As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:9–11
4:9Page 78
وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩
And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.
قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الذين} : قرأ الجمهورُ بسكون اللام في الأفعال الثلاثةِ. وهي لامُ الأمر، والفعلُ بعدها مجزومٌ بها. وقرأَ الحسن وعيسى بن عمر بكسرِ اللامِ في الأفعالِ الثلاثةِ، وهو الأصلُ، والإِسكانُ تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل، فإنهم شَبِّهوا «وَلْيخش» ب «كَتِف» وهذا كما تقدَّم الكلامُ في نحو: «وهي» و «لَهْي» في أول البقرة.
و «لو» هذه فيها احتمالان، أحدُهما: أنَّها على بابِها مِنْ كونِها حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره، أو حرفَ امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين. والثاني: أنها بمعنى «إنْ» الشرطية. وإلى الاحتمال الأولِ ذهب ابن عطية والزمخشري. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: ما معنى وقوعِ» لو تركوا «وجوابِه صلةً ل» الذين «؟ قلت: معناه: وَلْيخش الذين صفتُهم وحالُهم أَنهم لو شارَفوا أَنْ يَتْرُكُوا خلفَهم ذريةً ضِعافاً، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياعَ بعدهم لذهابِ كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل:
1550 - لقد زادَ الحياةَ إليَّ حُبَّاً ... بناتِي أنَّهن من الضِعافِ
أُحاذِرُ أن يَرَيْنَ البؤس بعدي ... وأن يَشْرَبْنَ رنْقاً بعد صافي وقال ابن عطية:» تقديرُه: لو تَرَكُوا لخافُوا، ويجوزُ حذفُ اللامِ من جواب لو «، ووجهُ التمسُّكِ بهذه العبارةِ أنه جَعَلَ اللامَ مقدرةً في جوابِها، ولو كانت» لو «بمعنى» إنْ «الشرطية لَما جاز ذلك، وقد صَرَّح غَيرُهما بذلك، فقال:» لو تركوا «» لو «يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، و» خافوا «جوابُ» لو «.
وإلى الاحتمال الثاني ذهب أبو البقاء وابن مالك، قال ابن مالك:» لو «هنا شرطيةٌ بمعنى» إنْ «، فتقلِبُ الماضي إلى معنى الاستقبال، والتقدير: وَلْيخش الذين إنْ تركوا، ولو وقع بعد» لو «هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ بعد» إنْ «وأنشد:
1551 - لا يُلْفِكُ الرَّاجوك إلا مُظْهِراً ... خُلُقَ الكرامِ ولو تكونُ عَدِيما
أي: وإنْ تكن عديماً. ومثلُ هذا البيتِ الذي أنشده قولُ الآخر:
1552 - قومٌ إذا حارَبُوا شدَّوا مآزِرَهُمْ ... دونَ النساءِ ولو باتَتْ بأطْهارِ
والذي ينبغي: أن تكونَ على بابِها من كونِها تعليقاً في الماضي.
وإنما حَمَل ابنَ مالك وأبا البقاء على جَعْلِها بمعنى» إنْ «توهُّمُ أنه لَمَّا أمر بالخشية والأمرُ مستقبل ومتعلَّقُ الأمر موصولٌ لم يَصِحَّ أن تكون الصلةُ ماضيةً على تقدير دلالتِه على العَدَمِ الذي يُنَافي امتثالَ الأمر، وحَسَّنَ مكانَ» لو «لفظُ» إنْ «، ولأجلِ هذا التوَهُّمِ لم يُدْخِل الزمخشري» لو «على فعل مستقبل، بل أتى بفعلٍ ماضٍ مسندٍ للموصولِ حالةَ الأمر فقال:» وَلْيخش الذين صفتُهم وحالُهم أنهم لو شارَفُوا أن يتركوا «.
قال الشيخ: «وهذا الذي توهَّموه لا يلزم، إلا إنْ كانت الصلةُ ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل، إذ معنى» لو تركوا من خلفهم «أي: ماتوا فتركوا مِنْ خلفهم، فلو كان كذلك لَلزم التأويلُ في» لو «أَنْ تكونَ بمعنى» إنْ «إذ لا يجامِعُ الأمرُ بإيقاعِ فعلٍ مَنْ مات بالفعل، أمَّا إذا كان ماضياً على تقديرٍ فيصِحُّ أن يقع صلةً. وأن يكونَ العاملُ في الموصولِ الفعلَ المستقبل، نحو قولِك: ليزُرْنا الذي لو مات أمسِ لبكيناه» انتهى.
وأمَّا البيتان المتقدِّمان فلا يلزمُ مِنْ صحةِ جَعْلِها فيهما بمعنى «إنْ» أن تكونَ في الآيةِ كذلك. لأنَّا في البيتين نضطرُ إلى ذلك: أمَّا البيتُ الأولُ فلأنَّ جوابَ «لو» محذوفٌ مدلولٌ عليه بقولِه: «لا يُلْفِك» وهو نَهْيٌ، والنهيُ مستقبلٌ فلذلك كانت «لو» تعليقاً في المستقبل. أما البيتُ الثاني فلدخولِ ما بعدَها في حَيِّزِ «إذا» ، و «إذا» للمستقبل.
ومفعول «وَلْيَخْشَ» محذوفٌ أي: وَلْيخش الله. ويجوزُ أَنْ تكون المسألةُ من بابِ التنازع، فإنَّ «وَلْيخش» يطلبُ الجلالةَ، وكذلك «فليتقوا» ، ويكونُ من إعمالِ الثاني للحذفِ من الأول.
قوله: {مِنْ خَلْفِهِمْ} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلِّقٌ ب «تركوا» ظرفاً له. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «ذرية» ، لأنَّه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً.
وأمال حمزةُ ألفَ «ضِعافاً» ولم يُبالِ بحرفِ الاستعلاءِ لانكسارِه، ففيه انحدارٌ فلم ينافِرِ الإِمالةَ.
وقرأ ابن محيصن: «ضُعُفاً» بضمِّ الضاد والعين، وتنوين الفاء. والسلمي وعائشة: «ضعفاء» بضمِّ الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مقيس في فعيل صفةً نحو: ظَريف وظُرَفاء وكريم وكُرَماء. وقرىء «ضَعافَى» بالفتحِ والإِمالة نحو: سَكارى. وظاهر عبارةِ الزمخشري أنه قُرِىءَ: «ضُعافى» بضم الضاد مثل سُكارى، فإنه قال: «وقُرىء ضُعَفَاء وضَعافى وضُعافى نحو سَكارى وسُكارى» فيُحتملِ أَنْ يريد أنه قُرِىء بضم الضاد وفتحِها، ويُحتمل أن يريدَ أنه قُرىء: «ضَعافى» بفتح الضاد دونَ إمالة، و «ضَعافَى» بفتحِها مع الإِمالة كسَكارى بفتحِ السين دونَ إمالة، وسَكارى بفتحها مع الإِمالة، والظاهرُ الأولُ، والغالبُ على الظن أنها لم تُنْقل قراءة.
وأمال حمزة ألفَ «خاف» للكسرةِ المقدرةِ في الألف، إذ الأصل «خَوِف» بكسر العين بدليلِ فتحِها في المضارع نحو: «يخاف» ، وعَلَّل أبو البقاء ذلك بأنَّ الكسر قد يَعْرِض في حال من الأحوال، وذلك إذا أُسْنِدَ الفعل إلى ضمير المتكلم/ أو إحدى أخواته نحو: خِفْت وخِفْنا، والجملةُ من «لو» وجوابِها صلةُ «الذين» .
4:10Page 78
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠
Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze [i.e., Hellfire].
قوله تعالى: {ظُلْماً} : فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ من أجله، وشروطُ النصبِ موجودةٌ. والثاني: أنه مصدرٌ في محل نصب على الحال أي: يأكلونه ظالِمين، والجملةُ مِنْ قولِه: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ} في محلِّ رفعٍ خبراً ل «إنَّ» ، وفي ذلك دلالةٌ على وقوعِ خبر «إنَّ» جملةً مصدرةً ب «إنَّ» وفي ذلك خلافٌ. قال الشيخ: «وحَسَّنة هنا وقوعُ اسمِ» إنَّ «موصولاً فطال الكلامُ بصلةِ الموصولِ، فلمَّا تباعَدَ لم يُبالَ بذلك، وهذا أحسنُ مِنْ قولِك:» إنَّ زيداً إنَّ أباه منطلقٌ «. ولقائلٍ أن يقول:» ليس فيها دلالةٌ على ذلك؛ لأنَّها مكفوفةٌ ب «ما» ، ومعناها الحصرُ فصارت مثلَ قولِك في المعنى: «إنَّ زيداً ما انطلق إلا أبوه» وهو مَحَلُّ نظر.
قوله: {فِي بُطُونِهِمْ} فيه وجهان أحدُهما: أنه متعلِّقٌ ب «يأكلون» أي: بطونُهم أوعيةٌ للنار: إمَّا حقيقةً بأن يَخلق اللهُ لهم ناراً يأكلونها في بطونِهم، أو مجازاً بأَنْ أطلق المُسَبَّبَ وأراد السببَ. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ مِنْ «ناراً» ، وكان في الأصلِ صفةً للنكرة فلمَّا قُدِّمَتْ انتصبَتْ حالاً.
وذَكَر أبو البقاء هذا الوجهَ عن أبي علي في «تذكرته» ، وحَكَى عنه أنه منع أن يكونَ ظرفاً ل «يأكلون» ، فإنَّه قال: {فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} قد تقدَّم في البقرة منه شيءٌ، ويخصُّ هذا الموضع أن «في بطونهم» حالٌ من «ناراً» أي: ناراً كائنةً في بطونِهم، وليس بظرفٍ ل «يأكلون» ، ذكره في «التذكرة» . وفي قوله: «والذي يَخُصُّ هذال الموضع» فيه نظر، فإنه كما يجوز أن يكونَ «في بطونهم» حالاً من «نار» هنا يجوز أن يكونَ حالاً من «النار» في البقرة، وفي إبداء الفرقِ عُسْرٌ، ولم يظهر في منعِ أبي علي كونَ «في بطونهم» ظرفاً للأكل وجهٌ ظاهر.
قوله: {وَسَيَصْلَوْنَ} قرأ الجمهور بفتحِ الياء واللام، وابن عامر وأبو بكر بضمِّ الياء مبنياً للمفعول من الثلاثي. ويَحْتمل أن يكونَ من أصلى، فلمَّا بُني للمفعولِ قام الأولُ مقامَ الفاعلِ. وابن أبي عبلة بضمِّهما مبنياً للفاعلِ من الرباعي، والأصلُ على هذه القراءة: سيُصْلِيُون من أصلى مثل يُكْرِمون من أكرم، فاستثقِلَت الضمةُ على الياءِ فَحُذِفت فالتقى ساكنان، فحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وضُمَّ ما قبل الواو لتصِحَّ.
و «أَصْلَى» : يُحتمل أَن ْ تكونَ الهمزةُ فيه للدخول في الشيء، فيتعدَّى لواحد وهو «سعيراً» وأن تكونَ للتعديةِ، فالمفعولُ محذوفٌ، أي: يُصْلُون أنفسَهم سعيراً.
وأبو حيوة بضمِّ الياءِ وفتحِ الصاد، واللام مشددة، مبنياً للمفعول من «صَلَّى» مضعفاً. قال أبو البقاء: «والتضعيفُ للتكثيرِ» .
والصِّلْيُ: الإِيقادُ بالنارِ، يقال: صَلِي بكذا بكسر العين، وقوله: {لاَ يَصْلاَهَآ} [الليل: 15] أي يَصْلَى بها. وقال الخليل: «صَلِي الكافرُ النارَ» قاسَى حَرَّها. وصلاه النارَ وأَصْلاه غيرُه، هكذا قال الراغب، وظاهرُ هذه العبارةِ أنَّ فَعِل وأَفْعَل بمعنىً، يتعدَّيان إلى اثنين ثانيهما بحرفِ الجر، وقد يُحْذَف. وقال غيرُه: «صَلِيَ بالنارِ أي: تَسَخَّن بقربها» ، ف «سعيراً» على هذا منصوبٌ على إسقاط الخافض. ويَدُلُّ على أنَّ أصلَ «يَصْلاها» يَصْلَى بها قولُ الشاعر: 1553 - إذا أَوْقَدُوا ناراً لحربِ عَدُوِّهم ... فقد خابَ مَنْ يَصْلَى بها وسعيرِها
وقيل: يُقال صَلَيْتُه النارَ: أَدْنَيْتُه منها، فيجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً مِنْ غيرِ إسقاطِ خافضٍ. والسعيرُ في الأصلِ: الجَمْرُ المشتعل، سَعَرْتُ النارَ: أَوْقَدْتُها، ومنه: «مُسْعِرُ حربٍ» على التشبيهِ. والمِسْعَرُ: الآلة التي تُحَرَّك بها النار.
4:11Page 78
يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١
Allāh instructs you concerning your children [i.e., their portions of inheritance]: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate.1 And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [and/or sisters], for his mother is a sixth,2 after any bequest he [may have] made or debt.3 Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allāh. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} : هذه جملةٌ من مبتدأ وخبر، يُحْتمل أَنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ ب «يُوصي» لأِنَّ المعنى: يَفْرض لكم، أو يُشَرِّع في أولادكِم، كذا قاله أبو البقاء، وهذا يَقْرُبُ من مذهبِ الفراء فإنه يُجْري ما كان بمعنى القولِ مُجْراه في حكايةِ الجملِ بعده. قال الفراء: «ولم يَعْمل» يُوصيكم «في» مِثْل «، إجراءً له مُجْرى القول في حكايةِ الجمل، فالجملةُ في موضع نصبٍ ب» يُوصيكم «. وقال مكي:» للذَّكَرِ مثلُ حظ «ابتداءٌ وخبر في موضع نصب، تبيينٌ للوصية وتفسيرٌ لها. وقال الكسائي:» ارتفع «مثل» على حذْفِ «إنَّ» تقديره: «أنَّ للذكرِ مثلَ حظ» . وبه قرأ ابن أبي عبلة.
ويُحْتمل ألأَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، بل جِيءَ بها للبيانِ والتفسيرِ، فهي جملةٌ مفسِّرة للوصية، وهذا أحسنُ وجارٍ على مذهب البصريين، وهو ظاهرُ عبارةِ الزمخشري فإنَّه قال: «وهذا إجمالٌ تفصيلُه {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} . وقوله:» للذَّكر «لا بدَّ من ضمير [فيه] يعود على» أولادكم «من هذه الجملة، فيُحتمل أن يكون محذوفاً، أي: للذكر منهم نحو:» السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم «قاله الزمخشري. ويُحْتمل أن يكونَ قامَ مقامَه الألفُ واللامُ عند مَنْ يَرَى ذلك، والأصلُ: لِذَكَرِهم.
و» مثلُ «صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: للذَّكرِ منهم حَظُّ مثلُ حَظِّ الأنثيين. و {في أَوْلاَدِكُمْ} قيل: ثَمَّ مضافٌ محذوف أي: في أولادِ موتاكم. قالوا: لأنه لا يَجُوزُ أَنْ يُخاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولادِه ويُفْرََضَ عليه ذلك. وقال بعضُهم:» إنْ قلنا: إنَّ معنى «يُوصيكم» «يبيِّن لكم» لم يحتج إلى هذا التقدير «. وقَدَّر بعضُهم قبل» أولادكم «مضافاً أي: في شأنِ أولادِكم، أو في أمرِ أولادكم.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة:» يُوَصِّيكم «بالتشديد، وقد تقدَّم أنَّ أوصي ووصَّى لغتان.
قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً} الضميرُ في» كُنَّ «يعودُ على الإِناث اللاتي شَمَلَهُنَّ قولُه {في أَوْلاَدِكُمْ} . فإنَّ التقدير: في أولادكم الذكورِ والإِناثِ، فعادَ الضميرُ على أحدِ قِسْمَي الأولادِ، وإذا عاد الضمير على جمعِ التكسيرِ العاقلِ المرادِ به مَحْضُ الذكور في قوله عليه السلام:» وربَّ الشياطين ومَنْ أَضْلَلْن «كعَوْدِه على جماعةِ الإِناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسيرِ الشاملِ للإِناثِ بطريقِ الأَوْلَى والأحرى، وهذا معنى قولِ الشيخ. وفيه نظرٌ لأنَّ عودَه هناك كضميرِ الإِناث إنما كان لمعنىً مفقودٍ هنا، وهو طلبُ المشاكلة لأنَّ قبلَه» اللهم ربََّ السماوات ومَنْ أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين وما أَقْلَلْنَ «ذَكَر ذلك النحويون.
وقيل: الضمير يَعُود على المتروكات أي: فإنْ كانت المتروكات، ودَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبو البقاء ومكي. وقَدَّرَه الزمخشري: «فإنْ كان البنات أو المولودات» .
فإذا تقرَّر هذا ف «كُنَّ» كان واسمُها، و «نساءً» خبرُها، و «فوق اثنتين» ظرف في محل نصب صفةً ل «نساء» وبهذه الصفةِ تحصُل فائدةُ الخبرِ، ولو اقتُصِر عليه لم تَحْصُلْ فائدةُ، ألا ترى أنه لو قيل: «إن كان الزيدون رجالاً كان كذا» لم يَكُنْ فيه فائدةٌ.
وأجاز الزمخشري في هذه الآية وَجْهين غريبين، أحدهما: أن يكونَ الضميرُ في «كنَّ» ضميراً مبهماً، و «نساءً» منصوبٌ على أنه تفسيرٌ له يعني تمييزاً، وكذلك قال في الضمير الذي في «كانت» من قوله «وإنْ كانت واحدة» على أنَّ «كان» تامة. والوجهُ الآخر: أن يكونَ «فوق اثنتين» خبراً ثانياً ل «كُنَّ» ، ورَدَّهما عليه الشيخ: أمَّا الأولُ فلأنَّ «كان» ليسَتْ من الأفعالِ التي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بعدَه، بل هذا مختصٌّ من الأفعالِ ب «نعم» و «بئس» وما جَرى مَجْراهما، وبابِ التنازع عند إعمالِ الثاني. وأما الثاني فلِما تقدَّم من الاحتياجِ إلى هذه الصفةِ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أَنْ تستقلَّ به فائدةُ الإِسنادِ، وقد تقدَّم أنه لو اقتَصَر على قولِه: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً} لم يُفِدْ شيئاً، لأنه معلوم.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة: «ثُلْثا» و «الثلْث» و «النصْف» و «الرُّبْع» و «الثُّمْن» كلُّ ذلك بإسكان الوسط. والجمهور بالضم، وهي لغةُ الحجاز وبني أسد. قال النحاس: «من الثلث إلى العشر» . وقال الزجاج: «هي لغةٌ واحدة، والسكونُ تخفيف» .
قوله: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً} قرأ نافع: «واحدةٌ» رفعاً على أنَّ «كان» تامة أي: وإنْ وُجِدَتْ واحدةٌ، والباقون «واحدة» نصباً على أنَّ «كانت» ناقصةً، واسمُها مستترٌ فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة، و «واحدةً» نصبٌ على خبرِ «كان» ، وقد تقدَّم أن الزمخشري أجاز أن يكونَ في «كان» ضميرٌ مبهمٌ مفسَّر بالمنصوب بعدُ.
وقرأ السلمي: «النُّصف» بضم النون، وهي قراءةُ على وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [الآية: 237] .
قوله: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس} «السدس» مبتدأ و «لأبويه» خبر مقدم، و «لكلِّ واحدٍ» بدلٌ من «لأبويه» وهذا ما نَصَّ عليه الزمخشري فإنه قال: «لكلَّ واحد منهما» بدل من «لأبويه» بتكريرِ العاملِ، وفائدةُ هذا البدلِ أنه لو قيل: «ولأبويه السدسُ» لكان ظاهرُه اشتراكهما فيه، ولو قيل: « لأبويه السدسان» لأَوْهَمَ قسمةَ السدسين عليهما بالتسويةِ وعلى خلافِهما.
فإنْ قلت: فهلا قيل: «ولكلِّ واحدٍ من أبويه السدس» وأيُّ فائدةٍ في ذِكْرِ الأبوين أولاً ثم في الإِبدالِ منهما؟ قلت: لأنَّ في الإِبدال والتفصيل بعد الإِجمال تأكيداً وتشديداً كالذي تراه في الجمعِ بين المفسَّر والتفسيرِ. و «السدس» مبتدأ، وخبره «لأبويه» ، والبدلُ متوسط بينهما للبيانِ «. انتهى.
وناقَشَه الشيخ في جَعْلِه» لأبويه «الخبرَ دونَ قوله» بكلِّ واحد «قال:» لأنه ينبغي أن يكونَ البدلُ هو الخبرَ دونَ المبدلِ منه «يعني أنَّ البدلَ هو المعتمدُ عليه، والمبدلُ منه صارَ في حكمِ المُطَّرح، ونَظَّره بقولك:» إنًَّ زيداً عينُه حسنة «فكما أنَّ» حسنة «خبر عن» عينه «دون» زيد «لأنّه في حكم المُطَّرح فكذلك هذا، ونَظَّره أيضاً بقولك:» أبواك كلُّ واحد منهما يَصنع كذا «ف» يَصنع «خبرٌ عن» كل واحد «منهما، ولو قلت:» أبواك كلُّ واحدٍ منهما يَصْنعان كذا «لم يَجُزْ» .
وفي هذه المناقشةِ نظرٌ لأنه إذا قيل لك: ما مَحَلُّ «لأبويه» من الإِعرابِ؟ نضطر إلى أَنْ نقولَ: في محلِّ رفعٍ خبراً مقدماً، ولكنه نَقَل نسبةَ الخبرية إلى «لكلِّ واحدٍ منهما» دونَ «لأبويه» . قال: «وقال بعضُهم» : «السدسُ» رفعٌ بالابتداء، و «لكلِّ واحدٍ» الخبرُ، و «لكلِّ» بدلٌ من الأبوين، و «منهما» نعتٌ لواحد، وهذا البدلُ هو بعضُ من كل، ولذلك أتَى معه بالضمير، ولا يُتَوَهَّمُ أنه بدلُ شيء من شيء وهما لعينٍ واحدة لجوازِ «أبواك يَصْنعان كذا» وامتناع «أبواكَ» كلُّ واحدٍ منهما يصنعان كذا «بل تقول:» يَصْنع «. انتهى.
والضميرُ في» لأبويه «عائدٌ على ما عادَ عليه الضمير في» ترك «، وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوةِ الكلام. والتثنية في» أبويه «من التغليب، والأصلُ: لأبيه وأمه، وإنما غَلَّب المذكرَ على المؤنث كقولهم: القَمَران والعُمَران وهي تثنيةٌ لا تنقاس.
قوله:» فلأِمه «قرأ الجمهور» فلإِمه «وقولُه: {في أُمِّ الكتاب} [الآية: 4] في سورةِ الزخرف، وقولُه: {حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا} [الآية: 59] في القصص، وقوله: {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} في [النحل: 78] و [الزمر: 6] ، وقوله: {أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} [الآية: 61] في النور، و {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}
[الآية: 32] في النجم، بضم الهمزة من «أُمّ» وهو الأصلُ وقرأ حمزة والكسائي جميعَ ذلك بكسر الهمزة، وانفرد حمزة بزيادةِ كسرِ الميم من «أمَّهات» في الأماكنِ المذكورةِ، هذا كله في الدَّرْج. أمَّا في الابتداءِ بهمزةِ «الأم» و «الأمهات» فإنه لا خِلافَ في ضَمِّها.
وأمَّا وجهُ قراءةِ الجمهور فظاهرٌ لأنه الأصلُ كما تقدَّم. وأمَّا قراءةُ حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبةِ الكسرةِ أو الياء التي قبل الهمزة، فكُسِرت الهمزةُ إتباعاً لِما قبلَها، ولاستثقالهم الخروجَ من كَسْرٍ أو شبهه إلى ضم، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزةِ ضمَّاها لزوالِ الكسر أو الياء. وأمَّا كسرُ حمزةَ الميمَ من «أمهات» في المواضع المذكورة فللإِتباعِ، أتبعَ حركةَ الميمِ لحركةِ الهمزةِ، فكسرةُ الميمِ تَبَع التبعِ، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميمَ لما تقدم من زوالِ موجب ذلك. وكسرُ همزة «أم» بعد الكسرة أو الياء حكاه سيبويه لغةً عن العرب، ونَسَبها الكسائي والفراء إلى هوازن وهذيل.
قوله: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} «إخوة» أعَمُّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب. وزعم قوم أنَّ الإِخوةَ خاص بالذكور، وأن الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثلث إلى السدس، قالوا: لأن إخوة جمع أخ، والجمهورُ على أنَّ الإِخوة وإنْ كانوا بلفظِ الجمع يَقَعُون على الاثنين، فيَحْجَبُ الأخوان أيضاً الأمَّ من الثلث إلى السدس، خلافاً لابن عباس فإن لا يَحْجُب بهما والظاهر معه.
قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنه متعلق بما تقدَّمه من قسمةِ المواريث كلِّها لا بما يليه وحدَه، كأنه قيل: قسمةٌ هذه الأنْصباء من بعد وصيةٍ، قالَهَ الزمخشري، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله {يُوصِيكُمُ الله} وما بعدَه. والثاني: ذكره الشيخ أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي: يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّل من بعد وصية. والثالث: أنه حال من السدس تقديره/ مستحِقاً من بعد وصية، والعاملُ الظرفُ، قاله أبو البقاء. وجَوَّزَ فيه وجهاً آخر قال: [ «ويجوز أن يكون ظرفاً] أي: يتسقر لهم ذلك بعد إخراجِ الوصيةِ، ولا بد من تقديرِ حذف المضاف؛ لأنَّ الوصيةَ هنا المالُ الموصَى به، وقد تكونُ الوصيةُ مصدراً مثلَ الفريضة» . وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وجهٌ. وقوله: «والعامل الظرف يعني بالظرف الجارَّ والمجرور في قوله {فَلأُمِّهِ السدس} فإنه شبيه بالظرفيةِ، وعَمِل في الحال لِما تضمَّنه من الفعلِ لوقوعِه خبراً. و» يوصي «فعل مضارع المرادُ به المضمر أي: وصيةٍ أوصَى بها. و» بها «متعلقٌ به، والجملةُ في محلِّ جرٍ صفةً ل» وصية «.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر» يُوصَى «مبنياً للمفعول في الموضعين، وافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنياً للفاعل، وقُرىء شاذاً:» يُوَصَّى «بالتشديد مبنياً للمفعول، ف» بها «في قراءةِ البناءِ للفاعل في محلِّ نصب، وفي قراءة البناء للمفعول في محلِّ رفعٍ لقيامه مقامَ الفاعل.
قوله: {أَوْ دَيْنٍ} «أو» هنا لأحدِ الشيئين. قال أبو البقاء «ولا تَدُلُّ على ترتيبٍ، إذ لا فرقَ بين قولك:» جاءني زيد أو عمرو «وبين قولك:» جاءني عمرو أو زيد «لأن» أو «لأحد الشيئين، والواحدُ لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قول من قال:» من بعد دَيْن أو وصية «، إنما يقع الترتيبُ فيما إذا اجتمعا فَيُقَدَّم الدينُ على الوصية» .
وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: فما معنى» أو «؟ قلت: معناها الإِباحةُ، وأنه إنْ كان أحدُهما أو كلاهما قُدَّم على قِسمة الميراثِ كقولك:» جالسِ [الحسنَ] أو ابنَ سيرين «، فإنْ قلت: لِمَ قُدِّمَتِ الوصية على الدَّيْن، والدَّيْن مُقَدَّم عليها في الشريعة؟ قلت: لَمَّا كانت الوصية مُشْبِهةً للميراث في كونِها مأخوذةً من غيرِ عوض كان إخراجُها مِمَّا يَشُّقُّ على الورثةِ بخلافِ الدَّيْن فإنَّ نفوسَهم مطمئنةٌ إلى أدائه، فلذلك قُدِّمت على الدَّيْن بعثاً على وجوبِها والمسارعةِ إلى إخراجها مع الدَّيْن؛ لذلك جِيء بكلمةٍ» أو «للتسويةِ بينهما في الوجوب» .
قوله: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ} مبتدأٌ، و «لا تَدْرُون» وما في حيِّزه في محلِّ الرفع خبراً له، و «أيُّهم» فيه وجهان، أشهرُهما عند المُعْرِبين أن يكونَ «أيُّهم» مبتدأ وهم أسمُ استفهامٍ، و «أقربُ» خبرُه، والجملة من هذا المبتدأ وخبرِه في محلِّ نصب ب «تَدْرون» لأنها من أفعالِ القلوبِ، فعلَّقها اسمُ الاستفهامِ عن أَنْ تعملَ في لفظِه؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يَعْمل فيه ما قبلَه في غيرِ الاستثبات.
والثاني: أنه يجوزُ أن تكونَ «أيُّهم» موصولةً بمعنى الذي، و «أقربُ» : خبرٌ مبتدأٍ مضمر هو عائدٌ الموصولِ، وجازَ حذفُه لأنه يجوز ذلك مع «أي» مطلقاً أي: أطالت الصلةُ أم لم تَطُلْ، والتقديرُ: أيُّهم هو أقربُ، وهذا الموصولُ وصلتُه في محلِّ نصب على أنه مفعول به، نصبَه «تَدْرون» ، وإنما بُني لوجودِ شرطَي البناءِ: وهما أَنْ تُضاف «أي» لفظاً وأَنْ يُحْذَفَ صدرُ صلتِها، وصارت هذه الآيةُ نظيرَ الآيةِ الأخرى وهي {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} [مريم: 69] فصارَ التقديرُ: لا تدرون الذي هو أقربُ. قال الشيخ: «ولم أرَهم ذكروه» يعني هذا الوجه. قلت: ولا مانعَ منه لا من جهةِ المعنى ولا من جهةِ الصناعةِ. فعلى القولِ الأولِ تكونُ الجملةُ سادَّةً مسدَّ المفعولين، ولا حاجةَ إلى تقدير حذف، وعلى الثاني يكونُ الموصولُ في محلِّ نصبٍ مفعولاً أولَ، ويكون الثاني محذوفاً، وبعدمِ الاحتياجِ إلى حَذْفِ المفعول الثاني يترجَّح الوجُه الأول.
ثم هذه الجملةُ أعني قولَه: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ} لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها جملة اعتراضية. قال الزمخشري: بعد أن حكى في معانيها أقوالاً اختار منها الأولَ «لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضية، ومن حقِّ الاعتراضِ أَنْ يؤكِّد ما اعتَرَض بينه وبين ما يناسِبُه» يعني بالاعتراض أنها واقعةٌ من قصة المواريث، إلا أنَّ هذا الاعتراضَ غيرُ مرادِ النحويين، لأنهم لا يَعْنُون بالاعتراضِ في اصطلاحهم إلاَّ ما كان بين شيئين متلازمين كالاعتراضِ بين المبتدأ وخبره، والشرطِ وجزائه، والقسمِ وجوابه، والصلةِ وموصولها. ثم ذكر في معانيها أقوالاً أحدها: وهو الذي اختاره أَنْ جَعَلَها متعلقةً بالوصية فقال: «ثم أكَّد ذلك يعني الاهتمام بالوصية ورَغَّب فيه بقوله: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ} أي: لا تَدْرُون مَنْ أنفعُ لكم من آبائكم وأبنائِكم الذين يَمُوتون، أَمَنْ أَوصى منهم أم من لم يوصِ، يعني أنَّ مَنْ أوصى ببعضِ مالِه فعرَّضكم لثوابِ الآخرةِ بإمضاء وصيته فهو أقربُ لكم نفعاً وأحضَرُ جدوى ممَّن ترك الوصيَّة فوفَّر عليكم عَرَض الدنيا، وجعل ثواب الآخرة أقربَ وأَحْضَرَ مِنْ عرض الدنيا، ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عَرَضَ الدنيا وإنْ كان قريباً عاجلاً في الصورة إلا أنه فانٍ، فهو في الحقيقةِ الأبعدُ الأقصى، وثوابُ الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق، فهو في الحقيقةِ الأقربُ الأدنى» .
وانتصبَ «نفعاً» على التمييز من «أقرب» ، وهو منقول من الفاعلية، واجبُ النصب، لأنه متى وقع تمييزُ بعد أَفْعلِ التفضيل: فإنْ صَحَّ أَنْ يصاغَ منها فعلٌ مسندٌ إلى ذلك التمييز على جهة الفاعلية وجب النصب كهذه الآية، إذ يصح أن يقال: أيُّهم قَرُبَ الكم نَفْعُه، وإن لم يصِحَّ ذلك وجَبَ جَرُّه نحو: «زيد أحسنُ فقيه» بخلاف «زيد أحسنُ فقهاً» وهذه قاعدةٌ مفيدة. و «لكم» متعلق ب «أقرب» .
قوله: {فَرِيضَةً} فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمون الجملة السابقة من الوصية، لأنَّ معنى «يوصيكم» فرض الله عليكم، فصار المعنى: «يوصيكم الله وصيةَ فرض» فهو مصدر على غير الصدر. والثاني: أنها مصدر منصوب بفعل محذوف من لفظها. قال أبو البقاء: و «فريضةً» / مصدر لفعل محذوف أي: فرض الله ذلك فريضة «والثالث: قاله مكي وغيره أنها حالٌ لأنها ليست مصدراً، وكلامُ الزمخشري محتمل للوجهين الأَوَّلَيْن فإنه قال:» فريضة «نُصِبت نَصْبِ المصدر المؤكد، أي: فرض ذلك فرضاً» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences