As-Samin al-HalabiAl‑Ma'idah · 5:38–44

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:38–44

5:38Page 114

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨

[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they earned [i.e., committed] as a deterrent [punishment] from Allāh. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

قوله تعالى: {والسارق والسارقة} : قراءةُ الجمهور بالرفعِ، وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة بالنصبِ، ونُقِل عن أُبَي: «والسُّرَّقُ والسُّرَّقةُ» بضم السين وفتح الراء مشددتين. قال الخفاف: «وجَدْتُه في مُصحف أُبي كذلك» ومِمَّنْ ضبطَهما بما ذكرت أبو عمرو، إلا أن ابن عطية جَعَل هذه القراءة تصحيفاً فإنه قال: «ويشبه أن يكون هذا تصحيفاً من الضابط، لأنَّ قراءة الجماعة إذا كُتِبت:» والسارق «بغير ألف وافقت في الخط هذه» قلت: ويظهر توجيهُ هذا القراءة بوجه ظاهر وهو أن السُّرَّق جمع سارق، فإنَّ فُعَّلاً يطَّرد جمعاً لفاعل صفةً نحو: ضارب وضُرَّب، والدليل على أن المرادَ الجمعُ قراءةُ عبد الله: «والسارقون والسارقات» بصيغتي جمع السلامة، فدلَّ على أن المرادَ الجمع، إلا أنه يُشْكل علينا في هذا شيءٌ وهو أن فُعَّلاً يكون جمعَ فاعِل وفاعِله أيضاً، تقول: «نساء ضُرَّب» كما تقول: «رجالٌ ضُرَّب» ولا يدخلون عليه تاء التأنيث حين يراد به الإِناث، والسُّرَّقة هنا - كما رأيت - في هذه القراءة بتاء التأنيث حين أريد ب «فُعَّل» جمع فاعله، فهو مُشْكل من هذه الجهة، لا يقال: إن هذا التاء يجوز أن تكونَ لتأكيدِ الجمع، لأنَّ ذلك محفوظٌ لا يقاس عليه نحو: «حِجارة» .

فأمَّا قراءةُ الجمهورِ ففيها وجهان، أحدُهما- وهو مذهبُ سيبويه والمشهورُ من أقوالِ البصريين - أنَّ «السارقُ» مبتدأُ محذوفُ الخبر، تقديره: «فيما يتلى عليكم - أو فيما فُرِضَ -» السارقُ «والسارقة، أي حكمُ السارق، ويكون قولُه:» فاقْطَعُوا «بياناً لذلك الحكمِ المقد‍َّر، فما بعد الفاءِ مرتبطٌ بما قبلها، ولذلك أُتِي بها فيه لأنه هو المقصودُ، ولم يأتِ بالفاء لتُوُهِّم أنه أجنبي، والكلام على هذا جملتان: الأولى خبرية، والثانية أمريةٌ. والثاني - وهو مذهبُ الأخفش، ونُقِل عن المبرد وجماعةُ كثيرة - أنه مبتدأُ أيضاً، والخبر الجملة الأمرية من قوله: {فاقطعوا} وإنما دَخَلَتِ الفاءُ في الخبر لأنه يُشْبه الشرطَ، إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي، والصفةُ صلتُها فيه في قوة قولك:» والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا «وأجاز الزمخشري الوجهين، ونسب الأول لسيبويه، ولم يَنْسُبِ الثاني، بل قال:» ووجهٌ آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر «فاقطعوا» .

وإنما اختار سيبويه أنَّ خبرَه محذوف كما تقدَّم تقديرُه دون الجملة الطلبية بعده لوجهين، أحدُهما: أنَّ النصبَ في مثله هو الوجه في كلام العرب نحو: «زيداً فاضربه» لأجلِ الأمر بعده، قال سيبويه في هذه الآية: «الوجهُ في كلامِ العربِ النصبُ، كما تقول:» زيداً فاضربه «ولكن أَبَت العامةُ إلا الرفعَ» والثاني: دخولُ الفاءِ في خبره، وعنده أن الفاءَ لا تدخلُ إلا في خبر الموصول الصريح كالذي و «مَنْ» بشروط أُخَرَ ذكرْتُها في كتبي النحوية؛ وذلك لأنَّ الفاءَ إنما دخلت لشبه المبتدأ بالشرط، واشتَرطوا في صلتِه أَنْ تصلح لأداة الشرط من كونها جملةً فعلية مستقبلة المعنى، أو ما يقوم مقامَها من ظرفٍ وشبهه، ولذلك إنها إذا لم تصلح لأداةِ الشرط لم يَجُزْ دخولُ الفاء في الخبر، وصلةُ «أل» لا تصلح لمباشرة أداةِ الشرط فلذلك لا تدخُلُ الفاءُ في خبرها، وأيضاً ف «أل» وصلتُها في حكمِ اسمٍ واحدٍ ولذلك تَخَطَّاها الإِعرابُ.

وأمَّا قراءةُ عيسى بن عمر وإبراهيم فالنصبُ بفعلٍ مضمر يفسِّره العامل في سببِّيهما نحو: «زيداً فأكرم أخاه» والتقدير: فعاقبوا السارق والسارقة، تقدِّره فعلاً من معناها نحو: «زيداً ضربْتُ غلامه» أي: أهنتُ زيداً، ويجوز أن يقدَّرَ العاملُ موافقاً لفظاً لأنه يُساغ أَنْ يقال: «قطعت السارق» وهذه قراءةٌ واضحةٌ لمكانِ الأمر بعد الاسم المشتغل عنه.

قال الزمخشري «وفَضَّلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر؛ لأنَّ» زيداً فاضربه «أحسنُ مِنْ» زيدٌ فاضربه «وفي نقله تفضيلَ النصب على قراءة العامة نظر، ويظهر ذلك بنصِّ سيبويه، قال سيبويه:» الوجه في كلام العرب النصبُ كما تقول: «زيداً اضربه» ولكن أَبت العامة إلا الرفعَ «، وليس في هذا ما يقتضي تفضيلَ النصب، بل معنى كلامه أن هذه الآية ليست في الاشتغال في شيء، إذ لو كانت من باب الاشتغال لكن الوجهُ النصبَ، ولكن لم يَقْرأها الجمهورُ إلا بالرفع، فدلَّ على أن الآية محمولةٌ على كلامَيْنِ كما تقدَّم، لا على كلامٍ واحدٍ، وهذا ظاهرٌ.

وقد ردَّ الفخر الرازي على سبيويه بخمسة أوجه، وذلك أنه فَهم كما فهم صاحب» الكشاف «من تفضيل النصب، قال الفخر الرازي،» الذي ذهبَ إليه سيبويه ليس بشيء، ويدلُّ على فساده وجوهٌ، الأول: أنه طعن في القراءة المتواترة المنقولةِ عن الرسول وعن أعلام الأمة، وذلك باطلٌ قطعاً، فإن قال سيبويه: لا أقول إن القراءة بالرفع غير جائزة، ولكني أقول: القراءةُ بالنصب أَوْلى، فنقول: رديء أيضاً لأنَّ ترجيحَ قراءةٍ لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءةِ الرسول وجميعِ الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمرٌ منكرٌ وكلامٌ مردودٌ. الثاني: لو كانت القراءةُ بالنصبِ أَوْلى لوجَبَ أن يكونَ في القراء مَنْ يقرأ {واللذان يأتيانِها منكم فآذوهما} بالنصب، ولمَّا لم يوجد في القُرَّاء مَنْ يقرأ كذلك عَلِمْنا سقوطَ هذه القول. الثالث: أنَّا إذا جعلنا «السارق والسارقة» مبتدأً وخبرُه مضمرٌ وهو الذي يقدِّره: «فيما يتلى عليكم» بقي شيء آخر تتعلَّق به الفاء في قوله: {فاقطعوا} فإنْ قال: الفاء تتعلق بالفعل الذي دلَّ عليه قولُه: «والسارق والسارقة» يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يده، فنقول: إذا احتجت في آخر الأمر [أن تقول] : السارق والسارقة [تقديرُه] : مَنْ سرق، فاذكر هذا أولاً حتى لا تحتاج إلى الإِضمار الذي ذكرته.

الرابع: أنَّا إذا اختَرْنا القرءاةَ بالنصب لم تدلَّ على أنَّ السرقةَ علةٌ لوجوب القطع، وإذا اخترنا القراءةَ بالرفع افادت الآيةُ هذا المعنى، ثم إنَّ هذا المعنى متأكدٌ بقوله: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا} فثبت أنَّ القراءةَ بالرفعِ أَوْلى. الخامس: أن سيبويه قال: «وهم يقدِّمون الأهمَّ والذي هم ببيانِه أَعْنى» فالقراءةُ بالرفعِ تقتضي تقديمَ ذِكْرِ كونه سارقاً على ذِكْرِ وجوب القطع، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفاً إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من حيث إنه سارق، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكونَ العنايةُ بيان القطع أتمَّ من العناية بكونه سارقاً، ومعلوم أنه ليس كذلك فإن المقصود في هذه الآية تقبيحُ السرقة والمبالغةُ في الزجر عنها، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة «انتهى ما زعم أنه ردُّ على إمام الصناعة.

والجوابُ عن الوجه الأول ما تقدَّم جواباً عما قاله الزمخشري، وقد تقدم، ويؤيده نص سيبويه فإنه قال:» وقد يَحْسُن ويستقيم: «عبدُ الله فاضربه» إذا كان مبنياً على مبتدأ مُظْهَرٍ أو مضمر، فأمَّا في المُظْهَرِ فقولُه: «هذا زيدٌ فاضرِبْه» وإن شئت لم يظهر هذا ويعمل كعمله إذا كان مظهراً، وذلك قولك: «الهلالُ واللَّهِ فانظرْ إليه» فكأنك قلت: «هذا الهلال» ثم جئت بالأمر، ومن ذلك قولُ الشاعر:

172 - 5- وقائلةٍ: خَوْلانُ فانكِحْ فتاتَهُمْ ... وأُكْرومةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كما هِيا

هكذا سُمع من العربِ تُنْشدُه «يعني برفع» خولان فمع قوله: «يحسن ويستقيم» كيف [يكونُ] طاعناً في الرفع؟ وقولُه: «فإنْ قال سيبويه إلى آخره» فسيبويه لا يقول ذلك، وكيف يقوله وقد رجَّح الرفعَ بما أوضحته، وقوله: «لم يقرأ بها إلا عيسى» ليس كما زعم، بل قرأ بها جماعة كإبراهيم ابن أبي عبلة، وأيضاً فهؤلاء لم يَقْرَؤُوها من تلْقاء أنفسِهم، بل نقلوها إلى أن تتصل بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غايةُ ما في الباب أنها ليست في شهرة الأولى. وعن الثاني: أن سيبويه لم يَدَّعِ ترجيحَ النصبِ حتى يُلْزمَ بما قاله، بل خَرَّج قراءة العامة على جملتين، لِما ذكرت لك فيما تقدم من دخول الفاء، ولذلك لمَّا مَثَّل سيبويه جملةَ الأمرِ والنهي بعد الاسمِ مثَّلهما عاريتين من الفاء، قال: «وذلك قولك:» زيداً اضربْه «» وعمراً امرُرْ به «وعن الثالث: ما تقدم من الحكمةِ المقتضية للمجيء بالفاء وكونها رابطة للحكم بما قبله، وعن الرابع: بالمنع أن يكون بين الرفع والنصب فَرْقٌ بأنَّ الرفعَ يقتضي العلةَ، والنصبَ لا يقتضيه، وذلك أن الآية من باب التعليل بالوصفِ المُرَتَّب عليه الحكمُ، ألا ترى أن قولك:» اقطع السارق «يفيد العلةَ، أي: إنه جَعَلَ علةً القطعِ اتصافَه بالسرقةِ، فهذا يشعر بالعلةِ مع التصريحِ بالنصبِ، وعن الخامس: انهم يُقَدِّمون الأهمَّ حيث اختلفت النسبَةُ الإِسناديةُ كالفاعِل مع المفعولِ، وَلْنَسْرُدْ نصَّ سيبويه ليتبيِّن ما ذكرناه، قال سيبويه:» فإنْ قَدَّمْتَ [المفعول] وأخَّرت الفاعلَ جرى اللفظُ كما جرى في الأول «يعني في:» ضرب عبدُ الله زيداً «قال:» وذلك: ضرب زيداً عبدُ الله، لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدماً، ولم تُرِد أن يشتغل الفعلُ بأولَ منه وإن كان مؤخراً في اللفظ، فمِن ثَمَّ كان حَدُّ اللفظِ أن يكونَ فيه مقدماً وهو عربي جيدٌ كثير، كأنهم يُقَدَّمون الذي بيانُه اهمُّ لهم، وهم ببيانِه أَعْنَى، وإن كانا جميعاً يُهِمَّانِهم ويَعْنِيانهم «والآية الكريمة ليست من ذلك.

قوله: {أَيْدِيَهُمَا} جمعٌ واقعٌ موقعَ التثنيةِ لأمْنِ اللَّبْس، لأنه معلومٌ أنه يُقْطَعُ مِنْ كلِّ سارقٍ يمينه، فهو من باب {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، ويدل على ذلك قراءةُ عبد الله: «فاقطعوا أيمانَهما» واشترط النحويون في وقوعِ الجمع موقعَ التثنية شروطاً، ومن جملتها: ان يكون ذلك الجزءُ المضافُ مفرداً من صاحبِه نحو: «قلوبكما» و «رؤوس الكبشين» لأمن الإِلباس بخلافِ العينين واليدين والرجلين، لو قلت: «فَقَأْتُ أعينَهما» / وأنت تعني عينيهما، و «كَتَّفْتُ أيديَهما» وأنت تعني «يديهما» لم يَجُزْلِلَّبْسِ، فلولا أنَّ الدليل دَلَّ على أن المراد اليدان اليمنيان لَما ساعَ ذلك، وهذا مستفيضٌ في لسانهم - أعني وقوعَ الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] .

وَلْنذكر المسألةَ فنقول: كلُّ جزأين أضيفا إلى كُلَّيْهما لفظاً أو تقديراً وكانا مفردَيْنِ من صاحبيهما جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ: الأحسنُ الجمعُ، ويليه الإِفرادُ عند بعضِهم، وليله التثنيةُ، وقال بعضُهم: الأحسنُ الجمعُ ثم التثينةُ ثم الإِفرادُ نحو: «قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين ورأسَ الكبشين ورأسَيْ الكبشين» ، قال:

172 - 6- ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظهراهُما مثلُ ظهورِ التُّرْسَيْنْ

فقولي: «جزآن» تَحَرُّزٌ من الشين المنفصلين، لو قلت: قبضت دارهمكما «تعني: دِرْهميكما لم يَجُزْ لِلَّبْس، فلو أُمِنَ جاز كقوله: اضرباه باسيافِكما» «إلى مضاجعكما» وقولنا «أُضيفا» تحرُّزٌ من تفرُّقهما كقوله: {على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ} [المائدة: 78] ، وقولنا «لفظاً مثالُه: فإنَّ الإِضافةَ فيه لفظيةٌ. وقولُنا» أو تقديراً «نحو قوله:

172 - 7- رأيت بني البكري في حومة الوغى ... كاغِرَي الأفواهِ عند عَرِين

فإنَّ تقديره: كفاغري أفواهما. وقولنا «مفردين» تحرزٌ من العينين ونحوهما: إنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي تثنيتين، وكان الجمعُ أولى من المفرد لمشاركةِ التثنيةِ في الضم، وبعده المفردُ لعدم الثقل، هذا عند بعضِهم قال: «لأنَّ التثنيةَ لم تَرِدْ إلا ضرورةً كقوله:

172 - 8- هما نَفَثا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما ... على النابحِ العاوي أشدَّ رِجامِ بخلافِ الإِفراد فإنه وَرَدَ في فصيحِ الكلامِ، ومنه:» مَسَح أذنيه ظاهرَهما وباطنَهما «. وقال بعضُهم:» الأَحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ ثم الإِفراد كقوله:

172 - 9- حمامةَ بطنِ الواديَيْن تَرَنَّمي ... سَقاكِ من الغُرَِّ الغوادِي مطيرُها

وقال الزمخشري: «أيديهما: يديهما، ونحوه: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] اكتفى بتثنيةِ المضاف إليه عن تثنيةِ المضاف، وأريد باليدين اليُمْنَيان، بدليلِ قراءة عبد الله:» والسارقون والسارقات فقطعوا أَيْمانهم «وردَّ عليه الشيخ بأنهما ليسا بشيئين، فإنَّ النوعَ الأول مطردٌ فيه وضعُ الجمعِ موضعَ التثينةِ، بخلافِ الثاني فإنه لا ينقاس، لأن المتبادَرَ إلى الذهن من قولك:» قَطَعْتُ آذانَ الزيدين: أربعة الآذان «وهذا الردُّ ليس بشيءٍ لأنَّ الدليلَ دَلَّ على أن المراد اليمنيان.

قوله: {جَزَآءً} فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعلٍ مقدر أي: جازوهما جزاءً. الثاني: أنه مصدر أيضاً لكنه منصوب على معنى نوع المصدر، لأنه قوله:» فاقطعوا «في قوة: جازُوهما بقطع الأيدي جزاء» الثالث: أنه منصوب على الحال، وهذه الحالُ يُحْتمل أن تكونَ من الفاعل أي: مُجازِين لهما بالقطع بسببِ كسبِهما، وأن تكونَ من المضافِ إليه في «أيديهما» أي: في حالِ كونها مجازَيْن، وجاز مجيءُ الحالِ من المضاف إليه لأن المضاف جزؤه كقوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً} [الحجر: 47] . الرابع: أنه مفعولٌ من أجله أي: لأجلِ الجزاءِ، وشروطُ النصبِ موجودةٌ. و «نَكالاً» منصوبٌ كما نُصِب «جزاء» ولم يذكر الزمخشري فيهما غيرَ المفعولِ من أجله. قال الشيخ: «تَبع في ذلك الزجاج» ثم قال: «وليس بجيدٍ، إلاَّ إذا كان الجزاءُ هو النَّكالَ فيكون ذلك طريق البدلِ، وأما إذا كان متباينين فلا يجوز ذلك إلى بوساطة حرف العطف» قلت: النكالُ نوعٌ من الجزاء فهو بدل منه، [على أن الذي ينبغي أن يُقال هنا إن «جزاء» مفعول من أجله، العاملُ فيه] «فاقطعوا» فالجزاءُ علةٌ للأمر بالقطع، و «نَكالاً» مفعول من أجله أيضاً، العاملُ فيه «جزاء» والنكال علة للجزاء، فتكون العلة معللةً بشيء آخرَ فتكونُ كالحال المتداخلة، كما تقول: «ضربته تأديباً له إحساناً إليه» فالتأديبُ علةٌ للضرب والإِحسان علة للتأديب، وكلامُ الزمخشري والزجاج قبله لا يُنافي ما ذكرته، فإِنه لا منافاة بين هذا وبين قولهما «جزاء» مفعولٌ من أجله، وكذلك «نكالاً» فتأمَّلْه، فإنه وجه حسن، فطاحَ الاعتراضُ على الزمخشري والزجاج، والتفصيلُ المذكورُ في قوله: «إلا إذا كان الجزاءُ هو النكال» ثم ظَفِرت بعد ذلك بأنه يجوز في المفعول له أن يَنْصِبَ مفعولاً له آخرَ [يكون علة] فيه، وذلك أنَّ المُعْرِبين أجازوا في قوله تعالى

{أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ الله بَغْياً} [البقرة: 90] أن يكون «بغياً» مفعولاً له، ثم ذكروا في قوله: «أَنْ يُنَزِّل الله» أنه مفعول له ناصبه «بغياً» فهو علةٌ له، صَرَّحوا بذلك فظهر ما قلت؟ و «بما» متعلق ب «جزاء» و «ما» يجوز أن تكون مصدرية أي: بكسبِهما، وأن تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ لاستكمال الشروطِ أي: بالذي كَسَباه، والباء سببية.

5:39Page 114

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩

But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: {مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} : متعلق ب «تاب» و «ظلم» مصدرٌ مصافٌ إلى فاعله أي: من بعد أَنْ ظَلَمَ غيرَه بأخذِ ماله، وهذا واضحٌ، وأجاز بعضُهم أن يكونَ مضافاً للمفعول أي: من بعد أن ظلم نفسَه، وفي جوازِ هذا نظرٌ، إذ يصير التقديرُ: مِنْ بعد أن ظلمه، ولو صَرَّح بهذا الأصلِ لم يجز لأنه يؤدي إلى تعدِّي فعلِ المضمر إلى ضميره المتصل، وذلك لا يجوز إلا في باب ظن وفَقَدَ وعَدِم، كذك قاله الشيخ، وفي نظره نظر، لأنَّا إذا حَلَلْنا المصدرَ لحرف مصدري وفعل فإنما يَأتي بعد الفعل بما يَصِحُّ تقديرُه، وهو لفظُ النفسِ، أي من بعدِ أن ظلَم نفسَه.

5:40Page 114

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٠

Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allāh is over all things competent.

No commentary for this ayah

5:41Page 114

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

قوله تعالى: {لاَ يَحْزُنكَ الذين} : قد تقدَّم أنَّ «يحزن» يُقرأ بفتحِ الياءِ وضَمِّها وأنهما لغتان، وهل هما بمعنًى أو بينهما فرقٌ؟ والنهيُ للذين في الظاهر وهو من بابِ قوله: «لا أُرَيَنَّكَ ههنا» أي: لا تتعاطَ أسباباً يحصُل لك بها حزنٌ من جهتهم، وتقدم لك تحقيق ذلك مراراً، وقول أبي البقاء في «يحزنك» : «والجيد فتح الياء وضم الزاي، ويُقرأ بضم الياء وكسر الزاي من أحزنني وهي لغة» ليس بجيد، لأنها قراءةٌ متواترةٌ، وقد تقدَّم دليلها في آل عمران و «يُسارعون» من المسارعة، و «في الكفر» متعلق بالفعل قبله، وقد تقدَّم نظيرُها في آل عمران. قوله: {مِنَ الذين قالوا} يجوز أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل في «يُسارعون» أي: يُسارعون حالَ كونِهم / بعضَ الذين قالوا، ويجوز أن يكونَ حالاً من نفس الموصول وهو قريبٌ من معنى الأول، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» بياناً لجنس الموصول الأول وكذلك «مِنْ» الثانية، فتكون تبييناً وتقسيماً للذين يُسارعون في الكفر، ويكون «سَمَّاعون» على هذا خبرَ مبتدأ محذوف. و «آمنَّا» منصوبٌ ب «قالوا» وب «أفواههم» متعلق ب «قالوا» لا ب «آمنًّا» بمعنى أنه لم يُجَاوِزْ قولُهم أفواهَهم، إنما نطقوا به غيرَ معتقدين له بقلوِبهم وقوله: {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} جملةٌ حالية.

قوله: {وَمِنَ الذين هِادُواْ} فيه وجهان، أحدُهما: ما تقدم، وهو أن يكونَ معطوفاً على «من الذين قالوا» بياناً وتقسيماً. والثاني: ان يكونَ خبراً مقدماً، و «سَمَّاعون» مبتدأ والتقدير: «ومن الذين هادوا قومٌ سَمَّاعون» فتكونُ جملةً مستأنفة، إلا أنَّ الوجه الأول مُرَجَّح بقراءة الضحاك: «سَمَّاعين» على الذم بفعل محذوف، فهذا يدل على أن الكلامَ ليس جملةً مستقلة، بل قوله: {وَمِنَ الذين هِادُواْ} عطفٌ على «من الذين قالوا» . وقوله «سَمَّاعون» مثال مبالغة، و «للكذب» فيه وجهان، أحدُهما أن اللامَ زائدةٌ، و «الكذب» هو المفعول، أي: سَمَّاعون الكذب، وزيادةُ اللامِ هنا مطردةٌ لكونِ العاملِ فَرْعاً فَقَوِي باللام، ومثلُه: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] . والثاني: على بابها من التعليل، ويكون مفعول «سَمَّاعون» محذوفاً، أي: سَمَّاعون أخباركم وأحاديثم ليكذبوا فيها بالزيادةِ والنقصِ والتبديلِ بأَنْ يُرْجِفوا بقتل المؤمنين في السرايا كما نُقِل من مخازيهم. وقوله: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ} يجوز ان تكون هذه تكريراً للأولى، فعلى هذا يجوز أَنْ يتعلَّقَ قولُه «لقوم» بنفس الكذب أي: يَسْمعون ليكذبوا لأجل قوم، ويجوزُ أن تتعلق اللام بنفس «سَمَّاعون» أي: سَمَّاعون لأجلِ قومٍ لم يأتوك لأنهم لبغضِهم لا يقربون مجلسَك وهم اليهودُ، و «لم يأتوك» في محلِّ جرٍّ لأنه صفة ل «قوم» .

قوله: {يُحَرِّفُونَ} يجوز أن يكونَ صفةً ل «سَمَّاعون» أي: سَمَّاعون مُحَرِّفون، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «سَمَّاعون» ويجوز أن يكون مستأنفاً لا محل له، ويجوز أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف أي: هم مُحَرِّفون، ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ جر صفة ل «قوم» أي: لقوم محرفين. و «من بعد مواضعِه» قد أتقنته في النساء و «يقولون» ك «يحرفون» ويجوز أن يكون حالاً من ضمير «يحرفون» . والجملة الشرطية من قوله: {إِنْ أُوتِيتُمْ} مفعولةٌ بالقول، و «هذا» مفعولٌ ثان لأوتيتم، والأول قائمٌ مقامَ الفاعل، والفاءُ جوابُ الشرطِ وهي واجبةٌ لعدم صلاحيةِ الجزاء لأن يكونَ شرطاً، وكذلك الجملةُ من قوله: {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} وقوله: {وَمَن يُرِدِ} «مَنْ» مفعول مقدم وهي شرطية. وقوله: {فَلَن تَمْلِكَ} جوابه، والفاء أيضاً واجبةٌ لما تقدم، و «شيئاً» مفعولٌ به أو مصدر. و «من الله» متعلقٌ ب «تملكَ» ، وقيل: هو حالٌ من «شيئاً» لأنه صفتُه في الأصل. قوله: {أولئك} مبتدأ، و {لَمْ يُرِدِ الله} جملة فعلية خبره.

5:42Page 115

سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.

وقوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} : يجوز أَنْ يكونَ مكرراً للتوكيد إن كان من وصفِ المنافقين، وغيرَ مكرر إنْ كان مِنْ وصف بني إسرائيل، وإعرابُ مفرداته تقدَّم، ورفعُه على خبر ابتداء مضمر، أي: هم سَمَّاعون وكذلك أكَّالون. و «للسحتِ» في اللام الوجهان المذكوران في قوله: «للكذب» و «السَّحْتُ» الحرامُ، سُمِّي بذلك لأنه يُذْهِبُ البركة ويُمْحَقُها، يقال: سَحَته الله وأسحته، أي: أهلكه وأذهبه، وقد قرئ قوله تعالى: {فَيُسْحِتَكُم} [طه: 61] بالوجهين من سحته وأَسْحته. وقال الفرزدق.

173 - 0- وعضُّ زمانٍ يابنَ مروانَ لم يَدَعْ ... من المالِ إى مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ

وعن الفراء: «السُّحْتُ: كلبُ الجوع» وهو راجعٌ للهلكة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: «السُّحْت» بضم السين وسكون الحاء، والباقون بضمهما، وزيد بن علي وخارجة بن مصعب عن نافع بالفتح وسكون الحاء، وعبيد بن عمير بالكسر والسكون وقُرئ بفتحتين، فالضمتان اسم للشيء المسحوت، والضمة والسكون تخفيفُ هذا الأصل، والفتحتان والكسر والسكونُ اسمٌ له أيضاً، وأمَّا المفتوحُ السين الساكنُ الحاءِ فمصدرٌ أريد به اسمُ المفعول كالصيد بمعنى المصيد، ويجوز أن يكون تخفيفاً من المفتوح وهو ضعيف.

5:43Page 115

وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} : كقوله: {كَيْفَ تُحْيِي الموتى} [البقرة: 260] وقد تقدَّم قولُه: {وَعِنْدَهُمُ التوراة} الواوُ للحالِ، و «التوراة» يجوز أن يكونَ متبدأً والظرفُ خبرُه، ويجوز أَنْ يكونَ الظرفُ حالاً و «التوراة» فاعلٌ به لاعتمادِه على ذي الحال، والجملةُ الاسميةُ أو الفعلية في محل نصب على الحال. وقوله: {فِيهَا حُكْمُ الله} «فيها» خبرٌ مقدم و «حكم» مبتداٌ أو فاعلٌ كما تقدَّم في «التوراة» والجملةُ حال من «التوراة» أو الجار وحده، و «حكم» مصدرٌ مضافٌ لفاعله. وأجاز الزمخشري ألاَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، بل هي مبيِّنة لأنَّ عندهم ما يُغْنيهم عن التحكيمِ، كما تقولُ: «عندكَ زيدٌ ينصحك ويُشير عليك بالصواب فما تصنعُ بغيرِه؟» وقوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ} معطوفٌ على «يحكِّمونك» فهو في سياقِ التعجبِ المفهومِ من «كيف» .

5:44Page 115

إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.

قوله تعالى: {فِيهَا هُدًى} : يحتملُ الوَجْهين المذكورين في قوله: {وَعِنْدَهُمُ التوراة} ف «هُدَى» مبتدأٌ أو فاعلٌ، والجملةُ حالٌ من التوراة. وقوله: {يَحْكُمُ بِهَا} يجوز أن تكونَ جملةً متسأنفة، ويجوز أن تكون منصوبةً المحلِّ على الحال: إمَّا من الضميرِ في «فيها» وإمَّا من التوارة. وقوله: {الذين أَسْلَمُواْ} صفةٌ ل «النبيون» وصفهم بذلك على سبيل المدحِ والثناء لا على سبيلِ التفصيلِ فإنَّ الأنبياءَ كلَّهم مسلمون، وإنما أثنى عليهم بذلك كما تَجْري الأوصافُ على أسماءِ اللَّهِ تعالى. قال الزمخشري: «أُجْرِيَتْ على النبيين على سبيلِ المدحِ كالصفات الجاريةِ على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح، وأُريد بإجرائِها التعريضُ باليهود وأنهم بُعَداءُ من ملةِ الإِسلام الذي هو دينُ الأنبياء كلِّهم في القديم والحديث، فإنَّ اليهودَ/ بمعزل عنها، وقوله: {الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} منادٍ على ذلك» أي دليلٌ على ما ادِّعاه.

قوله: {لِلَّذِينَ هَادُواْ} في هذه اللامِ ثلاثةُ أقوالٍ، أظهرُهما: أنها متعلقةٌ ب «يحكم» فعلى هذا معناها الاختصاصُ، وتشمل مَنْ يحكم له ومَنْ يحكم عليه، ولهذا ادَّعى بعضُهم أنَّ في الكلام حَذْفاً تقدره: «يحكم بها النبيون للذين هادوا وعليهم» ذكره ابن عطية وغيره. والثاني: أنها متعلقةٌ بأنزلنا، أي: أنزلنا التوراةَ للذين هادُوا يحكمُ بها النبيون. والثالث: أنها متعلقةٌ بنفسِ «هُدى» أي: هدى ونور للذين هادوا، وهذا فيه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِه، وعلى هذا الوجهِ يجوز ان يكون «للذين هادوا» صفةً ل «هدى ونور» أي: هدى ونور كائن للذين هادوا، وأولُ هذه الأقوالِ هو المقصودُ.

قوله: {والربانيون} عطفٌ على «النبيون» أي: إنَّ الربانيين - وقد تقدَّم تفسيرُهم في آل عمران - يَحْكُمون أيضاً بمقتضى ما في التوراةِ. والأحبارُ: جمع «حَبرْ» بفتح الحاء وكسرها وهو العالم، وأنكر أبو الهيثم الكسر، والفراء والفتح، وأجاز أبو عبيد الوجهين، واختار الفتحَ، فأمَّا «الحِبْر» الذي يُكْتَبُ به فالبكسر فقط، وأصلُ المادةِ الدلالةُ على التحسين والمسرَّة، وسُمِّي ما يكتب به حِبراً لتحسينِ الخط، وقيل: لتأثيره، ويدلُّ للأول قولُه تعالى: {أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} [الزخرف: 70] أي: تفرحون وتُزَيَّنون وقال أبو البقاء: «وقيل الربانيون [مرفوع] بفعل محذوف أي: ويحكم الربانيون والأحبار بما استُحْفِظوا» انتهى. يعني أنه لَمَّا اختلف متعلَّقٌ الحكم غاير بين الفعلين أيضاً فإنَّ النبيين يحكمُون بالتوارة، والأحبارُ والربانيون يحكمون بما ساتحفظهم اللهُ، وهذا بعيدٌ عن الصواب؛ لأنَّ الذي استحفظهم الله هو مقتضى ما في التوراة، فالنبيون والربانيون حاكمون بشي واحد، على أنه سيأتي أنَّ الضميرَ في «استُحْفِظوا» عائدٌ على النبيين فَمَنْ بعدهم.

قوله: {بِمَا استحفظوا} أجاز أبو البقاء فيه ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنَّ « بما» بدلٌ من قوله «بها» بإعادةِ العامل لطول الفصل، قال: «وهو جائزٌ وإنْ لم يَطُلْ» أي: يجوزُ إعادةُ العامل في البدل وإن لم يَطُلْ، قلت: وإنْ لم يُفْصَلْ أيضاً: الثاني: أن يكون متعلقاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: ويحكم الربَّانيون بما استُحْفِظوا، كما قدمته عنه. والثالث: أنه مفعولٌ به أي: يَحْكُمون بالتوارةِ بسبب استحفاظهم ذلك، وهذا الوجهُ الأخير هو الذي نَحَا إليه الزمخشري فإنه قال: «بما استُحْفِظوا بما سألهم أنبياؤهم حِفْظَه من التوراة، أي: بسبب سؤالِ أنبيائِهم إياهم أَنْ يحفَظُوه من التبديلِ والتغيير» وهذا على أن الضميرَ يعودُ على الربانيين والأحبار دون النبيين، فإنه قَدَّر الفاعلَ المحذوف «النبيين» ، وأجازَ أن يعودَ الضميرُ في «استُحْفِظوا» على النبيين والربانيين والأحبار، وقَدَّر الفاعلَ المنوبَ عنه الباري تعالى أي: بما استحفظهم الله، يعني بما كلَّفهم حِفْظَه.

وقوله: {مِن كِتَابِ الله} قال الزمخشري: «و» مِنْ «في» مِنْ كتاب الله «للتبين» يعني أنها لبيانِ الجنسِ المبهمِ في «بما» فإن «ما» يجوز أن تكونَ موصولةً اسمية بمعنى الذي والعائد محذوف أي: بما استحفظوه، وأن تكونَ مصدريةً أي: باستحفاظهم. وجَوَّز أبو البقاء أن تكونَ حالاً من أحدِ شيئين: إمَّا من «ما» الموصولةِ أو مِنْ عائدها المحذوفِ، وفيه نظرٌ من حيث المعنى. وقوله: «وكانوا» داخل في حَيِّز الصلة أي: وبكونِهم شهداءَ عليه أي: رُقَبَاء لئلا يُبَدِّل، ف «عليه» متعلقٌ ب «شهداء» والضميرُ في «عليه» يعودُ على «كتاب الله» وقيل: على الرسولِ، أي: شهداءَ على نبوتِه ورسالتِه، وقيل: على الحُكْم، والأولُ هو الظاهرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском