As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:120–135
20:120Page 320
فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ ١٢٠
Then Satan whispered to him; he said, "O Adam, shall I direct you to the tree of eternity and possession that will not deteriorate?"
قوله: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ} : وَسْوَسَ إليه أي: أنهى إليه الوسوسةَ. وأمَّا وَسْوس له فمعناه لأجلِه. الزمخشري: «فإنْ قلتَ: كيف عدى» وَسْوس «تارة باللامِ في قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان} [الأعراف: 20] وأخرى ب إلى؟ قلت: وَسْوَسَةُ الشيطانِ كوَلْوَلَةِ الثَّكْلى ووَقْوَقَةِ الدجاجة في أنها حكاياتٌ للأصواتِ، فحكمُها حكمُ صوتٍ أو جَرْسٍ. ومنه وَسْوَسة المُبَرْسَم، وهو مُوَسْوِس بالكسر. والفتحُ لحنٌ. وأنشد ابن الأعرابي:
3327 - وَسْوَسَ يَدْعو مُخْلِصاً رَبَّ الفَلَقْ ... فإذا قلت: وَسْوَسَ له فمعناه لأجلِه كقوله: 3328 - أجْرِسْ لها يا ابنَ أبي كِباشِ ... ومعنى وَسْوس إليه: أنهى إليه الوَسْوَسة لكونِه بمعنى ذكر له. ويكون بمعنى لأجله.
20:121Page 320
فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١
And they [i.e., Adam and his wife] ate of it, and their private parts became apparent to them, and they began to fasten over themselves from the leaves of Paradise. And Adam disobeyed his Lord and erred.
قوله: {فغوى} : الجمهورُ على فتحِ الواوِ وبعدها ألفٌ. وتفسيرُها واضحٌ. وقيل: معناه بَشِمَ. من قولهم: «غَوِي البعير» بكسر الواو، والياء، إذا أصابه ذلك. وقد حكى أبو البقاء هذه قراءةً وفسَّروها بهذا المعنى. قال الزمخشريُّ: «وعن بعضِهم: فَغَوى فبشِم من كثرةِ الأكل. وهذا وإن صَحَّ على لغةِ مَنْ يَقْلِبُ الياءَ المكسورَ ما قبلَها ألفاً فيقولُ في فَنِي وبَقِي: فَنا وبَقا وهم بنو طيِّىء تفسيرٌ خبيثٌ» . قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على أنه قُرِىء بكسر الواو، ولو اطَّلع عليها لَرَدَّها. وقد فَرَّ القائلُ بهذه المقالةِ مِنْ نسبةِ آدمَ عليه السلام إلى الغَيِّ.
20:122Page 320
ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢
Then his Lord chose him and turned to him in forgiveness and guided [him].
No commentary for this ayah
20:123Page 320
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣
[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise] - all, [your descendants] being enemies to one another. And if there should come to you guidance from Me - then whoever follows My guidance will neither go astray [in the world] nor suffer [in the Hereafter].
No commentary for this ayah
20:124Page 320
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤
And whoever turns away from My remembrance - indeed, he will have a depressed [i.e., difficult] life, and We will gather [i.e., raise] him on the Day of Resurrection blind."
قوله: {ضَنكاً} : صفةٌ ل «معيشة» ، وأصلُه المصدرُ فلذلك لم يُؤَنَّثْ. ويقع للمفردِ والمثنى والمجموعِ بلفظٍ واحدٍ.
وقرأ الجمهورُ «ضَنْكاً» بالتنوينَ وَصْلاً وإبدالِه ألفاً وقفاً كسائِرِ المعربات. وقرأتْ فرقةٌ قوله: «ضنكى» بألفٍ كسكرى. وفي هذه الألف احتمالان، أحدهما: أنها بدلٌ من التنوين، وإنما أجرى الوصلَ مجرى الوقف كنظائرَ له مَرَّتْ. وسيأتي منها بقيةٌ إن شاء الله تعالى. والثاني: أن تكونَ ألفَ التأنيث، بُني المصدرُ على فَعْلى نحو دعوى.
والضَّنْكُ: الضِّيقُ والشِّدة. يُقال منه: ضَنُكَ عيشُه يَضْنُك ضَنَاكة وضَنْكاً. وامرأة ضِناك كثيرةُ لحمِ البدنِ، كأنهم تخيَّلوا ضِيْقَ جِلْدِها به.
وقرأ العامَّةُ «ونَحْشُرُه» بالنونِ ورَفْعِ الفعلِ على الاستئناف. وقرأ أبانُ ابن تغلب في آخرين بتسكينِ الراءِ. وهي محتملةٌ لوجهين، أحدُهما: أن يكونَ الفعلُ مجزوماً نَسَقاً على مَحَلِّ جزاء الشرط، وهو الجملةُ مِنْ قولِه {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً} فإنَّ محلَّها الجزمُ، فه كقراءةِ ِ {مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرْهُمْ} [الأعراف: 186] بتسكين الراء. والثاني: أَنْ يكونَ السكونُ سكونَ تخفيفٍ نحو {يَأْمُرْكُمْ} [البقرة: 67] وبابِه.
وقرأ فرقةٌ بياءِ الغَيْبة وهو اللهُ تعالى أو المَلَك. وأبان بن تغلب في رواية «ونَحْشُرهْ» بسكونِ الهاء وصلاً. وتخريجُها: إمَّا على لغةِ بني عقيل وبني كلاب، وإمَّا على إجراء الوصل مُجرى الوقف. و «أعمى» نصب على الحال.
20:125Page 320
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥
He will say, "My Lord, why have you raised me blind while I was [once] seeing?"
قوله: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} : جملةٌ حالية من مفعولِ «حَشَرْتني» . وفَتَحَ الياءَ مِنْ «حَشَرْتني» قبل الهمزةِ نافعٌ وابن كثير.
20:126Page 321
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦
[Allāh] will say, "Thus did Our signs come to you, and you forgot [i.e., disregarded] them; and thus will you this Day be forgotten."
قوله: {كذلك أَتَتْكَ} : قال أبو البقاء: / «كذلك» في موضعِ نصبٍ أي: حَشْراً مثلَ ذلك، أو فَعَلْنا مثلَ ذلك، أو إتياناً مثلَ ذلك، أو جزاءً مثلَ إعراضِك أو نِسْياناً «. وهذه الأوجهُ التي قالها تكون الكافُ في بعضها نصباً على المصدر، وفي بعضها نَصْباً على المفعول به. ولم يذكر الزمخشريُّ فيه غيرَ المفعولِ به فقال:» أي: مثلَ ذلك فَعَلْتَ أنت، ثم فُسِّر بأنَّ آياتِنا أَتَتْك واضحةً مستنيرةً فلم تنظر إليها بعينِ المُعْتَبِرِ «.
20:127Page 321
وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧
And thus do We recompense he who transgressed and did not believe in the signs of his Lord. And the punishment of the Hereafter is more severe and more enduring.1
قوله تعالى: {وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} : أي: ومثلَ ذلك الجزاءِ نَجْزي مَنْ أسرف.
20:128Page 321
أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨
Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.
قوله: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} : في فاعل «يَهْدِ» أوجهٌ، أحدها: أنه ضميرُ الباري تعالى. ومعنى يَهْدي: يُبَيِّن. ومفعولُ يهدي محذوفٌ تقديرُه: أفلم يُبَيِّنِ اللهُ لهم العبرَ وفِعْلَه بالأمم المكذبة. قال أبو البقاء: «وفي فاعلِه وجهان، أحدهما: ضميرُ اسم الله تعالى، وعَلَّق» بَيَّن «هنا إذا كانَتْ بمعنى اعلمْ، كما عَلَّقه في قولِه تعالى: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [إبراهيم: 45] . قال الشيخ: و» كم «هنا خبريةٌ ل تعَُلِّق العاملَ عنها» . وقال الزمخشري: «ويجوز أَنْ يكونَ فيه ضميرُ اللهِ أو الرسولِ. ويدلُّ عليه القراءةُ بالنونِ.
الوجه الثاني: أنَّ الفاعلَ مضمرٌ يُفَسِّره ما دَلَّ عليه من الكلام بعدَه. قال الحوفي:» كم أَهْلكنا «قد دَلَّ على هلاك القرونِ. التقدير: أفلم يَتَبَيَّن لهم هلاكُ مَنْ أَهْلكنا من القرن ومَحْوُ آثارِهم فيتَّعِظوا بذلك. وقال أبو البقاء:» الفاعلُ ما دَلَّ عليه قوله: {أَهْلَكْنَا} أي إهلاكنا والجملةُ مفسِّرةٌ له «.
الوجه الثالث: أنَّ الفاعلَ نفسُ الجملة بعده. قال الزمخشري:» فاعلُ «لم يَهْدِ» الجملةُ بعده. يريدُ: ألم يَهْدِ لهم هذا بمعناه ومضمونِه. ونظيرُه قولُه تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 79] أي تَرَكْنا عليه هذا الكلامَ «. قال الشيخ:» وكَوْنَ الجملةِ فاعلَ «يَهْدِ» هو مذهبٌ كوفي. وأمَّا تشبيهُه وتنظيرُه بقولِه: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} فإنَّ «تركْنا» معناه معنى القول، فحُكِيَتْ به الجملةُ كأنه قيل: وقُلْنا عليه وأَطْلقنا عليه هذا اللفظ، والجملةُ تحكى بمعنى القولِ كما تُحْكَى بالقولِ «.
الوجهُ الرابعُ: أنه ضميرُ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنه هو المُبَيِّن لهم بما يوحى إليه من أخبار الأممِ السالفةِ والقرونِ الماضية. وهذا الوجهُ تقدَّم نَقْلُه عن أبي القاسم الزمخشري.
الوجهُ الخامسُ: أنَّ الفاعلَ محذوفٌ، قال ابنُ عطية نقلاً عن غيره:» إن الفاعلَ مقدرٌ تقديرُه: الهدى أو الأمرُ أو النظرُ والاعتبار «قال ابن عطية:» وهذا عندي أحسنُ التقادير «.
قال الشيخ:» وهو قولُ المبردِ، وليس بجيدٍ؛ إذ فيه حَذْفُ الفاعلِ وهو لا يجوز عند البصريين، وتحسينُه أَنْ يقالَ: الفاعل مضمر تقديره: يهد هو أي الهدى «، قلت: ليس في هذا القولِ أنَّ الفاعلَ محذوفٌ، بل فيه أنه مقدرٌ، ولفظٌ» مقدرٌ «كثيراً ما يُستعمل في المضمر. وأما مفعولُ» يَهْدِ «ففيه وجهان أحدهما: أنه محذوف. والثاني: أن يكونَ الجملةَ من» كم «وما في حَيِّزها؛ لأنها معلِّقَةٌ له فهي سادَّة مَسَدَّ مفعولِه.
الوجه السادس: أنَّ الفاعلَ» كم «، قاله الحوفي وأنكره على قائله؛ لأنَّ» كم «استفهامٌ لا يَعْمل فيها ما قبلها.
قال الشيخ: «وليست هنا استفهاماً بل هي خبرية» . واختار الشيخ أن يكون الفاعلُ ضميرَ الله تعالى فقال: «وأحسنُ التخاريجِ أن يكونَ الفاعلُ ضميراً عائداً على الله تعالى فكأنه قال: أفلم يبيِّنِ الله. ومفعول» يُبَيِّن «محذوفٌ أي: العبر بإهلاك القرونِ السابقة. ثم قال: {كَمْ أَهْلَكْنَا} أي: كثيراً أَهْلَكْنا ف» كم «مفعولةٌ بأهلكنا، والجملةُ كأنها مفسِّرةٌ للمفعولِ المحذوف ل» يَهْدِ «.
قوله: {مِّنَ القرون} في محلِّ نصبٍ نعتاً ل» كم «لأنها نكرة. ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً من النكرة. ولا يجوزُ أن يكونَ تمييزاً على قواعد البصريين، و» مِنْ «داخلةٌ عليه على حَدِّ دخولِها على غيرِه من التمييزات لتعريفِه.
وقرأ العامَّةُ» يَهْدِ «بياءِ الغَيْبة. وتقدَّم الكلامُ في فاعِله. وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن بالنونِ المُؤْذِنَةِ بالتعظيم، وهي مؤيدةٌ لكونِ الفاعلِ في قراءةِ العامَّةِ ضميرَ الله تعالى.
قوله: {يَمْشُونَ} حالٌ من القرون أو مِنْ مفعولِ» أهلَكْنا «. والضميرُ على هذين عائدٌ على القرونِ المُهْلَكَة. ومعناه: إنَّا أهلكناكم وهم في حالِ أَمْنٍ ومَشْيٍ وتَقَلُّبٍ في حاجاتهم كقوله: {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44] ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في» لهم «. والضميرُ في» يَمْشُون «على هذا عائدٌ على مَنْ عاد عليه الضمير في» لهم «، وهم المشركون المعاصرون لرسول الله صلَّى الله عليه وسلِّم. والعاملُ فيها» يَهْدِ «. / و [المعنى] : أنكم تَمْشُون في مساكن الأمم السالفةِ، وتتصرَّفون في بلادهم، فينبغي أَنْ تعتبروا لئلاَّ يَحُلَّ بكم ما حلَّ بهم. وقرأ ابن السميفع» يُمَشَّوْن «مبنياً للمفعول مضعَّفاً؛ لأنه لَمَّا تعدى بالتضعيف جاز بناؤه للمفعول.
20:129Page 321
وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩
And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].
قوله: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} : في رفعِه وجهان، أظهرُهما: عطفُه على «كلمةٌ» أي: ولولا أجلٌ مُسَمَّى لكان العذابُ لازماً لهم.
الثاني: جَوَّزه الزمخشريُّ وهو أَنْ يكونَ مرفوعاً عطفاً على الضمير المستتر. والضميرُ عائدٌ على الأخذِ العاجلِ المدلولِ عليه بالسياقِ. وقام الفصلُ بالجرِّ مَقامَ التأكيدِ. والتقدير: ولولا كلمةٌ سَبَقَتْ مِنْ ربك لكان الأخذُ العاجل وأجلٌ مُسَمَّى لازِمَيْن لهم، كما كانا لازِمَيْنِ لعادٍ وثمودَ، ولم ينفردِ الأجلُ المسمى دون الأخذِ العاجل.
قلت: فقد جعل اسمَ «كان» عائداً على ما دَلَّ عليه السياقُ، إلاَّ أنه قد تُشْكِلُ عليه مسألةٌ: وهو أنه قد جَوَّز في «لزام» وجهين، أحدهما: أَنْ يكونَ مصدرَ لازَمَ كالخِصام، ولا إشكال على هذا.
والثاني: أن يكون وصفاً على فِعال بمعنى مُفْعِل أي: مُلْزِم، كأنه آلةُ اللُّزوم لفَرْطِ لُزومه كما قالوا: لِزازُ خَصْمٍ، وعلى هذا فيُقال: كان ينبغي أَنْ يطابق في التثنية فيقال: لِزَامَيْنِ بخلاف كونه مصدراً فإنه يُفْرَدُ على كل حال.
وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ «لزاماً» جمعَ لازم كقِيام جمعَ قائِم.
20:130Page 321
فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠
So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.
قوله: {بِحَمْدِ رَبِّكَ} : حالٌ أي: وأنت حامدٌ له.
قوله: {وَمِنْ آنَآءِ الليل} متعلِّقٌ ب «سَبِّحْ» الثانيةِ، وقد تقدَّم ما في هذه الفاء.
قوله: {وَأَطْرَافَ} العامَّةُ علت نصبِه. وفيه وجهان أحدُهما: أنه عطفٌ على محلِّ {وَمِنْ آنَآءِ الليل} . والثاني: أنه عطفٌ على «قبلَ» . وقرأ الحسنُ وعيسى بنُ عمر «وأطرافِ» بالجرِّ عَطْفاً على «آناءِ الليل» . وقوله هنا «أطرافَ» وفي هود {طَرَفَيِ النهار} [الآية: 114] فقيل: هو مِنْ وَضْعِ الجمعِ موضعَ التثنيةِ كقوله:
3329 - ظَرْاهما مثلُ ظُهورِ التُّرْسَيْنْ ... وقيل: هو على حقيقتِه. والمرادُ بالأَطْراف: الساعات.
قوله: {ترضى} قرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم تُرْضَى «مبنياً للمفعول. والباقون مبنياً للفاعلِ، وعليه {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى: 5] .
20:131Page 321
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ ١٣١
And do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [some] categories of them, [its being but] the splendor of worldly life by which We test them. And the provision of your Lord is better and more enduring.
قوله: {أَزْوَاجاً} : في نصبِه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على المفعولِ به وهو واضح. والثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من الهاء في «به» . راعى لفظَ «ما» مرةً، ومعناها أخرى، فلذلك جَمَع. قال الزمخشري: «ويكون الفعلُ واقعاً على» منهم «. قال الزمخشري:» كأنه قيل: إلى الذي مَتَّعْنا به وهو أصنافُ بعضِهم وناساً منهم «.
قوله: {زَهْرَةَ} في نصبه تسعة أوجه، أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ لأنه ضَمَّن مَتَّعْنا معنى أَعْطَيْنا. ف» أزواجاً «مفعولٌ أولُ، و» زهرةَ «هو الثاني. الثاني: أن يكونَ بدلاً من» أَزْواجاً «، وذلك: إمَّا على حَذْفِ مضافٍ أي: ذوي زهرة، وإمَّا على المبالغةِ جُعِلوا نفسَ الزهرة. الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ دَلَّ عليه» مَتَّعْنا «تقديرُه: جَعَلْنا لهم زهرةً. الثالث: نَصْبُه على الذَّمِّ، قال الزمخشري:» وهو النصبُ على الاختصاص «. الرابع: أن يكونَ بدلاً من موضعِ الموصولِ. قال أبو البقاء:» واختاره بعضُهم. وقال آخرون: لا يجوزُ لأنَّ قولَه {لِنَفْتِنَهُمْ} مِنْ صلة «مَتَّعْنا» فيلزمُ الفصلُ بين الصلةِ والموصولِ بالأجنبي «. وهو اعتراضٌ حسنٌ.
الخامس: أن ينتصبَ على البدلِ من محلِّ» به «. السادس: أن ينتصِبَ على الحال مِنْ» ما «الموصولةِ. السابع: أنه حالٌ من الهاء في» به «وهو ضميرُ الموصولِ فهو كالذي قبله في المعنى، فإنْ قيل: كيف تقع الحالُ معرفةً؟ فالجوابُ أن تجعلَ» زهرةَ «منونةً نكرة، وأنما حُذِفَ التنوينُ لالتقاء الساكنين نحو:
3330 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا ذاكرَ اللَّهَ إلاَّ قليلا
وعلى هذا: فيم جُرَّتِ الحياة؟ فقيل: على البدل مِنْ» ما «الموصولة. الثامن: أنه تمييزٌ ل» ما «أو للهاءِ في» به «قاله الفراء. وقد رَدُّوه عليه بأنه معرفةٌ، والمميِّزُ لا يكون معرفة. وهذا غيرُ لازمٍ له؛ لأنه يجوزُ تعريفُ التمييز على أصول الكوفيين.
التاسع: أنه صفةٌ ل» أَزْواجاً «بالتأويلين المذكورَيْن في نصبِه حالاً. وقد منع أبو البقاء من هذا الوجهِ بكونِ الموصوفِ نكرةً، والوصفِ معرفةً، وهذا يُجابُ عنه بما أُجيب في تسويغِ نصبهِ حالاً، أعني حذفَ التنوينِ لالتقاءِ الساكنين.
والعامَّةُ على تسكينِ الهاء. وقرأ الحسن وأبو البرهسم وأبو حيوةَ بفتحِها، فقيل: بمعنى، ك جَهْرَة وجَهَرَة. وأجاز الزمخشري أَنْ يكونَ جمعَ زاهر كفاجِر وفَجَرة وبارّ وبَرَرَة، وروى الأصمعي عن نافع» لنُفْتِنَهم «بضمِّ النون مِنْ أَفْتَنَه إذا أوقعه في الفتنةِ.
والزَّهْرَةُ: بفتحِ الهاء وسكونِها كنَهْر ونَهَر، ما يَرُوْقُ من النَّوْر. وسِراجٌ زاهِرٌ لبريقِه، ورجلٌ أزهرُ وأمرأةٌ زهراءُ من ذلك. والأنجمُ الزهرُ هي المضيئةُ.
20:132Page 321
وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢
And enjoin prayer upon your family [and people] and be steadfast therein. We ask you not for provision; We provide for you, and the [best] outcome is for [those of] righteousness.
قوله: {للتقوى} : أي: لأهلِ التقوى. ويؤيد هذا قولُه في موضعٍ أخرَ {والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] ، وقرأ ابن وثاب «نَرْزقُك» بإدغام القاف في الكاف. / والمشهورُ عنه أنه لا يدُغِمُ إلاَّ إذا كانَتِ الكافُ متصلةً بميمٍ جمعٍ نحو {خَلَقَكُمْ} [البقرة: 21] وقد تقدم.
20:133Page 321
وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٣٣
And they say, "Why does he not bring us a sign from his Lord?" Has there not come to them evidence of what was in the former scriptures?1
قوله: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ} : قرأ نافع وأبو عمرو وحفص «تأتهم» بالتأنيثِ والباقون بالياء مِنْ تحت؛ لأنَّ التأنيثَ مجازي. وقرأ العامَّةُ «بَيِّنَةُ ما» بإضافة «بَيِّنَة» إلَى «ما» مرفوعةً وهي واضحةٌ. وقرأ أبو عمروٍ فيما رواه أبو زيدٍ بتنوينِ «بَيِّنَةٌ» مرفوعةً. وعلى هذه القراءةِ ففي «ما» أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ من «بَيِّنَةٌ» بدل كل من كل. والثاني: أن تكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هي ما في الصحف الأولى. والثالث أَنْ تكونَ «ما» نافيةً. قال صاحب: اللوامح «:» وأُريدَ بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصلِ ممَّا لم يكنْ في غيرِه من الكتب «.
وقرأَتْ جماعةٌ» بَيِّنَةً «بالتنوين والنصب. ووجهُها أَنْ تكونَ» ما «فاعلةً، و» بَيِّنَةً «نصب على الحال، وأنَّث على معنى» ما «. ومَنْ قرأ بتاء التأنيث فحملاً على معنى» ما «، ومَنْ قرأ بياءِ الغَيْبة فعلى لفظِها.
وقرأ ابنُ عباس بسكونِ الحاء.
20:134Page 321
وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ ١٣٤
And if We had destroyed them with a punishment before him,1 they would have said, "Our Lord, why did You not send to us a messenger so we could have followed Your verses [i.e., teachings] before we were humiliated and disgraced?"
والهاءُ في «قَبْلِهِ» يجوزُ أَنْ تعودَ للرسول بدليلِ قولِه: {لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} . وجَوَّز الزمخشري وغيرُه أَنْ تعودَ على «بَيِّنَةٍ» باعتبارِ أنها في معنى البرهان والدليل.
قوله: {فَنَتَّبِعَ} نصبٌ بإضمار «أَنْ» في جوابِ التخصيص. وفي إعراب أبي البقاء: «في جوابِ الاستفهام» وهو سهوٌ.
وقرأ ابنُ عباس وابنُ الحنفية والحسن وجماعةٌ كثيرة «نُذَلَّ ونخزى» . مبنيين للمفعول.
20:135Page 321
قُلۡ كُلّٞ مُّتَرَبِّصٞ فَتَرَبَّصُواْۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ أَصۡحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ١٣٥
Say, "Each [of us] is waiting;1 so wait. For you will know who are the companions of the sound path and who is guided."
و «مُتَرَبِّصٌ» خبرُ «كل» ، أَفرَدَ حملاً على لفظ «كل» .
قوله: {مَنْ أَصْحَابُ} يجوز في «مَنْ» هذه وجهان، أظهرهما: أَنْ تكونَ استفهاميةً مبتدأةً، و «أصحابُ» خبره. والجملةُ في محلِّ نصبٍ سادَّة مَسَدَّ المفعولَيْن. والثاني ويعزى للفراء أن تكونَ موصولةً بمعنى الذين. و «أصحابُ» خبر مبتدأ مضمر أي: هم أصحاب، وهذا على مقتضى مذهبِهم، يحذفون مثلَ هذا العائدِ وإن لم تَطُلِ الصلةُ. ثم «عَلِمَ» يجوز أَنْ تكونَ عرفانيةً فتكتفيَ بهذا المفعولِ، وأن تكون على بابها فلا بُدَّ مِنْ تقديرِ ثانيهما.
وقرأ العامَّةُ: «السَّوِيِّ» على وزن فَعيل بمعنى المُسْتَوي. وقرأ أبو مجلز وعمران بن حدير «السَّواء» بفتحِ السينِ والمدِّ، بمعنى الوسط الجيِّد. وقرأ يحيى بن يعمر والجحدري «السوءى» على فعلى باعتبار أن الصراط يُذَكَّرُ ويؤنث. وقرأ ابن عباس «السَّوْء» بفتح السين بمعنى الشرِّ.
ورُوي عنهما «السوى» بضم السين وتشديد الواو. ويحتمل ذلك وجهين، أحدُهما: أَنْ يكونَ قَلَبَ الهمزةَ واواً، وأدغم الواوَ في الواو، وأَنْ يكونَ فُعْلَى من السَّواء. وأصلُه السُّوْيا فقُلِبَتِ الياءُ واواً وأُدْغم أيضاً. وكان قياسُ هذه السُّيَّا؛ لأنه متى اجتمع ياءٌ وواوٌ وسَبَقت إحداهما بالسكون قُلبت الواوُ ياءً وهنا فُعِل بالعكس.
وقُرِىء «السُّوَيِّ» بضم السين وفتح الواو وتشديد الياءِ تصغيرَ «سُوْء» قاله الزمخشري. قال الشيخ: «وليس بجيدٍ إذ لو كانَ كذلك لثَبَتَتْ همزةُ» سوء «. والأجودُ أَنْ يكونَ تصغيرَ» سواء «، كقولِهم عُطَيّ في عَطاء» . قلت: وقد جعله أبو البقاء أيضاً تصغيرَ السَّوْء يعني بفتح السين. ويَرِدُ عليه ما تقدَّم إيرادُه على الزمخشريِّ، وإبدالُ مثلِ هذه الهمزةِ جائزٌ فلا إيرادَ.
قوله: {وَمَنِ اهتدى} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أَنْ تكونَ استفهاميةً، وحكمُها كالتي قبلها إلاَّ في حَذْفِ العائِد. الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ على ما تقدَّم في الاستفهاميةِ. الثالث: أنها في محلِّ جرٍّ نَسَقاً على «الصراطِ» أي: وأصحابُ مَنِ اهتدى. وعلى هذين الوجهين تكونُ موصولةً، قال أبو البقاء في الوجه الثاني: «وفيه عَطْفُ الخبرِ على الاستفهام، وفيه تقويةٌ قولِ الفرَّاءِ» يعني أنه إذا جَعَلَها موصولةً كانت خبريةً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences