As-Samin al-HalabiAn‑Nisa · 4:102–126

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:102–126

4:102Page 95

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٠٢

And when you [i.e., the commander of an army] are among them and lead them in prayer,1 let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allāh has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

والضمير في «فيهم» يعودُ على الضاربين في الأرض، وقيل: على الخائفين، وهما محتملان، والضميرُ في «وليأخذوا» الظاهر عَوْدُه على «طائفة» لقُربه منها، ولأنَّ الضمير في قوله {سَجَدُواْ} لها. وقيل: يعود على طائفة أخرى وهي التي تحرس المُصَلِّية. واختار الزجاج عَوْدَه على الجميع قال: «لأنه أَهْيَبُ للعدو» . والسلاح: ما يُقاتَل به وجمعُه أَسْلِحَة وهو مذكر، وقد يُؤَنَّث باعتبار الشوكة، قال الطرماح:

165 - 0- يَهُزُّ سِلاحاً لم يَرِثْها كَلالةً ... يشكُّ بها منها غموضَ المَغَابِنِ

فأعاد الضميرَ عليه كضمير المؤنثة، ويقال: سِلاح كحِمار، وسِلْح كضِلْع، وسُلَح كصُرَد، وسُلْحان كسُلْطان نقله أبو بكر بن دريد والسَّلِيح نبت إذا رَعَتْه الإِبل سَمِنَتْ وغَزُرَ لبنُها، وما يُلْقيه البعير من جوفه يقال له « سُلاح» بزنة غُلام، ثم عُبِّر به عن كل عَذِرة حتى قيل في الحُبارى: «سِلاحُه سُلاحه» .

قوله: {لَمْ يُصَلُّواْ} الجملة في محل رفع لأنها صفة ل «طائفة» بعد صفةٍ، ويجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصب على الحال؛ لأنَّ النكرة قبلها تخصَّصت بالوصف بأخرى. وقرأ الحسن: «فَلِتَقُمْ» بكسر لام الأمر، وهو الأصل. وقرأ أبو حيوة «وليأت» بناء على تذكير الطائفة. ورُوي عن أبي عمرو الإِظهار والإِدغامُ في «ولتأت طائفة» ووجوهُ هذه واضحة. وفي قوله {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} مجازٌ حيث جعل الحِذْر - وهو معنى من المعاني- مأخوذاً مع الأسلحة فجَعَلَه كالآلة، وهو كقوله تعالى: {تَبَوَّءُوا الدار والإيمان} [الحشر: 9] في أحدِ الأوجه. وقد تقدَّم الكلامُ في «لو» الواقعةِ بعد {وَدَّ} [الآية: 109] هنا وفي البقرة وقرئ «أَمْتِعاتِكم» وهو الشذوذِ من حيث إنه جمع الجمعِ كقولهم: أَسْقِيات وأَعْطِيات. وقوله: {أَن تضعوا} كقولِه: {أَن تَقْصُرُواْ} وقد تقدم.

4:103Page 95

فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣

And when you have completed the prayer, remember Allāh standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.

قوله تعالى: {قِيَاماً وَقُعُوداً} : حالان من فاعل «اذكروا» ، وكذلك «وعلى جُنوبكم» فإنه في قوة مُضطجعين، فيتعلق بمحذوف. وقوله: {فَإِذَا اطمأننتم} قد تقدَّم الكلامُ على هذه المادة في البقرة واختلافُ الناس فيها، وهل هي مقلوبةٌ أم لا؟ وصَرَّح أبو البقاء هنا بأنَّ الهمزة أصلٌ وأن وزن الطُّمَأْنينة: فُعَلِّيلَة، وأن «طأمن» أصل آخر برأسه، وهذا مذهبُ الجرميّ. و «موقوتاً» صفةٌ ل «كتاباً» بمعنى محذوداً بأوقات، فهو من وَقَت مخففاً كمضروب من ضرب، ولم يقل «مَوْقوتة» بالتاء مراعاة ل «كتاب» فإنه في الأصل مصدر.

4:104Page 95

وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.

قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ} : الجمهورُ على كسر الهاء، والحسن فتحها من «وَهِن» بالكسر في الماضي، أو من وَهَن بالفتح، وإنما فُتِحت العين لكونِها حلقيةً فهو نحو: يَدَع. وقرأ عبيد بن عمير: «تُهانوا» من الإِهانة مبنياً للمفعولِ ومعناه: لا تَتَعاطَوا من الجبنِ والخَورَ ما يكون سبباً إهانتِكم كقولهم: «لا أُرَيَنَّك ههنا» والأعرج: «أن تكونوا» بالفتح على العلة. وقرأ يحيى بن وثاب ومنصور بن المعتمر «تِئْلمون فإنهم يِئْلمون كما تِئْلمون» بكسر حرف المضارعة، وابن السَّمَيْفَع بكسر تاء الخطاب فقط وهذه لغة ثابتة، وكنت قد قَدَّمْتُ في الفاتحة أنًَّ مَنْ يكسِرُ حرفَ المضارعة يستثنى التاء، وذكرت شذوذ «تِيجل» ووجهَه، فعليك بالالتفات إليه، وزاد أبو البقاء في قراءةِ كسر حرف المضارعة قَلْبَ الهمزةِ ياء، وغيرُه أطلق ذلك.

4:105Page 95

إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.

قوله تعالى: {بالحق} : في محلِّ نصبٍ على الحال المؤكِّدة فيتعل‍َّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحالِ هو الكتابُ أي: أنزلناه ملتبساً بالحق. و «لتحكمْ» متعلق ب «أَنْزلنا» و «أراك» متعدٍّ لاثنين أحدهما العائدُ المحذوفُ، والثاني كافُ الخطابِ أي: بما أراكه الله. والإِراءَةُ هنا يجوزُ أن تكون من الرأي كقولك: «رأيتُ رَأْيَ الشافعي» أو من المعرفة، وعلى كلا التقديرين فالفعلُ قبلَ النقل بالهمزة متعدٍّ لواحد وبعدَه متعدٍّ لاثنين كما عَرَفْتَ. و «للخائنين» متعلِّق ب «خصيماً» واللامُ للتعليلِ على بابها، وقيل: هي بمعنى «عن» ، وليس بشيء لصحة المعنى بدون ذلك. ومفعولُ «خصيماً محذوفٌ تقديرُه:» خصيماً البرآء «وخصيم يجوز ان يكون مِثالَ مبالغةٍ كضريب، وأن يكون بمعنى مُفاعِل نحو: خَلِيط وجَلِيس بمعنى مُخاصِم ومُخالط ومُجالِس.

4:106Page 96

وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦

And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

4:107Page 96

وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧

And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.

No commentary for this ayah

4:108Page 96

يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨

They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.

و {يَسْتَخْفُونَ} : فيها وجهان، أظهرهما: أنها مستأنفة لمجرد الإخبار بأهم يطلبون التستُّر من الله تعالى بجهلهلم. والثاني: أنها في محلِّ نصب صفةً ل «مَنْ» في قوله: {لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} وجُمع الضمير اعتباراً بمعناها إنْ جَعَلْتَ «مَنْ» نكرةً موصوفة، أو في محل نصب على الحال مِنْ «مَنْ» إنْ جَعَلْتَها موصولة، وجُمِعَ الضميرُ باعتبار معناها أيضاً. «وهو معهم» جملة حالية: إمّا من الله تعالى أو من المُسْتَخْفِين، و «إذ» منصوبٌ بالعاملِ في الظرف الواقع خبراً وهو «معهم» .

4:109Page 96

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩

Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?

وتقدَّم الكلامُ في نحو {هَا أَنْتُمْ هؤلاء} : وقولُه: {فَمَن يُجَادِلُ} مَنْ استفهامية في محل رفع بالابتداء، و «يجادل» خبره، و «أم» منقطعة وليست بعاطفة. وظاهرُ عبارة مكي أنها عاطفة فإنه قال: «وأم من يكونُ مثلُها عطف عليها» أي: مثلُ «مَنْ» في قوله: {فَمَن يُجَادِلُ} وهو في محلِّ نظرٍ، لأنَّ في المنقطعة خلافاً: هل تُسَمَّى عاطفة أم لا؟ .

4:110Page 96

وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠

And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

4:111Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١

And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.

No commentary for this ayah

4:112Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

قوله تعالى: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} : في هذه الهاءِ أقوالٌ، أحدها: أنها تعود على «إثماً» ، والمتعاطفان ب «أو» : يجوز أن يعودَ الضمير على المعطوف كهذه الآية، وعلى المعطوف عليه كقوله {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] . والثاني: أنها تعودُ على الكَسْب المدلول عليه بالفعلِ نحو: {اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى} [المائدة: 8] . الثالث: أنها تعود على أحد المذكورين الدالِّ عليه العطفُ ب «أو» فإنه في قوة «ثم يَرْمِ بأحد المذكورين» . الرابع: أنَّ في الكلام حذفاً، والأصل: «ومَنْ يكسِبْ خطيئة ثم يرم بها، وهذا كما قيل في قوله: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا} [التوبة: 34] أي: يكنزون الذَهب ولا ينفقونه. و» أو «هنا لتفصيلِ المُبْهَمِ، وتقدَّم له نظائرُ. وقرأ معاذ بن جبل:» يَكِسِّبْ «بكسر الكاف وتشديد السين، وأصلها: يَكْتَسِبْ فأدغمت تاءُ الافتعال في السينِ وكُسِرت الكافُ إتباعاً، وهذا شبيه ب {يَخْطَفُ} [البقرة: 20] ، وقد تقدَّم توجيهُه في البقرةِ. والزهري:» خَطِيَّة «بالتشديد وهو قياسُ تخفيفِها.

قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله} في جواب» لولا «وجهان، أظهرهما: أنه مذكورٌ وهو قولُه:» لَهَمَّتْ «والثاني: أنه محذوفٌ أي: لأضلُّوك، ثم استأنف جملةً فقال:» لَهَمَّتْ «أي: لقد هَمَّتْ. قال أبو البقاء في هذا الوجه:» ومثلُ حذفِ الجوابِ هنا حَذْفُه في قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 10] وكأنَّ الذي قَدَّر الجوابَ محذوفاً استشكل كونَ قولِه «لهمَّتْ جواباً لأنَّ اللفظَ يقتضي انتفاءَ هَمِّهم بذلك، والغرضُ أنَّ الواقع كونُهم هَمُّوا على ما يُروى في القصة فلذك قَدَّره محذوفاً، والذي جعله مثبتاً أجابَ عن ذلك بأحدِ وجهين: إمَّا بتخصيص الهَمِّ أي: لَهَمَّتْ هَمَّاً يؤثِّر عندك، وإمَّا بتخصيص الإِضلال أي: يضلونك عن دينِك وشريعتِك، وكلا هذهين الهمَّيْنِ لم يقع. و» اَنْ يُضِلُّونك «على حذف الباء أي: بأن يُضِلُّوك، ففي محلِّها الخلافُ المشهور، و» مِنْ «في» من شيء «زائدةٌ، و» شيء «يراد به المصدرُ أي: وما يَضُرُّونك ضرراً قليلاً ولا كثيراً.

4:113Page 96

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣

And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.

No commentary for this ayah

4:114Page 97

۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.

قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ} : في هذا الاستثناءِ قولان، أحدهما: أنه متصلٌ، والثاني: أنه منقطعٌ، وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يُرادَ بها المصدرُ كالدَّعْوى فتكون بمعنى التناجي، وأَنْ يُرادَ بها القومُ المتناجُون إطلاقاً للمصدرِ على الواقع منه مجازاً نحو: «رجلٌ عَدْل وصَوْم» فعلى الأول يكون منقطعاً لأنَّ مَنْ أَمَر ليس تناجياً، فكأنه قيل: لكنْ مَنْ أَمَر بصدقةٍ ففي نجواه الخيرُ، والكوفيون يقدِّرون المنقطع ب «بل» ، وجَعَلَ بعضُهم الاستثناءَ متصلاً وإنْ أُريد بالنجوى المصدرُ، وذلك على حَذْفِ مضافٍ كأنه قيل: إلا نجوى مَنْ أَمَر، وإنْ جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلاً. وقد عَرَفْتَ مِمَّا تقدَّم أن المنقطع منصوبٌ أبداً في لغة الحجاز، وأنَّ بني تميم يُجْرونه مُجْرى المتصل بشرط توجُّهِ العاملِ عليه، وأنَّ الكلامَ إذا كان نفياً أو شبهَه جاز في المستثنى الإِتباعُ بدلاً وهو المختار والنصبُ على أصل الاستثناء، فقوله {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ} : إما منصوبٌ على الاستثناءِ المنقطع إنْ جَعَلْتَه منقطعاً في لغة الحجاز، أو على أصلِ الاستثناءِ إنْ جَعَلْتَه متصلاً، وإمَّا مجرورٌ على البدلِ من «كثير» أو مِنْ «نجواهم» أو صفةٌ لأحدهما: كما تقول: «لا تَمُرَّ بجماعة من القوم إلا زيد» إنْ شئتَ جَعَلْتَ زيداً تابعاً للجماعةِ أو للقومِ. ولم يَجْعلْه الزمخشري تابعاً إلا «لكثير» قال: «إلا نَجْوَى مَنْ أمر على أنه مجرورٌ بدلٌ من» كثير «كما تقولُ:» لا خيرَ في قيامِهم إلا قيامِ زيدٍ «وفي التنظير بالمثالِ نظرٌ لا تَخْفَى مباينتُه للآية، هذا كله إنْ جَعَلْنَا الاستثناءَ متصلاً بالتأويلين المذكورين أو منقطعاً على لغة تميم. وتلخَّص فيه ستة أوجه: النصب على الانقطاع في لغةِ الحجاز أو على أصل الاستثناءِ، والجرُّ على البدل من» كثير «أو مِنْ» نجواهم «أو على الصفةِ لأحدهما.

و {مِّن نَّجْوَاهُمْ} متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل» كثير «فهو في محلِّ جر، والنجوى في الأصلِ مصدرٌ كما تقدم، وقد يُطْلَقُ على الأشخاص مجازاً [قال تعالى: {وَإِذْ هُمْ نجوى} [الإِسراء: 47]] ، ومعناها المُسَارَّة، ولا تكون إلا من اثنين فأكثرَ، وقال الزجاج: النجوى ما تَفَرَّد به الاثنانُ فأكثرُ سراً كان أو ظاهراً. وقيل: النجوى جمع نَجِيّ نقله الكرماني. قوله:» بين «يجوز ان يكون منصوباً بنفس» إصلاح «تقول:» أصلحت بين القوم «قال تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10] .

وأَنْ يتعلق / بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل» إصلاح «و» ابتغاءَ «مفعولٌ من أجله. وألف» مرضاة «عن واوٍ، وقد تقدم تحقيقه. وقرأ أبو عمرو وحمزة:» فسوف يُؤتيه «بالياءِ نظراً إلى الاسم الظاهر في قوله {مَرْضَاتِ الله} والباقون بالنون نظراً لقوله بعدُ:» نُولِّه ونُصْلِه «وهو أوقعُ للتعظيمِ.

4:115Page 97

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken1 and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

{وَمَن يُشَاقِقِ} تقدَّم أنّ المضارعَ المجزوم والأمرَ من نحو «لم يَرْدُدْ» و «رَدَّ» يجوزُ في الإِدغامُ وتركُه على تفصيلٍ في ذلك وما فيه من اللغات في آل عمران، وكذلك حكُم الهاء في قوله: «نُؤْته» و «نُصْلِه» وتقدَّم قوله: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] . وخُتمت تيك بقوله «فقد افترى» وهذه بقوله: «فقد ضَلَّ» لأنَّ ذلك في غاية المناسبة، فإن الأولى في شأن أهل الكتاب من أنهم عندهم علمٌ بصحة ثبوته، وأن شريعتَه ناسخةٌ لجميع الشرائعِ، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك فافتروا على الله تعالى، وهذه في شأنِ قومٍ مشركين غير أهلِ كتابٍ ولا علمٍ فناسَب وصفُهم بالضلال، وأيضاً فقد تقدَّم ذكر الهدى وهو ضدُّ الضلال.

4:116Page 97

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.

No commentary for this ayah

4:117Page 97

إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,

قوله تعالى: {إِلاَّ إِنَاثاً} : في هذه اللفظة تسعُ قراءات: المشهورةُ وهي جمع أُنْثى نحو رِباب جمعُ رُبّى. والثانية: وبها قرأ الحسن «أنثى» بالإِفراد والمرادُ به الجمع. والثالثة: - وبها قرأ ابن عباس وأبو حيوة وعطاء والحسن أيضاً ومعاذ القارئ وأبو العالية وأبو نهيك-: «إلا أُنُثا» كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه، أحدها: - وبه قال ابن جرير - أنه جمعُ «إناث» كثِمار وثُمُر، وإناث جمع أنثى فهو جمع الجمع، وهو شاذ عند النحويين. والثاني: أنه جمع «أنيث» كقليب وقُلُب وغدير وغُدُر، والأنيث من الرجال المُخَنَّثُ الضعيفُ، ومنه «سيف أنيث وميناث وميناثة» أي: غير قاطع قال صخر:

165 - 1- فتخْبِرَه بأنَّ العقلَ عندي ... جُرازٌ لا أَفَلُّ ولا أَنيثُ

والثالث: أنه مفردٌ أي: يكون من الصفات التي جاءت على فُعُل نحو امرأة حُنُثٌ. والرابعة: - وبها قرأ سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو الجوزاء - «وثَنا» بفتح الواو والثاء على أنه مفرد يراد به الجمع. والخامسة - وبها قرأ سعيد بن المسيب ومسلم بن جندب وابن عباس أيضاً - «أُثُنا» بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان، أظهرهما: أنه جمع وثَنَ نحو: «أسَد وأُسُد» ثم قَلَبَ الواوَ همزةً لضمِّها ضماً لازِماً، والأصلُ: «وثُنُ» ثم أُثُن. والثاني: أن «وَثَناً» المفردَ جُمِع على «وِثان» نحو: جَمَل وجِمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع «وِثان» على «وُثُن» نحو: حِمار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لِما تقدَّم فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عطية هذا الوجه بأنَّ فِعالاً جمعُ كثرة، وجموعُ الكثرة لا تُجْمع ثانياً، إنما يجمعُ من الجموع ما كان من جموعِ القلة. وفيه مناقشة من حيث إن الجمع لا يُجمع إلا شاذاً سواءً كان من جموعِ القلة أم من غيرها. والسادسة - وبها قرأ أيوب السختياني -: وُثُنا وهي أصل القراءة التي قبلها. والسابعة والثامنة: «أُثْنا ووُثْنا» بسكونِ الثاء مع الهمزة والواو، وهي تخفف فُعُل كسُقُف. والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مصحف عائشة: «إلا أَوْثاناً» جمع «وَثَن» نحو: جَمَل وأَجْمال وجَبَل وأَجْبال. وسُمِّيتْ أصنامهم إناثاً لأنهم كانوا يُلْبسونها أنواعَ الحُلِيّ ويسمونها بأسماءِ المؤنثات نحو: اللات والعزى ومَناةَ. وقد رُدَّ هذا بأنهم كانوا يُسَمَّون بأسماء الذكور نحو: هُبَل وذي الخَلَصة، وفيه نظر، لأن الغالب تسميتهم بأسماء الاناث. و «مريداً» فعيل من «مَرَدَ» أي تَجرَّد للشر‍ِّ، ومنه «شجرة مَرْداء» أي: تناثر ورقُها، ومنه: الأمْرَدُ لتجرُّدِ وجهِه من الشعر، والصَّرْحُ الممرَّد الذي لا يعلوه غبار من ذلك.

وقرأ أبو رجاء - ويُرْوى عن عاصم - «تدْعُون» بالخطاب.

قوله: {لَّعَنَهُ الله} فيه وجهان. أظهرُهما: أنَّ الجملة صفة ل «شيطاناً» فهي في محلِّ نصب، والثاني: أنها مستأنفةٌ: إمَّا إخبار بذلك، وإمَّا دعاء عليه. وقوله: «وقال» فيه ثلاثة أوجه: الصفةُ أيضاً، أو الحالُ على إضمار «قد» أي: وقد قال، أو على الاستناف. و «لأتَّخِذَنَّ» جوابُ قسم محذوف. و «من عبادك» يجوزُ أَنْ يتعلق بالفعل قبله أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «نصيباً» لأنه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها.

4:118Page 97

لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨

Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

No commentary for this ayah

4:119Page 97

وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allāh." And whoever takes Satan as an ally instead of Allāh has certainly sustained a clear loss.

ومفعولاتُ الأفعال الثلاثة محذوفةٌ للدلالةِ عليها أي: وَلأُضِلَّنَّهم عن الهدى ولأُمَنِّيَنَّهم بالباطل ولآمُرَنَّهم بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء والأحسنُ أن يُقَدَّر المحذوفُ من جنس الملفوظِ به أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتك، ولآمُرَنّهم بالتغيير. وقرأ أبو عمرو فيما نَقَل عنه ابن عطية: «ولامُرَنَّهم» بغيرِ ألفٍ وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجوز ألاَّ يُقَدَّر شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القصدَ الإِخبارُ بوقوعِ هذه الأفعال من غيرِ نظرٍ إلى متعلِّقاتها نحو: {كُلُواْ واشربوا} [الطور: 19] . والبتَكُ: القَطْعُ والشقُّ، والبِتْكَةُ: القطعة من الشيء جَمْعُها بِتَك:

165 - 2- حتى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الغلام لها ... طارَتْ وفي كفِّه مِنْ ريشها بِتَكُ

ومعنى ذلك: أنَّ الجاهلية كانوا يَشُقُّون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن آخرُها ذَكَر.

4:120Page 97

يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠

He [i.e., Satan] promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

وقُرِىء: {يَعِدُهُمْ} : بسكونِ الدال تخفيفاً لتوالي الحركات، ومفعولُ الوعدِ محذوفٌ أي: يعِدهُم الباطل أو السلامة والعافية. {إِلاَّ غُرُوراً} يُحْتمل أن يكونَ مفعولاً ثانياً، وأن يكونَ مفعولاً من أجله، وأن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ أي: وعداً ذا غُرور، وأَنْ يكونَ مصدراً على غير الصدرِ لأنَّ «يَعِدُهم» في قوةِ يَغُرُّهم بوعدِه.

4:121Page 97

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

و {عَنْهَا} : يجوز أن يتعلَّق بمحذوف: إمَّا على الحال من «محِيصاً» لأنه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التبيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحذوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عن» ولا ب «محيصاً» ، وإنْ كان المعنى عليه لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يُجَوِّزُ ذلك يُجَوِّزُ تَعَلُّق «عن» به. والمحيصُ: اسمُ مصدر من حاصَ يَحِيص إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه:

165 - 3- ولم نَدْرِ إنْ حِصْناً من الموت حَيْصَةً ... كم العمرُ باقٍ والمَدَى مُتَطاوِلُ

ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضاد المعجمة، ومنه: «وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ» وحاصَ باصَ، أي: وقعوا في أمرٍ يَعْسَرُ التخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحاص قال:

165 - 4- أتَحِيصُ من حُكْمِ المَنِيَّةِ جاهداً ... ما للرجال عن المَنونِ مَحاصُ

ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاُ وحِياصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فهي، والحَوْصُ: ضيق مؤخر العين ومنه الأحْوَصُ.

4:122Page 98

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allāh, [which is] truth, and who is more truthful than Allāh in statement.

وقوله تعالى: {والذين آمَنُواْ} : يجوزُ فيه وجهان: الرفع على الابتداءِ، والخبر «سَنُدْخِلُهم» والنصبُ على الاشتغال أي: سَنُدْخِل الذين آمنوا سندخلهم، وقرئ: «سيُدْخِلُهم» بياء الغيْبة. وانتصب «وعد الله» على المصدرِ المؤكِّد لنفسِه «وحقاً» على المصدرِ المؤكِّد لغيرِه، ف «وعدَ» مؤكدٌ لقولِه «سندخلهم» ، وهو مفهومٌ مما قبله، و «حقاً» مؤكِّدٌ لقوله: {وَعْدَ الله} و «قيلا» نصبٌ على التمييز. والقيل والقول والقال مصادرُ بمعنى واحدٍ، ومنه قوله تعالى: {وَقِيلِهِ يارب} [الزخرف: 88] .

4:123Page 98

لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣

It [i.e., Paradise] is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allāh a protector or a helper.

قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} : في «ليس» ضميرٌ هو اسمُها، وفيه خلافٌ: فقيل: يعودُ على ملفوظٍ به، وقيل: يعودُ على ما دَلَّ عليه اللفظُ من الفعلِ، وقيل: يَدُلُّ عليه سببُ الآية. فأمَّا عَوْدُه على ملفوظٍ به فقيل: هو الوعدُ المتقدِّم في قوله {وَعْدَ الله} وهذا ما اختاره الزمخشري قال: «في ليس ضميرُ وعدَ الله أي: ليس يُنالُ ما وعد الله من الثواب بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب. والخطابُ للمسلمين لأنه لايُؤمن بوعِد الله إلا مَنْ آمَن به» وهذا وجهٌ حسنٌ. وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه اللفظ فقيل: هو الإِيمان المفهومُ من قوله: «والذين آمنوا» وهو قولُ الحسنِ وعنه: «ليس الإِيمانُ بالتمني» وأمّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه السببُ فقيل: يعودُ على مجاورةِ المسلمين مع أهلِ الكتاب، وذلك أنَّ بعضَهم قال: «دينُنا قبلَ دينكم، ونبينا قبلَ نبيكم، فنحن أفضلُ» وقال المسلمون: «كتابُنا يقضي على كتابكم، ونبينا خاتمُ الآنبياء» فنزلت وقيل: يعودُ على الثواب والعقاب أي: ليس الثوابُ على الحسنات ولا العقابُ على السيئات بأمانيكم. وقيل: قالت اليهودُ نحن أنبياء الله وأحبَّاؤه، ونحن أصحاب الجنة، وكذلك النصارى. وقالت كفار قريش: لا نُبْعَثُ، فنزلت أي: ليس ما ادعيتموه يا كفارَ قريش بأمانيِّكم.

وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبةُ بن نصاح والحكم والأعرج: «أمانِيكم» «ولا أمانِي» بالتخفيف كأنَّهم جَمَعُوه على فعالِل دون فعاليل كما قالوا: قَرْقور وقراقير وقراقِر، والعرب تُنْقص من فعاليل الياء، كما تَزيدُها في فعالِل نحو قوله:

165 - 5-. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . تَنْقادَ الصياريفِ وقوله: {مَن يَعْمَلْ} جملة مستأنفة مؤكدةٌ لحكم الجملة قبلها. وقرأ الجمهور «ولا يَجِدْ» جزماً، على عطفه على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر رفعُه، وهو على القطع عن النسق. ثم يُحْتمل أن يكون مستأنفاً وأن يكونَ حالاً، كذا قيل، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المضارع المنفي ب «لا» لا يقترن بالواوِ إذا وقع حالاً.

قوله: {مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ} «من» الأولى للتبعيض لأنَّ المكلَّف لا يطيق عمل كل الصالحات. وقال الطبري: «هي زائدة عند قوم» وفيه ضعفٌ لعدمِ الشرطين. و «مِنْ» الثانية للمتبين. وأجاز أبو البقاء أن تكونَ حالاً، وفي صاحبِها وجهان أحدُهما: أنه الضميرُ المرفوع ب «يعمل» ، والثاني: أنه الصالحات أي: الصالحات كائنةً من ذكر أو أنثى، وقد تقدَّم إيضاح هذا في قوله: {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى} [آل عمران: 195] والكلامُ على «أو» أيضاً «وقوله:» وهو مؤمن «جملة حالية من فاعل» يعمل «وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر عن عاصم:» يُدْخَلون «هنا وفي مريم وأول غافر بضم حرف المضارعة وفتح الخاء مبنياً للمفعول، وانفردَ ابنُ كثير وأبو بكر بثانية غافر، وأبو عمرو بالتي في فاطر والباقون بفتحِ حرفِ المضارعة وضَمِّ الخاء مبنياً للفاعل، وذلك للتفنُّنِ في البلاغَةِ، وقد يظهرُ فروقٌ لا يَسَعُها هذا الكتابُ.

4:124Page 98

وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

No commentary for this ayah

4:125Page 98

وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥

And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.

قوله تعالى: {مِمَّنْ أَسْلَمَ} متعلِّقٌ ب «أَحْسَنُ» فهي «مِنْ» الجارة للمفضول، و «لله» متعلقٌ ب «أَسْلَم» وأجاز أبو البقاء أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حالٌ من «وجهه» وفيه نظرٌ لا يخفى. «وهو مُحْسِنٌ» حالٌ من فاعل «أَسْلم» و «اتَّبع» يجوز أن يكون عطفاً على «أسلم» وهو الظاهر، وأن يكونَ حالاً ثانية من فاعل «أسلم» بإضمار «قد» عند مَنْ يشترط ذلك، وقد تقدَّم الكلام على {حَنِيفاً} [الآية: 135] في البقرة، إلا أنه يجوزُ هنا أن يكونَ حالاً من فاعلِ «اتّبع» .

قوله: {واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} فيه وجهان، وذلك أن اتَّخذ «إنْ عَدَّيْناها لاثنين كان مفعولاً ثانياً وإلا كانَ حالاً، وهذه الجملة عطف على الجملةِ الاستفهاميةِ التي معناها الخبرُ نَبَّهَتْ على شرف المتبوع وأنه جديرٌ بأن يُتَّبع لاصطفاءِ الله له بالخُلّة، ولا يجوز عطفها على ما قبلها لعدم صلاحيتِها صلةً للموصول. وجعلها الزمخشري جملةً معترضة قال:» فإنْ قلت ما محلُّ هذه الجملةِ؟ قلت: لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها مِنْ جمل الاعتراضاتِ نحو ما يجيء في الشعر من قولهم «والحوادثُ جَمَّةٌ» فائدتُها تأكيدُ وجوبِ اتِّباع مِلَّته، لأنَّ مَنْ بَلَغ من الزُّلفى عند الله أَن اتَّخذه خليلاً كان جديراً بأن يُتَّبع «فإنْ عنى بالاعتراضِ المصطلحَ عليه فليس ثَمَّ اعتراضٌ، إذ الاعتراضُ بين متلازمين كفعلٍ وفاعل مبتدأ وخبر وشرط وجزاء وقسم وجواب، وإن عَنَى غيرَ ذلك احتُمِل، إلا أنَّ تنظيرَه بقولهم:» والحوادثُ جَمَّةٌ «يُشْعِر بالاعتراض المصطلح عليه؛ فإن قولهم» والحوادث جمة «وَرَدَ في بيتينِ، أحدُهما بين / فعل وفاعل كقوله:

165 - 6- وقد أَدْرَكَتْني والحوادثُ جَمَّةٌ ... أَسِنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عُزْلِ

والآخرُ يحتمل ذلك، على أن تكونَ الباءُ زائدةً في الفاعل كقوله:

165 - 7- ألا هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ ... بأنَّ امرأ القيس بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا

ويحتمل أن يكونَ الفاعلُ ضميراً دلَّ عليه السياق أي: هل أتاها الخبر بأن امرأ القيس، فيكون اعتراضاً بين الفعل ومعموله.

والخليلُ: مشتق من الخَلَّة بالفتح وهي الحاجة، أو من الخُلَّة بالضم، وهي المودة الخالصة، أو من الخَلَل. قال ثعلب:» سُمِّي خليلاً لأن مودته تَتَخَلَّلُ القلبَ «وأنشد:

165 - 8- قد تَخَلَّلْتَ مسلكَ الروحِ مني ... وبه سُمِّي الخليلُ خليلا

وقال الراغب:» الخَلَّة - أي بالفتح- الاختلالُ العارضُ للنفس: إمَّا لشَهْوَتِها لشيء أو لحاجتِها إليه، ولهذا فَسَّر الخَلّة بالحاجة، والخُلّة - أي بالضم - المودة: إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها، وإما لأنها تُخِلُّ النفسَ فتؤثِّر فيها تأثيرَ السهم في الرميَّة، وإمَّا لفَرْطِ الحاجة إليها «.

4:126Page 98

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском