As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:78–82
2:78Page 12
وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨
And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.
قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} . . «منهم» خبرٌ مقدَّمٌ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. و «أمِّيُّون» مبتدأٌ مؤخر، ويجوزُ على رأي الأخفشِ أن يكونَ فاعلاً بالظرف قبلَه وإنْ لم يَعتمدْ، وقد بَيَّنْتُ على ماذا يعتمد فيما تقدَّم. «وأمِّيُّون جمع أُمّيّ وهو مَنْ لا يكتب ولا يقرأ، واختُلف في نسبته، فقيل: إلى الأُم وفيه معنيان: أحدُهما: أنه بحال أمِّه التي وَلَدَتْه مِنْ عَدَمِ معرفةِ الكتابة وليس مثلَ أبيه، لأن النساءَ ليس منْ شُغْلِهِنَّ الكتابةُ. والثاني: أنَّه بحاله التي وَلَدَتْهُ أمُّه عليها لم يتغيَّرْ عنها ولم يَنْتَقِلْ. وقيل: نُسِبَ إلى الأُمَّة وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، بمعنى أنه ليس له من الناسِ إلا ذلك. وقيل: نسب إلى الأُمَّة على سَذاجَتِها قبل أن تَعْرِفَ الأشياء كقولهم: عامِّي أي: على عادة العامَّة. وعن ابن عباس:» قيل لهم أمِّيُّون لأنهم لم يُصَدِّقوا بأم الكتاب «وقال أبو عبيدة:» قيل لهم أُمِّيُّون لإِنزالِ الكتابِ عليهم كأنهم نُسبوا لأُمِّ الكتاب «.
وقرأ ابن أبي عبلة:» أُمِّيُون «بتخفيف الياء، كأنه اسْتُثْقَلَ تواليَ تضعيفين.
قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ} جملةٌ فعلية في محلِّ رفعٍ صفةً لأمِّيُّونُ، كأنه قيل: أُمِّيُّون غيرُ عالمين.
قوله: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} هذا استثناءٌ منقطعُ، لأن الأمانيَّ ليست من جنسِ الكتابِ، ولا مندرجةٌ تحتَ مدلولِه، وهذا هو المنقطعُ، ولكنَّ شرطه أن يُتَوَهَّمَ دخولُه بوجهٍ ما كقولِه: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} [النساء: 157] / وقولِ النابغة:
556 - حَلَفْتُ يميناً غيرَ ذي مَثْنَوِيَّةٍ ... ولا عِلْمَ إلا حُسْنُ ظنٍّ بصاحبِ
لأنَّ بِذِكْرِ العلم استُحْضِرَ الظنُّ، ولهذا لا يَجُوز: صَهَلَت الخيلُ إلا حماراً.
واعلمْ أنَّ المنقطعَ على ضَرْبَيْن: ضربٍ يَصِحُّ تَوَجُّهُ العاملِ عليه نحو:» جاء القومُ إلا حماراً «وضربٍ لا يتوجَّهُ نحو ما مَثَّل به النحويون:» ما زاد إلا ما نَقَصَ، وما نَفَعَ إلا ما ضَرَّ «فالأول فيه لغتان: لغةُ الحجازِ وجوبُ نصبهِ ولغةُ تميمٍ أنه كالمتصل، فيجوزُ فيه بعد النفي وشِبْهِهِ النصبُ والإِتباعُ، والآيةُ الكريمة من الضَرْب الأول، فيَحْتملُ نصبُها وجهين، أَحَدُهُما: على الاستثناء المنقطع، والثاني: أنه بدلٌ من الكتاب، و» إلا «في المنقطع تُقَدَّر عند البصريين ب» لكن «وعند الكوفيين ب» بل «. وظاهرُ كلام أبي البقاء أن نَصْبَه على المصدرِ بفعلِ محذوفٍ، فإنَّه قال: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} استثناء منقطع، لأنَّ الأمانيَّ ليس من جنسِ العلم، وتقديرُ» إلاَّ «في مثلِ هذا ب» لكنْ «، أي: لكنْ يتَمنَّونه أمانيَّ، فيكونُ عندَه من بابِ الاستثناء المفَرَّغِ المنقطعِ، فيصيرُ نظيرَ:» ما علمتُ إلا ظناً «وفيه نظرٌ.
والأمانيُّ جمع أُمْنِيَّة بتشديد الياء فيهما.
وقال أبو البقاء: «يجوز تخفيفُها فيهما» . وقرأ أبو جعفر بتخفيفها، حَذَفَ إحدى الياءَين، تخفيفاً، قال الأخفش: «هذا كما يُقال في جمعِ مفتاح: مفاتح ومفاتيح» ، قال النحاس: «الحَذْفُ في المعتلِّ أكثرُ» وأنشد قول النابغة:
557 - وهل يُرْجِعُ التسليمَ أو يَكْشِفُ العمى ... ثلاثُ الأَثافي والرسومُ البلاقِعُ
وقال أبو حاتم: «كلُّ ما جاء واحدُه مشدَّداً من هذا النوع فلك في الجمعِ الوجهان» وأصلُه يَرْجِعُ إلى ما قال الأخفش. ووزن أُمْنِيَّة: أُفْعُولة من منَّى يُمَنِّي إذا تلا وقرأ، قال:
558 - تَمَنَّى كتابَ اللهِ آخرَ ليلِهِ ... تَمَنِّىِ داودَ الزبورَ على رِسْلِ
وقال كعب بن مالِك:
559 - تَمَنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ لَيلهِ ... وآخِرَه لاقى حِمامَ المقادِرِ
وقال تعالى: «إلا إذا تَمَنَّى ألقى الشيطانُ في أُمْنِيَّتِهِ» ، أيَ: قَرَأَ وتَلا، فالأصلُ على هذا: أُمْنُوية، فاعتلَّت اعتلالَ ميِّت وسيِّد، وقد تقدَّم. وقيل: الأمنيَّةُ الكذبُ والاختلاقُ. وقيل ما يتمنَّاه الإِنسان ويَشْتهيه. وقيل: ما يُقَدِّرُه وَيَحْزِرُه مِنْ مَنَّى إذا كَذَبَ أو تمنَّى أو قدَّر، كقوله:
560 - لا تأْمَنَنَّ وأنْ أمْسَيْت في حَرَمٍ ... حتى تُلاقِي ما يَمْني لكَ الماني
أي: يقدِّر لك المقدِّرُ. وقال الراغب: «والمَنْيُ القَدْرُ، ومنه» المَنا «الذي يُوزَنُ به، ومنه: المَنِيَّة وهو الأجَل المقدَّرُ للحيوان، والتمنِّي: تقديرُ شيءٍ في النفسِ وتصويرُه فيها، وذلك قد يكونُ عن ظَنٍّ وتخمين، وقد يكونُ بناءً على رَوِيَّةٍ وأصلٍ، لكنْ لمَّا كان أكثرُه عن تَخْمينٍ كان الكذبُ أَمْلَكَ له، فأكثرُ التمنِّي تصوُّرُ ما لا حقيقةَ له، والأُمْنِيَةُ: الصورةُ الحاصلةُ في النفسِ مِنْ تمنِّي الشيءِ، ولمَّا كان الكذبُ تَصَوُّرَ ما لا حقيقة له وإيرادَه باللفظِ صار التَمنِّي كالمبدأ للكذبِ [فعُبِّر به عنه، ومنه قولُ عثمانَ رضي اللهُ عنه:» ما تَغَنَّيْتُ ولا تَمَنَّيْتُ منذ أَسلمْتُ «] . وقال الزمخشري:» والاشتقاقُ من مَنَّى إذا قدَّر، أن المتمنِّي يُقَدِّر في نفسِه ويَحْزِرُ ما يتمنَّاه، وكذلك المختلقُ، والقارئُ يقدِّر أنَّ كلمةَ كذا بعد كذا «فجَعَلَ بين هذه المعاني قَدْراً مشتركاً وهو واضحٌ.
قولُه: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} » إنْ «نافيةٌ بمعنى ما، وإذا كانت نافيةً فالمشهورُ أنها لا تعملُ عملَ» ما «الحجازيةِ، وأجاز بعضُهم ذلك ونَسَبه لسيبويهِ وأَنْشدوا:
561 - إنْ هُوَ مستولياً على أَحَدٍ ... إلاَّ على أَضْعَفِ المجانين
و» هو «اسمُها و» مستولياً «خبرُها، فقولُه» هم «في محلِّ رفعٍ بالابتداء، لا اسم» إنْ «لأنها لم تَعْمَل على المشهور، و» إلاَّ «للاستثناء المفرغ، و» يَظُنُّونَ «في محلِّ الرفع خبراً لقولِه» هم «وحَذَفَ مفعوليَ الظنِّ للعلمِ بهما، أو اقتصاراً، وهي مسألةُ خلافِ.
2:79Page 12
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩
So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.
قولُه تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ} . . وَيْلٌ مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كانَ نكرةً لأنه دعاءٌ عليهم، والدعاءُ من المسوِّغاتِ سواءً كان دعاءً له نحو: «سلامٌ عليكم، أو عليه كهذه الآية، والجارُّ بعده الخبرُ فيتعلًّقُ بمحذوف. وقال أبو البقاء:» ولو نُصِبَ لكانَ له وجهٌ على تقدير: أَلْزَمَهم الله ويلاً، واللامُ للتبيين لأنَّ الاسمَ لم يُذْكَرْ قَبْلَ المصدر «يعني أنَّ اللامَ بعد المنصوبِ للبيانِ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، وقولُه:» لأنَّ الاسم «يعني أنه لو ذُكِرَ قبلَ» ويلَ «فقلت:» ألزم الله زيداً ويلاً «لم يَحْتَجْ إلى تبيين بخلاف ما لو تأخر، وعبارةُ الجَرْميّ توهم وجوبَ الرفعِ في المقطوعِ عن الإضافة، ونَصَّ الأخفش على جوازِ النصبِ فإنه قال:» ويجوزُ النصبُ على إضمار فعلٍ أي: أَلْزمهم الله ويلاً «.
واعلم أن ويلاً وأخواتِه وهي: وَيْح ووَيْس ووَيْب وعَوْل من المصادرِ المنصوبةِ بأفعالٍ من غير لفظِها، وتلك الأفعالُ واجبةُ الإِضمارِ، لا يجوز إظهارُها البتة أنها جُعِلَتْ بدلاً من اللفظ بالفعلِ، وإذا فُصِل عن الإِضافةِ فالأحسنُ فيه الرفعُ، نحوَ:» وَيْلٌ له «وإن أُضِيفَ نُصِبَ على ما تقدَّم، وإن كان عِبارةُ الجرميّ توهُم وجوبَ الرفعِ عند قَطْعِه عن الإِضافة فإنه قال:» فإذا أَدْخَلْتَ اللامَ رَفَعْتَ فقلت: ويلٌ له، وَوَيْحٌ له «كأنه يُريد على الأكثر، ولم يَسْتعمل العربُ منه فعلاً لاعتلالِ عينه وفائِه، وقد حَكى ابن عرفة:» تَوَيَّلَ الرجلُ «إذا دَعا بالوَيْل، وهذا لا يَرُدُّ، لأنه مثلُ قولهم:» سَوَّفْتَ ولَوْلَيْتَ «إذا قلتَ: له سوفَ ولو.
ومعنى الوَيْلِ شِدَّةُ الشر قاله الخليل، وقال الأصمعي: الوَيْلُ: التفجُّع، والوَيْل: الترحُّم. وقال سيبويه:» وَيْل، لِمَنْ وَقَعَ في الهَلَكَة، ووَيْحٌ زَجْرٌ لمَنْ أَشْرَفَ على الهَلاك «وقيل: الويلُ الحُزن، وهل ويْل ووَيْح ووَيْس ووَيْب بمعنى واحد أو بينها فرقٌ؟ خلافٌ، وقد تقدَّم ما فرَّق به سيبويه في بعضِها. وقال قومٌ: وَيْلٌ في الدُّعاء عليه، ووَيْحٌ وما بعدَه ترحُّمٌ عليه. وزعم الفرّاء أن أصلَ وَيْل: وَيْ أَي حُزْن، كما تقول: وَيْ لفلان، أي حُزْن له، فَوَصَلَتْه العربُ باللام، وقَدَّرَتْ أنَّها منه فَأَعْرَبوها وهذا غريبٌ جداً. ويقال: وَيْل وويلَة بالتاء، وقال امروء القيس:
562 - له الويلُ إنْ أَمْسى ولا أمُّ عامرٍ ... لَدَيْهِ ولا البَسْباسَةُ ابنةُ يَشْكُرا
وقال أيضاً: 563 - ويومَ دَخَلْتَ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ ... فقالَتْ: لَكَ الوَيْلاتُ إنَّك مُرْجِلي
فويلات جمع وَيْلَة لا جمعُ وَيْل كما زَعَم ابن عطية/ لأنَّ جمعَ المذكر بالألفِ والتاءِ لا يَنقَاسُ.
قوله {بِأَيْدِيهِمْ} متعلِّقٌ بيكُتبون، ويَبْعُدُ جَعْلُه حالاً من» الكتاب «، والكتابُ هنا بمعنى المكتوب، فنصبُه على المفعولِ به، ويَبْعُدُ جَعْلُهُ مصدراً على بابِه، وهذا من بابِ التأكيد فإن الكُتْبَةَ لا تكون بغير اليدِ، ونحوُه:
{وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] ، {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} [آل عمران: 167] . وقيل: فائدةُ ذكره أنَّهم باشَرُوا ذلك بأنفسِهم ولم يَأَمُروا به غيرَهم، فإنَّ قولَك: فَعَلَ فلانٌ كذا يَحْتملُ أنه أمر بفعلِه ولم يُباشِرْه، نحو: بنى الأميرُ المدينةَ، فأتى بذلِك رَفْعاً لهذا المجازِ. وقيل: فائدتُه بيانُ جُرْأَتِهم ومُجَاهَرَتِهم، فإنَّ المباشِرَ للفعل أشدُّ مواقعةً مِمَّنْ لم يباشِرْه. وهذان القولان قريبان من التأكيد، فإنَّ أصلَ التأكيدِ رفْعُ توهُّمِ المجاز. وقال ابن السَّرَّاج: «ذِكْرُ الأيدي كنايةٌ عن أنهم اختلقوا ذلك من تِلقائهم ومِنْ عندِ أنفسِهم» وهذا الذي قاله لا يَلْزَمُ.
والأيدي جمعُ يَدٍ، والأصلُ: أَيْدُيٌ بضمِّ الدالِ كفَلْس وأَفْلُس في القلة فاستُثْقِلَت الضمةُ قبل الياءِ فَقُلِبَت كسرةً للتجانسِ نحو: بِيْض جمعَ أَبْيض، والأصلُ: بُيْض بضم الياء كحُمْر جمع أَحْمر، وهذا رأيُ سيبويه، أعني أنه يُقِرُّ الحرفَ ويُغَيِّر الحركةَ ومذهبُ الأخفشِ عكسُه، وسيأتي تحقيقُ مذهَبَيْهما عند ذِكْرِ «معيشة» إنْ شاء الله تعالى.
وأصل يَد: يَدْي بسكونِ العَيْنِ، وقيل: يَدَي بتحريكِها، فتحرَّك حرفُ العلة وانفتَح ما قبلَه فقُلِب ألفاً فصارَ يداً كَرَحَىً، وعليه التثنيةُ: يديان، وعليه أيضاً قوله:
564 - يا رُبَّ سارٍ باتَ لن يُوَسَّدا ... تحتَ ذِراعِ العَنْسِ أو كفَّ اليَدا
والمشهورُ في تثنيتها عَدَمُ ردِّ لامِها، قال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] ، وقد شَذَّ الردُّ في قوله: «يَدَيانِ:
565 - يَدَيَان بَيْضَاوان عِندَ مُحَلِّمٍ ... قد يَمْنَعانِكَ أَنْ تُضَامَ وتُقْهَرا
وأيادٍ جمعُ الجمعِ نحو: كَلْبَ وأَكْلُب وأكالب. ولا بدَّ في قوله: {يَكْتُبُونَ الكتاب} مِنْ حَذْفٍ يَصِحُّ معه المعنى، فقدَّره الزمخشري:» يكتبونَ الكتابَ المحرَّفَ «وقدَّرَه غيرُه حالاً من الكتاب تقديرُه: يكتُبون الكتابَ مُحَرَّفاً، وإنما أَحْوَجَ إلى هذا الإِضمارِ لأنَّ الإِنكارَ لاَ يَتَوَجَّهُ على مَنْ كَتَب الكتاب بيده إلا إذا حَرَّفه وغَيَّره.
قوله: {لِيَشْتَرُواْ} اللامُ لامُ كي، وقد تقدَّمت. والضميرُ في» به «يعودُ على ما أشاروا إليه بقولِهم: {هذا مِنْ عِنْدِ الله} و» ثمناً «مفعولُه، وقد تقدَّم تحقيقُ دخولِ الباءِ على غيرِ الثمن عند قولِه: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41] فَلْيُلْتَفَتْ إليه، واللامُ متعلقةٌ بيقولون، أي: يقولونَ ذلك لأجلِ الاشتراءِ. وأَبْعَدَ مَنْ جَعَلَها متعلقةً بالاستقرارِ الذي تضمَّنه قولُه {مِنْ عِنْدِ الله} .
قوله: {مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} متعلِّقٌ بوَيْل أو بالاستقرارِ في الخبر، و» مِنْ «للتعليلِ، و» ما «موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوفٌ، ويجوزُ أن تكونَ نكرةً موصوفةً وليس كقوةِ الأولِ والعائدُ أيضاً محذوفٌ أي: كَتَبَتْهُ، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً أي: مِنْ كَتْبِهم، و {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} مثلُ ما تقدَّم قبلَه، وإنما كرَّر» الوَيْل «ليُفيدَ أنَّ الهَلَكَة متعلقةٌ بكلِّ واحدٍ من الفِعْلَيْنِ على حِدَتِه لا بمجموعِ الأمرَيْنِ، وإنَّما قَدَّم قولَه:» كَتَبَتْ «على» يَكْسبون «لأن الكتابةَ مُقَدَّمةٌ فنتيجتُها كسبُ المالِ، فالكَتْبُ سببٌ والكسبُ مُسَبَّبٌ، فجاء النَّظْمُ على هذا.
2:80Page 12
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠
And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"
قوله تعالى: {إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} . . هذا استثناءٌ مفرَّغٌ، فأيَّاماً منصوبٌ على الظرفِ بالفعلِ قبلَه، والتقديرُ: لَنْ تَمَسَّنا النارُ أبداً إلا أياماً قلائلَ يَحْصُرُها العَدُّ، لأن العَدَّ يَحْصُر القليلَ، وأصلُ أَيَّام: أَيْوام لأنه جمعُ يوم، نحو: قَوْم وأَقْوامٍ، فاجتمع الياءُ والواوُ وَسَبَقَتْ إحداهُما بالسكونِ فَوَجَبَ قَلْبُ الواوِ ياءً وإدغامُ الياءِ في الياءِ، مثل هيّن وميّت.
قوله: {أَتَّخَذْتُمْ} الهمزةُ للاستفهامِ، ومعناهُ الإِنكارُ والتقريعُ، وبها استُغْنِيَ عن همزةِ الوصل الداخلةِ على «اتَّخَذْتُم» كقوله: {أفترى عَلَى الله} [سبأ: 8] ، {أَصْطَفَى} [الصافات: 153] وبابه. وقد تقدَّم القولُ في تصريفِ {اتخذتم} [البقرة: 67] وخلافُُ أبي علي فيها. ويُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ هنا متعديةً لواحد. قال أبو البقاء: «وهو بمعنى جَعَلْتُم المتعدية لواحد» ، ولا حاجةَ إلى جَعْلِها بمعنى «جَعَل» في تعدِّيها لواحد، بل المعنى: هل أَخَذْتُم مِنَ اللهَ عَهْداً، ويُحتملُ أَنْ تتعدى لاثنين، والأولُ «عهد» ، والثاني «عند الله» مقدَّماً عليه، فعلى الأولِ يتعلَّقُ «عند الله» باتَّخَذْتُمْ، وعلى الثاني يتعلَّقُ بمحذوفٍ. ويجوزُ نَقْلُ حركةِ همزةِ الاستفهامِ إلى لام «قُلْ» قبلَها فَتُفْتَحُ وتُحْذَفُ الهمزةُ وهي لغةٌ مطَّرِدَةٌ قرأَ بها نافع في روايةِ ورش عنه.
قوله: {فَلَنْ يُخْلِفَ الله} هذا جوابُ الاستفهامِ المتقدِّمِ في قوله: {أَتَّخَذْتُمْ} وهل هذا بطريقِ تضمينِ الاستفهامِ معنى الشرطِ، أو بطريقِ إضمار الشرطِ بعدَ الاستفهامِ وأخواتِهِ؟ قولان، تقدَّم تحقيقُهما. واختار الزمخشري القولَ الثاني، فإنه قال: {فَلَنْ يُخْلِفَ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: إن اتَّخَذْتُمْ عندَ الله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عهدَه «. وقال ابنُ عطية:» فلن يُخْلِف اللهُ عهدَه: اعتراضٌ بين أثناءِ الكلامِ. كأنه يَعْني بذلك أنَّ قولَه: «أم تَقُولون» مُعادِلٌ لقولِه: «أَتَّخَذتم» فَوَقَعَتْ هذه الجملةُ بين المتعادِلَيْنِ معترضةً، والتقديرُ: أيُّ هذين واقعٌ؟ اتِّخاذِكم العهدَ أم قولِكم بغيرِ علمٍ، فعلى هذا لا محلَّ لها من الإِعراب، وعلى الأول محلُّها الجَزْمُ.
قوله: {أَمْ تَقُولُونَ} أمْ «هذه يجوزُ فيها وجهانِ، أحدُهما: أَنْ تكونَ متصلةً فتكونَ للمعادلةِ بين الشيئين، أي: أيُّ هذين واقعٌ، وأَخْرَجَهَ مُخْرَجَ المتردِّدِ فيه، وإنْ [كان] قد عُلِم وقوعُ أحدِهما، وهو قولُهم على اللهِ ما لا يعلمون للتقرير، ونظيرُه: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] وقد عُلِمَ أيُّهما على هدىً وأيُّهما في ضلالِ، وقد عَرَفْتَ شروطَ المتصلةِ أولَ السورة. ويجوزُ أن تكونَ منقطعةً، فتكونَ غيرَ عاطفةٍ، وتُقَدَّر ب بل والهمزةِ/ والتقديرُ: بل أتقولون، ويكونُ الاستفهامُ للإِنكارِ لأنه قد وقع القولُ منهم بذلك، هذا هو المشهورُ في أمِ المنقطعةِ. وزعم جماعةٌ أنها تُقَدَّر ب» بل «وجدَها دونَ همزةِ استفهامٍ، فَيُعْطَفُ ما بعدَها على ما قبلها في الإِعرابِ، واستدَلَّ عليه بقولِهم: إنَّ لنا إبلاً أَمْ شاءً، بنصْبِ» شاء «وقول الآخر:
566 - وَليْتَ سليمى في المَنَامِ ضَجيعتي ... هنالِكَ أَمْ في جنةٍ أَمْ جَهَنَّمِ
تقديره: بل في جهنَّمَ، ولو كانَتْ همزةُ الاستفهامِ مقدَّرةً بعدَها لَوَجَبَ الرفعُ في «شاء» و «جهنم» على أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وليس لقائلٍ أن يقولَ: هي في هذين الموضعينِ متصلةٌ لِمَا عُرِفَ مِنْ أنَّ شرطَها أَنْ تتقدَّمَها الهمزةُ لفظاً أوْ تقديراً، ولا يَصْلُحُ ذلك هنا.
قوله: {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} «ما» منصوبةٌ بتقولون، وهي موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرةٌ موصوفةٌ، والعائدُ على كِلا القَوْلَيْنِ محذوفٌ، أي: ما لا تعلمونه، فالجملة لا محلَّ لها على القولِ الأولِ، ومحلُّها النصبُ على الثاني ولا يَجُوزُ أن تكونَ هنا مصدريةً.
2:81Page 12
بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١
Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
قوله تعالى: {بلى} . . حَرْفُ جوابٍ كنَعَم وجَيْرِ وأَجَلْ وإي، إلاَّ أَنَّ «بلى» جوابٌ لنفي متقدِّمٍ، سواءً دخلَه استفهامٌ أم لا، فيكونُ إيجاباً له نحو قول القائلِ: ما قام زيدٌ فتقولُ: بلى، قد قام، وتقول: أليس زيداً قائماً؟ فتقول بلى، أي: هو قائم، قال تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172] ويُروى عن ابن عباس أنهم لو قالوا: نَعَمْ لَكَفروا. فأمَّا قولُه:
567 - أليسَ الليلُ يَجْمَعُ أُمَّ عمروٍ ... وإيَّانا فَذَاكَ بِنا تَدانِي
نَعَمْ وترى الهلالَ كما أَراه ... وَيعْلُوها النهارُ كما عَلاني
فقيل: ضرورةٌ، وقيل: نَظَرَ إلى المعنى؛ لأنَّ الاستفهامَ إذا دَخَل على النفي قَرَّره، وبهذا يُقال: فكيفَ نُقِل عن ابنِ عباس أنَّهم لو قالوا نعم لكَفروا، مع أنَّ النفي صَار إيجاباً؟ وقيل: قَوْلُه: «نعم» ليس جواباً ل «أليس» إنما هو جوابٌ لقولِه: «فذاكَ بنا تَداني» فقوله تعالى: «بلى» رَدٌّ لقولِهم: {لَن تَمَسَّنَا النار} أي: بلى تَمَسُّكم أبداً، بدليلِ قولِه: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قاله الزمخشري، يريد أن «أبداً» في مقابَلَةِ قولهم: {إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} وهو تقديرٌ حَسَنٌ. والبصريون يَقُولون: إنَّ «بلى» حرفٌ بسيطٌ. وزعم الكوفيون أنَّ أصلها بل التي للإِضراب، زِيْدَتْ عليها الياء ليَحْسُنَ الوقف عليها، وضُمِّنت الياء معنى الإِيجاب، قيل: تَدُلُّ على رَدِّ النفي والياءُ تَدُلُّ على الإِيجابِ، يَعْنُون بالياءِ الألفَ، وإنما سَمَّوْها ياءً لأنَّها تُمال وتُكْتَبُ بالياءِ، ولتحقيقِ المذهبين موضعٌ غيرُ هذا، وسيأتي الكلامُ إن شاء الله في بقيةِ حروفِ الجواب.
قولُه: {مَن كَسَبَ} يجوزُ «مَنْ» وجهان، أحدُهما: أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي. والخبرُ قولُه: «فأولئك» ، وجازَ دخولُ الفاءِ في الخبر لاستكمالِ الشروطِ المذكورةِ فيما تقدَّم. ويؤيِّد كونَها موصوفةً ذِكْرُ قَسيمِها موصولاً وهو قولُه: {والذين كَفَرواْ} ، ويجوزُ أن تكونَ شرطيةً، والجوابُ قولُه «فأولئك» وعلى كِلا القولين فمَحَلُّها الرفعُ بالابتداء، لكنْ إذا قلنا إنها موصولةٌ كان الخبر: «فأولئك» وما بعد بلا خلافٍ، ولا يكونُ لقولِه {كَسَبَ سَيِّئَةً} وما عُطِفَ عليه مَحَلٌّ من الإِعرابِ لوقوعِه صلةً، وإذا قلنا إنها شرطيةٌ فيجيء في خبرها الخلافُ المشهورُ: إمَّا الشرطُ أو الجزاءُ أو هما، حَسْبما تقدَّم، ويكونُ قولُه «كَسَب» وما عُطِفَ عليه في محلِّ جَزْمٍ بالشرط.
و «سَيِّئَةً» مفعولٌ به، وأصلُها: سَيْوِئةَ، لأنَّها من ساءَ يسُوِء، فوزنُها فَيْعِلة، فاجتمعَ الياءُ والواوُ وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فأُعِلَّتْ إعلالَ سَيّد وميّت، وقد تقدَّم. وراعى لفظ «مَنْ» مرةً فأفرَدَ في قوله «كسب» ، و «به» و «خطيئته» ، والمعنى مرةًً أخرى، فَجَمَع في قوله: {فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
وقرأ نافعٌ وأهلُ المدينة: «خطيئاتُه» بجمعِ السلامة، والجمهور: «خطيئتُه» بالإِفراد. ووجهُ القراءتين ينبني على مَعرفة السيئة والخطيئة. وفيهما أقوالٌ «، أحدُهما: أنهما عبارتان عن الكفر بلفظَيْن مختلفين. الثاني: السيئةُ الكفرُ، والخطيئةُ الكبيرةُ. الثالث: عكسُ الثاني. فوجْهُ قراءةِ الجماعة على الأولِ والثالث أنَّ المرادَ بالخطيئةِ الكفرُ وهو مفردٌ، وعلى الوجهِ الثاني أنَّ المرادَ به جنسُ الكبيرةِ. ووجهُ قراءِة نافعٍ على الوجهِ الأول والثالثِ أَنَّ المرادَ بالخطيئات أنواعُ الكفرِ المتجَدِّدَة في كلِّ وقتٍ، وعلى الوجه الثاني أَنَّ المرادَ به الكبائرُ وهي جماعةٌ. وقيل: المرادُ بالخطيئةِ نفسُ السيئةِ المتقدِّمة فسمَّاها بهذين الاسمين تقبيحاً لها، كأنَّه قال: وأَحاطَتْ به خطيئتُه تلك، أي السيئة، ويكونُ المرادُ بالسيئةِ الكفرَ، أو يُراد بهم العصاةُ، ويكونُ أرادَ بالخلودِ المُكْثَ الطويلَ، ثم بعد ذلك يَخْرُجُون.
وقوله: {فأولئك أَصْحَابُ} إلى آخره تقدَّمَ نظيرُه فلا حاجةَ إلى إعادَتِه. وقُرئ» خطاياه «تكسيراً وهذه مخالِفةٌ لسَوادِ المصحفِ، فإنه رُسِم» خطيئتُه «بلفظِ التوحيدِ. وقد تقدَّم القول في تصريف خطايا.
2:82Page 12
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢
But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences