As-Samin al-HalabiAl‑Baqarah · 2:62–69

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:62–69

2:62Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

قولُه تعالى: {مَنْ آمَنَ بالله} . . «مَنْ» يجوز فيها وجهان، أحدُهما: أن تكونَ شرطيّةً في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و «آمَن» مجزومٌ بها تقديراً وهو الخبرُ على الصحيحِ حَسْبما تقدَّم الخلافُ فيه. وقوله: «فلهم» جواب الشرط، وهذه الجملة الشرطية في محل رفع خبراً ل «إنَّ» في قوله: إنَّ الذين آمنُوا، والعائدُ محذوفٌ تقديرُه: مَنْ آمن منهم، كما صَرَّح به في موضعٍ آخَر. والثاني: أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي ومَحَلُّها حينئذٍ النصبُ على البدلِ مِنْ اسمِ «إنَّ» وهو «الذين» بدلِ بعضٍ من كلٍّ، والعائذُ أيضاً محذوفٌ كما تقدْم، و «آمن» صلتُها، فلا محلَّ له حينئذ.

وقوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} خبرُ «إنَّ الذين» ، ودخلتِ الفاءُ لأن الموصولَ يُشْبه الشرطَ، وهذا عند غيرِ الأخفش، وأمَّا الأخفش فنُقِل عنه أنَّه إذا نُسِخ المبتدأ ب «إنَّ» يمتنعُ ذلكَ فيه، فمحلُّ قولِه {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} رفعٌ على هذا القولِ، وجَزْمٌ على القولِ الأولِ، و «لهمْ» خبرٌ مقدَّمٌ متعلِّقٌ بمحذوفٍ، و «أجرُهُمْ» مبتدأ، ويجوزُ عند الأخفش أن يكونَ فاعلاً بالجارِّ قبلَه وإنْ لهم يعتَمِدْ، وقد تقدَّم ذِكْرُ الخلافِ في ذلك.

قوله: {عِندَ رَبِّهِمْ} «عند» ظرفُ مكانٍ لازمُ الإِضافةِ لفظاً ومعنىً، والعاملُ فيه الاستقرارُ الذي تضمَّنه «لهم» ، ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من «أجرُهم» فيتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديرُه: فلهم أجرُهم ثابتاً عند ربهم. والعِنْديَّة مجازُ لتعالِيه عن الجهةِ، وقد تَخْرُجُ إلى ظرفِ الزمان إذا كانَ مظروفُها معنىً، ومنه قولُه عليه السلام: «إنما الصبرُ عند الصَّدمةِ الأولى» والمشهورُ كسرُ عَيْنِها، وقد تُفْتَحُ وقد تُضَمُّ.

والذين هادُوا هم اليهودُ، وهادُوا في أَلِفه قولان: أحدُهما أنه من واو، والأصلُ: هاد يهودُ أي تاب، قال الشاعر:

512 - إنِّي امرؤٌ من حُبِّه هائِدُ ... أي: تائبٌ، ومنه سُمِّي اليهودُ لأنَّهم تابُوا عن عبادةِ العِجْلِ، وقال تعالى: {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي تُبْنَا، وقيل: هو من التَّهْويد وهو النطق في سكون ووقار، وأنشدوا:

513 - وخُودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحى ... قَريضَ الرُّدافَى بالغِناءِ المُهَوَّد

وقيل: هو من الهَوادة وهي الخضوعُ. الثاني: انها من ياء، والأصلُ: هاد يَهِيد، أي: تحرَّك ومنه سُمِّي اليهودُ لتحرُّكهم في دراستِهم. وقيل: سُمُّوا يهودَ نسبةً ليهوذا بالذال المعجمة وهو ابنُ يعقوب عليه السلام، فغيَّرتْه العربُ من الذال المعجمة إلى المهملة جَرْياً على عادتها في التلاعُب بالأسماء الأعجمية.

والنَّصارى جمعٌ، واحدُه نَصْران ونَصْرَانة كَنْدمان ونَدْمانة وندامى، قاله سيبويه وأنشد:

514 - فَكِلْتاهما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها ... كما أَسْجَدَتْ نَصْرانَةٌ لم تَحَنَّفِ

وأنشد الطبري على نَصْران قوله:

515 - يَظَلُّ إذا دارَ العِشَا مُتَحَنِّفاً ... ويُضْحي لَدَيْه وهو نَصرْانُ شامِسُ

قال سيبويه: «إلاَّ أنَّه لم يُسْتَعْمَلْ في الكلام إلا بياءِ النسب» وقال الخليل: «واحدُ النصارى نَصْرِيّ كمَهْرِيّ ومهارى. وقال الزمخشري:: الياءُ في نَصْرانيّ للمبالغة كالتي في أَحْمَري» . ونصارى/ نكرةٌ، ولذلك دَخَلَتْ عليه أَلْ وَوُصِفَ بالنكرةِ في قول الشاعر:

516 - صَدَّتْ كما صَدَّ عما لا يَحِلُّ له ... ساقي نصارى قُبَيْل الفِصْحِ صُوَّامِ وسُّمُوا بذلك نسبةً إلى قرية يقال لها نَاصِرة، كان يَنْزِلها عيسى عليه السلام، أو لأنهم كانوا يتناصرون، قال الشاعر:

517 - لَمَّا رأيتُ نَبَطاً أَنْصارا ... شَمَّرْتُ عن رُكْبَتيَ الإِزارا

كُنْتُ لهم من النَّصارى جَارا ... والصابئُون: قومٌ عَبدوا الملائكةَ، وقيل: الكواكبَ. والجمهورُ على همزهِ، وقرأه نافعٌ غيرَ مهموز. فمَنْ هَمَزَه جَعَلَه من صَبَأَ نابُ البعير أي: خَرَجَ، وصَبَأَتِ النجومُ: طَلَعت. وقال أبو عليّ: «صَبَأْتُ على القومِ إذا طَرَأْتُ عليهم، فالصابِئُ: التارِكُ لدينِه كالصابىءِ الطارئِ على القومِ فإنه تارِكٌ لأرضِه ومنتقلُ عنها» . ومَنْ لم يَهْمَِزْ فإنه يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونَ مأخوذاً من المهموزِ فَأَبْدَلَ من الهمزةِ حرفَ علة إمَّا ياءً أو واواً، فصارَ من باب المنقوصِ مثل قاضٍ أو غازٍ، والأصل: صابٍ، ثم جُمِع كما يُجْمع القاضي أو الغازي، إلا أنَّ سيبويه لا يرى قلبَ هذه الهمزة إلا في الشعر، والأخفشُ وأبو زيد يَرَيان ذلك مطلقاً. الثاني: أنه من صَبَا يَصْبو إذا مال، فالصابي كالغازي، أصلُه، صابِوٌ فأُعِلَّ كإعلال غازٍ. وأَسْند أبو عُبَيْد إلى ابن عباس: «ما الصابُون إنما هي الصابئون، ما الخاطون إنما هي الخاطِئون» . فقد اجتمع في قراءةِ نافع همزُ النبيين وتَرْكُ همز الصابئين، وقد عَرَفْت أن العكسَ فيهما أَفْصَحُ. وقد حَمَلَ الضميرَ في قوله {مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ} على لفظِ «مَنْ» فأَفْرد، وعلى المعنى في قولِه: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} على المعنى، فَجَمَع كقوله: 518 - أَلِمَّا بسَلْمى عنكما إنْ عَرَضْتُما ... وقولا لها عُوجِي على مَنْ تَخَلَّفوا

فراعى المعنى، وقد تقدَّم تحقيق ذلك عند قوله: {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا} [البقرة: 8] .

والأجْرُ في الأصلِ مصدرٌ يقال: أَجَرَهُ الله يأجِرُهُ أَجْراً، وقد يُعَبَّر به عن نفس الشيء المُجَازَى به، والآيةُ الكريمة تحتملُ المعنيين.

وقرأ أبو السَّمَّال: {والذين هَادَوْا} بفتحِ الدال كأنها عنده من المفاعَلَةِ والأصلُ: «هادَيُوا» فأُعِلَّ كنظائره.

2:63Page 10

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

قوله تعالى: {فَوْقَكُمُ} : ظرفُ مكانٍ ناصبُه «رَفعْنا» وحكمُ «فوق» مثلُ حكم تحت، وقد تقدَّم الكلامُ عليه. قال أبو البقاء: «ويَضْعُف أن يكونَ حالاً من» الطور «، لأن التقدير يصير: رَفَعْنا الطورَ عالياً، وقد استُفيد [هذا] من» رَفَعْنا «وفي هذا نظرٌ لأنَّ المرادَ به علوٌّ خاص وهو كونُه عالياً عليهم لا مطلقُ العلوِّ حتى يصيرَ رفعناه عالياً كما قدَّره. قال:» ولأنَّ الجَبَلَ لم يكُنْ فوقَهم وقتَ الرفع، وإنما صارَ فوقَهم بالرفْعِ. ولقائلٍ أن يقولَ: لِمَ لا يكونُ حالاً مقدرة، وقد قالَ هو في قولِه «بقوة» إنها حالٌ مقَدَّرةٌ كما سيأتي.

والطُّور: اسمٌ لكلَّ جبل، وقيل لما أَنْبَتَ منها خاصةً دونَ ما لم يُنْبِتْ، وهل هو عربي أو سُرْياني؟ قولان، وقيل: سُمِّي بطور ابنُ اسماعيل عليه السلام، وقال العجَّاج: 519 - داني جَنَاحَيْهِ من الطُّور فَمَرّْ ... تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كَسَرْ

قوله: «خُذُوا» في محلِّ نصبٍ بقولٍ مضمر، أي: وقُلْنا لهم خُذُوا، وهذا القولُ المضمر يجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل «رَفَعْنا» والتقدير: ورفعنا الطور قائلين لكم خُذوا. وقد تقدَّم أنَّ «خُذْ» محذوفُ الفاءِ وأن الأصلَ: أُؤْخُذْ، عند قوله {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} [البقرة: 35] .

قوله: {مَآ آتَيْنَاكُم} مفعولُ «خُذوا» ، و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي لا نكرةٌ موصوفةٌ، والعائدُ محذوفٌ أي: ما آتيناكموه.

قوله: «بقوةٍ» في محلِّ نَصْبٍ على الحال. وفي صاحِبها قولان، أحدهما: أنه فاعلُ «خُذوا» وتكونُ حالاً مقدرة، والمعنى: خُذوا الذي آتيناكموه حالَ كونكم عازمين على الجِدِّ بالعمل به. والثاني: أنه ذلك العائدُ المحذوف، والتقدير: خُذوا الذي آتيناكُموه في حالِ كونه مشدَّداً فيه أي: في العمل به والاجتهادِ في معرفته، وقوله «ما فيه» الضميرُ يعود على «ما آتيناكم» . والتولِّي تَفَعُّل من الوَلْي، وأصلُه الإِعراضُ عن الشيء بالجسم، ثم استُعْمِل في الإِعراض عن الأمورِ والاعتقاداتِ اتساعاً ومجازاً، و «ذلك» إشارةٌ إلى ما تقدَّم من رفعِ الطور وإيتاء التوراة.

2:64Page 10

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

قوله تعالى: {فَلَوْلاَ فَضْلُ الله} : «لولا» هذه حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، والظاهرُ أنها بسيطةٌ، وقال أبو البقاء: «هي مركبةٌ من» لَوْ «و» لا «، و» لو «قبل التركيبِ يمتنعُ بها الشيءُ لامتناع غيره، و» لا «للنفي، والامتناعُ نفيٌ في المعنى، وقد دَخَلَ النفيُ ب» لا «على أحد امتناعي لو، والنفيُ إذا دخل على النفي صار إيجاباً، فمِنْ هنا صار معنى» لولا «هذه يمتنع بها الشيءُ لوجودِ غيره، وهذا تكلُّفُ ما لا فائدةَ فيه، وتكونُ» لولا «أيضاً حرفَ تخضيضٍ فتختصُّ بالأفعال وسيأتي الكلامُ عليها إن شاء الله تعالى. و» لولا «هذه تختصُّ بالمبتدأ، ولا يجوزُ أَنْ يلَيها الأفعالُ، فإنْ وَرَدَ ما ظاهرُه ذلك أُوِّلَ كقولِه:

520 - ولولا يَحْسِبون الحِلْم عَجْزاً ... لَمَا عَدِم المُسيئون احتمالي

وتأويلُه أن الأصلَ: ولولا أن يَحْسِبِوا، فلمَّا حُذِفَتْ ارتفع الفعلُ كقوله:

521 - ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أي: أَنْ أَحضرَ، والمرفوعُ بعدها مبتدأٌ خلافاً للكسائي حيث رَفَعَهُ بفعلٍ مضمر، وللفراء حيث قال:» مرفوعٌ بنفس لولا «، وخبرُه واجبُ الحذف/ للدلالةِ عليه وسَدِّ شيءٍ مَسَدَّه وهو جوابُها، والتقديرُ: ولولا فضلُ اللهِ كائنٌ أو حاصل، ولا يجوز أن يُثْبَتَ إلا في ضرورة شعر، ولذلك لُحِّن المعري في قوله:

522 - يُذيبُ الرُّعْبُ منه كلَّ عَضْبٍ ... فلولا الغِمْدُ يُمْسِكُه لَسالا

حيث أَثْبتَ خبرَها بعدها، هكذا أطلقوا. وبعضُهم فصَّل فقال:» إنْ كان خبرُ ما بعدها كوناً مطلقاً فالحذفُ واجبٌ، وعليه جاء التنزيلُ وأكثرُ الكلام، وإن كان كوناً مقيداً فلا يَخْلو: إمّا أَنْ يَدُل عليه دليلُ أو لا، فإنْ لم يَدُلَّ عليه دليلٌ وجَبَ ذِكْرُه، نحو قولِه عليه السلامُ: «لولا قومُكِ حديثو عهدٍ بكفر» وقولِ الآخر:

523 - فلولا بَنُوها حولَها لَخَبَطْتُها ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وإنْ دَلَّ عليه دليلٌ جاز الذكرُ والحذف، نحو: لولا زيدٌ لغُلِبْنا، أي شجاع، وعليه بيتُ المعري المتقدِّم، وقال أبو البقاء: «ولَزِمَ حَذْفُ الخبر للعلمِ به وطولِ الكلام، فإن وَقَعَتْ» أَنْ «بعدها ظَهَر الخبرُ، كقولِه:» فلولا أنَّه كان من المُسَبِّحين «فالخبرُ في اللفظ ل» أنَّ «وهذا الذي قاله مُوْهمٌ، ولا تعلُّق لخبرِ» أنَّ «بالخبر المحذوف ولا يُغْني عنه البتةَ فهو كغيرِه سواء، والتقدير: فلولا كونُه مُسَبِّحاً حاضرٌ أو موجود، فأيُّ فائدةٍ في ذكره لهذا؟ والخبرُ يجب حَذْفُه في صورٍ أخرى، يطولُ الكتابُ بِذِكْرِها وتفصيلِها، وإنما تأتي إن شاء اللهُ مفصَّلةً في مواضعها. وقد تقدَّم معنى الفضلِ عند قوله {فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين} [البقرة: 47] .

قوله: {لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين} اللامُ جوابُ لولا. واعلم أنَّ جوابَها إن كان مُثْبَتَاً فالكثيرُ دخولُ اللامِ كهذه الآيةِ ونظائِرها، ويَقِلُّ حَذْفُها، قال:

524 - لَوْلا الحياءُ وباقي الدينِ عِبْتُكُما ... ببعضِ ما فيكما إذْ عِبْتُما عَوَري وإنْ كان منفيَّاً فلا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يكونَ حرفُ النفي «ما» أو غيرَها، إن كان غيرَها فتركُ اللام واجبٌ نحو: لولا زيدٌ لم أقم، أو لن أقوم، لئلاَّ يتوالى لامان، وإن كان ب «ما» فالكثيرُ الحَذْفُ، ويَقِلُّ الإِتيانُ بها، وهكذا حكمُ جوابِ «لو» الامتناعية، وقد تقدَّم عند قولِه: {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} [البقرة: 20] ولا محلَّ لجوابِها من الإِعرابِ. و {مِّنَ الخاسرين} في محلِّ نصبٍ خبراً ل «كان» ، ومِنْ للتبعيض.

2:65Page 10

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} : اللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقديرُه: والله لقد، وهكذا كلُّ ما جاءَ من نظائرِها، و «قد» حرف تحقيق وتوقع، ويُفيد في المضارع التقليلَ إلا في أفعال الله تعالى فإنَّها للتحقيق، وقد تُخْرِجُ المضارع إلى المُضيِّ كقوله:

525 - قد أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَّراً أناملُه ... كأنَّ أثوابَه مُجَّتْ بفُرصادِ

وهي أداةٌ مختصةٌ بالفعلِ، وتَدْخُل على الماضي والمضارعِ، وتُحْدِثُ في الماضي التقريبَ من الحالِ. وفي عبارة بعضِهم: «قد: حرفٌ يَصْحَبُ الأفعالَ ويُقَرِّبُ الماضِيَ من الحالِ، ويُحْدِثُ تقليلاً في الاستقبال» ويكونُ اسماً بمعنى حَسْب نحو: قدني درهمٌ أي: حسبي، وتتصل بها نونُ الوقايةِ مع ياء المتكلم غالباً، وقد جَمَعَ الشاعر بين الأمرين، قال: 526 - قَدْنيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وإذا كانت حرفاً جاز حَذْفُ الفعلِ بعدَها كقولِه:

527 - أَفِدَ الترحُّلُ غيرَ أنَّ رِكابَنا ... لمَّا تَزُلْ برِحالِنا وكَأنَّ قَدِ

أي: قد زالت، وللقسم وجوابِه أحكامٌ تأتي إنْ شاء الله تعالى مفصَّلةً. و «عَلِمْتُمِ» بمعنى عَرَفْتُم، فيتعدَّى لواحدٍ فقط، والفرقُ بين العلم والمعرفة أنَّ العلمَ يستدعي معرفةَ الذاتِ وما هي عليه من الأحوال نحو: عَلمتُ زيداً قائماً أو ضاحكاً، والمعرفةُ تستدعي معرفةَ الذاتِ، وقيل: لأنَّ المعرفةَ يسبقها جهلٌ، والعلمُ قد لا يَسْبِقُه جهلٌ، ولذلك لا يجوزُ إطلاقُ المعرفةِ عليه سبحانه. {الذين اعتدوا} الموصولُ وصلتُه في محلِّ النصبِ مفعولاً به، ولا حاجةَ إلى حَذْفِ مضافٍ، كما قدَّره بعضُهم، أي: أحكامُ الذين اعتدوا، لأنَّ المعنى عَرَقْتم أشخاصَهم وأعيانَهم. وأصلُ اعتَدَوْا: اعتَدَيُوا، فأُعِلَّ بالحذف ووزنه افْتَعَوا، وقد عُرِفَ تصريفُه ومعناه.

قوله: «منكم» في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ في «اعتدَوا» ويجوز أن يكونَ من «الذين» أي: المعتدين كائنين منكم، و «مِنْ» للتبعيض.

قوله: {فِي السبت} متعلِّقٌ باعتَدَوا، والمعنى: في حُكْم السبت، وقال أبو البقاء: وقد قالوا: اليومَ السبتُ، فجعلوا «اليومَ» خبراً عن السبت، كما يقال، اليومَ القتالُ، فعلى ما ذكرنا يكونُ في الكلامِ حَذْفٌ تقديرُه في يوم السبت «. والسبتُ في الأصل مصدرُ سَبَتَ، أي: قَطَعَ العمل. وقال ابن عطية:» والسَّبتُ: إمَّا مأخوذٌ من السُّبوت الذي هو الراحة والدَّعَة، وإمَّا من السَّبْت وهو القطع، لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها، ومنه قولُهم: سَبَتَ رأسَه أي: حَلَقه. وقال الزمخشري: «والسبتُ مصدرُ سَبَتَتِ اليهودُ إذا عَظَّمت يومَ السبتِ» وفيه نظرٌ، فإنَّ هذا اللفظ موجودٌ واشتقاقُه مذكورٌ في لسان العرب قبل فِعْل اليهودِ ذلك، الهم إلا أَنْ يريدَ هذا السبتَ الخاصَّ المذكورَ في هذه الآيةِ. والأصلُ فيه المصدرُ كما ذكرتُ، ثم سُمِّي به هذا اليومُ من الأسبوع لاتفاقِ وقوعِه فيه كما تقدَّم أنَّ خَلْقَ الأشياء تَمَّ وقُطِعَ، وقد يقال يومُ السبتِ فيكونُ مصدراً، وإذا ذُكِرَ معه اليومُ أو مع ما أشبهه من أسماءِ الأزمنة مِمَّا يتضمَّن عَمَلاً وحَدَثاً جاز نصبُ اليومِ ورفعُه نحو: اليوم الجمعةُ، اليوم العيدُ، كما يقال: اليوم الاجتماعُ والعَودُ، فإنْ ذُكِرَ مع «الأحد» وأخواتِه وَجَب/ الرفعُ على المشهورِ، وتحقيقُها مذكورٌ في كتبِ النحوِ.

قوله: {قِرَدَةً خَاسِئِينَ} يجوز فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها أن يكونا خبرين، قال الزمخشري: «أي: كونوا جامعين بين القِرَدِيَّة والخُسُوء» وهذا التقديرُ بناءً منه على على أنَّ الخبرَ لا يتعدَّدُ، فلذلك قَدَّرهما بمعنى خبرٍ واحدٍ من باب: هذا حُلْوٌ حامِضٌ، وقد تقدَّم القول فيه. الثاني: أن يكون «خاسئين» نعتاً لقِردة، قاله أبو البقاء. وفيه نظرٌ مِنْ حيث إن القردةَ غيرُ عقلاءَ، وهذا جَمْعُ العقلاء. فإنْ قيل: المخاطبون عُقَلاء. فالجوابُ أنّ ذلك لا يُفيد، لأنَّ التقديرَ عندكم حينئذٍ: كونوا مثلَ قِرَدةٍ مِنْ صفتِهِم الخُسُوء، ولا تعلُّقَ للمخاطَبِين بذلك، إلا أنه يمكنُ أَنْ يقالَ إنهم مُشَبَّهون بالعقلاء، كقوله: {لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] ، {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] . الثالث: أن يكون حالاً من اسم «كونوا» والعاملُ فيه «كونوا» وهذا عندَ مَنْ يُجيز ل «كان» أن تعملَ في الظروفِ والأحوالِ. وفيه خلافٌ سيأتي تحقيقُه عند قولِه تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} [يونس: 2] إن شاء الله تعالى. الرابع وهو الأجْوَدُ أن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في «قِرَدَةً» لأنه في معنى المشتقِّ، أي: كونوا مَمْسُوخِينَ في هذه الحالةِ، وجَمْعُ فِعْل على فِعَلة قليلٌ لا ينقاس.

ومادة القرد تدل على اللصوق والسكون، تقول: «قَرَد بمكان كذا» أي: لَصِق به وسكن، ومنه الصوفُ القَرَد «أي المتداخلُ، ومنه أيضاً:» القُراد «هذا الحيوانُ المعروف. ويقال: خَسَأْتُه فَخَسَأَ، فالمتعدي والقاصر سواء نحو: زاد وغاض، وقيل: يُقال خَسَأْتُه فَخَسِىءَ وانْخَسَأَ؛ والمصدر الخُسُوء والخَسْءُ. وقال الكسائي:» خَسَأْتُ الرجلَ خَسْئاً، وخَسَأَ هو خُسُوءاً ففرَّقَ بين المصدَرَيْن، والخُسُوءُ: الذِّلَّة والصَّغارُ والطَّرْدُ والبُعْدُ ومنه خَسَأْتُ الكلبَ.

2:66Page 10

فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.

قوله تعالى: {نَكَالاً} : مفعولٌ ثانٍ لجَعَلَ التي بمعنى صَيَّر والأولُ هو الضميرُ وفيه أقوالٌ، أحدُها: يعود على المَسْخَة. وقيل: على القريةِ لأنَّ الكلامَ يقتضيها كقولِه: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} [العاديات: 4] أي بالمكانِ. وقيل على العقوبة، وقيل على الأمَّة. والنَّكالُ: المَنْعُ، ومنه النِّكْلُ اسمٌ للقيد من الحديد واللِّجام لأنه يُمْنَعُ به، وسُمِّي العِقابُ نكالاً لأنه يُمْنَعُ به غيرُ المعاقب أن يفعلَ فِعْلَه، ويَمْنَعُ المُعاقَبَ أن يعودَ إلى فِعْلِه الأولِ. والتنكيلُ: إصابةُ الغيرِ بالنَّكالِ ليُرْدَعَ غيرُه، ونَكَلَ عن كَذا يَنْكُل نُكولاً امتنع، وفي الحديثِ: «إنَّ الله يحبُ الرجلَ النَّكَل» أي: القوي على الفرس. والمَنْكَلُ ما يُنَكَّل به الإِنسان قال:

528 - فارمِ على أَقْفائِهم بِمَنْكَلِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والضميرُ في يديهَا وخلفها كالضميرِ في {جَعَلْنَاهَا} .

قوله: {وَمَوْعِظَةً} عطفٌ على {نَكَالاً} وهي مَفْعِلَة من الوعظ وهو التخويف، وقال الخليل: «التذكيرُ بالخيرِ فيما يَرِقُّ له القَلْبُ، والاسمُ: العِظَةُ كالعِدَة والزِنَة. و» للمتقين «متعلقٌ بِمَوْعِظة. واللامُ للعلة، وخُصَّ المتقين بالذِّكْرِ، وإن كانَتْ موعظةً لجميعِ العالَم: البَرِّ والفاجِرِ، لأن المنتفعَ بها هم هؤلاء دونَ مَنْ عَدَاهم، ويجوزُ أَنْ تكونَ اللامُ مقويةً، لأنَّ» موعظة «فَرْعٌ على الفِعْلِ في العملِ فهو نظيرٌ {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] ، فلا تعلُّق لها لزيادتها، ويجوز أَنْ تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ لأنها صفةٌ لموعظةً، أي: موعظةً كائنةً للمتقين.

2:67Page 10

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."

قوله تعالى: {يَأْمُرُكُمْ} . . الجمهور على ضمِّ الراء لأنه مضارعٌ مُعْرَبٌ مجرَّدٌ من ناصبٍ وجازمٍ. ورُوِيَ عن أبي عمرو سكونُها سكوناً مَحْضاً واختلاسُ الحركةِ، وذلك لتوالي الحركات، ولأنَّ الراءَ حرفُ تكريرٍ فكأنها حرفان، وحركتُها حركتان، وقيل: شبَّهها بعَضْد، فسُكِّن أَوْسَطُه إجراءً للمنفصلِ مجرى المتصلِ، وهذا كما تَقَدَّم في قراءة «بارِئْكم» ، وقد تقدَّم ذِكْرُ من اسْتَضْعَفها من النحويين، وتقدَّم ذكرُ الأجوبةِ عنه بما أَغْنَى عن إعادتِه هنا، ويجوز في همز «يَأْمركم» إبدالُه ألفاً وهذا مطَّرِدٌ. و «يَأْمركم» هذه الجملةُ في محلِّ رفعٍ خبراً لإِنَّ، وإنَّ وما في حَيِّزها في مَحلِّ نصب مفعولاً بالقول، والقولُ وما في حَيِّزِه في محلِّ جرٍّ بإضافة الظرف إليه، والظرفُ معمولٌ لفعل محذوفٍ أي: اذكُرْ.

قوله: {أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} «أَنْ» وما في حَيِّزِها مفعولٌ ثانٍ ليَأْمركم، فموضِعُها يجوزُ أن يكونَ نصباً وإن يكونَ جرَّاً حَسْبَما مضى من ذِكْرِ الخلافِ، لأنَّ الأصلَ على إسقاطِ حرفِ الجرّ أي: بأَنْ تَذْبَحوا، ويجوزُ أن يُوافِقَ الخليلُ هنا على أَنَّ موضِعَها نَصبٌ لأنَّ هذا الفعلَ يجوز حذفُ الباءِ معه، ولو لم تكنِ الباءُ في «أَنْ» نحو: أمرتُكَ الخيرَ.

والبقرةُ واحدة البَقَر، تقعُ على الذكَرِ والأنثى نحو حَمامة، والصفةُ تُمَيِّزُ الذكر من الأنثى، تقول: بقرةٌ ذكرٌ وبقرةٌ أنثى، وقيل: بقرةٌ اسمٌ للأنثى خاصةً من هذا الجِنس مقابلةً لثور، نحو: ناقةٌ وجَمَل، وأَتان وحمار، وسُمِّي هذا الجنسُ بذلك لأنه يَبْقُر الأرض أي يَِشُقُّها بالحرث، ومنه: بَقَر بطنَه، والباقر أبو جعفر لشَقِّه العلمَ، والجمع: بَقَر وباقِر وبَيْقُور وبَقِيرِ.

قوله: {هُزُواً} مفعول ثان ل « {أَتَتَّخِذُنَا} . وفي وقوعِ» هُزُوا «مفعولاً ثانياً ثلاثةُ أقوالٍ. أحدُها: أنه على حَذْفِ مضافٍ أي ذوي هُزْء. الثاني: أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به أي مَهْزُوءاً بنا. الثالث: أنهم جُعِلوا نفس الهُزْءِ مبالغةً. وهذا أولى، وقال الزمخشري وبدأ به:» أَتَجْعَلُنا مكانَ هُزْءٍ «وهو قريبٌ من هذا.

وفي {هُزُواً} قراءاتٌ سِتٌّ، المشهورُ منها ثلاثٌ: هُزُؤاً بضمتين مع الهمز، وهُزْءاً بسكونِ العين/ مع الهمز وَصْلاً وهي قراءة حمزة رحمه الله، فإذا وَقَفَ أبدلَها واواً، وليس قياسَ تخفيفها، وإنما قياسُه إلقاءُ حركتِها على الساكنِ قبلَها. وإنما اتَّبع رسمَ المصحف فإنها رُسِمَتْ فيه واواً، ولذلك لم يُبْدلها في» جزءاً «واواً وقفاً، لأنها لم تُرْسَمْ فيه واواً كما سيأتي عن قريب، وقراءتُه أصلُها الضمُّ كقراءةِ الجماعةِ إلا أنه خُفِّفَ كقولِهم في عُنُق: عُنْق. وقيل: بل هي أصلٌ بنفسِها، ليست مخففةً من ضم، حَكَى مكي عن الأخفش عن عيسى بن عمر:» كلُّ اسمٍ ثلاثي أولُه مضمومٌ يجوزُ فيه لغتان: التثقيل والتخفيفُ «.

و «هُزُواً» بضمتين مع الواوِ وَصْلاً وَوَقْفاً وهي قراءةُ حَفْص عن عاصم، كأنه أَبْدَلَ الهمزةَ واواً تخفيفاً، وهو قياسٌ مطَّرد في كلِّ همزة مفتوحةٍ مضمومٍ ما قبلَها نحو جُوَن في جُؤَن، و {السفهآء ولا إِنَّهُمْ} [البقرة: 13] وحكمُ «كُفُواً» في قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] حكمُ «هُزُواً» في جميع ما تقدم قراءةً وتوجيهاً. و «هُزَاً» بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها وهو أيضاً قياسٌ مطرد، وهُزْواً بسكون العين مع الواو، وهُزَّاً بتشديد الزاي من غيرِ همزةٍ، ويروى عن أبي جعفر، وتقدَّم معنى الهُزْء أول السورة.

قوله: {أَعُوذُ بالله} تقدَّم إعرابُه في الاستعاذَةِ، وهذا جوابٌ لاستفهامِهم في المعنى كأنه قال: لا أَهْزَأُ مستعيذاً باللهِ من ذلك فإنَّ الهازِئَ جاهِلٌ. وقوله {أَنْ أَكُونَ} أي: مِن أَنْ أكونَ، فيجيءُ فيه الخلافُ المعروف. و «مِن الجاهلين» خبرُها، وهو أَبْلَغُ من قولِك: «أن أكونَ جاهِلاً، فإنَّ المعنى: أن أنتظمَ في سلكِ قَوْمٍ اتَّصفوا بالجهل.

2:68Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

قوله تعالى: {قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا} . . كقوله: {فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا} [البقرة: 61] وقد تقدَّم. قوله: «ما هي» ؟ ما استفهاميةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ تقديرُه: أيُّ شيءٍ هي، و «ما» الاستفهاميةُ يُطْلَبُ بها شَرْحُ الاسم تارةً نحو: «ما العنقاءُ؟ [و] ماهيَّةُ المُسَمَّى أخرى نحو: ما الحركةُ. وقال السكاكي:» يَسْأَلُ ب «ما» عن الجنسِ، تقولُ: ما عندك؟ أي: أيُّ أجناسِ الأشياءِ عندك، وجوابُه: كتابٌ ونحوه، أو عن الوصف، تقول: ما زيدٌ؟ وجوابه: كريمٌ «وهذا هو المرادُ في الآية. و» هي «ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ في محلِّ رفع خبراً ل» ما «، والجملةُ في محلِّ نصب بيبيِّن، لأنه مُعَلَّقٌ عن الجملةِ بعده، وجاز ذلك لأنَّه شبيهٌ بأفعالِ القلوبِ.

قوله: {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} لا نافيةٌ، و» فارضٌ «صفةٌ لبقرة، واعترض ب» لا «بين الصفةِ والموصوفِ، نحوٍ: مَرَرْتُ برجلٍ لا طويلٍ ولا قصيرٍ. وأجاز أبو البقاء أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ أي: لا هي فارضٌ. وقولُه: { وَلاَ بِكْرٌ} مثلُ ما تقدَّم، وتكرَّرت» لا «لأنها متى وقعت قبل خبرٍ أو نعتٍ أو حالٍ وَجَب تكريرُها، تقول: زيدٌ لا قائمٌ ولا قاعدٌ، ومررت به لا ضاحكاً ولا باكياً، ولا يجوز عدمُ التكرارِ إلا في ضرورةٍ خلافاً للمبرد وابن كيسان، فمن ذلك:

529 - وأنتَ امرؤٌ مِنَّا خُلِقْتَ لغيرِنا ... حياتُك لا نفعٌ وموتُك فاجِعُ

وقولُه:

530 - قَهَرْتَ العِدَى لا مُسْتَعيناً بعُصْبَةٍ ... ولكنْ بأنواعِ الخدائعِ والمَكْرِ

فلم يكرِّرها في الخبر ولا في الحالِ.

والفارضُ: المُسِنَّةُ الهَرِمة، قال الزمخشري:» كأنَّها سُمِّيَتْ بذلك لأنها فَرَضَتْ سِنَّها، أي قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخرَها «قال الشاعر:

531 - لَعَمْرِي لقد أَعْطَيْتَ جارَك فارِضاً ... تُساقُ إليه ما تقومُ على رِجْلِ

ويقال لكلِّ ما قَدُم: فارضٌ، قال:

532 - شَيَّبَ أصداغِي فرأسي أبيضُ ... محامِلٌ فيها رجالٌ فُرَّضُ أي: كبارٌ قدماء، وقال آخر:

533 - يا رُبَّ ذي ضِغْنٍ عليَّ فارضِ ... له قُروءٌ كقُروءِ الحائِضِ

وقال الراغب:» سُمِّيَتْ فارِضاً لأنها تقطعُ الأرضَ، والفَرْضُ في الأصل: القَطْع وقيل: لأنها تحملُ الأحمَالَ الشاقةَ. وقيل: لأن فريضة البقر تَبِيعٌ ومُسِنَّة، قال: فعلى هذا تكونُ الفارضُ اسماً إسلامياً «ويقال فَرَضَتْ تفرِضُ بالفتح فُروضاً، وقيل: فَرُضَتْ بالضمِّ أيضاً. والبِكْرُ ما لم تَحْمِل، وقيل: مَا وَلَدَتْ بطناً واحداً وذلك الولدُ بِكْرٌ أيضاً، قال:

534 - يا بِكْرَ بَكْرَيْنِ ويا خِلْبَ الكَبِدْ ... أصبحْتَ مني كذراعٍ من عَضُدْ

والبِكْرُ من الحيوان: مَنْ لم يَطْرُقْه فَحْل، والبَكْر بالفتح: الفَتِيُّ من الإِبل، والبَكارة بالفتح: المصدر.

قوله: {عَوَانٌ} صفةٌ لبقرة، ويجوز أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ أي: هي عوانٌ، كما تقدَّم في {لاَّ فَارِضٌ} والعَوانُ، النَّصَفُ، وهو التوسُّطُ بين الشيئينِ، وذلك أقوى ما يكونُ وأحسنُه، قال:

535 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... نواعِمُ بين أبكارٍ وعُونِ وقيل: هي التي وَلَدَت مرةً بعد أخرى، ومنه الحَرْبُ العَوانُ، أي: التي جاءت بعدَ حربٍ أخرى، قال زهير:

536 - إذا لَقِحَتْ حربٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ ... ضَروسٌ تُهِرُّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ

والعُون بسكونِ الواو: الجمعُ، وقد تُضَمُّ ضرورةً كقوله:

537 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . في الأكُفِّ اللامِعاتِ سُوُرْ

بضمِّ الواو. ونظيرُه في الصحيح: قَذَال وقُذُل، وحِمار وحُمُر.

قوله: {بَيْنَ ذلك} صِفةٌ لعَوان، فهو في محلِّ رفعٍ ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: كائنٌ بين ذلك، و «بين» إنما تُضاف لشيئين فصاعداً، وجاز أن تضافَ هنا إلى مفرد، لأنه يُشارُ بِهِ إلى المثنى والمجموع، كقوله:

538 - إنَّ للخيرِ وللشَّرِّ مَدَى ... وكِلا ذلك [وَجْهٌ وقَبَلْ]

كأنه قيل: بين ما ذُكِر من الفارضِ والبِكْر. قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف جازَ أن يُشارَ به إلى مؤنَّثَيْن وإنما هو لإِشارةِ المذكر؟ قلت: لأنه في تأويلِ ما ذُكر وما تقدَّم» ، وقال: «وقد يَجْري الضمير مَجْرى اسم الإِشارةِ في هذا/ قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله: 539 - فيها خطوطٌ من سَوادٍ وبَلَقْ ... كأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

إن أردْتَ الخطوطَ فقل: كأنها، وإن أردْتَ السوادَ والبَلَق فقل: كأنهما، فقال: أردْتُ: كأنَّ ذاكَ. وَيْلَك» . والذي حَسَّنَ منه أنَّ أسماءَ الإِشارةِ تَثْنِيتُها وجَمْعُها وتأنيثُها ليسَتْ على الحقيقة، وكذلك الموصولاتُ، ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع.

قوله: {مَا تُؤْمَرونَ} «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ تقديره: تُؤْمَرون بِه، فحُذِفَت الباءُ وهو حذفٌ مطَّردٌ، فاتصل بالضميرِ فحُذِفَ. وليس هو نظيرَ {كالذي خاضوا} [التوبة: 69] فإنَّ الحذف هناك غيرُ مقيسٍ، ويضعُف أن تكونَ «ما» نكرةً موصوفةً. قال أبو البقاء: «لأنَّ المعنى على العُمومِ وهو بالذي أَشْبَهُ» ، ويجوزُ أن تكونَ مصدريةً أي: أَمَرَكم بمعنى مأمورَكم، تسميةً للمفعولِ بالمصدرِ كضَرْبِ الأمير، قاله الزمخشري. و «تُؤْمَرون» مبنيٌّ للمفعول والواوُ قائمٌ مقامَ الفاعلِ، ولا محلَّ لهذه الجملةِ لوقوعِها صلةً.

2:69Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"

قوله تعالى: {مَا لَوْنُهَا} : كقولِه «هي» ؟ وقال أبو البقاء: «ولو قُرئ» لونَها «بالنصب لكان له وجهٌ، وهو أن تكونَ» ما «زائدة كهي في قوله: {أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ} [القصص: 28] ويكون التقديرُ: يبين لنا لونَها، وأمَّا» ما هي «فابتداءٌ وخبرٌ لا غيرُ إذ لا يُمْكِنُ جَعْلُ» ما «زائدةً لأنَّ» هي «لا يَصِحُّ أن تكونَ مفعولَ يبيِّن» يعني أنها بصيغةِ الرفع، وهذا ليس من مواضعِ زيادةِ «ما» فلا حاجةَ إلى هذا. واللونُ عبارةٌ عن الحمرةِ والسوادِ ونحوِهما. واللونُ أيضاً النوعُ وهو الدَّقَل نوعٌ من النحل، قال الأخفش: «هو جَماعةٌ واحدها: لِينة» وسيأتي. وفلان يَتَلَوَّن أي: لا يثبُتُ على حالٍ، قال الشاعر:

540 - كلَّ يومٍ تتلوَّنْ ... غيرُ هذا بك أَجْمَلْ

قوله: {صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} بجوز أن يكونَ «فاقعٌ» صفةً و «لونُها» فاعلٌ به، وأن يكونَ خبراً مقدماً، و «لونُها» مبتدأ مؤخرٌ والجملةُ صفةٌ، ذكرها أبو البقاء. وفي الوجهِ الأول نظرٌ، وذلك أن بعضَهم نقلَ أن هذه التوابعَ للألوانِ لا تعملُ عَمَلَ الأفعال. فإنْ قيل: يكونُ العملُ لصفراء لا لفاقع كما تقول: مررتُ برجلٍ أبيضَ ناصعٍ لونُه، فلونُه مرفوعٌ بأبيض لا بناصع، فالجوابُ: أنَّ ذلك ههنا ممنوعٌ من جهةٍ أخرى، وهو أنَّ صفراء مؤنثٌ اللفظِ، ولو كانَ رافعاً ل «لونُها» لقيل: أصفرُ لونُها، كما تقول: مررت بامرأةٍ أصفرَ لونُها، ولا يجوز: صفراءَ لونُها، لأنَّ الصفةَ كالفِعْل، إلا أن يُقال: إنه لمَّا أُضيف إلى مؤنثٍ اكتسَب منه التأنيثَ فعُومِل معاملتَه كما سيأتي ذِكْرُه. ويجوز أن يكونَ «لونُها» مبتدأً، و «تَسُرُّ» خبرَه، وإنما أَنَّث الفعلَ لاكتسابِه بالإِضافةِ معنى التأنيث: كقوله: 541 - مَشَيْنَ كما اهتَزَّتْ رماحٌ تَسَفَّهَتْ ... أعاليهَا مَرُّ الرياحِ النَّواسِمِ

وقول الآخر:

542 - وتَشْرَقُ بالقولِ الذي قد أَذَعْتَه ... كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ

أنَّث فعلَ المَرِّ والصدرِ لَمَّا أُضيفا لمؤنثٍ، وقُرئ {تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة} [يوسف: 10] وقيل: لأنَّ المرادَ باللونِ هنا الصفرةُ، وهي مؤنثةٌ فَحُمِل على المعنى في ذلك، ويقال: أصفرُ فاقعٌ، وأبيضُ ناصعٌ وَيَقِقٌ ولَهِقٌ، ولِهاقٌ وأخضرُ ناصعٌ، وأحمرُ قانئٌ وأسودُ حالِكٌ وحائِك وحَلَكُوك وحُلْكُوك ودَجُوجيّ وغِرْبيب وبهيم، وقيل: «البهيم الخالصُ من كل لون» . وبهذا يَظْهر أن صفراء على بابها من اللون المعروفِ لا سوداء كما قاله بعضهم، فإنَّ المفقوعَ من صفةِ الأصفرِ خاصةً، وأيضاً فإنه مجازٌ بعيدٌ، ولا يُسْتَعمل ذلك إلا في الإِبِلِ لقُرْب سوادها من الصفرةِ كقوله تعالى: {كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ} [المرسلات: 33] . وقال:

543 - تلك خَيْلِيْ منه وتلكَ رِكابي ... هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبيبِ

قوله: {تَسُرُّ الناظرين} جملةٌ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «بقرة» أيضاً، وقد تقدَّم أنه يجوز أن تكونَ خبراً عن «لونها» بالتأويلين المذكورين. والسرورُ لَذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعِ أو توقُّعِه، ومنه «السريرُ» الذي يُجْلَسُ عليه إذا كان لأولي النِّعمةِ، وسريرُ الميِّت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском