية بفتح العين، تحرَّكَتِ الياء وانفتح ما قبلَها فَقُلِبت ألفاً، وهذا شاذٌ، لأنه إذا اجتمع حرفا عِلة أُعِلَّ الأخيرُ، لأنه مَحَلُّ التغييرِ نحو: هوى وحوى، ومثلُها في الشذوذِ: غاية وطاية وراية.
ومذهبُ الكسائي أن وَزنَها آيِيَة على وزن فاعِلة، فكانَ القياسُ أن يُدْغَمَ فيقال: آيَّة كدابَّة إلا أنه تُرِكَ ذلك تخفيفاً، فحذَفُوا عينَها كما خفَّفوا كَيْنونة والأصل: كيَّنونة بتشديد الياء، وضَعَّفُوا هذا بأنَّ بناءَ كيَّنونة أثقلُ فناسَبَ التخفيفُ بخلافِ هذه.
ومذهبُ الفرَّاء أنَّها فَعْلةٌ بسكونِ العين، واختاره أبو البقاء قال: «لأنها من تَأَيَّا القوم أي اجتمعوا، وقالوا في الجمع: آياء، فَظَهَرَتِ الياءُ [الأولى] ، والهمزةُ الأخيرةُ بدلٌ من ياء، ووزنُه أَفْعال، والألفُ الثانيةُ بدلٌ من همزةٍ هي فاءُ الكلمة، ولو كانَتْ عينُها واواً لقالوا في الجمع، آواء، ثم إنهم قَلَبوا الياءَ الساكنةَ ألفاً على غيرِ قياس» انتهى. يعني أنَّ حرفَ العلَّةِ لا يُقْلَبُ حتى يَتَحَرَّكَ وينفتحَ ما قبله.
وذهبَ بعضُ الكوفيين إلى أن وزنها أَيِيَة، بكسر العين مثل: نَبِقَة فَأُعِلَّ، وهو في الشذوذِ كمذهبِ سيبويه والخليل. وقيل وزنُها: فَعُلَة بضم العين، وقيل أصلُها: أياة بإعلال الثاني، فَقُلبت بأَنْ قُدِّمَتِ اللامُ وأُخِّرَتِ العينُ وهو ضعيفٌ. فهذه ستةُ مذاهبَ لا يَسْلَمُ كلُّ واحدٍ منها من شذوذٍ.
2:40Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.
قولُه تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} . . «بني» منادى وعلامةُ نصبِه الياءُ لأنه جمعُ مذكرٍ سالمٌ وحُذِفَتْ نونُه للإِضافةِ، وهو شبيهٌ بجَمْعِ التكسيرِ لتغيُّرِ مفرِده، ولذلك عامَله العربُ ببعضِ معاملةِ التكسير فَأَلْحقوا في فِعْلِه المسندِ إليه تاءَ التأنيثِ نحو: قالت بنو فلان، وقال الشاعرَ:
400 - قالَتْ بنو عامِرٍ خالُوا بني أَسَدٍ ... يا بؤسَ للجهلِ ضَرَّاراً لأقوامِ
وأعْربوه بالحركاتِ أيضاً إلحاقاً [له] به، قال الشاعر:
401 - وكان لنا أبو حسنٍ عليٌّ ... أباً بَرًّا ونحنَ له بنينُ
برفعِ النونِ، وهل لامُه ياءٌ لأنه مشتقٌ من البناء لأن الابنَ من فَرْعِ الأبِ، ومبنيٌّ عليه، أو واوٌ لقولهم: البُنُوَّة كالأُبُوَّة والأُخُوَّة؟ قولان. الصحيحُ الأولُ، وأمّا البُنُوّة فلا دلالَةَ فيها لأنهم قد قالوا: الفُتُوَّة، ولا خلافَ أنها من ذوات الياء، إلا أنَّ الأخفشَ رَجَّح الثانيَ بأنَّ حَذْفَ الواو أكثرُ. واختُلِفَ في وزنِه فقيل: بَنَي بفتح العين وقيل بَنْي بسكونها، وقد تقدم أنه أحد الأسماء العشرةِ التي سُكِّنَتْ فاؤها وعُوِّضَ من لامِها همزةُ الوصلِ.
وإسرائيل: خَفْضٌ بالإِضافةِ، ولا يَنْصَرِفُ للعلَمِيَّة والعُجْمة، وهو مركبٌ تركيبَ الإِضافةِ مثل: عبد الله، فإنَّ «إسْرا» هو العبدُ بلغتِهم، و «إيل» هو اللهُ تعالى. وقيل: «إسْرا» مشتقٌ من الأسْرِ وهو القوة، فكأن معناه: الذي قَوَّاه الله. وقيل لأنه أُسْرِي بالليلِ مُهاجراً إلى اللهِ تعالى. وقيل: لأنه أَسَرَ جِنِّيَّاً كان يُطْفِئُ سِراج بيتِ المَقْدِس. قال بعضُهُم: فعلى هذا يكونُ الاسمِ عربياً وبعضُه أعجمياً، وقد تَصَرَّفَتْ فيه العربُ بلغاتٍ كثيرةٍ أفصَحُها لغةُ القرآنِ وهي قراءةُ الجمهور. وقرأ أبو جعفر والأعمش، «إسْرايِل» بياءٍ بعد الألف من غيرِ همزةٍ، ورُوِي عن ورش: إسْرائِل بهمزةٍ بعد الألف دونَ ياءٍ، واسْرَأَلَ بهمزةٍ مفتوحةٍ بين الراء واللام [واسْرَئِل بهمزة مكسورةٍ بين الراء واللام] وإسْرال بألفٍ محضة بين الراءِ واللامِ، قال الشاعر:
402 - لا أرى مَنْ يُعْينُني في حياتي ... غيرَ نفسي إلا بني إسْرالِ وتُرْوى قراءةً عن نافع. و «إسرائِين» أَبْدلوا من اللامِ نوناً كأُصَيْلان في أُصَيْلال، قال:
403 - قالَتْ وكنتُ رجلاً فَطِينا ... هذا وربِّ البيتِ إسرائينا
ويُجْمَع على «أَساريل» . وأجاز الكوفيون: أَسارِلَة، وأسارِل، كأنهم يُجيزون التعويضَ وعدمه، نحو: فَرازِنة وفرازين. قال الصفَّار: «لا نعلم أحداً يُجيز حذفَ الهمزةِ من أوَّلِه» .
قوله: {اذكروا نِعْمَتِيَ} اذكروا فعلٌ وفاعلٌ، ونعمتي مفعولٌ، وقال ابن الأنباري: «لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ تقديرُه: شُكْرَ نِعْمتي. والذِّكر والذُّكر بكسرِ الذال وضَمِّها بمعنىً واحدٍ، ويكونان باللسانِ وبالجَنانِ. وقال الكسائي:» هو بالكسر لِلِّسان وبالضمّ للقلب «فضدُّ المكسور: الصمتُ، وضدُّ المضمومِ: النِّسْيان، وفي الجملةِ فالذكرُ الذي محلُّه القلبُ ضدُّه النسيانُ، والذي محلُّه اللسانُ ضِدُّه الصمتُ، سواءً قيل: إنهما بمعنىً واحدٍ أم لا.
والنِّعْمَةُ: اسمٌ لِما يُنْعَمُ به وهي شبيهةٌ بفِعْلٍ بمعنى مَفْعول نحو: ذِبْح ورِعْي، والمرادُ بها الجمعُ لأنها اسمُ جنسٍ، قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] . و {التي أَنْعَمْتُ} صفتُها والعائدُ محذوفٌ. فإنْ قيل: مِنْ شرطِ حَذْفِ عائدِ الموصولِ إذا كان مجروراً أن يُجَرَّ الموصولُ بمثلِ ذلك الحرفِ وأَنْ يَتَّحِدَ متعلَّقُهما، وهنَا قد فُقِد الشرطان، فإنَّ الأصلَ: التي أنعمتُ بها، فالجوابُ أنه إنما حُذِف بعد أَنْ صار منصوباً بحَذْفِ حَرْفِ الجرِّ اتساعاً فبقي: أنعمتُها، وهو نظيرُ: {كالذي خاضوا} [التوبة: 69] في أحدِ الأوجه، وسيأتي تحقيقُه إنْ شاء الله تعالى.
و «عليكُمْ» متعلِّقٌ به، وأتى ب «على» دلالةً على شمولِ النعمةِ لهم.
قوله: {وَأَوْفُواْ بعهدي} هذه جملةٌ أمريةٌ عطْفٌ على الأمريَّةِ قبلَها، ويقال: أَوْفَى وَوَفَى وَوَفَّى مشدَّداً ومخففاً، ثلاثُ لغاتٍ بمعنىً، قال الشاعر:
404 - أمَّا ابنُ طَوْقٍ فقد أَوْفَى بذِمَّتِه ... كما وَفَى بقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها
فَجَمَع بين اللغتين. ويقال: أَوْفَيْتُ وفَيْتُ بالعهدِ وأَوْفَيت الكيلَ لا غيرُ. وعن بعضِهم أنَّ اللغاتِ الثلاثَ واردةٌ في القرآن، أمَّا «أَوْفى» فكهذه الآية، وأمَّا «وفَّى» بالتشديد فكقوله: {وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى} [النجم: 37] ، وأمَّا «وَفَى» بالتخفيف فلِم يُصَرَّح به، وإنما أُخِذَ مِنْ قوله تعالى: {وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله} [التوبة: 111] ، وذلك أنَّ أَفْعَلَ التفضيلَ لا يُبْنَى إلا من الثلاثي كالتعجُّب هذا هو المشهورُ، وإنْ كانَ في المسألة كلامٌ كثيرٌ، ويُحْكى أن المستنبِطَ لذلك أبو القاسم الشاطبي، ويجيء «أَوْفَى» بمعنى ارتفع، قال:
405 - رُبَّمَا أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ ... تَرْفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ
و «بعهدي» متعلِّقٌ ب «أَوْفُوا» والعَهْدُ مصدرٌ، ويُحتمل إضافتُه للفاعل أو المفعول. والمعنى: بما عَاهَدْتُكم عليه من قَبول الطاعة، ونحوُه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابني آدَمَ} [يس: 60] أو بما عاهَدْتموني عليه، ونحوُه: {وَمَنْ أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله} [الفتح: 10] ، {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] .
قوله: «أُوْفِ» مجزومٌ على جوابِ الأمر، وهل الجازمُ الجملةُ الطلبيةُ نفسُها لِما تضمَّنَتْه مِنْ معنى الشرط، أو حرفُ شرطٍ مقَدَّرٌ تقديرُه: «إنْ تُوفوا بعَهْدي أُوفِ» قولان. وهكذا كلُّ ما جُزِم في جوابِ طلبٍ يَجْري [فيه] هذا الخلاف.
و «بعَهْدِكم» متعلِّقٌ به، وهو محتمِلٌ للإِضافةِ إلى الفاعلِ أو المفعولِ كما تقدَّم.
قولُه: {وَإِيَّايَ فارهبون} «إيَّاي» ضميرٌ منصوبٌ منفصلٌ، وقد عُرِفَ ما فيه من الفاتحة. ونصبُه بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرهُ الظاهرُ بعدَه، والتقديرُ: «وإياي ارهبوا فارهبون» وإنما قَدَّرْتُه متأخراً عنه، لأنَّ تقديرَه متقدِّماً عليه لا يَحْسُنُ لانفصالِه، وإن كان بعضُهم قَدَّره كذلك. والفاءُ في «فارهبون» فيها قولان للنحويين، أحدُهما: أنها جوابُ أمر مقدَّر تقديرُه: تَنَبَّهوا فارهبون، وهو نظيرُ قولِهم: «زيداً فاضرب» أي: تنبَّهْ فاضربْ زيداً، ثم حُذِف: تَنَبَّه فصار: فاضْرِب زيداً، ثم قُدِّم المفعولُ إصلاحاً للَّفْظِ، لئلا تقعَ الفاءُ صدراً، وإنما دَخَلَتِ الفاءُ لتربِطَ هاتين الجملتين.
والقولُ الثاني في هذه الفاءِ: أنها زائدةٌ. وقال الشيخ بعد أن حكى القولَ الأولَ: «فتحتملُ الآيةُ وجهين أحدُهما: أن يكونَ التقديرُ: وإياي ارهبوا تنبَّهُوا فارهبون، فتكونُ الفاء دَخَلَتْ في جواب الأمر وليست مؤخرةً من تقديم. والوجهُ الثاني أن يكونَ التقديرُ: وتنبَّهوا فارهبون، ثم قُدِّم المفعولُ فانفصلَ وأُتِي بالفاء حين قُدِّم المفعول، وفعلُ الأمر الذي هو تنبَّهوا محذوفٌ، فالتقى بحذفِه الواوُ والفاءُ، يعني فصارَ التقديرُ: وفإياي ارهَبُوا، فقُدِّم المفعولُ على الفاءِ إصلاحاً للفظ، فصارَ: وإيَّاي فارهبوا، ثم أُعيد المفعولُ على سبيل ِ التأكيد ولتكميل الفاصِلةِ، وعلى هذا» فإيَّاي «منصوبٌ بما بَعده لا بفعلٍ محذوفٍ، ولا يَبْعُد تأكيد المنفصل بالمتصل كما لا يمتنعُ تأكيدُ المتصلِ بالمنفصلِ، وفيه نظرٌ.
والرَّهَبُ والرَّهْبُ والرَّهْبةُ: الخوفُ، مأخوذٌ من الرَّهابة وهي عَظْْمٌ في الصدر يؤثِّر فيه الخوف.
2:41Page 7
وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١
And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.
قوله تعالى: {بِمَآ أَنزَلْتُ} . . «ما» يجوز أن تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، أي: الذي أَنْزَلْتُه، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ أي بالمنزَّلِ. و «مصدقاً» نصبٌ على الحالِ، وصاحبُها العائدُ المحذوفُ. وقيل: صاحبُها «ما» والعاملُ فيها «آمنوا» وأجازَ بعضُهم أن تكونَ «ما» مصدريةً من غير جَعْلِه المصدرَ واقعاً موقعَ مفعولٍ به، وجَعَل «لِما معكم» من تمامه، أي: بإنزالي لِما معكم، وجَعَل «مُصَدِّقاً» حالاً من «ما» المجرورةِ باللامِ قُدِّمَتْ عليها وإن كان صاحبُها مجروراً، لأنَّ الصحيحَ جوازُ تقديمِ حالِ المجرورِ [بحرفِ الجر] عليه كقولِه:
406 - فإنْ تَكُ أَذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَةٌ ... فَلَنْ يَذْهبوا فَرْغاً بقَتْلِ حِبالِ
«فَرْغا» حالٌ من «بقتل» ، وأيضاً فهذه اللامُ زائدةٌ فهي في حكم المُطَّرح، و «مصدقاً» حالٌ مؤكدة، لأنه لا تكونُ إلا كذلك. والظاهرُ أنَّ «ما» بمعنى الذي، وأنَّ «مصدقاً» حالٌ مِنْ عائدِ الموصولِ، وأنَّ اللامَ في «لِما» مقويةٌ لتعدية «مصَدِّقاً» ل «ما» الموصولةِ بالظرف.
قوله: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} «أولَ» خبرُ «كان» قبلَه، وفيه أربعة أقوال، أحدُها وهو مذهبُ سيبويهِ أنه أَفْعَل، وأنَّ فاءَه وعينَه واوٌ، وتأنيثَه أُوْلى، وأصلُها: وُوْلى، فأُبْدِلَتِ الواوُ همزةً وجوباً، وليست مثلَ «وُوْرِيَ» في عَدَمِ قَلْبها لسكونِ الواوِ بعدَها، لأنَّ واوَ «أُولَى» تَحَرَّكت في الجمعِ في قولهم «أُوَل» ، فحُمِلَ المفردُ على الجمعِ في ذلك. ولم يَتَصَرَّفْ من «أوَّل» فِعْلٌ لاستثقاله. وقيل: هو مِنْ وَأَل إذا نجا، ففاؤُه واوٌ وعينُه همزةٌ، وأصلُه أَوْ أَل، فَخُفِّفَت بأَنْ قُلِبَتِ الهمزةُ واواً، وأُدْغِم فيها الواوُ فصار: أوَّل، وهذا ليسَ بقياس تخفيفِه، بل قياسُه أن تلقى حركةُ الهمزةِ على الواو الساكنة وتُحْذَفُ الهمزةُ، ولكنهم شَبَّهوه بخَطِيَّة وبرِيَّة، وهو ضعيفٌ، والجمع: أَوائل وأَوالي أيضاً على القلب. وقيل: هو من آل يَؤُول إذا رَجَع، وأصلُه: أَأْوَل بِهمزتين الأولى زائدةٌ والثانيةُ فاؤُه، ثم قُلِب فأُخِّرَتِ الفاءُ بعد العين فصار: أوْأَل بوزن أَعْفَل، ثم فُعِلَ به ما فُعِل في الوجهِ الذي قبلَه من القلب والإِدغامِ وهو أضعفُ منه. وقيل: هو وَوَّل بوزن فَوْعَلِ، فأُبْدِلَتِ الواوُ الأولَى همزةً، وهذا القولُ أَضْعَفُها؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرفَ ليس إلاَّ. والجمعُ: أوائل، والأصلُ: وَواوِل، فَقُلِبتِ الأولى همزةً لِما تقدَّم، والثالثة أيضاً لوقوعِها بعد ألفِ الجمعِ.
واعلم أَنَّ «أَوَّل» أَفْعَلُ تفضيلٍ، وأَفْعَلُ التفضيلِ إذا أُضيفَ إلى نكرةٍ كان مفرداً مذكراً مطلقاً.
ثم النكرةُ المضافُ إليها أَفْعل: إمَّا أن تكونَ جامدةً أو مشتقةً، فإنْ كانَتْ جامدةً طابقَتْ ما قبلها نحو: الزيدان أفضلُ رجلَيْن، الزيدون أفضلُ رجال، الهنداتُ أفضلُ نسوةٍ. وأجاز المبردُ إفرادَها مطلقاً ورَدَّ عليه النَّحْويون. وإن كانَتْ مشتقةً فالجمهورُ أيضاً على وجوبِ المطابقةِ نحو: «الزيدُون أفضلُ ذاهبين وأكرمُ قادمين» ، وأجازَ بعضُهم المطابقةَ وعدَمَها، أنشد الفراء: 407 - وإذا هُمُ طَعِمُوا فَالأَمُ طاعِمٍ ... وإذا هُمُ جاعوا فَشَرُّ جِياعِ
فَأَفْرَدَ في الأولِ وطابَقَ في الثاني. ومنه عندَهم: {وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} .
إذا تقرَّر هذا فكان ينبغي على قولِ الجمهور أن يُجْمع «كافر» ، فأجابوا عن ذلك بأوجهٍ: أَجْوَدُها: أَنَّ أَفْعَل في الآية وفي البيتِ مضافٌ لاسمٍ مفردٍ مُفْهِمٍ للجمع حُذِفَ وبَقيتْ صفتُه قائمةً مَقامَه، فجاءت النكرةُ المضافُ إليها أفْعَل مفردةٍ اعتباراً بذلك الموصوف المحذوف، والتقديرُ: ولا تكونوا أولَ فريقٍ أو فوجٍ كافرٍ، وكذا: فَالأَمُ فريقٍ طاعمٍ، وقيل: لأنه في تأويل: أوَّلَ مَنْ كفر به، وقيل: لأنه في معنى: لا يكُنْ كلُّ واحدٍ منكم أولَ كافرٍ، كقولِك: كساناً حُلَّةً أي: كلَّ واحدٍ منا، ولا مفهومَ لهذهِ الصفةِ هنا فلا يُراد: ولا تكونوا أولَ كافرٍ بل آخرَ كافر. ولمَّا اعتقدَ بعضُهم أنَّ لها مفهوماً احتاجَ إلى تأويل جَعْلِ «أول» زائداً، قال: تقديرُه ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بشيء، وقدَّره بعضُهم بأَنَّ ثمَّ معطوفاً محذوفاً تقديرُه: ولا تكونوا أولَ كافرٍ به ولا آخرَ كافرٍ، ونصَّ على الأول لأنه أَفْحَشُ للابتداءِ به، وهو نظيرُ قولِه:
408 - مِنْ اُناسٍ ليسَ في أَخْلاقِهِمْ عاجلُ ... الفُحْشِ ولا سوءُ الجَزَعْ
لا يريد أن فيهم فُحْشاً آجِلاً، بل يريد لا فُحْشَ عندهم لا عاجلاً ولا آجِلاً. والهاءُ في «به» تعودُ على «ما أَنْزَلْتُ» وهو الظاهرُ، وقيل: على «ما معكم» وقيل: على الرسولِ عليه السلام لأنّ التنزيلَ يَسْتَدْعِي مُنَزَّلاً إليه، وقيل: على النعمةِ ذهاباً بها إلى معنى الإِحسانِ.
قوله: {بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} متعلِّقٌ بالاشتراءِ قبلَه، وضُمِّنَ الاشتراءُ معنى الاستبدالِ، فلذلك دَخَلَتِ الباءُ على الآياتِ، وكان القياسُ دخولَها على ما هو ثَمَنٌ لأنَّ الثمنَ في البيعِ حقيقتُه أن يَشْتَرَى به لا أَنْ يَشْتَري لكنْ لَمَّا دَخَلَ الكلامَ معنى الاستبدالِ جازَ ذلك، لأنَّ معنى الاستبدالِ أن يكونَ المنصوبُ فيه حاصلاً والمجرورُ بالباءِ زائلاً. وقد ظَنَّ بعضُهم أنَّ «بَدَّلْتُ الدرهمَ بالدينار» وكذا «أَبْدَلْتُ» أيضاً أنَّ الدينارَ هو الحاصلُ والدرهمَ هو الزائلُ، وهو وَهْمٌ، ومِنْ مجيءِ اشترى بمعنى استبدل قوله:
409 - كما اشْتَرَى المسلمُ إذا تَنَصَّرا ... وقول الآخر:
410 - فإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أَجْهَلُ فيكم ... فإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بعدكِ بالجَهْلِ
وقال المهدوي: «دخولُ الباءِ على الآياتِ كدخولِها على الثَّمن، وكذلك كلُّ ما لا عَيْنَ فيه، وإذا كان في الكلامِ دراهمُ أو دنانيرُ دخَلَتِ الباءُ على الثمنِ قاله الفراء» انتهى.
يعني أنه إذا لم يكُنْ في الكلامِ درهمٌ ولا دينارٌ صَحَّ أن يكونَ كلُّ من العِوَضَيْن ثمناً ومثمَّناً، لكن يَخْتَلِفُ [ذلك] بالنسبةِ إلى المتعاقِدَيْن، فَمَنْ نَسَب الشراءَ إلى نفسِه أَدْخَلَ الباءَ على ما خَرَج منه وزال عنه ونَصَب ما حَصَل له، فتقولُ: اشتريتُ هذا الثوبَ بهذا العبدِ، وأمَّا إذا كان ثَمَّ دراهمُ أو دنانيرُ كان ثَمَناً ليس إلاَّ، نحو: اشتريْتُ الثوبَ بالدرهمِ، ولا تقول: اشتريتُ الدرهمَ بالثوبِ. وقدَّر بعضُهم [مضافاً] فقال: بتعليمِ آياتي لأنَّ الآياتِ نفسَها لا يُشْتَرى بِها، ولا حاجةَ إلى ذلك، لأنَّ معناه الاستبدال كما تقدَّم.
و «ثَمناً» مفعولٌ به، و «قليلاً» صفتُه. و {وَإِيَّايَ فاتقون} كقوله {وَإِيَّايَ فارهبون} [البقرة: 40] . وقال هنا: [فاتقون، وهناك فارهبون لأنَّ تَرْكَ المأمورِ به هناك معصيةٌ وهي تَرْكُ ذِكْر النعمةِ والإِيفاءِ بالعَهْدِ، وهنا] تَرْكُ الإِيمانُ بالمُنَزَّلِ والاشتراءُ به ثمناً قليلاً كفرٌ فناسبَ ذِكْرَ الرَّهَب هناك لأنه أخفُّ يجوزُ العَفْوُ عنه لكونِه معصيةً، وذَكَر التقوى هنا لأنه كُفْرٌ لا يجوز العفو عنه، لأنَّ التقوى اتِّخاذُ الوقايةِ لِما هو كائنٌ لا بُدَّ منه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences