As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:36–38
3:36Page 54
فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦
But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."
قوله تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} : الضمير في «وضعَتْها» يعود على «ما» من حيث المعنى، لأن الذي في بطنها أنثى في علم الله تعالى، فعاد الضميرُ على معناها، دونَ لفظها. وقيل: إنما أنَّثه حَمْلاً على معنى النَّسَمَةِ أو الحَبْلة أو النفسِ، قاله الزمخشري وقال ابن عطية: «حَمْلاً على الموجودة [ورفعاً لِلَفْظِ» ما «في قوله: {ما في بطني] محرّراً} .
قوله: {أنثى} فيه وجهان، أحدهما: أنها منصوبةٌ على الحال وهي حال مؤكدة لأن التأنيثَ مفهومٌ من تأنيث الضمير، فجاءت» أنثى «مؤكدة، قال الزمخشري» فإنْ قلت: كيف جاز انتصاب «أنثى» حالاً من الضمير في «وضَعَتْها» وهو كقولك: «وضَعَتِ الأنثى أنثى» ؟ قلت: الأصل وضَعَتْه أنثى، وإنما أُنِّث لتأنيث الحال، لأن الحال وذا الحال لشيء واحد كما أَنَّث الاسمَ في «مَنْ كانت أمَّك» لتأنيث الخبر. ونظيرُه قولُه تعالى: {فَإِن كَانَتَا اثنتين} [النساء: 176] ، وأمَّا على تأويل النَّسَمَة والحَبْلة فهو ظاهرٌ، كأنه قيل: إني وضَعْتُ الحَبْلَةَ والنَّسَمة أنثى «يعني أنَّ الحال على الجوابِ الثاني تكون مبيَّنةً لا مؤكدةً، وذلك لأن النسمة والحبلة تصدُق على الذَّكر وعلى الأنثى، فلمَّا حَصَل فيها الاشتراكُ جاءت الحالُ مبينة لها.
ألاَّ أنَّ الشيخَ ناقشه في الجواب الأول فقال:» وآل قَوْلُه يعني الزمخشري إلى أنها حال مؤكدة، ولا يُخْرِجُه تأنيثُه لتأنيث الحال عن أن تكون حالاً مؤكِّدة. وأمَّا تشبيهُه ذلك بقوله: «مَنْ كانت أمَّك» حيث عادَ الضميرُ على معنى «مَنْ» فليس ذلك نظيرَ «وضَعَتْها أنثى» لأن ذلك حُمِل على معنى «مَنْ» إذ المعنى: أيةُ امرأة كانَتْ أمَّك، أي: كانت هي أي أمَّك، فالتأنيثُ ليس لتأنيث الخبر، وإنما هو من باب الحَمْل على معنى مَنْ، ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث الخبر لم يكن نظيرَ «وضَعَتْها أنثى» لأنَّ الخبرَ تخصَّص بالإِضافة إلى الضميرِ، فاستُفيد من الخبرِ ما لا يُسْتفاد من الاسم، بخلافِ «أنثى» فإنه لمجردِ التوكيدِ. وأمَّا تنظيرُه بقولِهِ: {فَإِن كَانَتَا اثنتين} فيعني أنه ثَنَّى الاسم لتثنيةِ الخبرِ، والكلامُ عليه يأتي في مكانه، فإنه من المُشْكلات، فالأحسن أن يُجْعَلَ الضميرُ في «وضعَتْها أنثى» عائداً على النَّسَمَة أو النفس، فتكون الحالُ مبينةً لا مؤكدةً «.
قلت: قوله» ليس نظيرَه، لأنَّ «مَنْ كانت أمَّك» حُمِل فيه على معنى [مَنْ] ، وهذا أُنِّث لتأنيث الخبر «ليس كما قال، بل هو نظيرهُ، وذلك أنه في الآية الكريمةُ حُمِل على معنى» ما «كما حُمِل هناك على معنى» مَنْ «، وقول الزمخشري:» لتأنيث الخبرِ «أي: لأنَّ المراد ب» مَنْ «التأنيثُ بدليل تأنيثِ الخبرِ، فتأنيثُ الخبرَ بيَّن لنا أن المراد ب» مَنْ «المؤنث، كذلك تأنيثُ الحال وهي أنثى بَيَّن لنا أن المراد ب» ما «في قوله: {ما في بطني} أنه شيء مؤنث، وهذا واضح لا يَحتاج إلى فكر.
وأما قوله: «فقد استُفيد من الخبر ما لا يُسْتفاد من الاسم بخلاف» وضَعَتْها أنثى «فإنه لمجردِ التوكيد» فليس بظاهرٍ أيضاً؛ وذلك لأنَّ الزمخشري إنما أراد بكونه نظيرَه من حيث إنَّ التأنيث في كلٍّ من المثالَيْنِ مفهومٌ قبلَ مجيءِ الحال في الآية، وقبلَ مجيءِ الخبرِ في النظير المذكور. أمَّا كونُه يفارقه في شيء آخرَ لعارضٍ فلا يَضُرُّ ذلك في التنظيرِ، ولا يُخْرِجُه عن كونه يُشْبِهُه من هذه الجهة.
وقد تحصَّل لك في هذه الحال وجهان، أحدُهما: أنها مؤكدةٌ إنْ قلنا إنَّ الضمير في «وضعَتهْا» عائدٌ على معنى «ما» . والثاني: أنها مبيِّنة إنْ قلنا: إنَّ الضميرَ عائدٌ على معنى الحَبْلة أو النَّسَمة أو النفس، لصِدْقِ كلٍّ من هذه الألفاظِ الثلاثةِ على الذكرِ والأنثى.
الوجه الثاني من وجهي «أنثى» : أنها بدلٌ من «ها» في «وضَعَتْها» بدلُ كلٍ من كلٍ، قاله أبو البقاء، ويكونُ في هذا البدلِ بيانُ ما المرادُ بهذا الضمير، وهذا من المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعدَه لفظاً ورتبةً. فإنْ كان الضمير مرفوعاً نحو: {وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ} [الأنبياء: 3] على أحدِ الأوجه، فالكلُّ يجيزون فيه البدلَ. وإنْ كان غيرَ مرفوعٍ نحو/: «ضربْتُه زيداً» ومَرَرْتُ به زيدٍ، فاخْتُلِف فيه، والصحيح جوازُه كقول الشاعر:
1242 - على حالةٍ لو أنَّ في القوم حاتماً ... على جودِه لضنَّ بالماءِ حاتمِ
بجرِّ «حاتم» الأخيرِ، بدلاً من الهاء في «جودِه» .
قوله: {بِمَا وَضَعَتْ} قرأ ابن عامر وأبو بكر: «وَضَعْتُ» بتاء المتكلم، وهو من كلام أم مريم عليها السلام خاطَبَتْ بذلك نفسها تَسَلِّياً لها، واعتذاراً لله تعالى حيث أتَتْ بمولود لا يَصْلُح لمِا نَذَرَتْه من سِدانة بيتِ المقدس. قال الزمخشري وقد ذكر هذه القراءة: «تعني ولَعلَّ لله تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلَّ هذه الأنثى خيرٌ من الذكر تسليةً لنفسها» . وفي قولهِا {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة، إذ لو جَرَتْ على مقتضى قولِها: «ربِّ» لقالت: «وأنت أعلم» .
وقرأ الباقون: «وضَعَتْ» بتاءُ التأنثي الساكنة على إسناد الفعل لضميرِ مريم عليها السلام، وهو من كلامِ الباري تبارك وتعالى، وفيه تنبيهٌ على عِظَمِ قَدْر هذا المولودِ، وأنَّ له شأْناً لم تعرفيه، ولم تَعْرفي إلا كونه أنثى لا غير، دونَ ما يَؤُول إليه من أمورٍ عظامٍ وآياتٍ واضحةٍ، قال الزمخشري: « ولتكلُّمِها بذلك على وجه التَحزُّنِ والتحسُّرِ قال الله تعالى: {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تعظيماً لموضوعِها وتجهيلاً لها بقدْر ما وَهَبَ لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعَتْ وما عَلِق من عظائم الأمور، وأَنْ يجعلَه وولدَه آيةً للعالمين، وهي جاهلةٌ بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تَحَسَّرت» .
وقد رجَّح بعضُهم القراءةَ الثانية على الأولى بقوله: {والله أَعْلَمُ} قال: «لو كان من كلامِ أم مريم لكانَ التركيبُ: وأنت أعلمُ» وقد تقدَّم جوابُ هذا وأنه التفات.
وقرأ ابنُ عباس: «وضَعْتِ» بكسر التاء على أنها تاءُ المخاطبة، خاطبها الله تعالى بذلك بمعنى: أنك لا تعلمين قَدْر هذه المولودة، ولا قَدْر ما عَلِمه الله فيها من عظائم الأمور.
قوله: {وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} هذه الجملةُ تحتمل أن تكونَ معترضة، وأن يكونَ لها محلٌّ، وذلك بحسَبِ القراءات المذكورة في «وضعت» ، كما سيمرُّ بك تفصيله. والألفُ واللام في «الذَّكَر» يُحْتمل أن تكونَ للعهد، والمعنى: ليس الذكرُ الذي طلبَتْ كالأنثى التي وُهِبَتْ لها. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: فما معنى قولِها:» وليس الذكر كالأنثى «؟ قلت: هو بيانٌ ل» ما «في قوله: {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} من التعظيم للموضوعِ والرفعِ منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طَلَبَتْ كالأنثى التي وُهِبت لها، والألفُ واللام فيهما للعهد» وأن تكون للجنس على أن مرادها أنَّ الذكر ليس كالأنثى في الفَضْلِ والمزيَّة؛ إذ هو صالح لخدمةِ المُتَعبِّدات وللتحرير ولمخالطةِ الأجانب بخلاف الأنثى، وكان سياقُ الكلام على هذا يَقْتضي أن يَدْخُلَ النفي على ما استقرَّ وحَصَلَ عندها وانتفَتْ عنه صفاتُ الكمالِ للغرضِ المقصودِ منه، فكان التركيب: وليس الأنثى كالذكر، وإنما عَدَلَ عن ذلك لأنها بَدَأَتْ بالأهمِّ بما كانت تريده. وهو المتلَجْلجُ في صدرِها والحائكُ في نفسها فلم يَجْرِ لسانُها في ابتداء النطق إلا به فصار التقديرُ: وليس جنسُ الذكر مثلَ جنس الأنثى لِما بينهما من التفاوتِ فيما ذكَر. ولولا هذه المعاني التي استنبَطَها العلماءُ وفهموها عن الله تعالى لم يكنْ لمجردِ الإِخبارِ بالجملةِ الليسية معنًى؛ إذ كلُّ أحدٍ يعلم أنَّ الذكرَ ليس كالأنثى.
وقوله: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} هذه الجملةُ معطوفةٌ على قولِه: {إِنِّي وَضَعْتُهَآ} على قراءةِ مَنْ ضَمَّ التاء في قوله «وضَعْتُ» فتكونُ هي وما قبلها من محلِّ نصب بالقول، والتقدير: قالت إني وضعتُها، وقالت: والله أعلم بما وضعتُ، وقالَتْ: وليس الذكر كالأنثى، وقالت: إني سميتها مريم. وأما على قراءة مَنْ سكن التاء أو كسرها فيكون «إني سَمَّيْتُها» أيضاً معطوفاً على «إني وضعتُها» ، ويكون قد فَصَل بين المتعاطفين بجملتي اعتراض كقوله تعالى:
{وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 76] قاله الزمخشري.
قال الشيخ: «ولا يتعيَّن ما ذَكَر من كونِهما جملتين معترضتين، لأنه يُحْتمل أن يكون {وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} في هذه القراءةِ مِنْ كلامِها، ويكون المعترضُ جملةً واحدة كما كان من كلامها في قراءة من قرأ:» وضعْتُ «بضم التاء، بل ينبغي أن يكونَ هذا المتعيِّن لثبوتِ كونه من كلامها في هذه القراءةِ، ولأنَّ في اعتراضِ جملتين خلافاً، مذهبُ أبي علي أنه لا تعْتَرِضُ جملتان، وأيضاً تشبيهُه هاتين الجملتين اللتين اعترَض بهما على زَعْمِه بين المعطوف والمعطوف عليه بقوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ/ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} ليس تشبيهاً مطابقاً للآية لأنه لم تَعْتَرضْ جملتان بين طالب ومطلوب، بل اعتُرِض بين القسمِ الذي هو: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم} وبين جوابه الذي هو: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} بجملةٍ واحدة، وهي قولُه: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} لكنه جاء في جملة الاعتراضِ بين بعضِ أجزائهِ وبعضٍ اعتراضُ بجملة وهو قوله:» لو تعلمون «اعترضَ به بين المنعوتِ الذي هو» لقسمٌ «وبين نعتهِ الذي هو» عظيم «، فهذا اعتراضٌ في اعتراضٌ، فليس فصلاً بجملتي اعتراض كقوله: {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} قلت: والمُشَاحَّةُ بمثل هذه الأشياء ليست طائلة، وقولُه:» ليس فصلاً بجملتي اعتراض «ممنوعٌ، بل هو فصلٌ بمجملتي اعتراض، وكونُه جاء اعتراضٌ في اعتراض لا يَضُرُّ ذلك ولا يَقْدَّحُ في قوله:» فَصَل بجملتين «.
و» سَمَّى «يتعدَّى لاثنين. أحدُهما بنفسه وإلى الآخر بحرف الجر، ويجوزُ حَذْفُه، تقول: سمَّيت ابني زيداً والأصل: يزيد، قال الشاعر فجمع بين الأصل والفرع:
1243 - وسُمِّيْتَ كَعْباً بشَرِّ العِظَامِ ... وكان أبوكَ يُسَمَّى الجُعَلْ
أي: يُسَمَّى بالجُعَلْ. وقد تقدَّم الكلامُ في» مريم «واشتقاقِها ومعناها وكونِها من الشاذ عن نظائره.
قوله: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا} عطفٌ على» إني سَمَّيْتُها «، وأتى هنا بخبرِ» إنَّ «فعلاً مضارعاً دلالةً على طلبِها استمرارَ الاستعاذة دونَ انقطاعِها، بخلافِ قولِه:» وضَعْتُها وسَمَّيْتُها «حيث أتى بالخبرين ماضِيَيْن لانقطاعِهما، وقَدَّم المعاذَ به على المعطوف اهتماماً به.
وفَتَح نافع ياءَ المتكلم قبل هذه الهمزةِ المضمومةِ، وكذلك كلُّ ياء وقعَ بعدَها همزةٌ مضمومةً إلا موضعين، فإنَّ الكلَّ اتفقوا على سكونها فيهما: {بعهدي أُوفِ} [البقرة: 40] {آتوني أُفْرِغْ} [الكهف: 96] ، والباقي عشرة مواضع، هذا الذي في هذه السورة أحدها.
3:37Page 54
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧
So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."
قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا} : الجمهور على «تَقَبَّلها» فعلاً ماضياً على تَفَعَّل بتشديدِ العين، و «ربُّها» فاعل بِهِ. وتفعَّل يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونَ بمعنى المجرد أي: فَقَبِلها، بمعنى رَضِيها مكانَ الذَّكَر المنذور، ولم يَقْبَلْ أنثى منذورةً مثلَ مريم، كذا جاء في التفسير، وتَفَعَّل يأتي بمعنى فَعِل مجرداً نحو: تَعَجَّب وعَجِب من كذا، وتبرَّأ وبَرِىء منه. والثاني: أن تفعَّل بمعنى استفعل، أي: فاستقبلها ربُّها يقال: استقبلْتُ الشيء أي: أخذْتُه أولَ مرة، والمعنى: أنَّ الله تولاها في أول أمرها وحين ولادتِها ومنه قوله هو القطامي:
1244 - وخيرُ الأمرِ ما استقبَلْتَ منه ... وليس بأَنْ تَتَبَّعَه اتِّباعاً ومنه المَثَلُ: «خُذِ الأمر بقَوابله» . وتفعَّل بمعنى استفعل كثير نحو: تَعَظَّم واستعظم، وتكبَّر واستكبر، وتَقَصَّيْت الشيء، واستقصَيْتُه وتَعَجَّلَته واستَعْجَلْتُه.
والباءُ في قولِه: {بِقَبُولٍ} فيها وجهان، أحدُهما. أنها زائدة أي: قَبولاً، وعلى هذا فينتصب، «قبولاً» على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد؛ إذ لو جاء على تقبُّل لقيل: تَقَبُّلا نحو: تكبَّر تكبُّرا. وقَبول من المصادر التي جَاءَتْ على فَعُول بفتح الفاء، وقد تقدَّم ذكرُها أول البقرة، يقال: قَبِلْتُ الشيء قَبولاً. وأجاز الفراء والزجاج ضمَّ القاف من «قبول» ، وهو القياسُ كالدُّخول والخُروج، وحكاها ابن الأعرابي عن العرب: قبلته قَبولاً وقُبولاً فتح القاف وضمِّها سماعاً عن العرب، و «على وجهه قُبول» لا غيرُ، يعني لم يُقَلْ هنا إلا بالضم، وأنشدوا:
1245 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . والوجه عليه القُبول
بضم القاف كذا حكاهُ بعضُهم.
وقال الزجاج: «إن» قبولاً هذا ليس منصوباً بهذا الفعل حتى يكون مصدراً على غير الصدر، بل هو منصوبٌ بفعل موافقٍ له أي: مجردٍ قال: «والتقدير: فتقبَّلَها يتقبُّل حسن وقَبِلها قَبولاً حسناً أي: رضيها وفيه بُعْدٌ.
والوجه الثاني: أن الباءَ ليست زائدةً، بل هي على حالها، ويكون المرادُ بالقَبول هنا اسماً لِما يُقْبل به الشيءُ نحو:» اللَّدود «لِما يُلَدُّ به، والسَّعوطِ: لما يُسْعَطُ به، والمعنى بذلك اختصاصهُ لها بإقامتها مقامَ الذكَرِ في النَّذْر.
وقوله: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً} نبات أيضاً مصدرٌ على غير الصدر؛ إذ القياسُ: إنبات. وقيل: بل هو منصوبٌ بمضمرٍ موافقٍ له أيضاً تقديرُه: فنبتَتْ نباتاً حسناً.
وقوله: {وَكَفَّلَهَا} قرأ الكوفيون:» وكَفَّلَها «بتشديد العين،» زكريا «بالقصر، إلا أبا بكر فإنه قرأه بالمدِّ كالباقين، ولكنه يَنْصِبُه، والباقون يرفعونه كما سيأتي.
وقرأ مجاهد:» فتقبَّلْها «بسكون اللام،» ربَّها «منصوباً، و» أنبِتها «بكسر الباء وسكون التاء، و» كَفِّلْها «بكسر الفاء وسكون اللام، وقرأ أُبَيٌّ:» وأَكْفَلَها «ك» أَكْرَمَها «فعلاً ماضياً.
وقرأ عبد الله المزني «وكَفِلَها» بكسر الفاء والتخفيف.
فأمَّا قراءةُ الكوفيين فإنهم عَدَّوا الفعلَ بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما « زكريا» فَمَنْ قَصَره كالأخوين وحفص عنده مقدَّر النصبِ، ومن مدَّه كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة، وهكذا قَرَأْتُه.
وأمَّا قراءة بقية السبعة فَكَفَلَ مخففٌ عندهم متعدٍّ لواحد وهو ضمير مريم، وفاعله «زكريا» ، ولا مخالفةَ بين القراءتين؛ لأنَّ الله لَمَّا كَفَّلها إياه كَفَلها، وهو في قراءتهم ممدودٌ مرفوعٌ بالفاعلية.
وأمَّا قراءةُ «أَكْفَلَها» فإنه عَدَّاه بالهمزة كما عَدَّاه غيرُه بالتضعيف نحو: خَرَّجْته/ وأَخْرجته، وكَرَّمته وأَكْرمته، وهذه كقراءة الكوفيين في المعنى والإِعراب، فإنَّ الفاعل هو الله تعالى، والمفعولُ الأول هو ضمير مريم والثاني هو «زكريا» .
وأمَّا قراءة: «وكَفِلها» بكسر الفاء فإنها لغةٌ في كَفَلَ، يقال: كَفَلَ يَكْفُل، كَقَتَل يقتُل، وهي الفاشية، وكَفِلَ يَكْفَلَ كَعلِمَ يَعْلَم، وعليها هذه القراءة، وإعرابُها كإعرابِ قراءةِ الجماعة في كون «زكريا» فاعلاً.
وأَمَّا قراءةُ مجاهد فإنها كلَّها على لفظِ الدعاءِ مِنْ أُمِّ مريم لله تعالى بأَنْ يفعلَ لها ما سألته. و «ربَّها» منصوب على النداء أي: فتقبَّلْها يا ربَّها وأَنْبِتْها وكَفِّلْها يا ربَّها. و «زكريا» في هذه القراءةِ مفعولٌ ثانٍ أيضاً كقراءةِ الكوفيين.
وقرأ حفص والأخوان: «زكريا» بالقَصْرِ حيث وَرَدَ في القرآن، وباقي السبعة بالمدِّ، والمدُّ والقصرُ في هذا الاسم لغتان فاشيتان عن أهلِ الحجاز. وهو اسمٌ أعجمي فكانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقولوا فيه: مُنِعَ من الصرفِ للعلَميَّة والعُجْمة كنظائره، وإنما قالوا: مُنع من الصرف لوجود ألف التأنيث فيه. إمَّا الممدودةِ كحَمْراء أو المقصورةِ كَحُبْلى، وكأن الذي اضطرهم إلى ذلك أنهم رأَوْهُ ممنوعاً معرفةً ونكرةً، قالوا: فلو كان منعُه للعلمية والعجمة لانصرفَ نكرةً لزوالِ أحدِ سَبَبَيْ المنع، لكن العرب منَعَتْهُ نكرةً، فَعَلِمْنَا أنَّ المانعَ غيرُ ذلك، وليس معنا هنا ما يصلُح مانعاً من صرفه إلا ألفُ التأنيث، يَعْنُون التشبيهَ بألف التأنيث، وإلاَّ فهذا اسم أعجمي لا يُعْرف له اشتقاقٌ حتى يُدَّعى فيه أن الألفَ فيه للتأنيث. على أن أبا حاتم قد ذهب إلى صرفه نكرةً، وكأنه لَحَظَ فيه ما قَدَّمتْهُ من العجمة والعلمية لكنهم غَلَّطوه وخَطَّؤوه في ذلك.
وقال الفارسي فأَشْبع فيه القول: «لا يخلو من أن يكونَ الهمزة فيه: للتأنيث أو للإِلحاق أو منقلبةً، ولا يجوز أن تكونَ منقلبةً؛ لأنَّ الانقلاب لا يخلو من أن يكونَ من حرفٍ أصلي أو من حرفِ الإِلحاق، ولا يجوزُ أَنْ يكون من حرف أصلي لأنَّ الياء والواو لا يكونان أصلاً فيما كان على أربعة أحرف، ولا أَنْ يكونَ من حرف الإِلحاق لأنه ليس في الأصولِ شيءٌ يكونُ هذا ملحقاً به وإذا ثبت ذلك ثَبَتَ أنها للتأنيث، وكذلك القولُ في الألف المقصورة» .
وهذا الذي قاله أبو علي صحيحٌ لو كان فيما يُعْرَفُ له اشتقاقٌ ويَدْخله تصريفٌ، ولكنهم يُجرون الأسماء الأعجمية مُجْرى العربية بمعنى أن هذا لو وَرَدَ في لسانِ العرب كيف يكون حكمُهُ؟
وفيه بعد ذلك لغتان أُخْرَيان، إحداهما: زَكَرِيٌّ بياء مشددة في آخره فقد دونَ ألف، وهو في هذه اللغة منصرف. ووجَّهَ أبو علي ذلك فقال: «القولُ فيه أنه حُذِفَ منه الياءان اللتانِ كانتا فيه ممدوداً ومقصوراً وما بعدهما وأَلْحَقَ ياءي النسب» قال: يَدُلُّ على ذلك صَرْفُ الاسم، ولو كانت الياءان هما اللتان كانتا فيه لوجب أن لا ينصرفَ للعجمة والتعريف «، وهذه اللغةُ التي ذكرتُها لغةُ أهلِ نجد ومَنْ والاهم. والثانية:» زَكْرٍ «بزنة عَمْرٍو، حكاها الأخفش» .
والكَفالَةُ: الضمان في الأصلِ، ثم يستعار للضم والأخذ، يقال منه: كَفَل يكفُل، وكَفِلَ يكفَل كعَلِمَ يعلَم كَفالة وكَفْلاً فهو كافِلٌ وكفيل.
قوله: {المحراب} فيه وجهان مشهوران، أحدهما وهو مذهب سيبويه أنه منصوبٌ على الظرف، وشذَّ عن سائر إخوانه بعد «دخل» خاصة، يعني أن كلَّ ظرفِ مكان مختص لا يصل إليه الفعلُ إلا بواسطة «في» نحو: «صَلَّيْت في المحراب» ولا تقول: المحرابَ، ونمت في السوق، ولا تقول: السوقَ، إلا مع «دخل» خاصة، نحو: دَخَلْتُ السوقَ والبيت، وإلا ألفاظاً أُخَرَ ذكرْتُها في كتب النحو. والثاني: مذهب الأخفش، هو نصبُ ما بعد «دخل» على المفعول به لا على الظرف، فقولك: «دخلت البيت» كقولك: «هَدَمْتُ البيت» في نصب كلٍّ منهما على المفعول به. وهو قولٌ مرجوحٌ بدليل أنَّ «دخل» لو سُلِّط على غير الظرف المختص وجب وصولُه بوساطةِ «في» تقول: «دخلْتُ في الأمر» ولا تقول: دخلت الأمر، فدلَّ ذلك على عدم تعدِّيه للمفعول به بنفسه.
والمحراب: قال أبو عبيدة: «هو أشرف المجالس ومقدَّمُها، وهو كذلك من المسجدِ» . وقال ابو عمرو بن العلاء: «هو القَصْرُ لعلوِّه وشَرَفِه» . وقال الأصمعي: «هو الغرفةُ» وأنشد لامرىء القيس: 1246 - وماذا عليه أَنْ ذكرتُ أوانساً ... كغِزْلانِ رملٍ في محاريبِ أَقْيالِ
قالوا: معناه في غُرَفِ أقيال. وأنشد غيرُه لعمر بن أبي ربعية:
1247 - رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جئتُها ... لم أدْنُ حتى أَرْتَقِي سُلَّما
وقيل: هو المحرابُ من المسجدِ المعهودِ وهو الأليقُ بالآية. وأمَّا ما ذكرْتُه عمَّن تقدَّم فإنما يَعْنُون به المحرابَ مِنْ حيث هو، وأمَّا في هذه الآية فلا يَظْهَرُ بينهم خلافٌ [في] أنه المحرابُ المتعارَفُ، قيل: واشتقاقه من الحَرْب لتحارُبِ الناس عليه.
وأمال ابن ذكوان عن ابن عامر «المحراب» في هذه السورة موضعين بلا خلافٍ، لكونه قَوِيَ فيه سببُ الإِمالة، وذلك أن الألف تقدَّمَها كسرةٌ وتأخَّرت عنها كسرةٌ أخرى فقَوِيَ داعي الإِمالة، وهذا بخلاف/ «المحراب» غيرِ المجرور فإنه نُقِلَ عن ابن ذكوان فيه الوجهان: الإِمالةُ وعدمُها نحو قوله:
{إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب} [ص: 21] ، فوجهُ الإِمالة تقدُّمُ الكسرة، ووجهُ التفخيمِ أنه الأصلُ، وقد تقدَّم لك الفرقُ بين كونِهِ مجروراً فلم يُخْبَرْ عنه فيه خلاف وبين كونِهِ غيرَ مجرورٍ فجرى فيه الخلافُ، وكذلك جرى عنه الخلاف أيضاً في «عمران» لِما ذكرْتُ لكل من تقدُّم الكسر.
قوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} هذه «وَجَدَ» بمعنى أصاب ولقي وصادف فتتعدَّى لواحدٍ وهو «رزقاً» ، و «عندَها» الظاهرُ أنه ظرفٌ للوِجْدَان. وأجاز أبو البقاء أن يكونَ حالاً من «رزقاً» لأنه يصلُح أن يكونَ صفةً له في الأصل، وعلى هذا فيتعلَّقُ بمحذوف، و «وَجَدَ» هو الناصبُ لكلما، لأنها ظرفيةٌ، وقد تقدَّم تحقيقُه. وأبو البقاء سَمَّاه جوابها؛ لأنها عنده تشبه الشرطَ كما سيأتي.
قوله: «قال: يا مريم» فيه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنف، قال أبو البقاء: «ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً من» وَجَدَ «لأنه ليس بمعناه» . والثاني: أنه معطوفٌ بالفاء، فَحُذِفَ العاطِفُ، قال أبو البقاء: «كما حُذِفَتْ في جواب الشرط كقوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] ، وكذلك قولُ الشاعر:
1248 - مَنْ يَفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكرها ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا الموضِعُ يشبِهُ جوابَ الشرط؛ لأنَّ» كلما «تُشْبه الشرط في اقتضائِها الجواب» انتهى. قلت: وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنه تخيَّل أنَّ قوله تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} أنَّ جوابَ الشرط هو نفس «إنكم لمشركون» حُذفت منه الفاء، وليس كذلك، بل جوابُ الشرط محذوفٌ، و «إنكم لمشركون» جوابُ قسمٍ مقدر قبل الشرط، وقد تقدَّم تحقيقُ هذه المسألة، فليس هذا مِمَّا حُذِفَتْ منه فاءُ الجزاء البتَةَ، وكيف يَدَّعي ذلك ويُسَوِّيه بالبيت المذكور وهو لا يجوز إلا في ضرورة، ثم الذي يَظْهَرُ أنَّ الجملةَ من قوله: «وَجَدَ» في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «دخل» ، ويكون جوابُ «كلما» هو نفسَ « قال» والتقدير: كلما دخل عليها زكريا واجداً عندها الرزقَ قال، وهذا بيِّنٌ جداً. ونَكَّر «رزقاً» تعظيماً له أو ليدلَّ به على نوعِ ما منه.
قوله: {أنى لَكِ هذا} أنَّى خبر مقدم، و «هذا» مبتدأ مؤخر، ومعنى «أنى» هنا: مِنْ أين، كذا فَسَّرها أبو عبيدة، وقيل: ويجوز أن يكون سؤالاً عن الكيفية أي: كيف تهيَّأ لك هذا، قال الكميت:
1249 - أنَّى ومِنْ أين آبَكَ الطربُ ... مِنْ حيثُ لا صبوةٌ ولا رِيَبُ
وجَوَّزَ أبو البقاء في «أَنَّى» أن ينتصِبَ على الظرف بالاستقرار الذي في «لك» ، و «لك» رافع ل «هذا» يعني بالفاعلية ولا حاجة إلى ذلك. وقد تقدّم الكلام على «أنَّى» في البقرة.
{إنًّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} تقدَّم نظيرُه، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ مستأنفاً [مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، وأن يكونَ من كلامِ مريم فيكونَ منصوباً] .
3:38Page 55
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨
At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."
قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا} : «هنا» هو الاسمُ واللامُ للبعد والكافُ حرفُ، وهو وِزانُ «ذلك» ، وهو منصوبٌ على الظرفِ المكاني ب «دعا» ، أي: في ذلك المكان الذي رأى فيه ما رأى مِنْ أَمْرِ مريم، وهو ظرفٌ لا يتصرَّفُ بل يلزم النصبَ على الظرفية، وقد يُجَرُّ ب «مِنْ» و «إلى» قال الشاعر: 1250 - قد وَرَدَتْ مِنْ أَمْكِنَهْ ... مِنْ ههنا ومِنْ هُنَهْ
وحكمُه حكمُ «ذا» مِنْ كونِهِ يُجَرَّد من حرف التنبيه ومن الكاف واللام نحو: هنا، وقد تصحبه «ها» التنبيه نحو: ههنا، ومع الكافِ قليلاً نحو: «ها هناك» ، ويمتنعُ الجمعُ بين ها واللام. وأخواتُهُ: هَنَّا بتشديد النون مع فتح الهاء وكسرها، وثَمَّ بفتح الثاء، وقد يقال هَنَّتْ، ولا يُشار بهذه إلا للبعيد خاصة، ولا يشار بهنالك وما ذُكِرَ معه إلا للأمكنة.
وقد زعم بعضُهم أنَّ «هناك» و «هنالك» و «هَنَّا» للزمان، فمِنْ ورودِ «هنالك» بمعنى الزمان عند بعضِهم هذه الآية أي: في ذلك الزمان، ومثلُه: {هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون} [الأحزاب: 11] ومنه قولُ زهير:
1251 - هنالك إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والظاهر أنه على مكانِيَّتِه. ومن ورود «هناك» قوله:
1252 - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشابَهَتْ ... فهناك يعترفون أين المفزَعُ
ومن ورود هَنَّا قوله:
1253 - حَنَّتْ نَوارِ ولاتَ هَنَّا حَنَّتِ ... وبدا الذي كانت نوارِ أَجَنَّتِ لأن «لات» لا تعمل إلا في الأحيان، وفي البيت كلامٌ أطولُ من هذا. وفي عبارة السجاوندي أن «هناك» في المكان و «هنالك» في الزمان، وهو سهوٌ، لأنها للمكان سواءً تجردت أم اتصلت بالكاف واللام معاً أم بالكاف دون اللام.
قوله: {مِن لَّدُنْكَ} يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق ب «هَبْ» وتكونُ «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً أي: هَبْ لي من عندِك، ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ على أنه في الأصل صفةٌ لذرية، فلما قُدِّم عليها انتصبَ حالاً. وقد تقدَّم الكلامُ على لدن وأحكامِها ولغاتِها. وقوله: {سَمِيعُ الدعآء} مثالُ مبالغة مُحَوَّل من «سامِع» وليس بمعنى «مُسْمِع» لفسادِ المعنى.
وقوله: {طَيِّبَةً} نْ أرادَ ب «ذرية» الجنسَ فيكونُ التأنيثُ في «طيبة» باعتبارِ تأنيثِ الجماعة، وإنْ أرادَ به ذَكَراً واحداً فالتأنيث باعتبار اللفظ. قال: الفراء: «وأَنَّث» طيبة «لتأنيثِ لفظِ» الذرية «كما قال الشاعر:
1254 - أبوكَ خليفةٌ وَلَدَتْهُ أخرى ... وأنت خليفةٌ، ذاك الكمالُ
وهذا فيما لم يُقْصَدُ به واحدٌ معيَّنٌ، أمَّا لو قُصِدَ به واحدٌ معيَّنٌ امتَنَعَ اعتبارُ اللفظِ نحو: طلحة وحمزة، وقد جَمَعَ الشاعرُ بين التذكيرِ والتأنيث في قوله:
1255 - فما تَزْدَري من حَيَّةٍ جَبَلِيَّة ... سُكاتٍ إذا ما عَضَّ ليس بِأَدْرَدَا
لأنَّ المرادَ بحيَّة اسمُ الجنسِ لا واحدٌ بعينه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences