As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:61–109
23:61Page 346
أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١
It is those who hasten to good deeds, and they outstrip [others] therein.
قوله: {أولئك يُسَارِعُونَ} : هذه الجملةُ خبرُ «إنَّ الذين» . وقرأ الأعمش «إنهم» بالكسرِ على الاستئنافِ فالوقفُ على «وَجِلة» تامٌّ أو كافٍ. وقرأ الحُرُّ «يُسْرِعُون» منْ أَسْرع. قال الزجاج: «يُسارِعُون أَبْلَغُ» يعني من حيث إنَّ المفاعَلة تَدُلُّ على قوةِ الفعلِ لأجلِ المغالبةِ.
قوله: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} في الضمير في «لها» أوجهٌ، أظهرها: أنَّه يعودُ على «الخيرات» لتقدُّمِها في اللفظ. وقيل: يعودُ على الجنة. وقيل: على السعادة. وقيل: على الأمم. والظاهرُ أنَّ «سابقون» هو الخبرُ. و «لها» متعلقٌ به قُدِّمَ للفاصلةِ وللاختصاصِ. واللامُ قيل: بمعنى إلى. يقال: سَبَقْتُ له وإليه بمعنىً. ومفعولُ «سابقون» محذوفٌ تقديرُه: سابقون الناسَ إليها. وقيل: اللامُ للتعليل أي: سابِقُون الناسَ لأجلِها. وتكونُ هذه الجملةُ مؤكدةً للجملةِ قبلها، وهي «يُسارِعُون في الخيرات» ولأنها تفيدُ معنىً آخرَ وهو الثبوتُ والاستقرارُ بعدما دَلَّتِ الأولى على التجدد.
وقال الزمخشري: «أي فاعلون السَّبْقِ لأجلها أو سابقونَ الناسَ لأجلها» . قال الشيخ: «وهذان القولان عندي واحدٌ» . قلت: ليسا بواحدٍ إذ مرادُه بالتقدير الأول أَنْ لا يُقَدَّرَ للسَّبْقِ مفعولٌ البتةَ، وإنما الغرضُ الإِعلامُ بوقوعِ السَّبْقِ منهم غيرِ نَظَرٍ إلى مَنْ سَبقوه كقولِه: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] {وَكُلُواْ واشربوا} [البقرة: 187] «يعطي ويمنع» وغرضُه في الثاني تقديرُ مفعولٍ حُذِف للدلالةِ، واللام للعلة في التقديرين.
وقال الزمخشري أيضاً: «أو إياها سابقون أي: ينالونها قبل الآخرة، حيث عُجِّلت لهم في الدنيا» . قلت: يعني أنَّ «لها» هو المفعولُ ب «سابقون» وتكون اللامُ قد زِيْدَتْ في المفعولِ. وحَسَّن زيادتَها شيئان، / كلٌّ منهما لو انفرد لاقتضى الجوازَ: كونُ العاملِ فرعاً، وكونُه مقدَّماً عليه معمولُه. قال الشيخ: «ولا يَدُل لفظُ» لها سابِقُون «على هذا التفسيرِ لأنَّ سَبْقَ الشيءِ الشيءَ يدلُّ على تقدُّمِ السابقِ على المسبوقِ فكيفَ يقول: وهم يَسْبقون الخيراتِ؟ وهذا لا يَصِحُّ» . قلت: ولا أَدْري: عدمُ الصحةِ من أيِّ جهةٍ؟ وكأنه تخيَّل أنَّ السابِقَ يتقدَّم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ لكنه كان ينبغي أن يقولَ: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات وهم لا يُجامِعُونها لتقدُّمهم عليها؟ إلاَّ أنْ يكونَ قد سبقه القلمُ فكَتَبَ بدل «وهم يَنالون» : «وهم يَسْبِقون» ، وعلى كلِّ تقديرٍ فأين عَدَمُ الصِّحة؟ .
وقال الزمخشري أيضاً: «ويجوز أَنْ يكونَ» وهم لها سابقون «خبراً بعد خبرٍ، ومعنى» وهم لها «كمعنى قوله:
3420 - أنت لها أحمدُ مِنْ بينِ البَشَرْ ... يعني أنَّ هذا الوصفَ الذي وَصَفَ به الصالحين غيرُ خارجٍ من حَدِّ الوُسْعِ والطاقةِ» . فتحصَّل في اللامِ ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنَّها بمعنى «إلى» . الثاني: أنها للتعليلِ على بابِها. الثالث: أنَّها مزيدةٌ. وفي خبرِ المبتدأ قولان، أحدُهما: أنه «سابِقون» وهو الظاهرُ. والثاني: أنه الجارُّ كقولِه:
أنت لها أحمدُ مِنْ بينِ البَشَرْ ...
وقد رجَّحه الطبريُّ، وهو مرويٌّ عن ابنِ عباس.
23:62Page 346
وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢
And We charge no soul except [with that within] its capacity, and with Us is a record which speaks with truth; and they will not be wronged.
قوله: {يَنطِقُ} : صفةُ ل «كِتاب» . و «بالحق» يجوز أَنْ يتعلَّقَ ب «يَنْطِقُ» ، وأنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ، حالاً من فاعلِه أي: يَنْطِق مُلْتسباً بالحق.
23:63Page 346
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣
But their hearts are covered with confusion over this, and they have [evil] deeds besides that [i.e., disbelief] which they are doing,
قوله: {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} : كقولِه {هُمْ لَهَا سَابِقُونَ} .
23:64Page 346
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤
Until when We seize their affluent ones with punishment,1 at once they are crying [to Allāh] for help.
قوله: {حتى إِذَآ} : «حتى» هذه: إمَّا حرفُ ابتداءٍ والجملةُ الشرطيةُ بعدَها غايةٌ لِما قبلها، و «إذا» الثانيةُ فجائيةُ هي جوابُ الشرطيةِ، وإمَّا حرفُ جَرٍّ عندَ بعضِهم. وقد تقدَّم تحقيقُه غيرَ مرةٍ. وقال الحوفيُّ: «حتى غايةُ، وهي عاطفةٌ،» إذا «ظرفٌ مضافٌ لِما بعده، فيه معنى الشرطِ،» إذا «الثانية في موضعِ جواب الأولى، ومعنى الكلامِ عاملٌ في» إذا «والمعنى جَاَْرُوا. والعاملُ في الثانيةِ» أَخَذْنا «. وهو كلامٌ لا يَظْهر.
وقال ابن عطية: و» حتى «حرفُ ابتداءٍ لا غيرُ. و» إذا «والثانيةٌ التي هو جوابٌ تمنعان مِنْ أَنْ تكونَ» حتى «غايةً ل» عامِلُون «. قلت: يعني أن الجملةَ الشرطيةَ وجوابَها لا يَظْهر أَنْ تكونَ غايةً ل» عامِلون «. وظاهرُ كلامِ مكي أنها غايةٌ ل» عامِلون «فإنَّه قال:» أي لكفارِ قريش أعمالُ من الشرِّ دونَ أعمالِ أهلِ البرِ لها عاملون، إلى أن يأخذَ اللهُ أهلَ النِّعْمةِ والبَطَرِ منهم إذا هم يَضِجُّون «. انتهى.
والجُؤَار: الصُّراخُ مطلقاً. وأنشد الجوهري:
3421 - يُراوِحُ مِنْ صَلَواتِ المَلِيْ ... كِ طَوْراً سُجوداً وطَوْراً جُؤارا
وقد تقدَّم هذه مستوفىً في النحل.
23:65Page 346
لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥
Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.
No commentary for this ayah
23:66Page 346
قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦
My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels
قوله: {على أَعْقَابِكُمْ} : فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ ب «تَنْكِصُون» . كقوله {نَكَصَ على عَقِبَيْهِ} [الأنفال: 48] ؟ والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حال مِنْ فاعلِ «تَنْكِصُون» قاله أبو البقاء ولا حاجةَ إليه. وقرأ أميرُ المؤمنين «تَنْكُصُون» بضم العين. وهي لغةٌ.
23:67Page 346
مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧
In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.
قوله: {مُسْتَكْبِرِينَ} : حالٌ مِنْ فاعل «تَنْكِصُون» . قوله: «به» فيه قولان، أحدُهما: أنَّه يتعلقُ ب «مُسْتكْبرين» . والثاني أنه متعلقٌ ب «سامِراً» . وعلى الأولِ فالضميرُ للقرآن أو للبيتِ شَرَّفه اللهُ تعالى، أو للرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم أو للنُكوصِ المدلولِ عليه ب «تَنْكِصون» ، كقوله: {اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ} [المائدة: 8] . والباءُ في هذا كلِّه للسببية؛ لأنه استكبروا بسببِ القرآنِ لَمَّا تُلِيَ عليهم، وبسببِ البيتِ لأنَّهم يقولون: نحن وُلاتُه وبالرسولِ لأنهم يقولون: هو مِنَّا دونَ غيرِه، أو بالنُّكوصِ لأنه سببُ الاستكبارِ. وقيل: ضَمَّنَ الاستكبارَ معنى التكذيبِ؛ فلذلك عُدِّيَ بالباءِ، وهذا يَتَأَتَّى على أن يكونَ الضميرُ للقرآنِ أو للرسولِ.
وأمَّا على الثاني وهو تَعَلُّقُه ب «سامِراً» فيجوزُ أن يكونَ الضميرُ عائداً على ما عادَ عليه فيما تقدَّم، إلاَّ النكوصَ لأنهم كانوا يَسْمُرُون بالقرآن وبالرسول أي: يجعلونَهما حديثاً لهم يَخُوضون في ذلك كما يُسْمَرُ بالأحاديث، وكانوا يَسْمُرُون في البيتِ، فالباء ظرفيةٌ على هذا، و «سامِراً» / نصبٌ على الحالِ: إمَّا مِنْ فاعل «تَنْكِصُون» ، وإمَّا مِنَ الضمير في «مُسْتَكْبرين» .
وقرأ ابنُ مسعود وابنُ عباس وأبو حيوة وتروى عن أبي عمرٍو «سُمَّراً» بضمِّ الفاءِ وفتحِ العين مشددةً. وزيد بن علي وأبو رجاء وابن عباس أيضاً «سُمَّاراً» كذلك، إلاَّ أنَّه بزيادةِ ألفٍ بين الميمِ والراء، وكلاهما جمعٌ ل «سامِِر» . وهما جمعان مَقيسان ل «فاعِل» الصفةِ نحو: ضُرَّب وضُرَّاب في ضارِب. والأفصحُ الإِفرادُ؛ لأنه يقعُ على ما فوق الواحِد بلفظ الإِفرادِ تقول: قومٌ سامِرٌ. والسَّامِرُ مأخوذٌ من السَّمَرِ وهو سَهَرُ الليلِ، مأخوذٌ من السَّمَرِ وهو ما يقعُ على الشجر من ضوءِ القمر، فيجلِسُون إليه يتحدثون مُسْتَأْنِسين به. قال الشاعر: 3422 - كأَن لم يكُنْ بين الحَجونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةَ سامِرُ
وقال الراغب: «السَّامِرُ: الليلُ المظلم، ولا آتِيْكَ ما سَمَر ابنا سَمِيرٍ، يَعْنُون الليل والنهار. والسُّمْرة: أحدُ الألوان، والسَّمْراء: كُني بها عن الحِنْطة» .
قوله: {تَهْجُرُونَ} قرأ العامَّةُ بفتح التاءِ وضمِّ الجيمِ، وهي تحتمل وجهين، أحدهما: أنَّها مِن الهَجْرِ بسكونِ الجيمِ، وهو القطع والصَّدُ، أي: تهجُرُون آياتِ الله ورسولَه وتَزْهَدون فيهما، فلا تَصِلُونهما. الثاني: أنها من الهَجَرِ بفتحها وهو الهَذَيانُ. يقال: هَجَر المريضُ هَجَراً أي هذى فلا مفعولَ له. ونافع وابن محيصن بضم التاءِ وكسرِ الجيم مِنْ أهجر إهْجاراً أي: أَفْحَشَ في مَنْطِقِه. قال ابن عباس: «يعني سَبَّ الصحابةِ» . زيد بن علي وابن محيصن وأبو نهيك بضمِّ التاءِ وفتحِ الهاء وكسرِ الجيمِ مشددةً مضارعَ هَجَّر بالتشديد. وهو محتمِلٌ لأَنْ يكونَ تضعيفاً للهَجْر أو الهَجَر أو الهُجْر. وقرأ ابن أبي عاصم كالعامَّةِ، إلاَّ أنَّه بالياءِ من تحتُ وهو التفاتٌ.
23:68Page 346
أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?
No commentary for this ayah
23:69Page 346
أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩
Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?
No commentary for this ayah
23:70Page 346
أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠
Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.
No commentary for this ayah
23:71Page 346
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١
But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.
قوله: {وَلَوِ اتبع} : الجمهورُ على كسرِ الواوِ لالتقاء الساكنين. وابن وثاب بضمِّها تشبيهاً بواوِ الضميرِ كما كُسِرَتْ واوُ الضميرِ تشبيهاً بها.
قوله: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ} العامَّةُ على إسناد الفعل إلى ضميرِ المتكلمِ المعظِّمِ نفسَه. والمرادُ: أَتَتْهم رسلُنا. وقرأ أبو عمروٍ في روايةٍ «آتيناهم» بالمدِّ بمعنى أَعْطيناهم، فيُحتمل أَنْ يكونَ المفعولُ الثاني غيرَ مذكورٍ. ويُحتمل أَنْ يكونَ «بذِكْرِهم» والباءُ مزيدةٌ فيه. وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرٍو أيضاً «أَتَيْتُهم» بتاءِ المتكلم وحدَه. وأبو البرهسم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتُهُمْ» بتاء الخطاب، وهو للرسول عليه السلام وعيسى «بذكراهم» بألفِ التأنيث. وقتادةُ «نُذَكِّرُهم» بنون المتكلمِ المعظمِ نفسَه مكانَ باءِ الجرِّ مضارعَ «ذَكَّر» المشدَّدِ، ويكون «نُذَكِّرُهم» جملةً حاليةً. وقد تقدَّم الكلامُ في «خَرْجاً» و «خَراج» في الكهف.
23:72Page 346
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢
Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.
No commentary for this ayah
23:73Page 346
وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣
And indeed, you invite them to a straight path.
No commentary for this ayah
23:74Page 346
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤
But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.
قوله: {عَنِ الصراط} : متعلقٌ ب «ناكِبون» ، ولا تمنعُ لامُ الابتداءِ مِنْ ذلك على رأيٍ قد تقدَّم تحقيقه. والنُّكُوب والنَّكْبُ: العدولُ والمَيْلُ. ومنه النَّكْباءُ للريح بين رِيْحَيْنِ، سُمِّيَتْ بذلك لعُدولها عن المَهَابِّ ونَكَبَتْ حوداثُ الدهر أي: هَبَّتْ هبوبَ النَّكْباء، والمَنْكِبُ: مُجْتَمَعُ ما بينَ العَضُدِ والكَتِفِ. والأَنْكَبُ المائلُ المَنْكِبِ. ولفلانٍ نِكابة في قومه أي: نِقابة فيشبه أن تكونَ الكافُ بدلاً من القاف. ويقال: نَكَبَ ونَكَّب مُخَففاً ومُثَقلاً.
23:75Page 347
۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥
And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.
قوله: {لَّلَجُّواْ} : جواب «لو» . وقد توالى فيه لامان وفيه تَضْعيفٌ لقول مَنْ قال: إنَّ جوابها إذا نفي ب «لم» ونحوِها مِمَّا صُدِّر فيه حرفُ النفي بلام، إنه لا يجوزُ دخولُ اللامِ لو قلت: «لو قام زيدٌ لَلَمْ يقم عمروٌ» لم يَجُزْ قال: لئلاَّ يتوالى لامان. وهذا موجودٌ في الإِيجابِ كهذهِ الآية ولم يَمْنَعْ، وإلاَّ فما الفرقُ بين النفي والإِثباتِ في ذلك؟
واللَّجاجُ: التَّمادِي في العِناد في تعاطي الفعلِ المزجورِ عنه. ومنه اللَّجَّة بالفتح لتردُّد الصوت كقوله:
4323 - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاناً عن فُلِ ... ولُجَّة البحرِ لتردُّدِ أمواجه. ولُجَّةُ الليلِ لتردُّدِ ظَلامِه. واللَّجْلَجَةُ تردُّدُ الكلامِ، وهو تكريرُ لَجَّ. ويقال: لَجَّ وأَلجَّ.
23:76Page 347
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦
And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]
قوله: {فَمَا استكانوا} : قد تقدم قبلَه استكان في آل عمران. وجاء الأولُ ماضياً، والثاني مضارعاً ولم يَجِيْئا ماضيين ولا مضارعين، ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً؛ لإفادةِ الماضي وجودَ الفعلِ وتحقُّقَه وهو بالاستكانةِ أليقُ بخلافِ التضرُّع، فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبالِ. وأمَّا الاستكانةُ فقد تُوْجَدُ منهم. وقال الزمخشري: «فإن قلت: هلاَّ قيل: وما تَضَرَّعوا فما يَسْتَكِيْنون. قلت: لأن المعنى مَحَنَّاهم فما وُجِدَتْ منهم عقيبَ المِحْنَةِ استكانةٌ، وما من عادةِ هؤلاء أَنْ يَسْتَكينوا ويتضرعوا حتى/ يُفْتَحَ عليهم بابٌ العذابِ الشديد» . قلت: فظاهرُ هذا أنَّ «حتى» غايةٌ لنفيِ الاستكانةِ والتضرُّعِ.
23:77Page 347
حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧
Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.
وقرىء «فَتَّحنا» بالتشديدِ. والكلام في «إذا» و «إذا» قد تقدم قريباً. وقرأ السُّلميُّ «مُبْلَسُوْن» بفتحِ اللامِ مِنْ أَبْلَسه أي: أدخله في الإِبْلاس.
23:78Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨
And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
No commentary for this ayah
23:79Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩
And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.
No commentary for this ayah
23:80Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠
And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?
قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} : قرأ أبو عمرٍو في روايةٍ «يَعْقِلون» بياء الغيبةِ على الالتفات.
23:81Page 347
بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١
Rather,1 they say like what the former peoples said.
No commentary for this ayah
23:82Page 347
قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢
They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
No commentary for this ayah
23:83Page 347
لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣
We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."
No commentary for this ayah
23:84Page 347
قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤
Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"
No commentary for this ayah
23:85Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥
They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"
قوله: {سَيَقُولُونَ اللَّهُ} : قرأ أبو عمرو «سيقولون اللهُ» في الأخيرتين من غير لامِ جَرّ، رَفَعَ الجلالةَ، جواباً على اللفظِ لقولِه «مَنْ» [مِنْ] قولِه: «سيقولون اللهُ، قل: أفلا تَتَّقون» «سيقولون اللهُ، قُلْ فأنى تُسْحَرون» لأنَّ المسؤولَ به مرفوعٌ المحلِّ وهو «مَنْ» فجاء جوابُه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِمَ الموضعان في مصاحفِ البَصرة. والباقون «لله» في الموضعين باللام، وهو جوابٌ على المعنى؛ لأنَّه لا فَرْقَ بين قولِه «مَنْ ربُّ السماوات» وبين قولِه «لِمَنِ السماوات» . ولا بينَ قولِه «مَنْ بيده» ولا «لِمَنْ له» إلاَّ جارُّه. وهذا كقولِك: مَنْ ربُّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ. وإن شِئْتَ: لزيدٍ؛ لأنَّ السؤالَ لا فرقَ فيه بين أن يقال: لِمَنْ هذه الدارُ، ومَنْ ربُّها؟ واللامُ مرسومةٌ في مصاحفهم فوافقَ كلٌ مُصْحَفَه، ولم يُخْتَلَفْ في الأول أنه «لله» لأنه مرسومٌ باللام. وجاء الجوابُ باللامِ كما في السؤال. ولو حُذِفَتْ من الجواب لجاز؛ لأنه لا فرقَ بين «لِمَن الأرضُ» و «مَنْ رَبُّ الأرض» إلاَّ أنَّه لم يَقْرَأْ به أحدٌ.
23:86Page 347
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦
Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"
No commentary for this ayah
23:87Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧
They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"
No commentary for this ayah
23:88Page 347
قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨
Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"
No commentary for this ayah
23:89Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩
They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"
No commentary for this ayah
23:90Page 348
بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠
Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.
قوله: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ} قد قُرىء هنا ببعض ما قُرىء به في نظيره: فقرأ ابنُ أبي إسحاق «أَتَيْتَهم» بتاء الخطاب، وغيرُه بتاء المتكلم.
23:91Page 348
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١
Allāh has not taken any son, nor has there ever been with Him any deity. [If there had been], then each deity would have taken what it created, and some of them would have [sought to] overcome others. Exalted is Allāh above what they describe [concerning Him].
قوله: {إِذاً لَّذَهَبَ} : «إذَنْ» جوابٌ وجزاءٌ. قال الزمخشري: «فإن قلتَ:» إذَنْ «لا تَدْخُلُ إلاَّ على كلامٍ هو جوابٌ وجزاءٌ، فكيف وقع قولُه:» لَذَهَبَ «جواباً وجزاءً، ولم يتقدَّمْه شرطٌ ولا سؤالُ سائلٍ؟ قلت: الشرطُ محذوفٌ تقديرُه:» لو كان معه آلهةٌ «حُذف لدلالةِ» وما كان معه مِنْ إلَهٍ «. قلت: هذا رأي الفراء، وقد تقَّدم ذلك في الإِسراء في قوله: {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ} [الآية: 73] .
قوله: {عَمَّا يَصِفُونَ} . وقرىء تَصِفُون، بتاء الخطابِ. وهو التفاتٌ.
23:92Page 348
عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, so high is He above what they associate [with Him].
قوله: {عَالِمِ الغيب} : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابنُ عامرٍ وحفصٌ عن عاصم بالجرِّ على البدل من الجلالةِ. وقال الزمخشري: «صفة لله» كأنَّه تَمَحَّضَ للإِضافةِ فتعرَّفَ المضافُ. والباقون بالرفع على القطعِ خبرَ مبتدأ محذوفٍ.
قوله: {فتعالى} عطفٌ على معنى ما تَقَدَّم كأنه قال: عَلِمَ الغيبَ فتعالى كقولِك: زيدٌ شجاعٌ فَعَظُمَتْ منزلتُه أي: شَجُعَ فعَظُمَتْ. أو يكونُ على إضمارِ القولِ أي: أقول: فتعالى اللهُ.
23:93Page 348
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣
Say, [O Muḥammad], "My Lord, if You should show me that which they are promised,
قوله: {إِمَّا تُرِيَنِّي} : قرأ العامَّةُ «تُرِيَنِّي» بصريحِ الياء. والضحَّاك «تُرِئَنِّي» بالهمز عوض الياء وهذا كقراءته: «فإمَّا تَرَئِنَّ» «لَتَرَؤُنَّ» بالهمز وهو بدلٌ شاذُّ.
23:94Page 348
رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤
My Lord, then do not place me among the wrongdoing people."
قوله: {فَلاَ تَجْعَلْنِي} : جوابُ الشرط. و «رَبِّ» نداءٌ معترضٌ بين الشرطِ وجزائِه.
23:95Page 348
وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥
And indeed, We are Able to show you what We have promised them.
قوله: {على أَن نُّرِيَكَ} : متعلقٌ ب لَقادِرون أو بمحذوفٍ على خلافٍ سَبَقَ: في أنَّ هذه اللامَ تمنعُ ما بعدها أَنْ تعملَ فيما قبلها.
23:96Page 348
ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦
Repel, by [means of] what is best, [their] evil. We are most knowing of what they describe.
No commentary for this ayah
23:97Page 348
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧
And say, "My Lord, I seek refuge in You from the incitements of the devils,
قوله: {مِنْ هَمَزَاتِ} : جمع هَمْزَة وهي النَّخْسَة والدَّفْعَةُ بيدٍ وغيرِها. والمِهْماز: مِفْعال من ذلك كالمِحْراث من الحَرْث. والهَمَّاز: الذي يَعيبُ الناسَ كأنه يَدْفع بلسانه ويَنْخُس به.
23:98Page 348
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨
And I seek refuge in You, my Lord, lest they be present with me."
No commentary for this ayah
23:99Page 348
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩
[For such is the state of the disbelievers] until, when death comes to one of them, he says, "My Lord, send me back
قوله: {حتى إِذَا} : في «حتى» هذه أوجهٌ، أحدُها: أنها غايةٌ لقولِه: «بما يَصِفون» . والثاني: أنها غايةٌ ل «كاذبون» . وبَيَّنَ هذين الوجهين قولُ الزمخشري: «حتى تتعلق ب» يَصِفون «أي: لا يزالون على سوءِ الذكر إلى هذا الوقت، والآيةُ فاصلةٌ بينهما على وجهِ الاعتراضِ والتأكيدٍ» . ثم قال: «أو على قولِه» وإنهم لكاذِبون «. قلت: قوله: أو على قولِه كذا» كلام محمولٌ على المعنى إذ التقدير «حتى» مُعَلَّقَةٌ على «يَصِفُون» أو على قوله: «لَكاذِبون» . وفي الجملة فعبارةٌ مُشْكلة.
الثالث: قال ابنُ عطية: «حتى» في هذه المواضع حرفُ ابتداءٍ. ويُحتمل أَنْ تكونَ غايةً مجردةً بتقديرِ كلامٍ محذوفٍ. والأولُ أَبْيَنُ؛ لأنَّ ما بعدها هو المَعْنِيُّ به المقصودُ ذِكْرُه «. قال الشيخ:» فَتَوَهَّمَ ابنُ عطية أن «حتى» إذا كانت حرفَ ابتداءٍ لا تكونَ غايةً، وهي وإنْ كانَتْ: حرفَ ابتداءٍ، فالغايةُ معنًى لا يُفاريقها، ولم يُبَيِّنْ الكلامَ المحذوفَ المقدَّرَ «. وقال أبو البقاء:» حتى «غايةٌ في معنى العطفِ» . وقال الشيخ: «والذي يَظْهر لي أن قبلها جملةً محذوفةً تكون» حتى «غايةً لها يَدُلُّ عليها ما قبلها. التقديرُ: فلا أكونُ كالكفارِ الذين تَهْمِزُهم الشياطينُ ويَحْضُرونهم، حتى إذا جاء. ونظيرُ حَذْفِها قولُ الشاعر:
3424 - فيا عَجَبا حتى كُلَيْبٌ تَسُبُّني ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: يَسُبُّني الناسُ كلُّهم حتى كُلَيْبٌ. إلاَّ أن في البيت دَلَّ ما بعدها عليها بخلافِ الآيةِ الكريمة.
قوله: {رَبِّ ارجعون} في قوله» ارْجِعُون «بخطابِ الجمع ثلاثةُ أوجهٍ، أجودُها: أنه على سبيلِ التعظيمِ كقولِ الشاعر:
3425 - فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكمُ ... وإن شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا
وقال آخر:
2326 - ألا فارْحَمُوني يا إلَهَ محمدٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قد يُؤْخَذُ من هذا البيتِ ما يَرُدُّ على الشيخ جمال الدين بن مالك حيث قال:» إنه لم يَعْلَمْ أحداً أجاز للداعي يقول: يا رحيمون «. قال:» لئلاَّ يؤْهِمُ خلافَ التوحيِد «. وقد أخْبر تعالى عن نفسه بهذه الصيغةِ وشِبْهِها للتعظيمِ في غيرِ موضعٍ من كتابِه الكريم.
الثاني: أنه نادى ربَّه، ثم خاطب ملائكةَ ربِّه بقوله:» ارْجِعُون «ويجوز على هذا الوجهِ أَنْ يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: يا ملائكةً ربي، فحذف المضافَ ثم التفت إليه عَوْدِ الضميرِ كقوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} ثم قال: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] التفاتاً ل» أهل «المحذوف.
الثالث: أنَّ ذلك يَدُلُّ على تكريرِ الفعل، كأنه قال: ارْجِعُون ارْجِعون ارْجِعون. نقله أبو البقاء. وهو يُشْبِهُ ما قالوه في قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: 24] أنه بمعنى: أَلْقِ أَلْقِ ثُنِّي الفعلُ للدلالةِ على ذلك، وأنشدوا قولَه:
3427 - قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومَنْزِلِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: قِفْ قِفْ.
23:100Page 348
لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠
That I might do righteousness in that which I left behind."1 No! It is only a word he is saying; and behind them is a barrier until the Day they are resurrected.
قوله: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ} : من بابِ إطْلاقِ الجزءِ وإرادةِ الكلِّ. كقوله: «أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةٌ لبيدٍ» يعني قوله:
3428 - ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطِلُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد تقدَّم طَرَفٌ مِنْ هذا بأوسعِ عبارةٍ في آلِ عمران. و «هو قائلُها» صفلةٌ ل «كلمة» .
قوله: {بَرْزَخٌ} البَرْزَخْ: الحاجِزُ بين المتنافِيَيْنِ. وقيل: الحِجابُ بين الشيئين أَنْ يَصِلَ أحدُهما للآخر، وهو بمعنى الأول. وقال الراغب: «أصلُه بَرْزَه بالهاءِ فَعُرِّب. وهو في القيامة الحائلُ بين الإِنسانِ وبين المنازلِ. الرفيعة. والبَرْزَخُ قبلَ البعثِ: المَنْعُ بين الإِنسانِ وبين الرَّجْعَةِ التي يتمنَّاها» .
23:101Page 348
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١
So when the Horn is blown, no relationship will there be among them that Day, nor will they ask about one another.
قوله: {فِي الصور} : قرأ العامَّةُ بضم الصادِ وسكونِ الواو. وابن عباسٍ والحسنُ بفتحِ الواوِ جمعَ صورة. وأبو رزين بكسر الصاد وفتح الواوِ وهو شاذٌّ، وهذا عكسُ «لحى» بضم اللام جمعَ «لِحْية» بكسرِها.
قوله: {فَلاَ أَنسَابَ} الأنسابُ: جمعُ نَسَب وهو القَرَابةُ مِنْ جهةِ الوِلادة، ويُعَبَّر به عن التواصلِ، وهو في الأصلِ مصدرٌ. قال الشاعر:
3429 - لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً ... اتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقِع
قوله: {بَيْنَهُمْ} يجوزُ تَعَلُّقُه بنفسِ «أنساب» ، وكذلكَ «يومئذٍ» أي: فلا قرابةَ بينهم في ذلك اليوم. ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «أَنْساب» . والتنوينُ في «يومئذٍ» عوضٌ من جملةٍ، تقديرهُ: يومَ إذ يُنْفخ في الصُّور.
23:102Page 348
فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢
And those whose scales are heavy [with good deeds] - it is they who are the successful.
No commentary for this ayah
23:103Page 348
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣
But those whose scales are light - those are the ones who have lost their souls, [being] in Hell, abiding eternally.
قوله: {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ «خالِدون» خبراً ثانياً ل «أولئك» وأَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هم خالدون، وقال الزمخشري: {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} بدلٌ مِنْ «خَسِروا أنفسَهم» ، ولا محلَّ للبدلِ والمبدلِ منه؛ لأنَّ الصلة لا مَحَلَّ لها. قال الشيخ: «جَعَلَ» في جهنم «بدلاً مِنْ» خَسِروا «وهذا بدلٌ غريبٌ. وحقيقتُه أَنْ يكونَ البدلُ الفعلَ الذي تَعَلَّق به» في جهنم «أي: استقرُّوا في جهنم، وهو بدلُ شيءٍ مِنْ شيء؛ لأنَّ مَنْ خَسِر نفسَه استقرَّ في جهنَم» .
قلت: فجعل الشيخُ الجارُّ والمجرورَ البدلَ دون «خالدون» والزمخشريُّ جعل جميع ذلك بدلاً، بدليلِ قولِه بعد ذلك: «أو خبرٌ بعد خبرٍ ل» أولئك «أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ» . وهذان إنما يليقان ب «خالدون» ، وأمَّا «في جهنم» فمتعلِّقٌ به، فيحتاج كلامُ الزمخشريِّ إلى جوابٍ. وأيضاً فيصير «خالدون» مُفْلتاً. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ الموصولُ نعتاً لاسمِ الإِشارة وفيه نظرٌ؛ إذ الظاهرُ كونُه خبراً له.
23:104Page 348
تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤
The Fire will sear their faces, and they therein will have taut smiles.1
قوله: {تَلْفَحُ} : يجوزُ استئنافُه، ويجوز حاليَّتُه. ويجوز كونُه خبراً آخرَ ل «أولئك» ، واللَّفحُ: إصابةُ النارِ الشيءَ/ وكَلْحُها وإِحْراقُها له، وهو أشَدُّ من النَّفْخِ. وقد تقدَّم النفخ في الأنبياء.
قوله: {كَالِحُونَ} الكُلُوح: تَشْميرُ الشَّفَةِ العليا، واسترخاءُ السُّفْلى. وفي الترمذي: تَتَقَلَّصُ شَفَتُه العليا، حتى تبلغَ وسطَ رأسِه، وتَسْتَرْخي السفلى حتى تَبْلُغَ سُرَّته «ومنه» كُلوحُ الأَسَدِ «أي: تكشيرُه عن أنيابِه. ودهرٌ كالِحٌ، وبردٌ كالحٌ أي: شديد. وقيل: الكُلُوْحُ هو: تَقْطيبُ الوجهِ وبُسُورُه. وكَلَح الرجلُ يَكْلَحُ كُلُوحاً وكِلاحاً.
23:105Page 349
أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥
[It will be said], "Were not My verses recited to you and you used to deny them?"
No commentary for this ayah
23:106Page 349
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦
They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.
قوله: {شِقْوَتُنَا} : قرأ الأخَوان: «شَقاوتُنا» بفتح الشين وألفٍ بعد القاف. والباقون بكسرِ الشينِ وسكونِ القافِ وهما مصدران بمعنى واحدٍ، فالشَّقاوة كالقَساوة وهي لغةٌ فاشِيَةٌ، والشِّقْوةُ كالفِطْنَة والنِّعْمة. وأنشد الفراء:
3430 - كُلِّفَ مِنْ عَنائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بنتَ ثمانِيَْ عَشْرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ
وهي لغةُ الحجاز. قرأ قتادة والحسن في روايةٍ كالأَخَوَيْن إلاَّ أنهما كَسَرا الشينَ. وشبلٌ في اختياره كالباقين، إلاَّ أنَّه فَتَح الشينَ.
23:107Page 349
رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧
Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."
No commentary for this ayah
23:108Page 349
قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨
He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.
No commentary for this ayah
23:109Page 349
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩
Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'
قوله: {إِنَّهُ كَانَ} : العامَّةُ على كسرِ الهمزةِ استئنافاً. وأُبَيّ والعتكيُّ بفتحها أي: لأنه. والهاءُ ضميرُ الشأنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences