As-Samin al-HalabiSaba · 34:31–54

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:31–54

34:31Page 431

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١

And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."

قوله: {وَلَوْ تَرَى ا} : مفعولُ «ترى» وجوابُ «لو» محذوفان للفهم. أي: لو ترى حالَ الظالمين وقتَ وقوفِهم راجعاً بعضُهم إلى بعض القولَ لرَأَيْتَ حالاً فظيعة وأمراً مُنْكراً. و «يَرْجِعُ» حالٌ مِنْ ضميرِ «مَوْقوفون» ، والقولُ منصوبٌ ب «يَرْجِعُ» لأنه يَتَعَدَّى. قال تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ الله} [التوبة: 83] . وقولُه: {يَقُولُ الذين استضعفوا} إلى آخره تفسيرٌ لقولِه: «يَرْجِعُ» فلا مَحَلَّ له. و «أنتم» بعد «لولا» مبتدأٌ على أصَحِّ المذاهبِ. وهذا هو الأفصحُ. أعني وقوعَ ضمائرِ الرفعِ بعد «لولا» خلافاً للمبرد؛ حيث جَعَلَ خلافَ هذا لَحْناً، وأنه لم يَرِدْ إلاَّ في قولِ يزيدَ:

3747 - وكم مَوْطَنٍ لَوْلاي. . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

البيت. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا. والأخفشُ جَعَلَ أنه ضميرُ نصبٍ أو جرٍ قامَ مقامَ ضميرِ الرفع. وسيبويهِ جعلَه ضميرَ جَرّ.

34:32Page 432

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢

Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."

No commentary for this ayah

34:33Page 432

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣

Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?

قوله: {بَلْ مَكْرُ الليل} : يجوز رفعُه مِنْ ثلاثةِ أوجه، أحدها: الفاعليةُ تقديره: بل صَدَّنا مَكْرُكُمْ في هذين الوقتين. الثاني: أَنْ يكونَ مبتدأً خبرُه محذوفٌ، أي: مَكْرُ الليلِ صَدَّنا. الثالث: العكسُ أي: سببُ كفرِنا مَكْرُكم. وإضافةُ المَكْرِ إلى الليلِ والنهار: إمَّا على الإِسنادِ المجازيِّ كقولهم: ليلٌ ماكرٌ، فيكونُ مصدراً مضافاً لمرفوعِه، وإمَّا على الاتساعِ في الظرف فجُعِل كالمفعولِ به، فيكونُ مضافاً لمنصوبِه. وهذان أحسنُ مِنْ قول مَنْ قال: إنَّ الإِضافةَ بمعنى «في» أي: في الليل؛ لأنَّ ذلك لم يَثْبُتْ في غيرِ مَحَلِّ النِّزاع.

وقرأ العامَّةُ «مَكْرُ» خفيفَ الراءِ ساكنَ الكاف مضافاً لِما بعده. وابن يعمر وقتادةُ بتنوين «مكرٌ» وانتصابِ الليل والنهار ظرفَيْن. وقرأ أيضاً وسعيد بن جبير وأبو رُزَيْن بفتحِ الكافِ وتشديدِ الراء مضافاً لِما بعده. أي: كُرورُ الليل والنهار واختلافُهما، مِنْ كَرَّ يَكُرُّ، إذا جاء وذهب. وقرأ ابن جُبير أيضاً وطلحة وراشد القارئ - وهو الذي كان يصحِّحُ المصاحفَ أيامَ الحَجَّاج بأمرِه - كذلك إلاَّ أنه بنصبِ الراء. وفيها أوجهٌ، أظهرُها: ما قاله الزمخشري، وهو الانتصابُ على المصدرِ قال: «بل تَكُرُّون الإِغواءَ مَكَرَّاً دائماً لا تَفْتَرُون عنه» . الثاني: النصبُ على الظرفِ بإضمارِ فِعْلٍ أي: بل صَدَدْتُمونا مَكَرَّ الليلِ والنهارِ أي: دائماً. الثالث: أنه منصوبٌ بتَأْمُرُوننا، قاله أبو الفَضل الرازي، وهو غلطٌ؛ لأنَّ ما بعد المضافِ لا يَعْمل فيما قبلَه إلاَّ في مسألةٍ واحدةٍ: وهي «غير» إذا كانَتْ بمعنى «لا» كقوله: 3748 - إنَّ أمْرَأً خَصَّني عَمْداً مَوَدَّتَه ... على التَّنائي لَعِندي غيرُ مَكْفورِ

وتقريرُ هذا تقدَّمَ أواخرَ الفاتحة.

وجاء قولُه: {قَالَ الذين استكبروا} بغيرِ عاطفٍ؛ لأنَّه جوابٌ لقولِ الضَّعَفَةِ، فاسْتُؤْنِفَ، بخلافِ قولِه: {وَقَالَ الذين استضعفوا} فإنه لَمَّا لم يكنْ جواباً عُطِف. والضميرُ في «وأَسَرُّوا الندامةَ» للجميع: للأتباع والمتبوعين.

34:34Page 432

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤

And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

قوله: {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} : جملةٌ حاليةٌ مِنْ «قرية» وإن كانَتْ نكرةً؛ لأنَّها في سياقِ النفي.

قوله: «بما أُرْسِلْتُمْ» متعلقٌ بخبر «إنَّ» و «به» متعلِّقٌ ب «أُرْسِلْتُمْ» . والتقدير: إنَّا كافرون بالذي أُرْسِلْتم به، وإنما قُدِّم للاهتمامِ. وحَسَّنه تواخي الفواصلِ.

34:35Page 432

وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥

And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."

No commentary for this ayah

34:36Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."

قوله: {وَيَقْدِرُ} : أي: يُضَيِّق بدليل مقابلتِه ل «يَبْسُط» . وهذا هو الطباقُ البديعيُّ. وقرأ الأعمش «ويُقَدِّر» بالتشديد/ في الموضعين.

34:37Page 432

وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].

قوله: {بالتي تُقَرِّبُكُمْ} : صفةٌ للأموالِ والأولادِ؛ لأنَّ جمعَ التكسيرِ غيرَ العاقلِ يُعامَلُ معاملةَ المؤنثةِ الواحدة. وقال الفراء والزجَّاج: إنَّه حذفَ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه. قالا: والتقدير وما أموالُكم بالتي تُقَرِّبُكم عندنا زُلْفَى، ولا أولادُكم بالتي تُقَرِّبُكم. وهذا لا حاجةَ إليه أيضاً. ونُقِل عن الفراء ما تقدَّمَ: مِنْ أنَّ «التي» صفةٌ للأموالِ والأولادِ معاً. وهو الصحيح. وجعل الزمخشري «التي» صفةً لموصوفٍ محذوفٍ. قال: «ويجوزُ أَنْ تكون هي التقوى وهي المقرِّبةُ عند الله زُلْفَى وحدها أي: ليسَتْ أموالُكم وأولادُكم بتلك الموصوفةِ عند الله بالتقريبِ» . وقال الشيخ: «ولا حاجةَ إلى هذا الموصوفِ» قلت: والحاجةُ إليه بالنسبة إلى المعنى الذي ذكره داعيةٌ.

قوله: «زُلْفَى» مصدرٌ مِنْ معنى الأول، إذ التقدير: تُقَرِّبكم قُرْبى. وقرأ الضحَّاك «زُلَفاً» بفتح اللام وتنوين الكلمة على أنها جمعُ زُلْفَى نحو: قُرْبَة وقُرَب. جُمِع المصدرُ لاختلافِ أنواعِه.

قوله: {إِلاَّ مَنْ آمَنَ} فيه أوجهٌ، أحدها: أنه استثناءٌ منقطعٌ فهو منصوبُ المحلِّ. الثاني: أنه في محلِّ جَرّ بدلاً من الضمير في «أموالكم» . قاله الزجاج. وغَلَّطه النحاس: بأنه بدلٌ من ضمير المخاطب. قال: «ولو جاز هذا لجازَ» رَأَيْتُك زيداً «. وقولُ أبي إسحاقَ هذا هو قولُ الفراءِ» . انتهى.

قال الشيخُ: «ومذهبُ الأخفش والكوفيين أنه يجوزُ البدلُ مِنْ ضميرِ المخاطبةِ والمتكلم؛ إلاَّ أنَّ البدلَ في الآيةِ لا يَصِحُّ؛ ألا ترى أنه لا يَصِحُّ تفريغُ الفعلِ الواقعِ صلةً لما بعد» إلاَّ «لو قلتَ:» ما زيدٌ بالذي يَضْرِب إلاَّ خالداً «لم يَجُزْ. وَتَخَيَّلَ الزجَّاجُ أنَّ الصلةَ - وإن كانَتْ مِنْ حيث المعنى منفيَّةً - أنه يجوزُ البدلُ، وليس بجائزٍ، إلاَّ أَنْ يَصِحَّ التفريغُ له» . قلت: ومَنْعُهُ قولَك: «ما زيدٌ بالذي يَضْرب إلاَّ خالداً» فيه نظرٌ، لأنَّ النفيَ إذا كان مُنْسَحباً على الجملة أُعْطي حُكْمَ ما لو باشَرَ ذلك الشيءَ. ألا ترى أنَّ النفيَ في قولك «ما ظننتُ أحداً يَفْعلُ ذلك إلاَّ زيدٌ» سَوَّغَ البدلَ في «زيد» مِنْ ضميرِ «يَفْعَل» وإنْ لم يكنِ النفيُ مُتَسَلِّطاً عليه. قالوا: ولكنه لمَّا كان في حَيِّزِ النفي صَحَّ فيه ذلك، فهذا مثلُه.

والزمخشريُّ أيضاً تَبع الزجَّاجَ والفراءَ في ذلك من حيث المعنى، إلاَّ أنَّه لم يَجْعَلْه بدلاً بل منصوباً على أصل الاستثناء، فقال: «إلاَّ مَنْ آمنَ استثناءٌ من» كم «في تُقَرِّبُكم. والمعنى: أنَّ الأموالَ لا تُقَرِّبُ أحداً إلاَّ المؤمنَ الذي يُنْفقها في سبيلِ الله. والأولاد لا تُقَرِّبُ أحداً إلاَّ مَنْ عَلَّمهم الخيرَ، وفَقَّهَهم في الدين، ورَشَّحهم للصلاح» .

ورَدَّ عليه الشيخُ بنحوِ ما تقدَّم فقال: «لا يجوزُ: ما زيدٌ بالذي يَخْرُج إلاَّ أخوه، وما زيدٌ بالذي يَضْرب إلاَّ عَمْراً» . والجوابُ عنه ما تقدم، وأيضاً فالزمخشريُّ لم يجعَلْه بدلاً بل استثناءً صريحاً، ولا يُشْتَرَطُ في الاستثناء التفريغُ اللفظيُّ بل الإِسنادُ المعنويُّ، ألا ترى أنك تقول: «قام القومُ إلاَّ زيداً» ولو فَرَّغْتَه لفظاً لامتنع؛ لأنه مُثْبَتٌ. وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ هو الوجهُ الثالثُ في المسألة.

الرابع: أنَّ «مَنْ آمَنَ» في محلِّ رفع على الابتداء. والخبرُ قولُه: {فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف} . وقال الفراء: «هو في موضعٍ رفعٍ تقديرُه: ما هو المقرَّب إلاَّ مَنْ آمن» وهذا لا طائلَ تحته. وعَجِبْتُ من الفَرَّاءِ كيف يقوله؟

وقرأ العامَّةُ: «جزاءُ الضِّعْفِ» مضافاً على أنه مصدرٌ مضافٌ لمفعولِه، أي: أَنْ يُجازِيَهم الضِّعْفَ. وقَدَّره الزمخشريُّ مبنيَّاً للمفعول أي: يُجْزَوْن الضِّعْفَ. ورَدَّه الشيخ: بأنَّ الصحيحَ مَنْعُه. وقرأ قتادة برفعِهما على إبدالِ الضِّعْف مِنْ «جزاء» . وعنه أيضاً وعن يعقوبَ بنصبِ «جزاءً» على الحال. والعاملُ فيها الاستقرار، وهذه كقولِه: {فَلَهُ جَزَآءً الحسنى} [الكهف: 88] فيمَنْ قرأ بنصبِ «جزاء» في الكهف.

قوله: «في الغُرُفاتِ» قرأ حمزةُ «الغُرْفَة» بالتوحيد على إرادةِ الجنس ولعدمِ اللَّبْسِ؛ لأنه مَعْلومٌ أنَّ لكلِّ أحدٍ غرفةً تَخُصُّه. وقد أُجْمِعَ على التوحيدِ في قوله: {يُجْزَوْنَ الغرفة} [الفرقان: 75] ولأنَّ لفظَ الواحدِ أخفُّ فوُضِعَ مَوْضِعَ الجمعِ مع أَمْنِ اللَّبْسِ. والباقون «الغُرُفات» جمعَ سَلامة. وقد أُجْمِعَ على الجمع في قوله: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً} [العنكبوت: 58] والرسمُ مُحْتَمِلٌ للقراءَتَيْن. وقرأ الحسن بضمِّ راء «غُرُفات» على الإِتباع. وبعضُهم يَفْتحها. وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك أول البقرة. وقرأ ابنُ وثَّاب «الغُرُفَة» بضمِّ الراء والتوحيد.

34:38Page 432

وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨

And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].

No commentary for this ayah

34:39Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."

قوله: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ} : يجوزُ أَنْ تكونَ/ «ما» موصولةً في محلِّ رَفْعٍ بالابتداء. والخبرُ قولُه: «فهو يُخْلِفُه» ودخلتِ الفاءُ لشَبَهِه بالشرطِ. و «مِنْ شَيْءٍ» بيانٌ، كذا قيلَ. وفيه نظرٌ لإِبهامِ «شيء» فأيُّ تبيينٍ فيه؟ الثاني: أَنْ تكونَ شرطيةً فتكونَ في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدَّماً، و «فهو يُخْلِفُه» جوابُ الشرطِ.

قوله: «الرازِقين» إنما جُمِع من حيث الصورةُ؛ لأنَّ الإِنسانَ يرزقُ عيالَه مِنْ رزقِ اللَّهِ، والرازقُ في الحقيقة للكلِّ إنما هو الله تعالى.

34:40Page 433

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"

قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ} : قد تقدَّم أنه يُقْرأ بالنونِ والياءِ في الأنعام.

قوله: {أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} «إيَّاكم» منصوبٌ بخبر كان، قُدِّمَ لأجلِ الفواصلِ والاهتمامِ. واسْتُدِلَّ به على جوازِ تقديم خبر «كان» عليها إذا كان خبرُها جملةً فإنَّ فيه خلافاً: جَوَّزه ابن السَّراج، ومنعَه غيرُه. وكذلك اختلفوا في: توسُّطه إذا كان جملةً، قال ابن السَّراج: «القياسُ جوازُه، ولكنْ لم يُسْمَعْ» . قلت: قد تقدَّم في قوله: {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ} [الأعراف: 137] ونحوه أنه يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ تقديمِ الخبرِ وأَنْ لا يكون. ووجهُ الدلالةِ هنا: أنَّ تقديمَ المعمولِ يُؤْذِنُ بتقديمِ العاملِ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في هود عند قولِه: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً} [هود: 8] ومَنْعُ هذه القاعدةِ.

34:41Page 433

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١

They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."

No commentary for this ayah

34:42Page 433

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."

قوله: {التي كُنتُم بِهَا} : صفةُ النارِ، وفي السجدة وَصْفُ العذاب. قيل: لأنَّ ثَمَّ كانوا مُلْتَبسين بالعذابِ متردِّدِين فيه فَوُصِفَ لهم ما لابَسُوه، وهنا لم يُلابِسُوه بَعْدُ؛ لأنه عَقيبُ حَشْرِهم.

34:43Page 433

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."

No commentary for this ayah

34:44Page 433

وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤

And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.

قوله: {يَدْرُسُونَهَا} : العامَّةُ على التخفيفِ مضارعَ درس مخففاً أي: حَفِظَ. وأبو حيوةَ «يَدَّرِسُوْنَها» بفتح الدال مشددةً وكسرِ الراء. والأصلُ يَدْتَرِسُوْنها من الادِّراس على الافتعالِ فأُدْغم. وعنه أيضاً بضمِّ الياءِ وفتحِ الدالِ وشَدِّ الراءِ من التدريس.

قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ} أي: إلى هؤلاء المعاصرين لك لم نُرْسِلْ إليهم نذيراً يُشافِهُهم بالنِّذارةِ غيرَك، فلا تَعارُضَ بينَه وبينَ قولِه: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] إذِ المرادُ هناك آثارُ النَّذيرِ، ولا شَكَّ أنَّ هذا كان موجوداً، يَذْهَبُ النبيُّ، وتَبْقَى شريعتُه.

34:45Page 433

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥

And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.

قوله: {وَمَا بَلَغُواْ} الظاهرُ أن الضميرُ في «بَلَغُوا» وفي «آتيناهم» للذين مِنْ قبلهم ليناسِقَ قوله: «فكذَّبُوا رُسُلي» بمعنى: أنهم لم يَبْلُغوا في شُكْر النِّعْمَة وجزاءِ المِنَّةِ مِعْشارَ ما آتيناهم من النعمِ والإِحسانِ إليهم. وقيل: بل ضميرُ الرفع لقريشٍ والنصبِ للذين مِنْ قبلهم، وهو قولُ ابنِ عباس على معنى أنهم كانوا أكثرَ أموالاً. وقيل: بالعكس على معنى: إنَّا أَعْطَيْنا قريشاً من الآياتِ والبراهينِ ما لم نُعْطِ مَنْ قبلَهم.

واخْتُلِفَ في المِعْشار فقيل: هو بمعنى العُشْرِ، بنى مِفْعال مِنْ لفظِ العُشْر كالمِرْبَاع، ولا ثالثَ لهما من ألفاظِ العدد لا يقال: مِسْداسَ ولا مِخْماس. وقيل: هو عُشْرُ العُشْرِ. إلاَّ أنَّ ابنَ عطيَّة أنكره وقال: «ليس بشيء» . وقال الماوردي: «المِعْشارُ هنا: هو عُشْرُ العُشَيْرِ، والعُشَيْرُ هو عُشْرُ العُشْر، فيكون جزءاً من ألفٍ» . قال: «وهو الأظهرُ؛ لأنَّ المرادَ به المبالغةَ في التقليل» .

قوله: «فَكَذَّبوا» فيه وجهان، أحدُهما: أنه معطوف على {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} . والثاني: أنه معطوف على «وما بَلَغُوا» وأوضحَهما الزمخشريُّ فقال: « فإنْ قُلْتَ: ما معنى» فكذَّبُوا رُسُلي «وهو مستغنى عنه بقوله: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} ؟ قلت: لمَّا كان معنى قولِه: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} : وفَعَلَ الذين مِنْ قبلِهم التكذيبَ، وأَقْدَمُوا عليه جُعِلَ تكذيبُ الرسلِ مُسَبَّباً عنه. ونظيرُه أَنْ يقولَ القائلُ: أقدمَ فلانٌ على الكفر فَكَفَرَ بمحمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم. ويجوزُ أَنْ يُعْطَفَ على قَولِه:» وما بَلَغوا «كقولك: ما بلغ زيدٌ مِعْشارَ فضل عمروٍ فتَفَضَّلَ عليه» .

و «نَكير» مصدرٌ مضافٌ لفاعِله أي: إنكاري. وتقدَّمَ حَذْفُ يائِه وإثباتُها.

34:46Page 433

۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦

Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.

قوله: {أَن تَقُومُواْ} : فيه أوجهٌ، أحدها: أنها مجرورةُ المحلِّ بدلاً مِنْ «واحدة» على سبيلِ البيان. قاله الفارسيُّ. الثاني: أنها عطفُ بيانٍ ل «واحدة» / قاله الزمخشريُّ. وهو مردودٌ لتخالُفِهِما تعريفاً وتنكيراً. وقد تقدَّم هذا عند قولِه: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 97] . الثالث: أنها منصوبةٌ بإضمارِ أعني. الرابع: أنها مرفوعةٌ على خبر ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي أَنْ تقومُوا. ومَثْنى وفُرادى: حال. ومضى تحقيقُ القولِ في «مَثْنى» وبابِه في سورة النساء، وتقدَّم القولُ في «فُرادى» في سورةِ الأنعام.

قوله: «ثم تتفَكَّروا» عَطْفٌ على «أَنْ تَقُوموا» أي: قيامِكم ثم تَفَكُّرِكم.

والوقفُ عند أبي حاتم على هذه الآية، ثم يَبْتَدِئُ «ما بصاحبِكم» . وفي «ما» هذه قولان، أحدُهما: أنها نافيةٌ. والثاني: أنها استفهاميةٌ، لكن لا يُراد به حقيقةُ الاستفهامِ، فيعودُ إلى النفي. وإذا كانت نافيةً فهل هي مَعَلِّقَةٌ، أو مستأنفةٌ، أو جوابُ القسمِ الذي تضمَّنه معنى «تَتَفَكَّروا» لأنه فعلُ تحقيقٍ كتبيَّن وبابِه؟ ثلاثةُ أوجه. نقل الثالثَ ابنُ عطية، وربما نَسَبه لسيبويه. وإذا كانَتْ استفهاميةً جاز فيها الوجهان الأوَّلان، دونَ الثالث. و «مِنْ جِنَّةٍ» يجوزُ أَنْ يكونَ فاعلاً بالجارِّ لاعتمادِه، وأَنْ يكونَ مبتدأً. ويجوز في «ما» إذا كانَتْ نافيةً أَنْ تكونَ الحجازيَّةَ، أو التميميَّةَ.

34:47Page 433

قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧

Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."

قوله: {مَا سَأَلْتُكُم} : في «ما» وجهان، أحدُهما: أنَّها شرطيةٌ فتكونُ مفعولاً مقدماً، و «فهو لكم» جوابُها. الثاني: أنها موصولَةٌ في محلِّ رفع بالابتداءِ، والعائدُ محذوفٌ أي: سَأَلْتُكموه. والخبر «فهو لكم» . ودخَلَتِ [الفاءُ] لِشَبَهِ الموصولِ بالشرط. والمعنى يحتمل أنَّه لم يَسْأَلْهم أجراً البتةَ، كقولك: «إنْ أَعْطَيْتَني شيئاً فَخُذْه» مع عِلْمِك أنه لم يُعْطِك شيئاً. ويُؤَيِّدُه {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله} ويُحْتمل أنه سألهم شيئاً نَفْعُه عائدٌ عليهم، وهو المرادُ بقوله: {إِلاَّ المودة فِي القربى} [الشورى: 23] .

34:48Page 433

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨

Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."

قوله: {يَقْذِفُ بالحق} : يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولُه محذوفاً؛ لأنَّ القَذْفَ في الأصلِ الرَّمْيُ. وعَبَّر به هنا عن الإِلقاءِ أي: يُلْقي الوحيَ إلى أنبيائِه بالحقِّ. أي: بسبب الحق، أو مُلْتَبِساً بالحقِّ. ويجوزُ أَنْ يكونَ التقديرُ: يَقْذِفُ الباطِلَ بالحقِّ أي: يَدْفَعُه ويَطْرَحُه به، كقوله: {بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل} [الأنبياء: 18] . ويجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ زائدةً، أي: يُلقي الحقَّ كقوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} [البقرة: 195] ، أو يُضَمَّنُ «يقْذِفُ» معنى يَقْضي ويَحْكُمُ.

قوله: «عَلاَّمُ الغيوبِ» العامَّةُ على رفعه. وفيه أوجهٌ، أظهرُها: أنه خبرٌ ثانٍ ل «إنَّ» ، أو خبرُ مبتدأ مُضْمرٍ، أو بدلٌ من الضمير في «يَقْذِفُ» ، أو نعتٌ له على رأي الكسائي؛ لأنه يُجيز نعتَ الضميرِ الغائبِ، وقد صَرَّح به هنا. وقال الزمخشريُّ: «رَفْعٌ على محلِّ» إنَّ «واسمِها، أو على المستكنِّ في» يَقْذِفُ «. قلتُ: يعني بقولِه:» محمولٌ على مَحَلِّ إنَّ واسمِها «يعني به النعتَ، إلاَّ أنَّ ذلك ليس مذهبَ البصريين، لم يَعْتبروا المحلَّ إلاَّ في العطفِ بالحرف بشروطٍ عند بعضِهم. ويريدُ بالحَمْل على الضمير في» يَقْذِفُ «أنَّه بدلٌ منه، لاَ أنه نعتٌ له؛ لأنَّ ذلك انفرد به الكسائيُّ. وزيد بن علي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق بالنصب نعتاً لاسم» إنَّ «أو بدلاً منه على قلةِ الإِبدالِ بالمشتق أو منصوبٌ على المدح.

وقرئ» الغيوبِ «بالحركاتِ الثلاثِ في الغين. فالكسرُ والضمُّ تقدَّما في» بيوت «وبابِه، وأمَّا الفتحُ فصيغةُ مبالغةٍ كالشَّكور والصَّبور، وهو الشيءُ الغائبُ الخفيُّ جداً.

34:49Page 434

قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩

Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1

قوله: {وَمَا يُبْدِىءُ} : يجوز في «ما» أَنْ يكونَ نفياً، وأَنْ يكونَ استفهاماً، ولكنْ يَؤُول معناه إلى النفي، ولا مفعولَ ل «يُبْدِئُ» ولا ل «يُعِيْد» ؛ إذ المرادُ: لا يُوْقِع هذين الفعلَيْن، كقوله:

3749 - أَقْفَرَ مِنْ أهلِه عبيدُ ... أصبحَ لا يُبْدِيْ ولا يُعيدُ

وقيل: مفعولُه محذوفٌ أي: ما يُبْدِئُ لأهلِه خيراً ولا يُعيدُه، وهو تقديرُ الحسنِ.

34:50Page 434

قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠

Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."

قوله: {إِن ضَلَلْتُ} : العامَّةُ على فتحِ لامه في الماضي وكسرِها في المضارع، ولكنْ يُنْقَلُ إلى الساكنِ قبلها، والحسن وابنُ وثَّاب بالعكس، وهي لغةُ تميمٍ، وتقدَّم ذلك.

قوله: «فبما يُوْحِي» يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً أي: بسببِ إيحاءِ ربي إليَّ، وأَنْ تكونَ موصولةً أي: بسبب الذي يُوْحِيه، فعائدُه محذوفٌ.

34:51Page 434

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١

And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.

قوله: {فَلاَ فَوْتَ} : العامَّةُ على بنائِه/ على الفتح، و «أُخِذُوا» فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول معطوفاً على «فَزِعُوا» . وقيل: على معنى فلا فَوْتَ أي: فلم يَفُوْتُوا وأُخِذوا.

وقرأ عبد الرحمن مَوْلى بني هاشم وطلحة «فلا فَوْتٌ» و «أَخْذٌ» مرفوعين منوَّنَيْنِ، وأُبَيٌّ بفتح «فَوْت» ورَفْع «أَخْذ» . فرَفْعُ «فَوْت» على الابتداء أو على اسمِ «لا» اللَّيْسِيَّةِ. ومَنْ رَفَعَ «وأَخْذٌ» رَفَعَه بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ أي: وأَخْذٌ هناك، أو على خبر ابتداءٍ مضمرٍ أي: وحالُهم أَخْذٌ، ويكونُ مِنْ عَطْفِ الجملِ، عَطَفَ مثبتةً على منفيةٍ.

34:52Page 434

وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢

And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2

والضميرُ في «آمنَّا به» لله تعالى، أو للرسول، أو للقرآن، أو للعذاب، أو للبعث.

قوله: «التَّناوُشُ» مبتدأ، و «أنَّى» خبرُه أي: كيف لهم التناوشُ. و «لهم» حالٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «لهم» رافعاً للتناوش لاعتمادِه على الاستفهامِ، تقديرُه: كيف استقرَّ لهم التناوش؟ وفيه بُعْدٌ. والتناؤُش مهموزٌ في قراءة الأخوَيْن وأبي عمرو وأبي بكر، وبالواوِ في قراءةِ غيرِهم، فيُحتمل أن تكونا مادتين مستقلَّتين مع اتِّحاد معناهما. وقيل: الهمزةُ عن الواو لانضمامِها كوُجوه وأُجُوه، ووُقِّتَتْ وأُقِّتَتْ. وإليه ذهب جماعةٌ كثيرةٌ كالزَّجَّاج والزمخشري وابن عطية والحوفي وأبي البقاء. قال الزجَّاج: «كلُّ واوٍ مضمومةٍ ضمةً لازمةً فأنت فيها بالخِيار» وتابعه الباقون قريباً مِنْ عبارِته. ورَدَّ الشيخ هذا الإِطلاقَ وقَيَّده: بأنَّه لا بُدَّ أَنْ تكونَ الواوُ غيرَ مُدْغَمٍ فيها تحرُّزاً من التعَوُّذ، وأَنْ تكونَ غيرَ مُصَحَّحةٍ في الفعلِ، فإنها متى صَحَّت في الفعل لم تُبْدَلْ همزةً نحو: تَرَهْوَكَ تَرَهْوُكاً، وتعاوَنَ تعاوُناً. وبهذا القيدِ الأخير يَبْطُلُ قولُهم؛ لأنها صَحَّتْ في تَنَاوَشَ يتناوَشُ، ومتى سُلِّم له هذان القيدان أو الأخِيرُ منهما ثَبَتَ رَدُّه.

والتناوُش: الرُّجوع. وأُنْشِدَ:

3750 - تَمَنَّى أَنْ تَؤُوْبَ إليَّ مَيٌّ ... وليس إلى تناوُشِها سبيلُ أي: إلى رجوعِها. وقيل: هو التناوُل يقال: ناشَ كذا أي: تناولَه. ومنه: تناوَشَ القوم بالسِّلاح كقوله:

3751 - ظَلَّتْ سُيوفُ بني أَبيه تَنُوْشُه ... للهِ أرحام هناك تُشَقَّقُ

وقال آخر:

3752 - فَهْيَ تَنُوْشُ الحَوْضَ نَوْشاً مِنْ عَلا ... نَوْشاً به تَقْطَعُ أجوازَ الفَلا

وفَرَّق بعضُهم بين المهموزِ وغيرِه، فجعله بالهمزِ بمعنى التأخُّر. قال الفراء: «مِنْ نَأَشْتُ أي: تَأخَّرْتُ» . وأنشد:

3753 - تَمَنَّى نَئِيْشاً أَنْ يكونُ مُطاعِناً ... وقد حَدَثَتْ بعد الأمورِ أمورُ وقال آخر:

3754 - قَعَدْتَ زماناً عن طِلابك للعُلا ... وجِئْتَ نَئيشاً بعد ما فاتَكَ الخبرُ

وقال الفراء: «أيضاً هما متقاربان. يعني الهمزَ وتَرْكَه مثل: ذِمْتُ الرجلَ، وذَأََمْتُه أي: عِبْتُه» وانتاش انتِياشاً كَتَناوَشَ تناوُشاً. قال:

3755 - باتَتْ تَنُوْشُ العَنَقَ انْتِياشاً ... وهذا مصدرٌ على غيرِ الصدرِ. و «مِنْ مكانٍ» متعلِّقٌ بالتَّناوش.

34:53Page 434

وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣

And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2

قوله: {وَقَدْ كَفَرُواْ} : جملةٌ حالية، و «مِنْ قبلُ» أي من قبل زوال العذاب. ويجوز أَنْ تكونَ الجملةُ مستأنفةً. والأولُ أظهرُ.

قوله: «ويَقْذِفُون» يجوز فيها الاستئناف، والحال. وفيه بُعْدٌ عكسَ الأولِ لدخول الواو على مضارعٍ مثبتٍ. والضمير في «به» كما تقدَّم فيه بعد «آمنَّا» . وقرأ أبو حيوة ومجاهد ومحبوب عن أبي عمرو و «يُقْذَفون» مبنياً للمفعول أي: يُرْجمون بما يَسُوْءُهم مِنْ جَرَّاءِ أعمالِهم من حيث لا يَحْتسبون.

34:54Page 434

وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤

And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].

قوله: {وَحِيلَ} : قد تقدَّمَ فيه الإِشمامُ والكسر أولَ البقرة والقائمُ مقامَ الفاعلِ ضميرُ المصدرِ أي: وحِيْلَ هو أي الحَوْلُ. ولا تُقَدِّره مصدراً مؤكَّداً بل مختصاً حتى يَصِحَّ قيامُه. وجَعَلَ الحوفيُّ القائمَ مقامَ الفاعلِ «بينهم» واعْتُرِض عليه: بأنه كان ينبغي أن يُرْفَعَ. وأُجيب عنه بأنَّه إنما بُني على الفتح لإِضافتِه إلى غير متمكنٍ. ورَدَّه الشيخُ: بأنه لا يُبْنى المضافُ إلى غيرِ متمكنٍ مطلقاً، فلا يجوز: «قام غلامَك» ولا «مررتُ بغلامَك» بالفتح. قلت وقد تقدَّم في قولِه: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] ما يُغْنِيْنا عن إعادتِه هنا/. ثم قال الشيخ: «وما يقولُ قائلُ ذلك في قولِ الشاعر:

3756 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وقد حِيْلَ بين العَيْرِ والنَّزَوانِ

فإنه نصب» بين «مضافةً إلى مُعْربٍ. وخُرِّجَ أيضاً على ذلك قولُ الآخر: 3757 - وقالَتْ متى يُبْخَلُ عليك ويُعْتَلَلْ ... يَسُؤْكَ وإن يُكشَفْ غرامُك تَدْرَبِ

أي: يُعْتَلَلْ هو أي الاعتلال» .

قوله: «مِنْ قبلُ» متعلِّقٌ ب «فُعِل» أو «بأشياعهم» أي: الذين شايَعوهم قبلَ ذلك الحينِ.

قوله: «مُريب» قد تقدَّم أنه اسمُ فاعلٍ مِنْ أراب أي: أتى بالرَّيْب، أو دخل فيه، وأَرَبْتُه أي: أوقعتَه في الرِّيْبَة. ونسبةُ الإِرابةِ إلى الشكِّ مجازٌ. وقال الزمخشري هنا: «إلاَّ أنَّ ههنا فُرَيْقاً: وهو أنَّ المُريبَ من المتعدِّي منقولٌ مِمَّن يَصِحُّ أَنْ يكونَ مُريباً، من الأعيان، إلى المعنى، ومن اللازمِ منقولٌ من صاحبِ الشكِّ إلى الشَّكِّ، كما تقول: شعرٌ شاعرٌ» وهي عبارةٌ حسنةٌ مفيدةٌ. وأين هذا مِنْ قولِ بعضِهم: «ويجوز أَنْ يكونَ أَرْدَفَه على الشَّكِّ، ليتناسَقَ آخرُ الآية بالتي قبلَها مِنْ مكانٍ قريبٍ» . وقولُ ابنِ عطية: «المُريبُ أَقْوى ما يكون من الشكِّ وأشدِّه» . وقد تقدَّم تحقيقُ الرَّيْب أولَ البقرةِ وتشنيعُ الراغب على مَنْ يُفَسِّره بالشَّك.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском