As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:70–77
2:70Page 11
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠
They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."
قوله تعالى: {مَا هِيَ} ؟ . . مرةً ثانيةً، تكريرٌ للسؤال عن حالِها وصفتِها واستكشافٌ زائدٌ ليزدادوا بياناً لوَصْفِها.
قوله: {إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا} «البقر» اسمُ إنَّ وهو اسمُ جنسٍ كما تقدَّم. وقرئ «الباقِرُ» وهو بمعناه كما تقدم. و «تَشَابه» جملةٌ فعلية في محلِّ رفعٍ خبراً لإِنَّ، وقرئ: «تَشَّابَهُ» مشدَّداً ومخففاً وهو مضارعٌ، فالأصلُ: تَتَشابهُ بتاءين، فَأُدْغِمَ وحُذِفَ منه أخرى، وكِلا الوجهين مقيس. وقُرئ أيضاً: يَشَّابَهُ بالياء من تحت وأصله يتشابه فَأُدغم أيضاً، وتذكيرُ الفعل وتأنيثُه جائزان لأن فاعلَه اسمُ جنس وفيه لغتان: التذكيرُ والتأنيثُ، قال تعالى: {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحافة: 7] فَأَنَّث، و {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: 20] فذكَّر، ولهذا موضعٌ نستقصي منه، يأتي إن شاء الله تعالى. وتَتَشَابَهُ بتاءين على الأصل، وتَشَّبَّهُ بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصلُ: تَتَشَبَّهُ. وتَشَّابَهَتْ، ومُتَشَابِهَة، ومُتَشَابِه، ومُتَشَبِّه على اسم الفاعل من تشابه وتَشَبَّه، وقُرئ: تَشَبَّهَ ماضياً. وفي مصحف أُبَيّ: «تَشَّابَهَتْ» بتشديد الشين. قال أبو حاتم: «هو غلط لأن التاءَ في هذا الباب لا تُدْغَمُ إلا في المضارعِ» ، وهو معذورٌ في ذلك. وقرئ: تَشَّابَهَ كذلك إلا أنه بطرح تاء التأنيث، ووجهُها على إشكالها أن يكونَ الأصل: إن البقرة تشابَهَتْ فالتاء الأولى من البقرة والتاء الثانية من الفعل، فلمَّا اجتمع متقاربان أَدْغَم نحو: الشجرةُ. . . إلا أنه يُشْكِل أيضاً في تَشَّابه من غير تاء، لأنه كان يَجبُ ثبوتُ/ علامةِ التأنيثِ، وجوابُه أنه مثلُ:
544 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالَها
مع أن ابنَ كَيْسان لا يلتزم ذلك في السَّعَة.
قوله: {إِن شَآءَ الله} هذا شرطٌ جوابُه محذوفٌ لدلالةِ إنْ وما في حَيِّزها عليه، والتقدير: إن شاء اللهُ هدايتَنا للبقرة اهتدَيْنا، ولكنهم أَخرجُوه في جملةٍ اسميةٍ مؤكَّدة بحرفَيْ تأكيدٍ مبالغةً في طَلَب الهداية، واعترضوا بالشرطِ تيمُّناً بمشيئةِ الله تعالى. و «لمهتدونَ» اللامُ لامُ الابتداءِ داخلةٌ على خبرِ «إنَّ» ، وقال أبو البقاء: «جوابُ الشرط إنَّ وما عملت فيه عند سيبويه، وجاز ذلك لمَّا كان الشرطُ متوسطاً، وخبرُ إنَّ هو جوابُ الشرط في المعنى، وقد وقع بعدَه، فصار التقديرُ: إنْ شاء اللهُ اهتدينا. وهذا الذي قاله لا يَجُوز، فإنه متى وقعَ جواب الشرطِ ما لا يَصْلُح أنْ يكونَ شرطاً وجَبَ اقترانُه بالفاء، وهذه الجملةُ لا تَصْلح أن تقعَ شرطاً، فلو كانَتْ جواباً لَزِمَتْها الفاءُ، ولا تُحْذَفُ إلا ضرورةً، ولا جائزٌ أنْ يريدَ أبو البقاء أنه دالٌّ على الجواب وسَمَّاه جواباً مجازاً، لأنه جَعَلَ ذلك مذهباً للمبرد مقابلاً لمذهب سيبويه، فقال:» وقالَ المبرد: الجوابُ محذوفٌ دَلَّتْ عليه الجملةُ، لأنَّ الشرط معترضٌ فالنيةُ به التأخيرُ، فيصيرُ كقولِك: «أنت ظالم إنْ فَعَلْتَ» وهذا الذي نقلَه عن المبرد هو المنقولُ عن سيبويه، والذي نقله عن سيبويه قريبٌ مما نُقِل عن الكوفيين وأبي زيد من أنه يجوزُ تقديمُ جوابِ الشرطِ عليه، وقد ردَّ عليهم البصريون بقول العرب: «أنتَ ظالمٌ إنْ فعلْتَ» إذ لو كانَ جواباً لوَجَبَ اقترانُه بالفاءِ لِما ذكرْتُ لك. وأصلُ «مُهْتَدُون» مُهْتَدِيُون، فأُعِلَّ بالحَذْفِ، وهو واضحٌ مما تقدَّم.
2:71Page 11
قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١
He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.
قوله تعالى: {لاَّ ذَلُولٌ} : المشهورُ «ذلولٌ» بالرفع على أنها صفةٌ لبقرة، وتوسَّطت «لا» للنفي كما تقدَّم في {لاَّ فَارِضٌ} ، أو على أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: لا هي ذلولٌ. والجملةُ من هذا المبتدأ والخبرِ في محلِّ رفعٍ صفةً لبقرة. وقرئ: «لا ذَلولَ» بفتح اللام على أنها «لا» التي للتبرئة والخبرُ محذوف، تقديره: لا ذلولَ ثَمَّ، أو ما أشبهه، وليس المعنى على هذه القراءةِ، ولذلك قال الأخفشُ: «لا ذلولٌ نعت ولا يجوز نصبُه» . والذَّلولُ: التي ذُلِّلَتْ بالعمل، يقال: بَقَرةٌ ذَلول بَيَِّنَةُ الذِّل بكسر الذال، ورجلٌ ذَليل بيِّنُ الذُّل بضمها، وقد تقدَّم عند قوله: {الذلة} [البقرة: 61] .
قوله: {تُثِيرُ الأرض} في هذه الجملةِ أقوالٌ كثيرٌ، أظهرهُا أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من الضمير المستكنِّ في «ذلول» تقديرُه: لا تُذَلُّ حالَ إثارتِها [الأرضَ] . وقال ابن عطية: «وهي عند قومٍ جملةً في موضعِ الصفةِ لبقرة، [أي] : لا ذلولٌ مثيرةٌ، وقالَ أيضاً: ولا يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ في موضعِ الحالِ لأنها من نكرةٍ» ، أمَّا قولُه: «في موضع الصفةِ» فإنه يلزم منه أنَّ البقرةَ كانت مثيرةً للأرض، وهذا لم يَقُلْ به الجمهور، بل قال به بعضُهم، وسيأتي بيانُه قريباً. وأمَّا قولُه: «لا يجوز أن تكونَ حالاً يعني من» بقرة «لأنها نكرةٌ. فالجوابُ: أنَّا لا نُسَلِّم أنها حالٌ من بقرة، بل من الضميرِ في» ذلولٌ «كما تقدَّم شرحه، أو نقولُ: بل هي حالٌ من النكرة قد وُصِفَتْ وتخصَّصَتْ بقوله {لاَّ ذَلُولٌ} وإذا وُصِفَت النكرةُ ساغَ إتيانُ الحالِ منها اتفاقاً. وقيل: إنها مستأنفةً، واستئنافُها على وجهين، أحدُهما: أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي: هي تثير، والثاني: أنها مستأنفةٌ بنفسِها من غير تقديرِ مبتدأ، بل تكونُ جملةً فعليةً ابتُدئ بها لمجرد الإِخبار بذلك.
وقد مَنَعَ من القول باستئنافها جماعةٌ، منهم الأخفش علي بن سليمان، وعلَّل ذلك بوجهين، أحدُهما: أنَّ بعدَه: {وَلاَ تَسْقِي الحرث} فلو كان مستأنفاً لما صَحَّ دخولُ» لا «بينه وبين الواوِ. الثاني: أنها لو كانت تثير الأرضَ لكانَتِ الإِثارةُ قد ذَلَّلَتْها، واللهُ تعالى نفى عنها ذلك بقولِه: لا ذلولٌ. انتهى. وهذا المعنى هو الذي منعتُ به أن يكون» تثيرُ «صفةً لبقرة لأن اللازمَ مشتركٌ، ولذلك قال أبو البقاء:» ويجوزُ على قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ هذا الوجهَ يعني كونها تثيرُ ولا تَسْقي أن تكونَ تُثير في موضعِ رفعٍ صفةً لبقرة «. وقد أجابَ بعضُهم عن الوجه الثاني بأن إثارةَ الأرض عبارةٌ عن مَرَحِها ونشاطِها كما قال امرؤ القيس:
545 - يُهيلُ ويُذْري تُرْبَهُ ويُثيرُه ... إثارةَ نَبَّاثِ الهَواجِرِ مُخْمِسِ
أي: تثيرُ الأرضَ مَرَحاً ونشاطاً لا حَرْثاً وعَمَلاً، وقال أبو البقاء: «وقيل هو مستأنفٌ، ثم قال:» وهو بعيدٌ عن الصحة، لوجهينِ، أحدُهما: أنه عَطَفَ عليه قوله: {وَلاَ تَسْقِي الحرث} فنفى المعطوفَ، فيجب أن يكونَ المعطوفُ عليه كذلك لأنه في المعنى واحدٌ، ألا ترى أنك لا تقول: مررتُ برجلٍ قائمٍ ولا قاعدٍ، بل تقول: لا قاعدٍ بغير واو، كذلك يجب أن يكون هنا، وذَكر الوجه الثاني كما تقدَّم، وأجاز أيضاً أن يكون «تُثير» في محلِّ رفعٍ صفةً لذَلول وقد تقدَّم لك خلافٌ: هل يُوصف الوصفُ أو لا؟ فهذه ستةُ أوجهٍ، تلخيصها: أنها حالٌ من الضميرِ في «ذَلولٌ» أو من «بقرة» أو صفةٌ لبقرة أو لذلولٌ أو مستأنفةٌ بإِضمارِ مبتدأ أو دونَه.
قوله: {وَلاَ تَسْقِي الحرث مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} الكلام في هذه كما تقدم فيما قبلها من كونِها صفةً لبقرة أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ. وقال الزمخشري: ولا الأولى للنفي يعني الداخلةَ على «ذلولٌ» والثانيةُ مزيدة/ لتوكيدِ الأولى، لأن المعنى: لا ذلولٌ تثيرُ وتَسْقي، على أن الفعلينِ صفتانِ لذَلول، كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ «.
وقُرئ» تُسْقي «بضم التاء من أَسْقى. وإثارةُ الأرضِ تحريكُها وبَحْثُها، ومنه {وَأَثَارُواْ الأرض} [الروم: 9] أي: بالحرثِ والزراعةِ، وفي الحديث:» أثيروا القرآن، فإنه عِلْمُ الأولين والآخرِين «، وفي روايةٍ،» مَنْ أرادَ العِلمَ فَلْيُثَوِّرِ القرآن «ومُسَلَّمةٌ من سَلِمَ له كذا أي: خَلُص. و» شية «مصدرٌ وَشَيْتُ الثوبَ أَشِيْهُ وَشْياً وشِيَةً، فحُذفت فاؤها لوقوعِها بين ياءٍ وكسرةٍ في المضارع، ثم حُمِلَ باقي البابِ عليه، ووزنُها: عِلة، ومثلُها: صِلة وعِدة وزِنة، وهي عبارةٌ عن اللمعةِ المخالفةِ للَّوْنِ، ومنه ثَوْبٌ مَوْشِيٌّ أي منسوجٌ بلونينِ فأكثرَ، وثور مَوْشِيُّ القوائم أي: أَبْلَقُها قال الشاعر:
546 - من وحشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكارِعُه ... طاوِي المصيرِ كسَيْفِ الصيْقَلِ الفَرِدِ
ومنه:» الواشي «للنمَّام، لأنه يَشي حديثَه أي: يُزَيِّنُه ويَخْلِطُه بالكذب، وقال بعضهم: ولا يقال له واشٍ حتى يُغَيِّرَ كلامَه ويُزَيِّنَه. ويقال: ثورٌ أَشْيَهُُ، وفرس أَبْلَقُ وكبشٌ أَخْرَجُ وتيسٌ أَبْرَقُ وغرابٌ أَبْقَعُ، كلُّ ذلك بمعنى البُلْقَةِ، و» شِيَةَ «اسم لا، و» فيها «خبرها.
قوله: {الآن جِئْتَ} » الآن «منصوبٌ بجِئْتَ، وهو ظرفُ زمانٍ يقتضي الحالَ ويُخَلِّصُ المضارع له عند جمهور النحويين، وقال بعضُهم: هذا هو الغالبُ وقد جاء حيثُ لا يُمْكِنُ أن يكونَ للحالِ كقولِه: {فَمَن يَسْتَمِعِ الآن} [الجن: 9] {فالآن بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] فلو كان يقتضي الحالَ لَما جاء مع فعل الشرط والأمرِ اللذين هما نصٌّ في الاستقبالِ، وعَبَّر عنه هذا القائلُ بعبارةٍ توافقُ مذهبَه وهي:» الآن «لوقتٍ حُصِر جميعُه أو بعضُه» يريد بقولِه: «أو بعضُه» نحوَ: {فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ} وهو مبنيٌّ.
واختُلِفَ في علَّة بِنائِه، فقال الزجاج: «لأنَّه تضمَّن معنى الإِشارة، لأنَّ معنى أفعلُ الآن أي: هذا الوقتَ» . وقيل: لأنه أَشْبَهَ الحرفَ في لزومِ لفظٍ واحدٍ، من حيث إنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ ولا يُصَغَّرُ. وقيل: لأنَّ تضمَّن معنى حرفِ التعريفِ وهو الألفُ واللامُ كأمسِ، وهذه الألفُ واللامُ زائدةٌ فيه بدليلِ بنائِه ولم يُعْهَدْ معرَّفٌ بأل إلاَّ مُعْرباً، ولَزِمَت فيه الألفُ واللامُ كما لَزِمَت في الذي والتي وبابهما، ويُعْزى هذا للفارسي. وهو مردودٌ بأنَّ التضمينَ اختصار، فكيف يُخْتصر الشيءَ، ثم يُؤْثى بمثلِ لفظِه. وهو لازمٌ للظرفيَّة ولا يَتَصَرَّفُ غالباً، وقد وَقَع مبتدأ في قوله عليه السلام: «فهو يَهْوى في قَعْرِها الآنَ حينَ انتهى» فالآن مبتدأ وبني على الفتح لِما تقدَّم، و «حين» خبره، بُني لإِضافتِه إلى غيرِ متمكِّنٍ، ومجروراً في قوله:
547 - أإلى الآن لا يَبِينُ ارْعِواءُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وادَّعى بعضُهم إعرابَه مستدلاًّ بقوله:
548 - كأنَّهما مِلآْنِ لم يتَغَيَّرا ... وقد مَرَّ للدارَيْنِ من بعدنا عَصْرُ
يريد: «من الآن» فجَرَّه بالكسرة، وهذا يَحْتمل أن يكونَ بُني على الكسر. وزعم الفراء أنه منقولٌ من فعلٍ ماضٍ، وأن أصلَه آنَ بمعنى حانَ فَدَخَلَتْ عليه أل زائدةً واسْتُصْحِبَ بناؤُه على الفتح، وجَعَله مثلَ قولهم: «ما رأيته مذ شَبَّ إلى دَبَّ» وقولِه عليه السلام: «وأَنْهاكم عن قيلَ وقال» ، ورُدَّ عليه بأنَّ أل لا تدخُل على المنقولِ من فعلٍ ماضٍ، وبأنه كان ينبغي أن يجوزَ إعرابُه كنظائرِه، وعنه قولٌ آخر أنَّ أصلَه «أوان» فحُذِفَتِ الألفُ ثم قًُلبت الواو ألفاً، فعلى هذا ألفُه عن واو، وقد أدخله الراغبُ في باب «أين» فتكون ألفُه عن ياء، [والصواب الأول] .
وقُرئ «قالوا الآن» بتحقيق [الهمزةِ] من غير نَقْل، وهي قراءةُ الجمهورِِ، و «قالُ لان» بنقل حركة الهمزة على اللام قبلها وحَذْفِ الهمزة، وهو قياسٌ مطَّرد، وبه قرأ نافع وحمزة باختلافٍ عنه، و «قالو لاَن» بثبوتِ الواوِ مِنْ قالوا لأنها إنما حُذِفَتْ لالتقاءِ الساكنين وقد تحرَّكَتِ اللامُ لنقلِ حركةِ الهمزةِ إليها، واعتدُّوا بذلك كما قالوا في الأحمر: «لَحْمَر» . وسيأتي تحقيقُ هذا إن شاء اللهُ تعالى في {عَاداً الأولى} [النجم: 50] ، وحُكي وجه رابع: «قالوا ألآن» بقطعِ همزةِ الوصلِ وهو بعيدٌ.
قوله: «بالحقِّ» يجوزُ فيه وجهانِ، أحدُهما أن تكونَ باءَ التعدية كالهمزة كأنه قيل: أَجَأْتَ الحقَّ أي: ذَكَرْتَه. الثاني: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعلِ «جِئْتَ» أي: جِئْتَ ملتبساً بالحقِّ أو ومعك الحقُّ.
قوله {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} كادَ واسمُها وخبرُها، والكثيرُ في خبرها تَجَرُّدُه من أَنْ، وشَذَّ قولُه:
549 - قد كادَ من طولِ البِلى أَنْ يَمْحَصا ... عكسَ عسى، ومعناها مقاربةُ الفعلِ، وقد تقدَّم جملةٌ صالحةٌ من أحكامِها، وكونُ نفيها إثباتاً وأثباتِها نفياً، والجوابُ عن ذلك عند قوله: {يَكَادُ البرق} [البقرة: 20] فَلْيُلْتَفتْ إليه.
2:72Page 11
وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢
And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.
قوله تعالى: {فادارأتم فِيهَا} : فعلٌ وفاعلٌ، والفاءُ للسببية، لأنَّ التدارُؤَ كان مُسَبَّباً عن القتلِ، ونسبَ القتلَ إلى الجميعِ وإنْ لم يَصْدُرْ إلاَّ من واحدٍ أو اثنين كما قيل، لأنه وُجِدَ فيهم، وهو مجازٌ شائعٌ. وأصل ادَّارأتم: تَدارَأْتُم تفاعَلْتم من الدَّرْءِ وهو الدفعُ، فاجتمعَتِ التاءُ مع الدال وهي مقارِبتُها فأريدَ الإِدغامُ فَقُلبت التاءُ دالاً وسُكِّنتْ لأجلِ الإِدغامِ، ولا يمكنُ الابتداءُ بساكنٍ فاجتُلِبَتْ همزةُ الوصلِ ليُبتدأ بها فبقي ادَّارأتم، والأصل: «ادْدَارَأْتم» فأدغم، وهذا مطردٌ في كلِّ فعل على تَفَاعَل أو تفعَّل فاؤُه دالٌ نحو: «تَدَايَنَ وادَّايَنَ، وتَدَيَّن وادَّيَّن، أو ظاء أو طاء أو ضاد أو صادٌ نحو: تَطَاير واطَّاير، وتَطّيَّر واطَّيَّر، وتَظَاهَرَ واظَّاهر، وتَطَهَّر واطَّهَّر، والمصدرُ على التفاعُلِ أو التفعُّل نحو: تدارؤ وتطهُّر نظراً إلى الأصلِ، وهذا أصل نافعٌ في جميعِ الأبوابِ فليُتأمَّلْ.
قوله: {والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} » الله «رفعٌ بالابتداء و» مُخْرجٌ «خبرُه، وما موصولةٌ منصوبةٌ المحلِّ باسمِ الفاعلِ، فإنْ قيل: اسمُ الفاعلِ لا يَعْمَل بمعنى الماضي إلا مُحَلَّى بالألف واللام. فالجواب/ أنَّ هذه حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، واسمُ الفاعل فيها غير ماضٍ، وهذا كقوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} [الكهف: 18] ، والكسائي يُعْمِلُه مطلقاً ويستدلُّ بهذا ونحوهِ. و» ما «يجوز أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً، فلا بد من عائدٍ، تقديره: مُخْرِجُ الذي كنتم تكتمونَه، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعول به أي مُخْرِجٌ مكتومَكم، وهذه الجملةُ لا محلَّ لها من الإِعرابِ لأنها معترضةٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، وهما:» فادَّارَأْتم «» فقلنا اضرِبوه «قاله الزمخشري. والضميرُ في» اضربوه «يعودُ على النفس لتأويلِها بمعنى الشخص والإِنسان، أو على القتيلِ المدلولِ عليه بقوله: والله مُخْرِجٌ ما كنتم تكتمون» . والجملةُ من «اضربوه» محلِّ نصبٍ بالقولِ.
2:73Page 11
فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣
So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.
قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي الله} : «كذلك» في محلِّ نصب لأنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف تقديرُه: يُحْيي الله الموتى إحياءً مثلَ ذلك الإِحياءِ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي إحياءً كائناً كذلك الإِحياءِ، أو لأنه حالٌ من المصدرِ المعرَّفِ، أي: ويريكم الإِراءةَ حالَ كونِها مُشْبِهةً ذلك الإِحياءَ، وقد تقدَّم أنه مذهبُ سيبويه، والموتى جمع «مَيِّت» وقد تقدَّم.
قوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} الرؤيةُ هنا بَصَريَّةٌ فالهمزةُ للتعديةِ أَكْسَبَتِ الفعلَ مفعولاً ثانياً، وهو «آياتِه، والمعنى: يَجْعلكم مُبْصِرينَ آياتِه. و» كم «هو المفعولُ الأولُ، وأصلُ يُريكم: يُأَرْإيكم، فَحُذِفَت همزةَ أَفْعل في المضارعةِ لِما تقدَّم في» يُؤْمنون «وبابه، فبقي يُرئيكم، فَنُقِلت حركةُ الهمزة على الراءِ، وحُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفاً، وهو نقل لازمٌ في مادةِ» رأى «وبابِه دون غيره ممَّا عينُه همزةٌ نحو: نَأَى يَنْأَى، ولا يجوز عدمُ النقلِ في رأى وبابِه إلا ضرورةً كقوله:
550 - أُري عَيْنَيَّ ما لم تَرْأَياهُ ... كِلانا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ
2:74Page 11
ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤
Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.
قوله تعالى: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} : «أو» هذه ك «أو» في قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ} [البقرة: 19] فكلُّ ما قيلَ فيه ثَمَّةَ يمكنُ القولُ به هنا، ولمَّا قال أبو الأسود:
551 - أُحِبُّ محمداً حُبَّاً شديداً ... وعَبَّاساً وحمزةَ أو عَلِيَّا
اعترضوا عليه في قوله «أو» التي تقتضي الشكَّ، وقالوا له: أَشَكَكْتَ؟ فقال: كَلاَّ، واستدلَّ بقولِه تعالى: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ} [سبأ: 24] وقال: أَوَ كان شاكَّاً مَنْ أَخْبر بهذا؟ وإنما قَصَد رحمه الله الإِبهامَ على المخاطب. و «أشدُّ» مرفوعٌ لعطفِه على محلِّ «كالحجارة» أي: فهي مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ. والكافُ يجوزُ أن تكونَ حرفاً فتتعلَّقَ بمحذوفٍ وأن تكونَ اسماً فلا تتعلَّقَ بشيء، ويجوز أن تكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: أو هي أشدُّ. و «قسوة» نصبٌ على التمييزِ؛ لأنَّ الإِبهامَ حَصَلَ في نسبةِ التفضيلِ إليها، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ للدلالةِ عليه أي: أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.
وقُرئ «أشدَّ» بالفتح، ووجهُها أنه عَطَفَها على «الحجارة» أي: فهي كالحجارة أو كأشدَّ منها. قال الزمخشري مُوَجِّهاً للرفعِ: «وأشدُّ معطوفٌ على الكاف: إمَّا على معنى: أو مثلُ أشدَّ فَحُذِف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، وتَعْضُده قراءة الأعمش بنصبِ الدال عطفاً على الحجارة» . ويجوز على ما قاله أن يكونَ مجروراً بالمضافِ المحذوفِ تُرِكَ على حاله، كقراءة: {والله يُرِيدُ الآخرة} [الأنفال: 67] بجرِّ الآخرةِ، أي: ثوابَ الآخرةِ، فيحصُلُ من هذا أنَّ فتحةَ الدالِ يُحْتَمَلُ أن تكونَ للنصبِ وأن تكونَ للجرِّ. وقال الزمخشري أيضاً: «فإنْ قلت: لِمَ قيل» أشدُّ قسوةً «وفعلُ القسوةِ ممَّا يخرُج منه أفعلُ التفضيلِ وفعلُ التعجبِ؟ يعني أنه مستكملٌ للشروطِ مِنْ كونِه ثلاثياً تاماً غيرَ لَونٍ ولا عاهةٍ متصرفاً غيرَ ملازمٍ للنفيِ ثم قال:» قلت: لكونِه أَبْيَنَ وأدلَّ على فرطِ القسوةِ، ووجهٌ آخرُ وهو أنه لا يَقْصِدُ معنى الأقسى، ولكنه قَصَد وصفَ القسوةِ بالشدة، كأنه قيل: اشتدَّتْ قسوةُ الحجارةِ وقلوبُهم أشدُّ قسوةً «وهذا كلامٌ حسنٌ جداً، إلا أنَّ كونَ القسوةِ يجوزُ بناءُ التعجبِ منها فيه نظرٌ من حيثُ إنَّها من الأمورِ الخَلْقيَّةِ أو من العيوبِ، وكلاهما ممنوعٌ منه بناءُ البابَيْنِ. وقُرئ: قَساوة.
قوله: {لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ} اللامُ لامُ الابتداء دَخَلَت على اسم» إنَّ «، لتقدُّمِ الخبرِ وهو {مِنَ الحجارة} ، وهي بمعنى الذي في محلِّ النَّصْبِ ولو لم يتقدَّم الخبرُ لم يَجُزْ دخولُ اللام على الاسم لئلا يتوالَى حرفا تأكيدٍ، وإنْ كان الأصلُ يقتضي ذلك، والضميرُ في» منه «يعودُ على» ما «حَمْلاً على اللفظ، قال أبو البقاء:» ولو كان في غيرِ القرآنِ لجازَ «منها» على المعنى «قلت: هذا الذي قد قرأ به أُبي بن كعب والضحاك.
وقرأ مالك بن دينار: «يَنْفَجِرُ» من الانفجار. وقرأ قتادة: {وَإِنْ مِنَ الحجارة} بتخفيف إنْ من الثقيلة وأتى باللام فارقةً بينها وبين «إنْ» النافية، وكذلك {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} وهذه القراءة تحتمل أن تكونَ «ما» فيها في محل رفع وهو المشهورُ، وأن تكونَ في محلِّ نصبٍ لأنَّ «إنْ» المخففة سُمع فيها الإِعمالُ والإِهمالُ، قال تعالى: {وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} [هود: 111] في قراءة مَنْ قرأه. وقال في موضع آخر: {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ} [يس: 32] إلاَّ أنَّ المشهورَ الإِهمالُ. و {يَشَّقَّقُ} أصلُه: يَتَشَقَّقُ، فأُدْغم، وبالأصلِ قرأ الأعمشُ، وقرأ طلحة بن مصرف: «لَمَّا» بتشديد الميم في الموضعين، قال ابن عطية: «وهي قراءة غير متجهة» وقرأ أيضاً: «يَنْشَقُّ» بالنون، وفاعلُه ضمير «ما» وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ فاعلُه ضميرَ الماء لأنَّ» يَشَّقَّقُ «يجوز أن يُجْعَلَ للماء على المعنى، فيكونَ معك فعلان، فيعملُ الثاني منهما في الماء، وفاعلُ الأولِ مضمرٌ/ على شريطةِ التفسيرِ، وعند الكوفيين يَعْمَلُ الأولُ فيكون في الثاني ضميرٌ» يعني أنه من باب التنازع، ولا بد من حَذْفِ عائدٍ من «يَشَّقَّق» على «ما» الموصولة دلَّ عليه قوله «مِنْه» والتقديرُ: وإنَّ من الحجارة لما يَشَّقَّقُ الماءُ منه فيخرجُ الماءُ منه. وقال أيضاً: «ولو قُرئ» تتفجَّر «بالتاءِ جاز» قلتُ: قال أبو حاتم يجوز «لما تتفجَّر» بالتاء لأنه أَنَّثه بتأنيثِ الأنهار، وهذا لا يكون في تشَّقَّق يعني التأنيث. قال النحاس: «يجوز ما أنكره على المعنى، لأنَّ المعنى: وإنَّ منها لحجارةً تَتَشَقَّقُ» يعني فيراعي به معنى «ما» فإنَّها واقعةٌ على الحجارة.
قوله: {مِنْ خَشْيَةِ الله} منصوبُ المحلِّ متعلقٌ ب «يَهْبِط» . و «مِنْ» للتعليل، وقال أبو البقاء: [ «مِنْ» ] في موضع نصب بيهبط، كما تقول: يهبط بخشيةِ الله، فجعلَها بمعنى الباء المُعَدِّية، وهذا فيه نظرٌ لا يَخْفَى. وخشية مصدرَ مضافٌ للمفعول تقديرُه: مِنْ أن يَخْشَى اللهَ.
وإسنادٌ الهبوطِ إليها استعارةُ، كقوله:
552 - لَمَّا أَتى خبرُ الزُّبَيْرِ تواضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
ويجوز أن يكونَ حقيقةً على معنَى أنَّ الله خلقَ فيها قابليةً لذلك. وقيل: الضميرُ في «منها» يعودُ على القلوبِ وفيه بُعْدٌ لتنافُرِ الضمائر.
قوله {وَمَا الله بِغَافِلٍ} قد تقدَّم في قوله: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] فَلْيُلْتَفَتْ إليه.
قوله: {عَمَّا تَعْمَلُونَ} بغافل، و «ما» موصولةٌ اسميةٌ، فلا بد من عائدٍ أي: تعملونه، أو مصدريةٌ فلا يُحتاجُ إليه، أي عن عملِكم، ويجوز أن يكونَ واقعاً موقعَ المفعولِ به، ويجوز ألاَّ يكون. وقُرِئ «يعملون» بالياءِ والتاءِ.
2:75Page 11
۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?
قوله تعالى: {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} . . ناصبٌ ومنصوبٌ، وعلامةُ النصبِ حَذْفُ النونِ، والأصلُ: في أَنْ، فموضعُها نصبٌ أو جَرٌّ على ما عُرِفَ غيرَ مرةَ، وعَدَّى «يؤمنوا» باللام لتضمُّنِه معنى أَنْ يُحْدِثوا الإِيمان لأجلِ دعوتِكم، قاله الزمخشري وقد تقدَّم تحقيقُه.
قوله: {وَقَدْ كَانَ} الواو للحالِ. قالَ بعضُهم: «وعلامتُها أَنْ يَصْلُحَ موضعَها» إذ «والتقدير: أفتطمَعُون في إيمانِهم والحالُ أنهم كاذبون مُحَرِّفون لكلام الله تعالى. و» قد «مقربةٌ للماضي مِن الحال سَوَّغَتْ وقوعَه حالاً. و» يَسْمَعُون «خبراً كان، و» منهم «في محلِّ رفع صفةً لفريقٍِ، أي: فريقٌ كائنٌ منهم. وقال بعضُهم: {يَسْمَعُونَ} في محلِّ رفعٍ صفةً لفريق، و» منهم «في محلِّ نصبٍ خبراً لكانَ، وهذا ضعيفٌ. والفريق اسمُ جمعٍ لا واحدَ له مِن لفظِه كرهط وقوم، وكان وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ على ما تقدَّم. وقُرئ {كَلِمَ الله} وهو اسمُ جنسٍ واحدهُ كلمة، وفَرَّق النحاة بين الكلام والكَلِم، بأنَّ الكلامَ شرطُه الإِفَادَةُ، والكَلِمُ شَرْطُه التركيبُ من ثلاثٍ فصاعداً، لأنه جَمْعٌ في المعنى، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ، فيكونَ بينهما عمومٌ وخُصوصٌ من وجهٍ، وتحقيقُ هذا مذكورٌ في كتبِهم. وهل الكلامُ مصدرٌ أو اسمُ مصدر؟ خلافٌ. والمادةُ تَدُلُّ على التأثير، ومنه الكَلْمُ وهو الجرحُ، والكلامُ يؤثِّر في المخاطب قال:
553 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وجُرْحُ اللسانِ كجُرْحِ اليَدِ
ويُطْلَقُ الكلامُ لغةً على الخطِّ والإِشارةِ كقوله:
554 - إذا كَلَّمَتْنِي بالعيونِ الفواتِرِ ... رَدَدْتُ عليها بالدموعِ البوادِرِ
وعلى النفساني، قال الأخطل:
555 - إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما ... جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دَلِيلا
قيل: ولم يُوْجَدْ هذا البيتُ في ديوان الأخطل، وأمَّا عند النحويين فلا يُطْلَقُ إلا على اللفظِ المركَّب المفيدِ بالوَضْع.
قوله: {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} متعلِّقٌ ب {يُحَرِّفُونَهُ} . والتحريفُ: الإِمالة والتحويلُ، و» ثم «للتراخي: إمَّا في الزمانِ أو الرتبةِ، و» ما «يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أي: ثم يُحَرِّفون الكلامَ من بعدِ المعنى الذي فَهِموه وعَرفوه. ويجوزُ أن تكونَ مصدريةً والضميرُ في» عَلَقوه «يعودُ حينئذٍ على الكلامِ، أي مِنْ بعدِ تَعَقُّلِهِم إياه. قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملةٌ حاليةٌ، وفي العاملِ فيها قولان، أحدهما: {عَقَلُوهُ} ، ولكنْ يلزَمُ منه أن تكونَ حالاً مؤكدةً، لأنَّ معناها قد فُهِمَ مِنْ قولِه» عَلَقُوه «والثاني: وهو الظاهرُ، أنه يُحَرِّفونه، أي يُحَرِّفونه حَالَ عِلْمِهِم بذلك.
2:76Page 11
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦
And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allāh has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?
قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ} . . الآية، قد تقدَّم نظيرُها أولَ السورةِ، وقد تقدَّم الكلامُ على مفرداتها وإعرابها، فأغنى ذلك من الإِعادة.
وهذه الجملةُ الشرطيةُ تحتملُ وجهَيْن، أحدُهما: أن تكونَ مستأنفةً كاشفةً عن أحوال اليهودِ والمنافقين. والثاني: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ معطوفةً على الجملة الحالية قبلها وهي: «وقد كان فريقٌ» والتقدير: كيف تطمعون في إيمانِهم وحالُهم كَيْتَ وكَيْتَ؟ وقرأ ابن السَّمَيْفَع: لاقُوا، وهو بمعنى لَقوا، فَاعَل بمعنى فَعِل نحو: سافر وطارَقْتُ النعل.
قوله: {بِمَا فَتَحَ الله} متعلِّقٌ بالتحديث قبلَه، وما موصولةٌ بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ أي: فَتَحَه الله. وأجازَ أبو البقاء أن تكونَ نكرةً موصوفةً أو مصدريةً، أي: شيءٌ فَتَحه، فالعائدُ محذوفٌ أيضاً، أو بفتحِ الله عليكم. وفي جَعْلِها مصدريةً إشكالٌ من حيثُ إن الضميرَ في قولِه بعد ذلك: {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ} عائدٌ على «ما» هذا هو الظاهرُ، وما المصدريةُ حرفٌ لا يعودِ عليها ضميرٌ على المشهورِ خلافاً للأخفشِ وأبي بكر بن السراج، إلا أَنْ يُتَكَلَّفَ فيُقال: الضميرُ يعودُ على المصدرِ المفهومِ من قوله: {أَتُحَدِّثُونَهُم} أو من قوله فَتَح، أي: لِيحاجُّوكم بالتحديثِ الذي حُدِّثْتُمُوه، أو بالفتح الذي فَتَحه الله عليكم. والجملةُ من قولِهِ: «أتُحَدِّثونهم في محلِّ نصبٍ بالقَوْل، والفتحُ هنا معناه الحكمُ والقَضاءُ، وقيل: الفَتَّاحُ: القاضي بلغةِ اليمن، وقيل الإِنزالُ. وقيل: الإِعلامُ/ أو التبيينُ بمعنى أنه بَيَّنَ لكم صفة محمدٍ عليه السلام، أو المَنُّ بمعنى ما مَنَّ عليكم به من نَصْرِكم على عَدُوِّكم، وكلُّ هذه أقوالٌ مذكورةٌ في التفسيرِ.
قوله: {لِيُحَآجُّوكُم} هذه اللامُ تُسَمَّى لامَ كي بمعنى أنها للتعليل، كما أنَّ» كي «كذلك، لا بمعنى أنها تَنْصِبُ ما بعدَها بإضمار ب» كي «كما سيأتي، وهي حرفُ جرٍّ، وإنما دَخَلَتْ على الفعل لأنه منصوبٌ بأَنْ المصدريةِ مقدرةً بعدها، فهو معها بتأويل المصدرِ أي للمُحاجَّةِ، فلم تَدْخُلْ إلا على اسم لكنه غيرُ صريح. والنصبُ بأَنْ المضمرةِ كَما تقدَّم لا بكَيْ خلافاً لابن كيسان والسيرافي وإن ظَهَرَتْ بعدها نحو قولِه تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} [الحديد: 23] لأن» أَنْ «هي أُمُّ البابِ، فادِّعاءُ إضمارِها أَوْلَى مِنْ غيرِها. وقال الكوفيون:» النصبُ باللامِ نفسِها، وأَنَّ ما يظهر بعدَها من كي وأَنْ إنما هو على سبيلِ التأكيد «، وللاحتجاجِ موضعٌ غيرُ هذا من كتب النحو. ويجوز إضمارُ أَنْ وإظهارُها بعد هذه اللامِ إلاَّ في صورةٍ واحدةٍ وهي ما إذا وقع بعدها» لا «نحو قوله: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} [الحديد: 29] ، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ} [البقرة: 150] ، وذلك لِما يَلْزَمُ من توالي لاَميْن فيثقُل اللفظُ. والمشهورُ في لغةِ العربِ كَسْرُ هذه اللامِ لأنها حرفُ جر وفيها لُغَيَّةٌ شاذَّةٌ وهي الفتح.
وهذه اللامُ متعلقةٌ بقوله: «أَتُحَدِّثُونهم» . وذهب بعضُهم إلى أنَّها متعلقةٌ ب «فَتَحَ» ، وليس بظاهرٍ، لأنَّ المُحاجَّةِ ليست علة للفتح، وإنما هي نَشَأَتْ عن التحديث، اللهم إلا أَنْ يُقالَ: تَتَعَلَّقُ به على أنها لامُ العاقبة، وهو قولٌ قيل بهِ فصارَ المعنى أنَّ عاقبةَ الفتحِ ومَآلَة صارَ إلى أَنْ حاجُّوكم، أو تقول: إنَّ اللام لامُ العِلَّة على بابِها، وإنَما تَعَلَّقَتْ بفَتْحِ لأنه سببٌ للتحديث، والسَّبَبُ والمُسَبَّبُ في هذا واحدٌ. قوله: «به» الضميرُ يعودُ على «ما» من قوله: {بِمَا فَتَحَ الله} وقد تقدَّم أنه يضعفُ القولُ بكونِها مصدريةً، وأنه يجوز أن يعود على أحدِ المصدَرَيْنِ المفهومين من «أَتُحَدِّثُونهم» و «فتح» .
قوله: {عِنْدَ رَبِّكُمْ} ظرفٌ معمولٌ لقولِه: {لِيُحَآجُّوكُم} بمعنى لِيحاجُّوكم يومَ القيامة، فًَكَنَى عنه بقوله: {عِنْدَ رَبِّكُمْ} ، وقيل: «عندَ» بمعنى في، أي: ليحاجُّوكم في ربكم، أي: فيكونون أَحَقَّ به منكم. وقيل: ثَمَّ مضَافٌ محذوفٌ أي: عند ذِكْرِ ربِّكم، وقيل: هو معمولٌ لقولِه: {بِمَا فَتَحَ الله} أي بما فتح اللهُ مِنْ ربكم ليحاجُّوكم، وهو نَعْتُه عليه السلام وأَخْذُ ميثاقِهم بتصديقِه. ورجَّحه بعضُهم وقال: «هو الصحيح، لأنَّ الاحتجاجَ عليهم هو بما كانَ في الدنيا» وفي هذا نظرٌ مِنْ جهةِ الصناعة، وذلك أنَّ {لِيُحَآجُّوكُم} متعلقٌ بقوله: {أَتُحَدِّثُونَهُم} على الأظهرِ كما تقدَّم فيلزَمُ الفَصْلُ به بين العاملِ وهو فَتَح وبين معمولِه وهو عند ربك وذلك لا يجوزُ لأنه أجنبيٌّ منهما.
قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تقدَّم الكلامُ على نظيرَتِها. وفي هذه الجملةِ قولان: أحدُهما [أنها] مندرجَةٌ في حَيِّز القولِ. والثاني أنها من خطابِ الله تعالى للمؤمنين بذلك فَمَحَلُّها النصبُ على الأولِ ولا محلَّ لها على الثاني، ومفعولُ {تَعْقِلُونَ} يجوزُ أن يكونَ مراداً ويجوزُ ألاَّ يكونَ.
2:77Page 12
أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧
But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?
قوله تعالى: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله} . . تقدَّم أنَّ مذهبَ الجمهورِ أنَّ النيةَ بالواوِ التقديمُ على الهمزةِ لأنَّها عاطفةٌ، وإنما أُخِّرَتْ عنها لقوةِ همزةِ الاستفهام، وأنَّ مذهبَ الزمخشري تقديرُ فِعْلٍ بعدَ الهمزةِ، ولا للنفي. و {أَنَّ الله يَعْلَمُ} يجوزُ أن تكونَ في محلِّ نصبٍ، وفيها حينئذٍ تقديران، أحدُهما أنَّها سادَّةٌ مسَدَّ مفردٍ إن جَعَلْنَا عَلِمَ بمعنى عَرَف، والثاني: أنها سادةٌ مَسَدَّ مفعولَيْن إنْ جَعَلْنَاها متعديةً لاثنين كظنَنْتُ، وقد تقدَّم أنَّ هذا مذهبُ سيبويهِ والجمهور، وأنَّ الأخفشَ يَدَّعي أنها سَدَّتْ مَسَدَّ الأول والثاني محذوفٌ، و «ما» يجوز أن تكونَ بمعنى الذي وعائدُها محذوف، أي: ما يُسِرُّونه ويُعْلِنُونه، وأن تكونَ مصدريةً أي: يعلم سِرَّهم وعَلَنَهم، والسِرُّ والعلانِيَةُ متقابِلان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences