As-Samin al-HalabiAn‑Nisa · 4:69–77

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:69–77

4:69Page 89

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩

And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

قوله تعالى: {مِّنَ النبيين} : فيه أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه بيانٌ للذين أَنْعَم الله عليهم. والثاني: أنه حالٌ من الضميرِ المجرور في « عليهم» ، والثالث: أنه حالٌ من الموصولِ وهو في المعنى كالأول، وعلى هذين الوجهين فيتعلَّق بمحذوفٍ أي: كائنين من النبيين. والرابع: أن يتعلَّق ب «يُطِعِ» قال الراغب: «اي: ومَنْ يُطِع الله والرسول من النبيين ومن بعدهم، ويكونُ قوله: {فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم} إشارةً إلى الملأ الأعلى، ثم قال: {وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} ويُبَي‍ِّن ذلك قولُه عليه السلام عند الموت:» اللهم أَلْحِقْني بالرفيق الأعلى «وهذا ظاهرٌ» انتهى. وقد أفسده الشيخ من جهة لامعنى ومن جهة الصناعة. أمَّا مِنْ جهةِ المعنى فلأِنَّ الرسولَ هنا هو محمدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أَخْبَرَ تعالى أنه مَنْ يُطِعِ الله ورسوله فهو مع ذُكر، ولو جُعل «مِن النبيين» متعلِّقاً ب «يُطِع» لكان «من النبيين» تفسيراً ل «مَنْ» الشرطية «فيلزم أن يكونَ في زمانه عليه السلام أو بعده أنبياءُ يطيعونه، وهذا غيرُ ممكنٍ لقوله تعالى: {وَخَاتَمَ النبيين} [الأحزاب: 30] وقوله عليه السلام:» لا نبيَّ بعدي «وأمَّا مِنْ جهةِ الصناعةِ فلأِنَّ ما قبل الفاء الواقعةِ جواباً للشرط لا يعمل فيما بعدها، لو قلت:» إنْ تضرب يقم عمروٌ زيداً لم يَجُزْ «وهل هذه الأوصافُ الأربعةُ لصنفٍ واحدٍ من الناس أو لأصنافٍ مختلفة؟ قولان.

قوله: {وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} في نصبِ» رفيقاً «قولان، أحدهما: أنه تمييزٌ، والثاني: أنه حالٌ، وعلى تقديرِ كونِه تمييزاً في احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ منقولاً من الفاعلية وتقديرهُ:» وحِسُنَ رفيقُ أولئك «فالرفيقُ على هذا غيرُ المميِّز، ولا يجوزُ دخولُ» مِنْ «عليه.

والثاني: ألاَّ يكونَ منقولاً، فيكونُ نفسَ المميِّز، وتدخل عليه» مِنْ «وإنما أتى به هنا مفرداً لأحدِ معنيين: إمَّا لأنَّ الرفيقَ كالخليطِ والصديق في وقوعِها على المفردِ والمثنى والمجموع بلفظٍ واحدٍ، وإمَّا اكتفاءً بالواحد عن الجمعِ لفَهْمِ المعنى، وحَسَّن ذلك كونُه فاصلةً. ويجوز في» أولئك «أن يكونَ إشارةً إلى النبيين ومَنْ بعدهم، وأَنْ يكونَ إشارةً إلى مَنْ يُطِع اللَّهَ ورسولَه، وإنَّما جَمَع على معناها، وعلى هذا فيُحتمل أَنْ يقال: إنه راعى لفظ» مَنْ «فأفردَ في قوله» رفيقاً «ومعناها فجمع في قوله» أولئك «، إلا أن البَداءَةَ في ذلك بالحَمْل على اللفظ أحسنُ، وعلى هذا فيكونُ قد جَمَعَ فيها بين الحملِ على اللفظ في» يُطِعْ «ثم على المعنى في» أولئك «ثم على اللفظ في» رفيقاً «.

والجمهورُ على فتح الحاء وضم السين من «حَسُن» وقرأ أبو السمَّال بفتحِها وسكونِ السينِ تخفيفاً نحو «عَضْد» في «عَضُد» وهي لغة تميم، ويجوز: «وحُسْن» بضم الحاء وسكون السين، كأنهم نقلوا حركة العينِ إلى الفاء بعد سَلْبِها حركتَها وهذه لغةُ بعض قيس.

وجَعَل الزمخشري هذا من بابِ التعجب فإنه قال: «فيه معنى التعجب كأنه قيل: وما أَحْسَنَ أولئك رفيقاً، ولاستقلاِله بمعنى التعجب قُرئ» وحَسْنَ «بسكون السين، يقول المتعجب:» حَسُنَ الوجهُ وجهُك «و» حَسْن الوجهُ وجهك «بالفتح والضم مع التسكين» قال الشيخ: «وهو تخليطٌ وتركيب مذهبٍ على مذهبٍ، فنقول: اختلفوا في» فَعُل «المرادِ به المدحُ: فذهب الفارسي وأكثر النحويين، إلى جواز إلحاقهِ بباب نعم وبئس فقط فلا يكون فاعلُه إلا ما يكونُ فاعلاً لهما. وذهب الأخفش والمبرد إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس فيُجْعَلُ فاعلُه كفاعِلهما، وذلك إذا لم يَدْخُلْه معنى التعجب، وإلى جواز ألحاقه بفعلِ التعجبِ فلا يَجْرِي مَجْرى نعم وبئس في الفاعل ولا في بقية أحكامهما، فتقول:» لَضَرُبَتْ يَدُكَ «و» لَضَرُبَتِ اليدُ «، فأخذ التعجب من مذهب الأخفش، والتمثيل من مذهب الفارسي، فلم يَتَّبع مذهباً من المذهبين. وأمَّا جَعْلُه التسكينَ والنقلَ دليلاً على كونِه مستقلاً بالتعجبِ فغيرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنَّ الفراء حكى ذلك لغةً في غيرِ ما يُراد به التعجب» .

4:70Page 89

ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠

That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.

قوله تعالى: {ذلك الفضل مِنَ الله} : «ذلك» مبتدأ، وفي الخبر وجهان، أحدُهما: أنه «الفضلُ» والجارُّ في محلِّ نصب على الحال، والعاملُ فيها معنى الإِشارة والثاني: أنه الجارُّ، و «الفضلُ» صفةٌ لاسم الإِشارة، ويجوز أن يكون الفضلُ والجارُّ بعدَه خبرين ل «ذلك» على رأي مَنْ يُجيزه قوله: {وكفى بالله عَلِيماً} . قال ابن عطية «ولذلك دخلت الباءُ على اسمِ الله لتدلَّ على الأمر» /، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المسألة مستوفى.

4:71Page 89

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

(والحَذَر والحِذْر) لغتان بمعنىً. قيل: ولم يُسْمَعْ في هذا التركيبِ إلا: «خُذْ حِذْرك» بالكسر لا «حَذَرك» قوله: «ثُباتٍ» نصب على الحال، وكذا [ «جميعاً» ، والمعنى: انفروا جماعاتٍ في تفرقةٍ سَرِيَّةً بعد سرية أو مجتعين كوكبةً واحدة] قال الشيخ: ولم يُقْرأ فيما عَلِمْتُ إلا بكسر التاء «. انتهى. وهذه هي اللغة الفصيحة. وبعضُ العرب ينصِبُ جمعَ المؤنثِ السالم، إذا كان معتلِّ اللام معوَّضاً منها تاءُ التأنيثِ بالفتحة، وأنشد الفراء.

1604 - فلمَّا جَلاها بالأُيام تَحيَّزَتْ ... ثباتاً عليها ذُلُّها واكتئابُها

وقرئ شاذاً:» ويَجْعلون لله البناتَ «بالفتحة. وحُكِي:» سمعتُ لغاتَهم «وزعم الفارسي أنَّ الوارد من ذلك مفردٌ رُدَّتْ لامُه؛ لأنَّ الأصلَ:» لُغَوَة «فلمَّا رُدَّتِ اللامُ قُلِبَتْ ألفاً، وقد رُدَّ على الفارسي بأنه يلزمه الجمعُ بين العوض والمعوض منه، ويَرُدُّ عليه أيضاً القراءةُ المتقدمةُ في» البناتَ «لأنَّ المفردَ منه مكسورُ الفاء، وهذه المسألةُ قد أوْضَحتُها في كتابي» شرح التسهيل «غايةَ الإِيضاح.

و» ثباتٍ «جمعُ ثُبَة ووزنُها في الأصلِ: فُعَلة كحُطَمة، وإنما حُذِفت لامُها وعُوِّض منها تاءُ التأنيث، وهل لامُها واو أو ياء؟ قولان حجة القول الأول أنها مشتقة من ثَبا يَثْبوا كخلا يَخْلو أي: اجتمع، وحجةُ الثاني أنها مشتقةٌ من ثَبَيْتُ على الرجل إذا أثنيتُ عليه كأنك جمعت محاسنَة، وتُجمع بالألف والتاء وبالواو والنون، ويجوز في فائِها حين تُجمع على» ثُبين «الضمُّ والكسرُ، وكذا كل أشبهَها نحو:» قُلة «و» بُرة «ما لم تُجْمَعْ جمع تكسير. والثُّبَةُ: الجماعةُ من الرجال تكون فوق العشرة. وقيل: الاثنان والثلاثة، وتُصَغَّرُ على» ثُبَيَّة «بردِّ المحذوفِ، وأمَّا» ثُبَةُ الحوضِ «وهي وسَطُه فالمحذوفُ عينُها لأنها من باب يَثُوب الماءُ أي يَرْجِعُ، تُصَغَّر على» ثُوَيْبة «كقولك في تصغير سَنَة:» سُنَيْهة «.

والنَّفَر: الفَزَعُ، يقال: نَفَر إليه أي: فَزِع إليه، وفي مضارعه لغتان: ضمُّ العينِ وكسرُها، وقيل: يُقال: نَفَر الرجل يَنْفِر بالكسر، ونَفَرت الدابةُ تنفُر بالضم فَفَرَّقوا بينهما في المضارع، وهذا الفرق يَرُدُّه قراءة الأعمش» فانفُروا «» أو انفُروا «بالضم فيهما. والمصدرُ: النَّفير والنُّفور والنَّفْر، والنَّفَر: الجماعةُ كالقوم والرهط.

قوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} » منكم «خبر مقدم ل» إنَّ «واسمُها» لَمَنْ «دخلت اللام على الاسم تأكيداً لَمَّا فُصِل بينه وبينها بالخبر،» ومَنْ «يجوزُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً، واللامُ في» لَيُبَطِّئَنْ «فيها قولان، أصحُّهما: انها جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقديره: أقسم الله ليبطِّئَن، والجملتان - أعني القسمَ وجوابه - صلةٌ ل» مَنْ «أو صفةٌ هلا على حَسَبِ القولين المتقدمين، والعائدُ على كلا التقديرين هو الضمير المرفوعُ ب» ليبطِّئن «والتقديرُ: وإنَّ منكم للذي - أو لفريقاً» واللَّهِ ليبطِّئن.

واستدلَّ بعضُ النحاةِ بهذه الآيةِ على أنه يجوز وصلُ الموصولِ بجملةِ القسمِِ وجوابِه إذا عَرِيَتْ جملةُ القسمِ من ضمير عائد على الموصول نحو: «جاء الذي أحلفُ باللَّهِ لقد قام أبوه» وجَعَلَه ردَّاً على قدماء النحاةِ حيث زعموا منعَ ذلك، ولا دَلالةً في ذلك، إذ لقائلٍ أن يقول: ذلك القسمُ المحذوفُ لا أقدِّرُه إلا مشتملاً على ضميرٍ عائدٍ الموصول.

والقول الثاني - نقله ابن عطية عن بعضِهم - أنها لام التأكيد بعد تأكيد، وهذا خطأُ من قائله. والجمهورُ على «لَيُبَطِّئَنْ» بتشديد الطاء، ومجاهد بالتخفيف، وعلى كلتا القراءتين يحتمل أن يكون الفعل لازماً ومتعدياً، يقال: أَبْطَأَ وبَطَّأَ بمعنى بَطُؤَ أي: تكاسل وتثبَّط، فهذان لازمان، وإنْ قَدَّر أنهما متعدِّيان فمفعولُهما محذوفٌ أي: ليبطِّئَنْ غيرَه أي: يُثَبِّطه ويُجْبِنُه عن القتال. و «إذا لم أكن» ظرفٌ ناصبُه «أنعم الله» .

4:72Page 89

وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."

No commentary for this ayah

4:73Page 89

وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣

But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1

قوله تعالى: {لَيَقُولَنَّ} : الجمهورُ على فتحِ لام «ليقولَنَّ» لأنه فعل مسند إلى ضميرِ «مَنْ» مبنيُّ على الفتح لأجل نون التوكيد. وقرأ الحسن بضمها، فأسند الفعل إلى ضمير «مَنْ» أيضاً لكنْ حملاً له على معناها، والأصلُ: ليقولونَنَّ، وقد تقدَّم تصريفه.

قوله: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ} هذه «كَأَنْ» المخففةُ من الثقيلة، وعملُها باقٍ عند البصريين، وزعم الكوفيون أنَّها حين تخفيفِها لا تعمل كما لا تعمل «لكن» مخففةً عند الجمهور، وإعمالُها عند البصريين غالباً في ضمير الأمرِ والشأنِ وهو واجبُ الحذفِ، ولا تعملُ عندَهم في ضميرٍ غيرِه ولا في اسمٍ ظاهرٍ إلا ضرورةً كقوله:

160 - 5- وصدرٍ مشرقِ النَّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ

وقول الآخر:

160 - 6- ويوماً تُوافينا بوجهٍ مُقَسَّمٍ ... كأنْ ظبيةٍ تَعْطُوا إلى وارِق السَّلَمْ

في إحدى الروايات، وظاهرُ كلام سيبويه أنها تعمل في غير ضمير الشأن في غير الضرورة، ونَصُّه يُطالَعُ في كتابه. والجملة المنفية بعدها في محلِّ رفع خبر لها، والجملةُ بعدها إن كانت فعلية فَتُتَلَقَّى ب «قدر» كقوله:

160 - 7- لا يَهُولَنْكَ اصطلاُؤكَ للحَرْ ... بِ فمحذورُها كَأَنْ قد أَلَمَّا أو ب «لم» كهذه الآيةِ، وقولُه: {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس} [يونس: 24] وقد تُلُقِّيَتْ ب «لَمَّا» في قولِ عَمَّارِ الكلبي:

160 - 8- بَدَّدَتْ منها الليالِي شَمْلَهمْ ... فكأنْ لمَّا يكونوا قبلُ ثَمّْ

قال الشيخ: «ويَحْتاج مثلُ هذا إلى سماعٍ من العَرَبِ» وقال ابن عطية: «و» كَأَنْ «مضمنةٌ معنى التشبيهِ، ولكنها ليست كالثقيلة في الاحتياجِ إلى الاسمِ والخبرِ، وإنما تَجِيءُ بعدَها الجملُ» وظاهرُ هذه العبارة أنها لا تعمل حين تخفيفِِها، وقد تقدَّم أنَّ ذلك قولُ الكوفيين لا البصريين، ويُحْتمل أنه أراد بذلك أنَّ الجملةَ بعدها لا تتاثرُ بها لفظاً لأنَّ اسمَها محذوفٌ والجملةُ خبرٌ لها.

وقرأ ابن كثير وحفص «يَكُنْ» بالياءِ، لأن المودة في معنى الودِّ، ولأنه قد فُصِل بينها وبين فِعْلِها، والباقون بالتاء اعتباراً بلفظِها. و «يكون» تحتمل أنْ تكونَ تامةً، فيتعلق الظرفُ بها أو بمحذوف؛ لأنه حالٌ من «مودة» إذ هو في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، وأَنْ تكونَ ناقصةً فيتعلَّقُ الظرفُ بمحذوفٍ على أنه خبرها.

واختلف الناسُ في هذه الجملةِ - على ثلاثةِ أقوال: الأول: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب اعتراضيةٌ، وعلى هذا فما المُعْتَرَضُ بينهما؟ وجهان الأول منهما: أنها معترضةٌ بين جملةِ الشرطِ التي هي «فإنْ أصابَتْكم» وبين جملةِ القسم التي هي «ولَئِنْ أصابَتْكم» والتقديرُ: «فإنْ أصابَتْكم مصيبةٌ قال: قد أَنْعَمَ اللَّهُ عليَّ إذ لم أَكُنْ معهم شهيداً، كأَنْ لم تكن بينكم وبينه مودةٌ، ولَئِنْ أصابكم فضلٌ، فأُخِّرت الجملةُ المعتَرضُ بها أعني قولَه: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ} والنيةُ بها التوسطُ، وهذا قول الزجاج وتبعه الماتريدي.

وردَّ الراغب الأصبهاني هذا القول بأنه مستقبح / لأنه لا يُفْصَلُ بين بعضِ الجملة وبعضِ ما يتعلَّق بجملةٍ أخرى. قلت: هذا من الزجاج كأنه تفسير معنى لا إعراب، يدل على ذلك ما أذكُره عنه من تفسير الإِعراب. الثاني من الوجهين: أن تكونَ معترضةً بين القولِ ومفعولِه، والأصل: «ليقولَنَّ يا ليتني كنتُ معهم كأن لم تَكُنْ» وعلى هذا أكثر الناس، ولكن اختلفَتْ عبارتُهم في ذلك، ولا يظهر المعنى إلا بنقل نصوصِهم فَلْنَنْقلها. فقال الزمخشري: «اعتراضٌ بين الفعل الذي هو» ليقولَنَّ «وبين مفعولِه وهو» ياليتني «والمعنى: كأن لم يتقدم له معكم مودةٌ؛ لأن المنافقين كانوا يُوادُّون المؤمنين في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائلَ في الباطن، والظاهر أنه تهكمُ لأنهم كانوا أَعْدَى عدوٍّ للمؤمنين وأشدَّهم حسداً لهم، فيكف يُوصَفُون بالمودةِ إلا على وجه العكس والتهكم؟» وقال الزجاج: «هذه الجملةُ اعتراضٌ أخبرَ تعالى بذلك؛ لأنهم كانوا يُوادُّون المؤمنينَ» وقال ابن عطية: «المنافِقُ يعاطِي المؤمنين المودةَ ويعاهِدُ على التزامِ كلفِ الإِسلام، ثم يتخلَّفُ نِفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسولِه، ثم يتمنَّى عندما ينكشِفُ الغَيْبُ الظفَر للمؤمنين، فعلى هذا يجيء قولُه تعالى: {كَأَن لَّمْ تَكُن} التفاتةً بليغةً واعتراضاً بين القول والمقول بلفظٍ يُظْهِرُ زيادةً في قُبْحِ فِعْلِهم» . وقال الرازي: «هو اعتراض في غاية الحسنِ لأنَّ مَنْ أحبَّ إنساناً فَرِحَ لفرحِه وحزن لحزنه، فإذا قلب القضية فذلك إظهارٌ للعداوةِ، فحكى تعالى سرورَ المنافقِ عند نكبة المسلمين، ثم أراد أن يَحْكِي حُزْنَه عند دَوْلِة المسلمين بسببِ فواتِه الغنيمَةَ، فَقَبْلَ أن يَذْكُرَ الكلامَ بتمامِه ألقى قوله:» كأن لم تكن «والمراد التعجب، كأنه يقول: انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق كَأَنْ لم تَكُنْ بينكم وبينه مودةٌ ولا مخالطةٌ أصلاً، والذي حَسَّن الاعتراضَ بهذه الجملة - وإنْ كان محلُّها التأخيرَ - كونُ ما بعدها فاصلةً وهي ليست بفاصلة» وقال الفارسي: «هذه الجملة من قولِ المنافقين للذين أَقْعدوهم عن الجهادِ وخَرَجوا هم كأن لم تكن بينكم وبينه أي وبين الرسول عليه السلام [مودةٌ] فيُخْرِجَكم معه لتأخذوا من الغنيمة، ليُبْغِضُوا بذلك الرسولَ إليهم» فأعاد الضميرَ في «بينه» على النبيّ عليه السلام.

وتبع الفارسي في ذلك مقاتلاً، قال مقاتل: «معناه: كأنه ليس من أهل مِلَّتكم ولا مودةَ بينكم» يريد أن المبطئَ قال لِمَنْ تخلَّف عن الغزو من المنافقين وضَعَفَةِ المؤمنين ومَنْ تخلَّف بإذْن: كَأَنْ لم تكن بينكم وبين محمدٍ مودةٌ فَيُخْرِجْكم إلى الجهادِ فتفوزا بما فاز.

الثاني: من الأقوال: أنها في محل نصب بالقول، فيكون تعالى قد حكى بالقول جمليتن: جملةَ التشبيه وجملة التمني، وهذا ظاهرٌ على قول مقاتل والفارسي حيث زعما أنَّ الضمير في «بينه» للرسول عليه السلام.

الثالث: انها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضمير المستتر في «ليقولَنَّ» كما تقول: «مررت بزيدٍ وكأَنْ لم يكنْ بينك وبينه معرفةٌ فضلاً عن مودةٍ» ونُقل هذا عن الزجاج، وتبعه أبو البقاء في ذلك. وإنما أطلْتُ النفَسَ في هذه الآيةِ لأني رأيتُ أقوالَ الناسِ فيها منتشرةً فضَمَمْتُها.

و «يا» فيها قولان أحدُهما: - وهو قولُ الفارسيّ - أنها لمجردِ التنبيه فلا يُقَدَّر منادى محذوفٌ، ولذلك باشَرَتِ الحرفَ. والثاني: أن المنادى محذوفٌ تقديرُه: يا هؤلاء ليتني، وهذا الخلاف جارٍ فيها إذا باشرت حرفاً أو فعلاً، كقراءة الكسائي: «ألا يا اسْجُدوا» وقوله:

160 - 9- ألا يا اسقياني قبل غارةِ سنجالِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقوله:

161 - 0- يا حبَّذا جَبَلُ الريَّانِ من جبلٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

على القول بفعليةِ «حَبَّذا» ولا يُفعل ذلك إلا ب «يا» خاصةً دونَ سائر حروفِ النداء لأنها أمُّ البابِ، وقد كَثُرَتْ مباشرتُها ل «ليت» دونَ سائرِ الحروف.

قوله: {فَأَفُوزَ} الجمهور على نصبه في جواب التمني، والكوفيون يزعمون نصبَه بالخلاف، والجَرْميُّ يزعم نصبَه بنفسِ الفاء، والصحيح الأول، لأن الفاء تَعْطِفُ هذا المصدر المؤول مِنْ «أن» والفعلِ على مصدر متوهم، لأن التقدير: يا ليت لي كوناً معهم أو مصاحبتَهم ففوزاً، ولهذه المذاهبِ تصحيحاً وإبطالاً موضوعٌ غيرُ هذا قد نَبَّهْتُ عليه غيرَ مرةٍ. وقرأ الحسن «فأفوزُ» رفعاً على أحد وجهين: إمَّا الاستئنافِ أي: فأنا أفوزُ، أو عطفاً على «كنت» فيكون داخلاً في حيِّز التمني أيضاً، فيكون الكون معهم والفوزُ العظيم مُتَمَنَّيْن جميعاً.

4:74Page 89

۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤

So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

قوله تعالى: {الذين يَشْرُونَ الحياة} : فاعل بقوله: {فَلْيُقَاتِلْ} و «يَشْرون» يحتمل وجهين، أحدُهما: أن يكون بمعنى يشترون. فإنْ قيل: قد قررت أن الباء إنما تدخُل على المتروك، والظاهرُ هنا أنها دَخَلَتْ على المأخوذِ. فالجوابُ: أنَّ المرادَ بالذين يشترون المنافقون المبطِّئُون عن الجهاد أمَروا بأَنْ يُغَيِّروا ما بهم من النفاق، ويُخْلِصوا الإِيمانَ باللَّهِ ورسولِه، ويجاهدوا في سبيلِ الله، فلم تَدْخُلْ إلا على المتروك؛ لأنَّ المنافقين تاركون للآخرة آخذون للدنيا. والثاني: أنَّ «يشرون» بمعنى يَبيعون، ويكون المرادَ بالذين يَشْرُون: المؤمنون المتخلفون عن الجهاد المُؤْثِرون الآجلةَ على العاجلة، ونظيرُ هذه الآية في كون «شرى» تحتمل الاشتراء والبيع باعتبارين قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] وسيأتي. وقد تقدَّم لك شيءٌ من هذا في أول البقرة.

والجمهورُ على سكون لام «فَلْيقاتل» لأنها وقعت بعد الفاء فأشبهت اللفظة كتفاً. وقُرئ بكسرها وهو الأصل. والجمهور على بناء «فيُقْتل» للمفعول، ومحارب بن دثار ببنائه للفاعل، والأول أظهرُ، لقوله: «أو يَغْلِب» ويُقْتَلْ «ويُغْلِب» عطفٌ على الشرط، والفاء في «فسوف» جوابه، لا يجوز حذفها. والمشهورُ إظهار هذه الباء عند الفاء، وأدغمها أبو عمرو والكسائي وهشام وخَلاَّد بخلاف عنه. والجمهور على «نُؤْتيه» بنون العظمة، وطلحة بن مصرف والأعمش بياء الغيبة، وهما ظاهرتان.

وقدَّم قولَه: {فَيُقْتَلْ} لأنها درجةُ شهادة وهي أعظمُ من غيرها، وثَنَّى بالغَلَبة وهي تشمل نوعين: قتلَ أعداءِ الله والظفرَ بالغنيمة، والأولى أعظمُ من الثانية.

4:75Page 90

وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?

قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ} : هذا استفهامٌ يُراد به التحريضُ والأمرُ بالجهاد. و «ما» مبتدأٌ، «و» لكم «خبرُه، أي: أيُّ شيء استقرَّ لكم. وجملةُ قولِه» لا تقاتلون «فيها وجهان، أظهرهما: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال أي: ما لكم غيرَ مقاتلين، أَنْكَرَ عليهم أن يكونوا على غير هذه الحالة، وقد صَرَّح بالحال بعد هذا التركيب في قوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] ، وقالوا في مثل هذه الحال: إنها لازمةٌ / لأنَّ الكلامَ لايتم دونها، وفيه نظر. والعاملُ في هذه الحال الاستقرارُ المقدَّر كقولِك: ما لك ضاحكاً؟ والوجه الثاني: أن الأصل:» وما لكم في ألا تقتلوا «فَحُذِفَتْ» في «فبقي» أَنْ لا تقاتلوا «فجرى فيها الخلافُ المشهور، ثم حُذِفَتْ» أَنْ «الناصبة فارتفع الفعل بعدها كقولهم:» تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيّ خيرٌ من أن تراه «وقوله:

161 - 1- ألا أيُّهذا الزاجري أحضُرُ الوغى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .

في إحدى الروايتين، وهذا يؤيد كونَ الحالِ ليس بلازمةٍ.

قوله: {والمستضعفين} فيه ثلاثة أوجه. أظهرُها: أنه مجرورٌ عطفاً على اسم الله تعالى أي: وفي سبيل المستضعفين. والثاني: وإليه ذهبَ الزجاج والمبرد أن يكونَ مجرواً عطفاً على نفس» سبيل «. قال أبو البقاء بعد أَنْ حكاه عن المبرد وحده:» وليس بشيء «كأنه لم يظهر لأبي البقاء وجهُ ذلك، ووجهُ أنَّ تقديرَه:» وفي خلاص المستضعفين «والثالث وإليه ذهب الزمخشري: أن يكونَ منصوباً على الاختصاص تقديره: وأَخُصُّ من سبيلِ الله خلاصَ المستضعفين، لأنَّ سبيلَ اللَّهِ عامٌّ في كلِّ خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخيور. والجمهورُ على» والمستضعفين «بواو العطف، وقرأ ابن شهاب:» في سبيل الله المستضعفين «وفيها تخريجان، أحدُهما: أن يكونَ حرفُ العطف مقدراً كقولهم:» أكلت لحماً تمراً سمكاً «والثاني: أن يكونَ بدلاً من» سبيل الله «أي: في سبيلِ الله سبيلِ المستضعفين، لأنَّ سبيلَهم سبيلُ الله تعالى.

قوله: {مِنَ الرجال} فيه وجهان، أحدهما: أنه حال من المستضعفين.

والثاني: أنَّ» مِنْ «لبيان الجنس، والوِلْدان قيل: جمع» وليد «وقيل: جمع وَلَد، كوَرَل ووِرْلان. والمراد بهم: الصبيان وقيل: العبيد والإِماء، يقال للعبد» وليد «وللأمة» وليدة «، فغلَّب المذكر على المؤنث لأندارجِه فيه. و» الذين يقولون «فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ مجروراً على أنه صفةٌ: إمَّا للمستضعفين وإمَّا للرجال ومَنْ بعدَهم، وغَلَّب المذكرَ على المؤنث. وقال أبو البقاء» الذين يقولون «في موضع جر صفةً لِمَنْ عقل من المذكورين» كأنه تَوَهَّم أن الوِلْدان [هم] الصبيانُ، والصبيانُ لا يَعْقِلون، فَجَعَله نعتاً لِمَنْ عقل من المذكورين وهم الرجال والنساء دونَ الوِلْدان، لأنَّ جَمْعَ السلامة في المذكَّر يُشْترط فيه العقلُ، «والذين» جارٍ مجراه، وهذه غَفْلةٌ؛ لأنَّ مرادَ النَّحْويين بالعاقلِ ما كان من جنس العقلاء وإنْ كان مسلوبَ العقلِ، ويَدُلُّ عليه قولُه تعالى:

{أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ} [النور: 31] فالمرادُ هنا بالطفل الصبيانُ الصغار، ومع ذلك وَصَفَهم بالذين. والثاني: أن يكونَ منصوباً على الاختصاص.

قوله: {الظالم أَهْلُهَا} «الظالم» صفةٌ للقرية، و «أهلُها» مرفوعٌ به على الفاعلية. و «أل» في «الظالم» موصولةٌ بمعنى التي، أي: التي ظَلَم أهلها. فالظلمُ جارٍ على القرية لفظاً وهو لِما بعدها معنى، ومثلُه: «مَرَرْتُ برجلٍ حسن غلامُه» قال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ ذكَّر» الظالم «وموصوفُه مؤنثٌ؟ قلت: هو وصفٌ للقرية إلا أنه مستندٌ إلى أهلها فأُعْطِي إعرابَ» القرية «لأنه صفتها وذُكِّر لإِسنادِه إلى الأهل، كما تقول: مِنْ هذه القريةِ التي ظَلَم أهلُها، ولو أُنِّث فقيل:» الظالمةُ أهلُها «لجازَ، لا لتأنيثِ الموصوفِ، بل لأن الأهلَ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ. فإن قلت: هل يجوزُ: مِنْ هذه القريةِ الظالمين أهلُها؟ قلت: نَعَمْ كما [تقول] :» التي ظَلَموا أهلها «على لغة» أكلوني البراغيث «ومنه: {وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ} [الأنبياء: 3] . انتهى وهذه قاعدةٌ كلية: أنَّ الصفة إذا جَرَتْ على غيرِ مَنْ هي له سواءً كانت خبراً أم نعتاً أم حالاً يُنْعَتُ ما قبلَها في اثنين من خمسة: واحدٍ من ألقاب الإِعراب، وواحد من التنكير والتعريفِ، وأمَّا بالنسبةِ إلى التذكير والتأنيث والإِفراد وضدَّيه فيُحْسَبُ المرفوعُ بها كالفعل، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك غيرَ مرة. ويجبُ أيضاً إبرازُ الضميرِ منها مطلقاً أعني سواءً أَلْبس أم لم يُلْبِس وأمَّا إذا كان المرفوعُ بها اسماً ظاهراً فلا حاجةَ إلى رَفْعها الضميرَ، إلا أنه لا بد من راجعٍ يرجِع إلى الاسمِ الموصوف بها لفظاً كهذه الآية. وقد أوضحتُ ذلك وَبيَّنْتُه في هذا الكتاب وفي شرحي للتسهيل، وهذا بخلافِ الفعلِ إذا وُصِف به أو أُخْبر به أو وقع حالاً لشيء لفظاً وهو لغيره معنى، فإن الضميرَ لا يُبْرَزُ منه بل يَسْتَتِرُ نحو:» زيدٌ هندٌ يضرُبها «و» هند زيدٌ تضربه «عن غيرِ ضميرٍ بارز لقوة الفعل وضَعْفِ الاسم في العمل، وسواءً لم يُلْبِس كما تقدَّم تمثيله أو أَلْبس نحو:» زيدٌ عمروٌ يضربه «إذا قَصَدْتَ أن زيداً هو الضاربُ لعمرو، هذا مقتضى مذهبِ البصريينَ، نصَّ عليه مكي وغيره، إلا أنَّه قال قبل ذلك:» إلا أنَّ اسم الفاعل إذا كان خبراً أو صفة أو حالاً لغير مَنْ هو له لم يَسْتَتِرْ فيه ضميرٌ ولا بد من إظهاره، وكذلك إنْ عُطِف على غير مَنْ هو له «قلت: هذه الزيادةُ لم يذكرها النحوييون وتمثيلُها عَسِرٌ. وأمَّا ابنُ مالك فإنه سَوَّى بين الفعل والوصف، يعني إنْ أَلْبس وجب الإِبرازُ حتى في الفعل نحو:» زيدٌ عَمْروٌ يضربه هو «وإن لم يُلْبِس جاز نحو:» زيد هند يضربها «وهذا مقتضى مذهبِ الكوفيين فإنهم عَلَّلوا باللبس، وفي الجملة ففي المسألة خلافٌ.

4:76Page 90

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

No commentary for this ayah

4:77Page 90

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

قوله تعالى: {إِذَا فَرِيقٌ} : «إذا» هنا فجائية، وقد تقدم أن فيها ثلاثةَ مذاهب، أحدها- وهو الأصح: أنها ظرف مكان، والثاني: انها زمان، والثالث: أنها حرفٌ، ولهذه المذاهبِ موضوعٌ غير هذا، وقد قيل في «إذا» هذه إنها فجائية مكانية، وأنها جواب ل «لَمَّا» في قوله {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ} ، وعلى هذا ففيها وجهان، أحدهما: أنها خبر مقدم، و «فريق» مبتدأ و «منهم» صفةٌ ل «فريق» ، وكذلك «يَخْشَون» ، ويجوزُ أَنْ يكونَ «يخشون» حالاً من «فريق» لاختصاصِه بالوصفِ، والتقديرُ: «فبالحضرةِ فريقٌ كائنٌ منهم خاشون أو خاشين» . والثاني: أن يكونَ «فريقٌ» مبتدأً، و «منهم» صفتَه «وهو المسوِّغُ للابتداءِ به، و» يَخْشَوْن «جملةٌ خبريةٌ وهو العاملُ في» إذا «، وعلى القولِ الأول العاملُ فيها محذوفٌ على قاعدِة الظروف الواقعةِ خبراً. وقيل: إنها هنا ظرفُ زمانٍ، وهذا فاسدٌ؛ لأنها إذ ذاك لا بد لها مِنْ عاملٍ، وعاملُها إمَّا ما قبلها وإمَّا ما بعدها، لا جائز أن يكون ما قبلها، لأن ما قبلها وهو» كُتب «ماض لفظاً ومعنى وهي للاستقبال، فاستحال ذلك. فإن قيل: تُجْعَلُ هنا للمُضِيِّ بمعنى» إذ «قيل: لا يجوز ذلك لأنه يَصيرُ التقدير: فلمَّا كُتِب عليهم القتال في وقتِ خشيةِ فريقٍ منهم، وهذا يفتقرُ إلى جواب» لَمَّا «ولا جوابَ لها، ولا جائزٌ أن يكونَ ما بعدها؛ لأنَّ العاملَ فيها إذا كان بعدها كان جواباً لها، ولا جوابَ لها هنا، وكان قد تقدَّم أولَ البقرة أنَّ في» لَمَّا «قولين / قولَ سيبويه: إنها حرف وجوب لوجوب، وقولَ الفارسي: إنها ظرفُ زمانٍ بمعنى» حين «وتقدَّم الردُّ عليه هناك بأنها أُجيبت ب» ما «النافيةِ وإذا الفجائيةِ، وأنَّ ما بعدها لا يعمل فيها قبلها فَأَغْنى عن إعادتهِ، ولا يجوزُ أن يَعمل ما يليها فيها؛ لأنه في محلِّ خفض بالإِضافة على زَعْمِه والمضافُ إليه لا يعمل في المضاف. وقد أجابَ بعضُهم بأنَّ العاملَ فيها هنا معنى» يَخْشَوْن «كأنه قيل: جَزِعوا، قال:» وجَزعوا هو العاملُ في «إذا» وهذه الآيةُ مشكلةٌ؛ لأنَّ فيها ظرفين أحدُهما لِما مضى والآخرُ لِما يُسْتقبل «. انتهى.

قوله: {كَخَشْيَةِ الله} فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها وهو المشهور عند المُعْربين: انها نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: خشيةً كخشية الله. والثاني وهو المقرر من مذهب سيبويه غيرَ مرة: أنها في محل نصب على الحال من ضمير الخشية المحذوف أي: يخشونها الناسَ، أي: يخشون الخشيةَ الناسَ مشبهةً خشيةَ الله.

والثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من الضمير في «يَخْشَوْن» أي: يَخْشَون الناسَ مثلَ أهل خشية الله أي: مشبهين لأهل خشية الله أو أشدَّ خشية أي: أشدَّ خشيةً من أهل خشية الله. و «اشدَّ» معطوف على الحال، قاله الزمخشري. ثم قال: «فإنْ قلت: لِمَ عَدَلْتَ عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدِّرْه: يَخْشَوْن خشيةً [مثل خشية] الله بمعنى: مثلَ ما يخشى الله. قلت: أَبَى ذلك قولُه {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} ؛ لأنه وما عُطِفَ عليه في حكمٍ واحدٍ، ولو قلت:» يخشون الناسَ أشدَّ خشيةً «لم يكن إلا حالاً من ضميرِ الفريقِ، ولم ينتصِبْ انتصابَ المصدر لأنك لا تقول:» خَشِي فلانٌ أشدَّ خشيةً «فتنصِبُ» خشية «وأنت تريد المصدر، إنما تقول» أشدَّ خشيةٍ «فتجرُّها، وإذا نَصَبْتَها لم يكن» أشدَّ خشيةً «إلا عبارةً عن الفاعلِ حالاً منه، اللهم إلا أن تَجْعَلَ الخشيةَ خاشيةً على حدِّ قولِهم:» جَدَّ جَدُّه «فتزعم أنَّ معناه: يخشون الناسَ خشيةً مثل خشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشية الله، ويجوز على هذا أن يكونَ محلُّ» أشدُّ «مجروراً عطفاً على» خشية الله «تريد كشخية الله أو كشخيةٍ أشدَّ منها» . انتهى.

ويجوز نصبُ «خشيةً» على وجه آخر وهو العطف على محل الكاف، وينتصب «أشدَّ» حينئذ على الحال من «خشية» لأنه في الأصلِ نعتُ نكرةٍ قُدِّم عليها، والأصل: يخشون الناسَ مثلَ خشيةِ الله أو خشيةً أشدَّ منها. فلا ينتصب «خشية» تمييزاً حتى يلزم منه ما ذكره الزمخشري ويُعْتذر عنه، وقد تقدَّم نحوٌ من هذا عند قوله {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200] . والمصدرُ مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف أي: كخشيتهم اللَّهَ. و «أو» تحتمل الأوجه المذكورة في قوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] ، ويجوز أن تكونَ للتنويع: يعني أن منهم مَنْ يخشاهم كخشية الله، ومنهم مَنْ يخشاهم أشدَّ خشية من خشية الله. و «لولا أخَّرْتَنا» «لولا» تحضيضةٌ. وقرأ ابن كثير والأخَوان: «لا يُظْلَمون» بالغيبة جرياً على الغائبين قبله، والباقون بالخطاب التفاتاً. و «فَتيلاً» قد تقدَّم إعرابُه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском