As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:24–31
4:24Page 82
۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤
And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess.1 [This is] the decree of Allāh upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation2 as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
قوله تعالى: {والمحصنات} : قرأ الجمهور هذه اللفظة سواء كانت معرفة ب «أل» أم نكرة بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في الجمع إلا قوله {والمحصنات مِنَ النسآء} في رأس الجزء فإنه وافق الجمهور. فأمَّا الفتحُ ففيه وجهان، أشهرهما: أنه أَسْند الإِحصان إلى غيرهن، وهو إمَّا الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يُحْصِنُ امرأته أي: يُعِفُّها، والوليَّ يُحصِنُها بالتزويجِ أيضاً والله يُحْصِنُها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوحَ الصادِ بمنزلة المكسور، يعني أنه اسمُ فاعل، وإنما شَذَّ فتحُ عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظَ: أَحْصَنَ فهو مُحْصَن وأَلْقح فهو مُلْقَح، وأَسْهَب فهو مُسْهَب.
وأمَّا الكسر فإنه أسند الإِحصان إليهن؛ لأنهن يُحْصِنَّ أنفسهن بعفافهن، أو يُحْصِنَّ فروجهن بالحفظ، أو يُحْصِنَّ أزواجهن. وأما استثناء الكسائي التي في رأس الجزء قال: «لأن المراد بهن المُزَوَّجات فالمعنى: أن أوزاجَهُنَّ أحصنوهن، فهن مفعولاتٌ» ، وهذا على أحدِ الأقوال في المحصنات هنا مَنْ هن؟ على أنه قد قرىء شاذاً التي في رأس الجزء بالكسر أيضاً، وإنْ أُريد بهن المزوَّجات؛ لأنَّ المراد أحصنَّ أزواجهنّ أو فروجهنّ، وهو ظاهر. وقرأ يزيد بن قطيب: و «المُحْصُنات» بضم الصاد، كأنه لم يَعْتَدَّ بالساكن فأتبعَ الصاد للميم كقولهم: «مُنْتُن» .
وأصلُ هذه المادة الدلالةُ على المَنْعِ ومنه «الحِصْن» لأنه يُمْنع به، و «حِصان» للفرس من ذلك. ويقال: أَحْصَنَتِ المرأةُ وحَصُنَتْ، ومصدرُ حَصُنَت: «حُصْن» عن سيبويه و «حَصانة» عن الكسائي وأبي عبيدة، واسمُ الفاعلِ من أَحْصَنَتْ مُحْصَنة، ومن حَصُنت حاصِن، قال:
1569 - وحاصِنٍ من حاصناتٍ مُلْسِ ... مِن الأذى ومن قِراف الوَقْسِ ويقال لها: «حَصان» أيضاً بفتح الحاء، قال حسان يصف عائشة رضي الله عنها:
1570 - حَصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ ... وتصبحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافل
والإِحصانُ في القرآن وَرَد، ويُراد به أحدُ أربعة معان: التزوج والعفة والحرية والإِسلام، وهذا تنفعك معرفته في الاستثناء الواقع بعده: فإن أُريد به هنا التزوُّجُ كان المعنى: وحُرِّمت عليكم المحصنات أي: المزوجات إلا النوعَ الذي ملكته أيمانكم: إما بالسَّبْي أو بمِلْكٍ مِنْ شَرْي وهبة وإرثٍ، وهو قولُ بعضِ أهل العلم، ويدلُ على الأول قولُ الفرزدق:
1571 - وذاتِ حَليلٍ أَنْكَحَتْها رماحُنا ... حَلالٌ لِمَنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ
يعني: أنَّ مجردَ سبائِها أحلَّهَا بعد الاستبراءِ. وإنْ أُريد به الإِسلام أو العفةُ فالمعنى أنَّ المسلماتِ أو العفيفاتِ حرامٌ كلهن، يعني فلا يُزْنى بهن إلا ما مُلِك منهن بتزويجٍ أو مِلْك يمين، فيكون المرادُ ب {مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} التسلُّطَ عليهن وهو قَدْرٌ مشترك، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكونُ الاستثناء متصلاً. وإنْ أريد به الحرائرُ فالمرادُ إلا ما مُلِكت بمِلْكِ اليمينِ، وعلى هذا فالاستثناءُ منقطع.
وقوله: {مِنَ النسآء} في محلِّ نصبٍ على الحالِ كنظيرِه المتقدم. وقال مكي: «فائدةُ قولِه {مِنَ النسآء} أنَّ المُحْصَناتِ تقع على الأنفسِ، فقولُه {مِنَ النسآء} يرفعُ ذلك الاحتمال، والدليلُ على أنه يُراد بالمحصناتِ الأنفسُ قولُه: {والذين يَرْمُونَ المحصنات} [النور: 4] فلو أريد به النساءُ خاصة لَما حُدَّ مَنْ قذف رجلاً بنص القرآن، وقد أجمعوا على أنّ حَدَّه بهذا النصِّ» . انتهى. وهذا كلامٌ عجيب لأنه بعد تسليم ما قاله في آية النور كيف يَتَوهَّم ذلك هنا أحدٌ من الناس؟
قوله: {كِتَابَ الله} في نصبه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه منصوبٌ على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة قبله وهي قوله: «حُرِّمت» ، ونصبُه بفعل مقدر أي: كَتَبَ الله ذلك عليكم كتاباً. وأبعد عبيدة السلماني في جَعْلِه هذا المصدَر مؤكداً لمضمون الجملة من قوله تعالى: {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] .
الثاني: أنه منصوبٌ على الإِغراء ب «عليكم» والتقدير: عليكم كتابَ الله أي: الزموه كقوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105] ، وهذا رأي الكسائي ومَنْ تابعه، أجازوا تقديمَ المنصوب في باب الإِغراء مستدِلِّين بهذه الآيةِ، وبقولِ الآخر:
1572 - يا أيُّها المائحُ دَلْوي دونَكَا ... إني رأيْتُ الناسَ يَحْمَدونكا ف «دلوي» منصوبٌ ب «دونَك» وقد تقدَّم. والبصريون يمنعون ذلك، قالوا: لأنَّ العاملَ ضعيف، وتأوَّلوا الآيةَ على ما تقدم، والبيتَ على أن «دلوي» منصوبٌ ب «المائح» أي: الذي ماح دَلْوي.
والثالث: أنه منصوب بإضمار فعل أي: الزموا كتاب الله، وهذا قريبٌ من الإِغراء. وقال أبو البقاء في هذا الوجه: «تقديره: الزموا كتاب الله» و «عليكم» إغراء، يعني أن مفعوله قد حُذف للدلالة ب «كتاب الله» عليه، أي: عليكم ذلك، فيكون أكثر تأكيداً. وأمَّا «عليكم» فقال أبو البقاء: إنها على القول بأن «كتاب» مصدرٌ يتعلق بذلك الفعل المقدر الناصبِ ل «كتاب» ولا يتعلَّق بالمصدر «قال:» لأنه هنا فَضْله «. قال:» وقيل: يتعلَّق بنفسِ المصدر/ لأنه ناب عن الفعل، حيث لم يُذكر معه فهو كقولك: مروراً بزيد قلت: وأمَّا على القول بأنه إغراء فلا محلَّ له لأنه واقعٌ موقعَ فعلِ الأمر، وأمَّا على القولِ بأنه منصوبٌ بإضمار فِعْلٍ أي: الزموا ف «عليكم» متعلِّقٌ بنفس «كتاب» أو بمحذوف على أنه حال منه.
وقرأ أبو حيوة «كَتَبَ اللهُ» على أن «كتب» فعل ماض، و «الله» فاعل به، وهي تؤيد كونَه منصوباً على المصدر المؤكد. وقرأ ابن السَّمَيْفَع اليماني: «كُتُبُ الله» جعله جمعاً مرفوعاً مضافاً لله تعالى على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديره: هذه كتبُ الله عليكم.
قوله: {وَأُحِلَّ} قرأ الأخوان وحفص عن عاصم: «أَحَلَّ» مبنياً للمفعول، والباقون مبنياً للفاعل، وكلتا القراءتين الفعلُ فيهما معطوفٌ على الجملةِ الفعليةِ من قولِه: «حُرِّمَتْ» والمُحَرِّمُ والمُحَلِّلُ هو الله تعالى في الموضعين، سواءً صَرَّحَ بإسناد الفعلِ إلى ضميره أو حَذَف الفاعل للعلم به.
وادَّعى الزمخشري أن قراءة «أُحِلَّ» مبنياً للمفعول عطفٌ على «حُرِّمت» ليُعْطَفَ فعلٌ مبني للمفعول على مثله، وأما على قراءة بنائه للفاعل فجعله معطوفاً على الفعل المُقدَّر الناصب ل «كتاب» كأنه قيل: كَتَب الله عليكم تحريمَ ذلك وأَحَلَّ لكم ما وراء ذلكم. قال الشيخ: «وما اختاره يعني من التفرقه بين القراءتين غيرُ مختار؛ لأنَّ الناصبَ ل» كتابَ الله «جملةٌ مؤكدة لمضمون الجملة من قوله» حُرِّمت «إلى آخره، وقوله» وأَحَلَّ لكم «جملةٌ تأسيسية فلا يناسِبُ أن تُعْطَفَ إلا على تأسيسية مثلِها لا على جملةٍ مؤكدة، والجملتان هنا متقابلتان، إذ إحداهما للتحريم والأخرى للتحليل، فالمناسب أن تُعطف إحداهما على الأخرى لا على جملة أخرىغيرِ الأولى، وقد فَعَلَ هو مثل ذلك في قراءة البناء للمفعول فليكن هذا مثلَه» وفي هذا الردَّ نظر.
و {مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} مفعولٌ به: إمَّا منصوبُ المحل أو مرفوعُه على حَسَبِ القراءتين في «أحلَّ» .
قوله: {أَن تَبْتَغُواْ} في محلِّه ثلاثةُ أوجه: الرفع والنصب والجر، فالرفعُ على أنه بدل من {مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} على قراءة «أُحِلَّ» مبنياً للمفعول؛ لأن «ما» حينئذ قائمةٌ مقامَ الفاعل، وهذا بدلٌ منها بدلُ اشتمال. وأمَّا النصبُ فالأجودُ أن يكون على أنه بدل من «ما» المتقدمة على قراءة «أَحَلَّ» مبنياً للفاعل، كأنه قال: وأَحَلَّ الله لكم الابتغاء بأموالكم من تزويج أو مِلْك يمين. وأجاز الزمخشري أن يكونَ نصبُه على المفعول من أجله، قال «بمعنى: بَيَّن لكم ما يَحِلُّ مِمَّا يَحْرُم إرادةَ أن يكون ابتغاؤكم بأموالِكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونِكم محصنين» .
وأنحى عليه الشيخ، وجَعَلَه إنما قصد بذلك دسيسةَ الاعتزال ثم قال: «وظاهرُ الآية غيرُ ما فهمه، إذ الظاهر أنه تعالى أَحَلَّ لنا ابتغاء ما سوى المحرماتِ السابقِ ذكرُها بأموالنا حالةَ الإِحصان لا حالةَ السِّفاح، وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يُعْرَبَ» أن تبتغوا «مفعولاً له، لأنه فات شرطٌ من شروطِ المفعولِ له وهو اتحادُ الفاعلِ في العامل والمفعول له، لأنَّ الفاعلَ ب» أحلَّ «هو الله تعالى والفاعلَ في» تبتغوا «ضميرُ المخاطبين فقد اختلفا، ولمَّا أحسَّ الزمخشري إن كان أحسَّ جعل» أن تبتغوا «على حذفِ» إرادة «حتى يتحدَ الفاعل في قوله» وأحلَّ «وفي المفعولِ له، ولم يجعل» أن تبتغوا «مفعولاً له إلا على حذف مضاف وإقامتِه مقامَه، وهذا كلُّه خروج عن الظاهر» .
انتهى.
ولا أدري ما هذا التَحمُّلُ، ولا كيف يَخْفى على أبي القاسم شرطٌ اتحاد الفاعل في المفعول له حتى يقول «إن كان أحسَّ» !!!
وأجاز أبو البقاء فيه النصبَ على حذف حرف الجر، قال أبو البقاء: «وفي» ما «يعني من قوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وجهان، أحدُهما: هي بمعنى» مَنْ «، فعلى هذا يكون قوله» أن تبتغوا «في موضع جر أو نصب على تقدير: بأن تبتغوا أو لأنْ تبتغوا، أي: أُبيح لكم غيرُ مَنْ ذكرنا من النساء بالمهور، والثاني: أن» ما «بمعنى الذي، والذي كنايةٌ عن الفعل أي: وأحَلَّ لكم تحصيلَ ما وراء ذلك الفعلِ المحرَّمِ، و» أن تبتغوا «بدلٌ منه، ويجوز أن يكونَ أصلُه بأن تبتغوا، أو لأن تبتغوا. وفي ما قاله نظر لا يخفى.
وأمَّا الجرُّ فعلى ما ذكره أبو البقاء. وقد تقدَّم ما فيه.
و {مُّحْصِنِينَ} حال من فاعل» تَبْتغوا «، و» غيرَ مسافحين «حالٌ ثانية، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من الضمير في» مُحْصِنين «، ومفعول محصنين ومسافحين محذوف أي: مُحْصِنين فروجَكم غير مسافحين الزواني، وكأنها في الحقيقة حال مؤكدة لأن المُحْصِن غيرُ مسافِحٍ. ولم يقرأ أحد بفتح الصاد من» محصنين «فيما علمت.
قوله: {فَمَا استمتعتم بِهِ} يجوزُ في» ما «وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطيةً. والثاني: أن تكونَ موصولةً. وعلى كلا التقديرين فيجوز أن يكونَ المرادُ بها النساءَ المستمتَع بهن أي: النوعَ المُسْتمتع به، وأن يراد بها الاستمتاعُ الذي هو الحدثُ. وعلى جميع الأوجه المتقدمة فهي في محل رفع بالابتداء، فإنْ كانت شرطيةً ففي خبرها الخلاف المشهور: هل هو فعلُ الشرط أو جوابُه أو كلاهما؟ وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة. وإن كانت موصولةً فالخبرُ قولُه: {فَآتُوهُنَّ} ، ودخلت الفاءُ لشبهِ الموصولِ باسم الشرط، وقد تقدَّم أيضاً تحقيقه. ثم إنْ أُريد بها النوعُ المستمتعُ به فالعائدُ على المبتدأ سواءً كانت» ما «شرطاً أو موصولةً الضميرُ المنصوب في» فآتوهن «، ويكون قد راعَى لفظَ» ما «تارة فأَفْرد في قوله» به «ومعناها أخرى، فَجَمع في قوله» منهن « و» فآتوهن «، فيصيرُ المعنى: أيَّ نوع من النساء استمتعتم به فآتوهُنَّ، أو النوعَ الذي استمتعتم به من النساء فآتوهن، وإنْ أريد بها الاستمتاع فالعائدُ حينئذ محذوفٌ تقديره: فأيَّ نوع من الاستمتاع استمتعتم به من النساء فآتوهُنَّ أجورهن لأجلِه، أو: أيَّ نوع من الاستمتاع الذي استمتعتم به من النساء فآتوهن أجورهُنَّ لأجله.
و «مِنْ» في «منهم» تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون للبيان. والثاني: أن تكون للتبعيض، ومحلُّها النصب على الحال من الهاء في «به» ولا يجوز في «ما» أن تكون مصدرية لفسادِ المعنى، ولعَوْدِ الضميرِ في «به» عليها. /
والسِّفاح: الزنا، وأصله الصَبُّ، لأن الزاني يَصُبُّ فيه، وكانوا يقولون: سافحيني وماذيني. والمسافِحُ: مَنْ تظاهر بالزنا، ومتخذ الأخدان مَنْ تَسَتَّر فاتخذ واحدة خفية.
قوله: {فَرِيضَةً} حالٌ من «أجورهن» أو مصدرٌ مؤكِّد أي: فرض الله ذلك فريضة، أو مصدرٌ على غير الصدر؛ لأن الإِيتاء مفروض فكأنه قيل: فآتوهُنَّ أجورَهنَّ إيتاءً مفروضاً.
4:25Page 82
وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥
And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ} : «مَنْ» شرطية وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولةً. وقوله: «فممَّا ملكت» : إمَّا جوابُ الشرط وإما خبر الموصول، وشروطُ دخولِ الفاء في الخبر موجودةٌ. و «منكم» في محل نصبٍ على الحال مِنْ فاعل «يستطِعْ» .
وفي نَصْب «طَوْلاً» ثلاثة أوجه أظهرها: أنه مفعول ب «يستطع» ، وفي قوله: «أن ينكحَ» على هذا ثلاثة أقوال، القول الأول: أنه في محلِّ نصب ب «طَوْلاً» على أنه مفعولٌ بالمصدر المنون؛ لأنه مصدر «طُلْت الشيء» أي: نِلْتُه، والتقدير: ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات. ومثلُه قول الفرزدق:
1573 - إن الفرزدق صخرةٌ ملمومَةٌ ... طالَتْ فليسَ ينالها الأوعالا
أي: طالت الأوعال فلم تَنَلْها، وإعمالُ المصدر المنون كثير، قال:
1574 - بضربٍ بالسيوف رؤوسَ قومٍ ... أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقيل
وقولُ الله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا} [البلد: 14-15] ، وهذا الوجه ذهب [إليه] الفارسيّ.
القول الثاني: أنَّ «أَنْ ينكحَ» بدلٌ من «طَوْلاً» بدلُ الشيء من الشيء؛ لأنَّ الطَّوْل هو القدرةُ أو الفَصْلُ، والنكاحُ قدرةٌ وفَصْلٌ.
القول الثالث: أنَّه على حذفِ حرفِ الجر، ثم اختلف هؤلاء: فمنهم مَنْ قَدَّره ب «إلى» أي: طَوْلاً إلى أن ينكحَ، ومنهم مَنْ قَدَّره باللام، أي: لأنْ ينكِحَ، وعلى هذين التقديرين فالجارُّ في محل الصفة ل «طَوْلاً» فيتعلق بمحذوفٍ، ثم لَمَّا حُذِفَ حرفُ الجر جاء الخلاف المشهور في محل «أَنْ» أنصبُ هو أم جر؟ وقيل: اللامُ المقدرة مع «أنْ» هي لامُ المفعول من أجله أي: طَوْلاً لأجل نكاحِهِنَّ.
الوجه الثاني مِنْ نصب «طولاً» أن يكونَ مفعولاً له على حذف مضافٍ أي: ومَنْ لم يستطعْ منكم لعدمِ طَوْل نكاح المحصنات، وعلى هذا ف «أن ينكح» مفعولٌ «يستطع» أي: ومَنْ لم يستطِعْ نِكاح المحصناتِ لعدمِ الطَّوْل.
الوجه الثالث: أن يكونَ منصوباً على المصدر، قال ابن عطية: «ويَصِحُّ أن يكونَ» طَوْلاً «نصباً على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة لأنهما بمعنى، و» أن ينكح «على هذا مفعولٌ بالاستطاعة أو بالمصدر» يعني أن الطَّوْل هو استطاعةٌ في المعنى فكأنه قيل: ومَنْ لم يستطع منكم استطاعةً.
قوله: «فممَّا» الفاء قد تقدم أنها: إمَّا جوابُ الشرط، وإما زائدةٌ في الخبر على حَسَب القولين في «مَنْ» . وفي هذه الآية سبعة أوجه، أحدها: أنها متعلقة بفعل مقدر بعد الفاء تقديره: فلينكحْ مِمَّا مَلَكَتْه أيمانكم، و «ما» على هذا موصولةٌ بمعنى الذي، أي: النوعَ الذي ملكته، ومفعولُ ذلك الفعل المقدر محذوف تقديره: فلينكح امرأة أو أَمَةً مِمَّا ملكته أيمانكم، ف «مما» في الحقيقة متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لذلك المفعولِ المحذوفِ، و «مِنْ» للتبعيض نحو: أكلت من الرغيف، و «من فتياتكم» في محل نصب على الحال من الضمير المقدر في «مَلَكَتْ» العائدِ على «ما» الموصولة، و «المؤمناتِ» صفةٌ ل «فتياتِكم» .
الثاني: أن تكونَ «مِنْ» زائدةً و «ما» هي المفعولةُ بذلك الفعل المقدر أي: فلينكح ما ملكَتْه أَيْمانكم. الثالث: أن «مِنْ» في «من فتياتكم» زائدة، و «فتياتِكم» هو مفعولُ ذلك الفعل المقدر أي: فلينكح فتياتِكم، و «مِمَّا ملكت» متعلقٌ بنفسِ الفعل، و «من» لابتداء الغاية، أو بمحذوفٍ على أنه حال من «فتياتكم» قُدِّمَ عليها، و «مِنْ» للتبعيض. الرابع: أن مفعول «فلينكح» هو المؤمنات أي: فلينكح الفتيات المؤمنات، و «مِمَّا ملكت» على ما تقدم في الوجه قبله، و «من فتياتكم» حالٌ من ذلك العائد المحذوف. الخامس: أنَّ «مما» في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فالمنكوحة مما ملكت. السادس: أن «ما» في «ممَّا» مصدريةٌ أي: فلينكح مِنْ مِلْك أيمانكم، ولا بد أن يكونَ هذا المصدرُ واقعاً موقع المفعول نحو: {هذا خَلْقُ الله} [لقمان: 11] ليَصِحَّ وقوع النكاح عليه. السابع وهو أغربُها ونُقِل عن جماعة منهم ابن جرير «أن في الآية تقديماً وتأخيراً وأن التقدير: ومَنْ لم يستطع منكم طوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضُكم من بعض الفتيات، ف» بعضُكم «فاعل ذلك الفعل المقدر، فعلى هذا يكون قوله: {والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} معترضاً بين ذلك الفعل المقدر وفاعِله. ومثلُ هذا لا ينبغي أن يقال.
قوله: {والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} جملةٌ من مبتدأ وخبر، وجيء بها بعد قوله {مِّن فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات} ليفيدَ أنَّ الإِيمان الظاهر كافٍ في نكاحِ الأَمَةِ المؤمنةِ ظاهراً، ولا يشترط في ذلك أَنْ يَعْلَمَ إيمانَها علماً يقيناً، فإنَّ ذلك لا يطَّلِعُ عليه إلا اللهُ تعالى، وفيه تأنيس أيضاً بنكاحِ الإِماء فإنهم كانوا يَنْفِرون من ذلك.
قوله: {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} مبتدأٌ وخبر أيضاً، جيء بهذه الجملة أيضاً تأنيساً بنكاح الإِماء كما تقدم، والمعنى: أن بعضكم من جنس بعض في النسب والدين، فلا يترفَّع الحُرُّ عن نكاح الأمةِ عند الحاجة إليه، وما أحسنَ قولَ أمير المؤمنين علي:» الناسُ من جهة التمثيل أَكْفاء، أبوهم آدم والأم حواء «.
قوله: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} متعلق ب» انكحوهن «، وقَدَّر بعضهم مضافاً محذوفاً أي بإذنِ أهل ولايتهن، وأهلُ ولايةِ نكاحهنَّ هم المُلاَّك.
و «بالمعروف» فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه متعلق ب «آتوهُنَّ» أي: آتوهن مهورَهنَّ بالمعروف. / الثاني أنه حال من «أجورهن» أي: ملتبساتٍ بالمعروف يعني غيرَ ممطولةٍ. والثالث: أنه متعلق بقوله: «فانكِحوهن» أي: فانكِحوهن بالمعروف بإذن أهلهن ومَهْرِ مثلهن والإِشهاد عليه، وهذا هو المعروف. وقيل: في الكلام حذف تقديره: وآتوهُنَّ أجورهن بإذن أهلهن، فحذف من الثاني لدلالة الأولِ عليه نحوُ: {والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات} [الأحزاب: 35] أي: الذاكرات اللهَ. وقيل: ثَمَّ مضافٌ مقدر أي: وآتوا مواليَهن أجورَهُنَّ، لأنَّ الأَمَة لا يُسَلَّمُ لها شيءٌ من المهر.
قوله: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} حالان من مفعول «فآتوهن» ومحصنات على هذا بمعنى مُزَوَّجات. وقيل: محصنات حالٌ من مفعول «فانكحوهن» ، ومحصنات على هذا بمعنى عفائفَ أو مسلمات، والمعنى: فانكحوهن حالَ كونهن محصناتٍ لا حالَ سِفاحِهن واتخاذِهِنَّ للأخْدان. وقد تقدَّم أن «محصنات» بكسرِ الصادِ وفتحِها، وما معناها، وأنَّ «غيرَ مسافحين» حالٌ مؤكدة.
{وَلاَ مُتَّخِذَاتِ} عطفٌ على الحال قبله. والأخْدان مفعول ب «متخذات» لأنه اسمُ فاعل، وأخدان جمع «خِدْن» ، ك: عِدل وأَعْدال، والخِدْن: الصاحب، وقد تقدَّم أن المسافح هو المجاهر بالزنى ومتخذَ الأخدانِ هو المستترُ به، وكذلك هو في النساء، وكان الزنى في الجاهلية منقسماً إلى هذين القسمين.
قوله: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: «أُحْصِنَّ» بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول، والباقون بفتحهما على البناء للفاعل، فمعنى الأولى: «فإذا أُحْصِنَّ بالتزوج» فالمُحْصِنُ لهنّ هو الزوج، ومعنى الثانية: «فإذا أَحْصَنَّ فروجَهن أو أزواجَهن» وهو واضح مما تقدم.
والفاء في «فإنْ» جواب «إذا» وفي «فعليهن» جواب «إنْ» ، فالشرطُ الثاني وجوابه مترتِّبٌ على وجود الأول، ونظيره: «إن أكلت فإنْ ضربت عمراً فأنت حر» لا يُعْتق حتى يأكلَ أولاً ثم يضربَ عمراً ثانياً، ولو أسقطت الفاء الداخلة على «إن» في مثل هذا التركيب انعكس الحكمُ، ولزم أن يَضْرب أولاً ثم يأكل ثانياً. وهذا يُعْرف من قواعد النحو، وهو أن الشرط الثاني يُجعل حالاً فيجب التلبُّسُ به أولاً.
قوله: {مِنَ العذاب} متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من الضمير المستكنِّ في صلةِ «ما» وهو «على» ، فالعاملُ فيها معنوي، وهو في الحقيقةِ ما تعلَّق به هذا الجار، ولا يجوزُ أن يكونَ حالاً من «ما» المجرورةِ بإضافة «نصف» إليها؛ لأنَّ الحالَ لا بد أن يعمل فيها ما يعمل في صاحبها، و «نصفُ» هو العامل في صاحبِها الخفضَ بالإِضافة، ولكنه لا يعمل في الحال لأنه ليس من الأسماء العاملة، إلاَّ أن بعضهم يَرى أنه إذا كان جزءاً من المضافِ جازَ ذلك فيه، والنصفُ جزءٌ فيجوز ذلك.
قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ} «ذلك» مبتدأ، و «لِمَنْ خشي» جارٌّ ومجرور خبرُه، والمشار إليه ب «ذلك» إلى نكاح الأمة المؤمنة لِمَنْ عَدِم الطَّوْلَ. والعَنَتْ في الأصل انكسارُ العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة، وأُريد به هنا ما يَجُرُّ إليه الزنى من العقاب الدنيوي والأخروي، و «منكم» حالٌ من الضمير في «خَشِي» أي: في حالِ كونه منكم. ويجوز أن تكونَ «مِنْ» للبيان.
قوله: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} مبتدأ وخبر لتأوُّلِه بالمصدر وهو كقوله: {وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى} [البقرة: 237] .
4:26Page 82
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦
Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.
قوله تعالى: {يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ} : في مثلِ هذا التركيبِ للناسِ مذاهبُ: مذهب البصريين أن مفعول «يريد» محذوف تقديره: يريد الله تحريمَ ما حَرَّمَ وتحليلَ ما حَلَّل وتشريعَ ماتقدَّم لأجلِ التبيين لكم، ونَسَبه بعضُهم لسيبويه، فمتعلَّقُ الإِرادة غيرُ التبيين وما عُطِف عليه، وإنما تأولوه بذلك لئلا يلزَم تعدِّيَ الفعلِ إلى مفعولِه المتأخر عنه باللام وهو ممتنعٌ، وإلى إضمارِ «أَنْ» بعد اللام الزائدة.
والمذهب الثاني: ويعزى أيضاً لبعض البصريين أَنْ يُقَدَّر الفعلُ الذي قبل اللام بمصدرِ في محل رفع بالابتداء، والجار بعده خبره، فيقدر {يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ} إرادةُ الله للتبيين، وقوله:
1575 - أريدُ لأنْسَى ذِكْرَها. . . . . . . . ... أي: إرادتي، وقوله تعالى: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ} أي: أُمِرْنا بما أُمِرْنا [به] لنسلمَ، وفي هذا القولِ تأويلُ الفعل بمصدر من غير حرف مصدر، وهو ضعيف نحو: «تَسْمَعُ بالمُعَيْدَيِّ خيرٌ مِنْ تراه» قالوا: تقديره: «أنّْ تسمعَ» فلمَّا حَذَفَ «أن» رَفَع الفعل، وهو في تأويل المصدر لأجل الحرف المقدر فكذلك هذا، فلامُ الجر على الأول في محل نصب لتعلُّقها ب «يريد» وعلى هذا الثاني في محلِّ رفع لوقوعها خبراً.
الثالث: وهو مذهب الكوفيين أن اللامَ هي الناصبة بنفسها من غير إضمار «أَنْ» ، وهي وما بعدها مفعول الإِرادة، ومنع البصريون ذلك؛ لأن اللامَ ثَبَت لها الجر في الأسماء، فلا يجوز أن يُنْصَبَ بها، فالنصب عندهم بإضمار «أن» كما تقدم.
الرابع: وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء أن اللامَ زائدة، و «أَنْ» مضمرة بعدها، والتبيينُ مفعولُ الإِرادة. قال الزمخشري: {يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ} يريد اللهُ أن يبيِّن، فزيدت اللامُ مؤكدة لإِرادة التبيين، كما زيدت في «لا أبا لك» لتأكيد إضافة الأب «. وهذا كما رأيت خارجٌ عن أقوال البصريين والكوفيين، وفيه أنَّ» أنْ «تضمر بعد اللام الزائدة، وهي لا تُضْمر فيما نص النحويون بعد لامٍ وتلك اللامُ للتعليل أو للجحود.
وقال بعضهم: اللامُ هنا لام العاقبة كهي في قوله: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8] ، ولم يَذْكُر مفعولَ التبيين، بل حَذَفه للعلم به، فقدَّره بعضهم:» ليبين لكم ما يقرِّبكم «، وبعضُهم:» أن الصبر عن نكاح الأماء خيرٌ «، وبعضُهم:» ما فَصَّل من الشرائع «، وبعضهم:» أمرَ دينكم «وهي متقاربة.
ويجوز في الآية وجهٌ آخرُ حسنٌ: وهو أَنْ تكونَ المسألةُ من باب الإِعمال: تنازع» يبيِّن «و» يَهْدي «في {سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ} ؛ لأنَّ كلاً منهما يَطْلبه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من إعمال الثاني، وحَذَفَ الضميرَ من الأول تقديرُه: ليبيِّنهَا لكم ويهديَكم سنن الذين من قبلكم، والسُّنَّة: الطريقة، ويؤيد هذا أن المفسرين نقلوا أنَّ كل ما بَيَّن لنا تحريمَه وتحليلَه من النساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكمُ كذلك أيضاً في الأمم السالفة، أو أنه بَيَّن لكم المصالحَ؛ لأنَّ الشرائعَ وإنْ كانت مختلفةً في نفسِها إلا أنها متفقةٌ في المصلحة.
4:27Page 83
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧
Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.
وزَعم بعضُهم أنَّ في قوله تعالى: {والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} : تكريراً لقولِه: {يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} المعطوفَ على «ليبين» . قال ابن عطية: «وتكرارُ إرادة الله للتوبة على عباده تقويةٌ للإِخبار الأول، وليس القصدُ في الآيةِ إلا الإِخبارَ عن إرادة الذين يتَّبعون الشهوات، فَقُدِّمت إرادةُ اللهِ توطئةً مُظْهِرَةً لفسادِ إرادةِ مُتَّبعي الشهوات» . وهذا الذي قاله إنما يتمشَّى على أنَّ المجرور باللام في قوله «ليبين» مفعول به للإِدارة لا على كونِه علةٍ، وقد تقدَّم أن ذلك قولُ الكوفيين وهو ضعيف وقد ضَعَّفه هو أيضاً. وإذا تقرَّر هذا فنقولُ: لا تكرار في الآية؛ لأنَّ تعلُّقَ الإِرادة بالتوبة في الأولِ على جهة العِلَّيَّة، وفي الثاني على جهةِ المفعولية، فقد اختلف المتعلَّقان.
قوله: {وَيُرِيدُ الذين} بالرفعِ عطفاً على «والله يريد» عَطَفَ جملةً فعلية على جملة اسمية، ولا يجوز أن يتنصِبَ لفساد المعنى، إذ يصير التقدير: «والله يريدُ أن يتوبَ ويريدُ أن يريدَ الذين» . واختار الراغب أن الواوَ للحال تنبيهاً على أنه يريد التوبةَ عليكم في حال ما يريدون أن تَميلوا، فخالف بين الإِخبارين في تقديمِ المُخْبَرِ عنه في الجملة الأولى وتأخيره في الثانية، ليبين أنَّ الثاني ليس على العَطفِ «. وقد رُدَّ عليه بأن إرادةَ اللَّهِ التوبةَ ليست مقيدةً بإرادةِ غيرِه الميلَ، وبأن الواوَ باشَرَتِ المضارعَ المثبت. وأتى بالجملةِ الأولى اسميةً دلالةً على الثبوتِ، وبالثانيةِ فعليةً دلالةِ على الحُدوث.
4:28Page 83
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨
And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.
قوله تعالى: {يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ} : في هذه الجملة احتمالان أحدهما: وهو الأصحُّ أنها مستأنفة لا محل لها من الإِعراب. والثاني: أنها حالٌ من قوله: {والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ} العامل فيها «يريد» أي: واللهُ يريدُ أن يتوبَ عليكم يريد أن يخفف عنكم. وفي هذا الإِعرابِ نظرٌ من وجهين، أحدُهما: أنه يؤدِّي إلى الفصل بين الحال وبين عاملها بجملةٍ معطوفة على جملةِ العامل في الحال ضِمْنَ تلك الجملة المعطوف عليها، والجملةُ المعطوفة وهي «ويريد الذين يتبعون» جملةٌ أجنبية من الحال وعامِلها. والثاني: أن الفعل الذي وقع حالاً رفع الاسم الظاهرَ فوقعَ الربطُ بالظاهر، لأنَّ «يريد» رفَعَ اسم الله/ وكان من حقه أن يرفع ضميرَه، والربطُ بالظاهر إنما وقع في الجملة الواقعة خبراً أو صلة، أما الواقعةُ حالاً وصفةً فلا، إلا أَنْ يَرِدَ به سماع، ويصير هذا الإِعراب نظيرَ: «بكر يخرج يضربُ بكر خالداً» . ولم يذكر مفعولَ التخفيف فهو محذوفٌ فقيل: تقديرُه: يخفف عنكم تكليفَ النظرِ وإزالةَ الحيرة. وقيل: إثمَ ما ترتكبون.
قوله: «ضعيفاً» في نصبه أربعة أوجه، الأظهر: أنه حال من «الإِنسان» وهي حال مؤكدة. الثاني: أنه تمييز قالوا: لأنه يَصْلُح لدخول «مِنْ» وهذا غلط. الثالث: أنه على حذف حرف الجر، والأصل: خُلِق من شيء ضعيف أي: من ماء مهين أو من نطفة، فلما حُذف الموصوف وحرف الجر وَصَل الفعل إليه بنفسه فنصبه. والرابع: وإليه أشار ابن عطية أنه منصوبٌ على أنه مفعول ثان ب «خلق» ، قالوا: ويَصِحُّ أن يكون «خُلِق» بمعنى «جُعِل» فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين، فيكون قوله «ضعيفاً» مفعولاً ثانياً، وهذا الذي ذكره غريبٌ لم نرهم نصُّوا على أن «خلق» يكون ك «جعل» فيتعدى لاثنين مع حَصْرهم للأفعال المتعدية لاثنين، بل رأيناهم يقولون: إن «جعل» إذا كانت بمعنى «خلق» تَعَدَّتْ لواحد.
4:29Page 83
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.
قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَكُونَ} : في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: وهو الأصح أنه استثناء منقطع لوجهين، أحدهما: أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل حتى يستثنى عنها، سواء فَسَّرت الباطل بغير عوض أو بغير طريق شرعي. والثاني: أن المستثنى كون، والكونُ ليس مالاً من الأموالِ. والثاني: أنه متصلٌ، واعتلَّ صاحب هذا القول بأن المعنى: لا تأكلوها بسببٍ إلاَّ أَنْ تكونَ تجارةً. قال أبو البقاء: «وهو ضعيف، لأنه قال:» بالباطل «، والتجارةُ ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذفُ مضاف تقديره: إلا في حال كونِها تجارةً أو في وقت كونِها تجارةً» . انتهى. ف «أن تكون» في محلِّ نصبٍ على الاستثناء وقد تقدَّم لك تحقيقُ ذلك.
وقرأ الكوفيون: «تجارةً» نصباً على أنَّ «كان» ناقصة، واسمُها مستتر فيها يعود على الأموالِ، ولا بد من حذف مضاف من «تجارة» تقديره: إلا أن تكونَ الأموال أموالَ تجارة، ويجوز أن يُفَسَّر الضمير بالتجارة بعدها أيَ: أن تكون التجارةُ تجارةً كقوله:
1576 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْنعا أي: إذا كان اليومُ يوماً، واختار أبو عبيد قراءة الكوفيين. وقرأ الباقون «تجارةٌ» رفعاً على أنها «كان» التامة. قال مكي: «الأكثرُ في كلام العرب أنَّ قولهم: {إِلاَّ أَن تَكُونَ} في الاستثناء بغيرِ ضمير فيها، على معنى يَحْدُث ويَقَعُ» . وقد تقدم القول في ذلك في البقرة.
و {عَن تَرَاضٍ} متعلق بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل «تجارة» ، فموضعه رفع أو نصب على حَسَبِ القراءتين. وأصل «تراض» «تراضِوٌ» بالواو، لأنه مصدر تراضى تفاعلَ من رَضِي، ورَضِي من ذوات الواو بدليل الرُّضوان، وإنما تطرَّفت الواو بعد كسرة فقلبت ياء فقلت: تراضياً. و «منكم» صفة ل «تراضٍ» فهو في محل جر، و «من» لابتداء الغاية. وقرأ علي رضي الله عنه: «تُقَتِّلوا» بالتشديد على التكثير، والمعنى: لا يقتلْ بعضكم بعضاً.
4:30Page 83
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.
قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ} : «مَنْ» شرطية مبتدأ، والخبر: «فسوف» ، والفاء هنا واجبة لعدم صلاحية الجواب للشرط، و «ذلك» إشارةٌ إلى قَتْل الأنفس. و «عدواناً وظلماً» حالان أي: معتدياً ظالماً أو مفعولٌ من أجلِها، وشروطُ النصب متوفرة. وقرىء: «عِدواناً» بكسر العين.
وقرأ الجمهور «نُصْليه» من أصلى والنون للتعظيم. وقرأ الأعمش: «نُصَلِّيه» مشدداً، وقرىء «نَصليه» بفتح النون، من صَلَيْتُه النار. ومنه «شاة مَصْلِيَّة» . و «يَصْليه» بياء الغيبة. وفي الفاعلِ احتمالان، أحدُهما: أنه ضمير الباري تعالى. والثاني: أنه ضمير عائد على ما أشير ب «ذلك» إليه من القتل، لأنه سببٌ في ذلك. ونَكَّر «ناراً» تعظيماً.
4:31Page 83
إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
وقرأ ابن جبير وابن مسعود {كبير} : بالإِفراد، والمراد به الكفر. وقرأ المفضل «يُكَفِّرْ» و «يُدْخِلْكم» بياء الغيبة لله تعالى. وابن عباس «مِنْ سيئاتكم» بزيادة «من» .
وقرأ نافع وحده هنا وفي الحج: «مَدْخَلاً» بفتح الميم، والباقون بضمها، ولم يختلفوا في ضم التي في الإِسراء. فأما المضمومُ الميمِ فإنه يحتمل وجهين، أحدهما: أنه مصدر، وقد تقرَّر أن اسم المصدر من الرباعي فما فوقَه كاسمِ المفعول، والمَدْخول فيه على هذا محذوفٌ أي: ويُدْخِلْكم الجنة إدخالاً. والثاني: أنه اسم مكان الدخول، وفي نصبِه حينئذ احتمالان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على الظرف، وهو مذهبُ سيبويه. والثاني: أنه مفعولٌ به وهو مذهب الأخفش. وهكذا كلُّ مكان مختص بعد «دخل» فإن فيه هذين المذهبين وهذه القراءةُ واضحةٌ؛ لأنَّ اسم المصدر والمكان جاريان على فعليهما.
وأمَّا قراءة نافع فتحتاج إلى تأويل، وذلك لأن المفتوح الميم إنما هو من الثلاثي، والفعلُ السابق لهذا كما رأيت رباعي، فقيل: إنه منصوب بفعلٍ مقدر مطاوع لهذا الفعل، والتقدير: يُدْخلكم فتدخلون مَدْخلاً، و «مَدْخلاً» منصوب على ما تقدم: إمَّا المصدريةِ وإمَّا المكانيةِ بوجهيها.
وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد نحو: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] على أحد القولين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences