As-Samin al-HalabiAl‑An'am · 6:139–145

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:139–145

6:139Page 146

وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩

And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.

قوله تعالى: {خَالِصَةٌ} : الجمهور على «خالصة» بالتأنيث مرفوعاً على أنه خبر «ما» الموصولة، والتأنيث: إمَّا حَمْلاً على المعنى؛ لأن الذي في بطون الأنعام أنعام، ثم حُمِلَ على لفظها في قوله «ومحرَّم» ، وإمَّا لأنَّ التأنيث للمبالغة كهو في عَلاَّمة ونسَّابة وراوية، وإمَّا لأن «خالصة» مصدر على وزن فاعلة كالعاقبة والعافية. وقال تعالى: {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار} [ص: 46] وهذا القول قول الفراء، والأول له أيضاً ولأبي إسحاق الزجاج، والثاني للكسائي، وإذا قيل: إنها مصدر كان ذلك على حذف مضاف أي: ذو خلوصٍ أو على المبالغةِ، أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل كنظائره. وقال الشاعر:

2096 - وكنتِ أُمْنِيَّتي وكنتِ خالصتي ... وليس كلُّ امرِئٍ بمؤتمنِ

وهذا مستفيضٌ في لسانهم: فلان خالصتي أي ذو خلوصي. و «لذكورنا» متعلِّقٌ به، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه وصف لخالصة وليس بالقوي.

وقرأ عبد الله وابن جبير وأبو العالية والضحاك وابن أبي عبلة «خالص» مرفوعاً على ما تقدَّم من غير هاء. و «لذكورنا» متعلق به أو بمحذوف كما تقدَّم. وقرأ ابن جبير أيضاً فيما نقله عنه ابن جني «خالصاً» نصباً من غير تاء، ونصبُه على الحال، وفي صاحبه وجهان أظهرهما: أنه الضمير المستتر في الصلة. الثاني: أنه الضمير المستتر في «لذكورنا» فإنَّ «لذكورنا» على هذه القراءة خبر المبتدأ، وهذا إنما يجوز على مذهب أبي الحسن لأنه يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي نحو: «زيد مستقراً في الدار» ، والجمهور يمنعونه، وقد تقدَّم تحقيق هذه المسألة بتفصيلها ودلائلها.

وقرأ ابن عباس أيضاً والأعرج وقتادة: «خالصةً» نصباً بالتأنيث، والكلام في نصبه وتأنيثه كما تقدم في نظيره، وخرَّجه الزمخشري على أنه مصدر مؤكد كالعاقبة. وقرأ ابن عباس أيضاً وأبو رزين وعكرمة وأبو حيوة: «خالصُه» برفع «خالص» مضافاً إلى ضمير «ما» . ورفعه على أحد وجهين: إمَّا على البدل من الموصول، بدلِ بعض من كل، و «لذكورنا» خبر الموصول، وإمَّا على أنه مبتدأ، و «لذكورنا» خبره والجملة خبر الموصول، وقد عَرَفْتَ ممَّا تقدَّم أنه حيث قلنا: إن «خالصة» مصدر أو هي للمبالغة فليس في الكلام حَمْلٌ على معنى ثم على لفظ، وإن قلنا: إن التأنيث فيها لأجل تأنيث ما في البطون كان في الكلام الحَمْلُ على المعنى أولاً ثم على اللفظ في قوله «مُحَرَّمٌ» ثانياً، وليس لذلك في القرآن نظير، أعني الحمل على المعنى أولاً ثم على اللفظ ثانياً.

إلا أن مكِّيَّاً زعم في غير «إعراب القرآن» له أن لهذه الآية نظائر فذكرها، وأما في إعرابه فلم يذكر أن غيرها في القرآن شاركها في ذلك، فقال في إعرابه «وإنما أَنَّث الخبر/ لأنَّ ما في بطون الأنعام أنعامٌ فحمل التأنيث على المعنى، ثم قال:» ومُحَرَّمٌ «فذكَّر حَمْلاً على لفظِ» ما «، وهذا نادرٌ لا نظير له، وإنما يأتي في» مَنْ «و» ما «حَمْلُ الكلام أولاً على اللفظ ثم على المعنى بعد ذلك فاعرفه فإنه قليل» . وقال في غير «الإِعراب» : «هذه الآية في قراءة الجماعة أَتَتْ على خلاف نظائرها في القرآن؛ لأنَّ كلَّ ما يُحْمل على اللفظ مرةً وعلى المعنى مرة إنما يتبدئ أولاً بالحمل على اللفظ ثم يليه الحَمْل على المعنى نحو: {مَنْ آمَنَ بالله} [البقرة: 62] ثم قال:» فلهم أجرُهم «، هكذا يأتي في القرآن وكلام العرب، وهذه الآية تَقَدَّم فيها الحَمْلُ على المعنى فقال» خالصة «، ثم حُمِلَ على اللفظ فقال:» ومُحرَّمٌ «، ومثله {كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُةً} [الإسراء: 38] في قراءة نافع ومَنْ تابعه فأنَّث على معنى» كل «لأنها اسم لجميع ما تقدَّم ممَّا نهى عنه من الخطايا ثم قال:» عند ربك مكروهاً «فذكَّر على لفظ» كل «وكذلك {مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ} [الزخرف: 13] جَمَعَ الظهور حملاً على معنى» ما «ووحَّد الهاءَ حَمْلاً على لفظ» ما «، وحُكي عن العرب:» هذا الجرادُ قد ذهب فأراحنا مِنْ أَنْفُسِه «جمع الأنفس ووحَّد الهاء وذكَّرها.

قلت: أمَّا قوله» هكذا أتى في القرآن «فصحيح، وأمَّا قوله» وكلام العرب «فليس ذلك بمُسَلَّم؛ إذ في كلام العرب البداية بالحَمْلِ على المعنى، ثم على اللفظ، وإن كان عكسُه هو الكثير، وأمَّا ما جعله نظيرَ هذه الآية في الحَمْل على المعنى أولاً ثم على اللفظ ثانياً فليس بمُسَلَّم أيضاً، وكذلك لا نُسَلِّم أن هذه الآية ممَّا حُمِلَ فيها على المعنى أولاً، ثم على اللفظ ثانياً. وبيان ذلك أنَّ لقائلٍ أن يقول: صلة» ما «جار ومجرور، وهو متعلق بمحذوف فتقدره مسنداً لضمير مذكَّر أي: ما استقرَّ في بطون هذه الأنعام، ويبعد تقديره باستقرَّت، إذا عُرِف هذا فيكون قد حَمَل أولاً على اللفظ في الصلة المقدرة ثم على المعنى ثانياً. وأمَّا» كل ذلك كان سَيِّئةً «فبدأ فيه أيضاً بالحَمْل على اللفظ في قوله» كان «فإنه ذكَّر ضميره المستتر في» كان «ثم حمل على المعنى في قوله» سيِّئة «فأنَّث.

وكذلك «لتَسْتَووا» فإنَّ قبله «ما تركبون» ، والتقدير: ما تركبونه، فحمل العائد المحذوف على اللفظ أولاً ثم حُمِلَ على المعنى ثانياً، وكذلك في قولهم «هذا الجراد قد ذهب» حُمِلَ على اللفظ فأفرد الضمير في «ذهب» ، ثم حُمِلَ على المعنى ثانياً فجمع في قوله «أنفسه» ، وفي هذه المواضع يكون قد حمل فيها أولاً على اللفظ، ثم على المعنى، ثم على اللفظ، وكنتُ قد قَدَّمْتُ أن في القرآن من ذلك أيضاً ثلاثة مواضع: آية المائدة [الآية: 60] : {وَعَبَدَ الطاغوت} ولقمان [الآية: 6] : {وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث} والطلاق [الآية: 11] : {وَمَن يُؤْمِن بالله} قوله: {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} قرأ ابن كثير «يكن» بياء الغيبة مَيْتَةٌ رفعاً، وابن عامر: «تكن» بتاء التأنيث، ميتة رفعاً، وعاصم في رواية أبي بكر «تكن» بتاء التأنيث «ميتةً» نصباً، والباقون «تكن» كابن كثير، «ميتةً» كأبي بكر. والتذكير والتأنيث واضحان لأن الميتة تأنيث مجازي لأنها تقع على الذكر والأنثى من الحيوان فَمَنْ أنَّث فباعتبار اللفظ، ومَنْ ذكَّر فباعتبار المعنى، هذا عند مَنْ يرفع «ميتة» ب «تكن» ، أمَّا من ينصبها فإنه يسند الفعل حينئذٍ إلى ضميرٍ فيذكِّر باعتبار لفظ «ما» في قوله «ما في بطون» ويؤنث باعتبار معناها. ومن نصب «ميتة» فعلى خبر «كان» الناقصة. ومَنْ رفع فيحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون التامة، وهذا هو الظاهر أي: وإن وجد ميتة أو حَدَثَتْ، وأن تكون الناقصة، وحينئذٍ يكون خبرُها محذوفاً أي: وإن يكن هناك أو في البطون ميتة وهذا رأي الأخفش، فيكون تقدير قراءة ابن كثير: وإن يَحْدُثْ حيوان ميتة أو: وإن يكن في البطون ميتة، على حسب التقديرين تماماً ونقصاناً، وتقدير قراءة ابن عامر كتقدير قراءته، إلا أنه أنَّث الفعل باعتبار لفظ مرفوعه، وتقدير قراءة أبي بكر: وإن تكنِ الأنعامُ أو الأجنَّة ميتةً، فأنَّث حَمْلاً على المعنى، وقراءة الباقين كتقدير قراءته إلا أنهم ذكَّروا باعتبار اللفظ، قال أبو عمرو بن العلاء: «ويُقَوِّي هذه القراءةَ يعني قراءة التذكير والنصب قوله» فهم فيه «ولم يقل فيها» . ورُدَّ هذا/ على أبي عمرو بأن الميتة لكل ميت ذكراً كان أو أنثى فكأنه قيل: وإن يكن ميتاً فهم فيه، يعني فلم يَصِرْ له في تذكير الضمير في «فيه» حُجَّةٌ.

ونقل الزمخشري قراءة ابن عامر عن أهل مكة فقال: «قرأ أهل مكة» وإن تكنْ ميتةٌ «بالتأنيث والرفع» فإن عنى بأهل مكة ابن كثير ولا أظنه عناه فليس كذلك وإن عنى غيره فيجوز، على أنه يجوز أن يكون ابن كثير قرأ بالتأنيث أيضاً، لكن لم يُشْتهر عنه اشتهارَ التذكير. وقرأ يزيد «مَيِّتة» بالتشديد. وقرأ عبد الله: «فهم فيه سواء» وأظنها تفسيراً لا قراءةً لمخالفتها السواد.

6:140Page 146

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠

They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.

قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الذين قتلوا} : هذا جواب قسم محذوف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن «قَتَّلوا» بالتشديد مبالغة وتكثيراً، والباقون بالتخفيف، و «سفهاً» نصب على الحال أي: ذوي سَفَهٍ، أو على المفعول من أجله وفيه بُعْدٌ، لأنه ليس علة باعثة أو على أنه مصدر لفعل مقدر أي سفهوا سفهاً، أو على أنه مصدر على غير الصدر؛ لأن هذا القتل سَفَهٌ. وقرأ اليماني «سُفَهاء» على الجمع وهي حال، وهذه تقوِّي كونَ قراءةِ العامة مصدراً في موضع الحال حيث صرَّح بها. و «بغير علم» : إمَّا حال أيضاً، وإمَّا صفةٌ لسفهاً وليس بذاك.

6:141Page 146

۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.

قوله تعالى: {مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ} : منصوب على الحال، وفيها قولان أحدهما: أنها حال مقدرة لأن النخل والزرع وقت خروجِهما لا أَكْلَ فيهما حتى يقال فيه متفق أو مختلف، فهو كقوله {فادخلوها خَالِدِينَ} [الزمر: 73] وكقولهم: «مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً» أي: مقدِّراً الاصطياد به. والثاني: أنها حال مقارنة وذلك على حذف مضاف أي: وثمر النخل وحَبّ الزرع. و «أُكُلُه» مرفوع ب «مختلفاً» لأنه اسم فاعل، وشروط الإِعمال موجودة. والأُكُل: الشيء المأكول، وقد تقدَّم أنه يُقْرأ بضم الكاف وسكونها ومضى تحقيقه في البقرة.

والضمير في «أُكُله» : الظاهر أنه يعود على الزرع فقط: إمَّا لأنه حذف حالاً من النخل لدلالة هذه عليها تقديره: والنخل مختلفاً أكله، والزرع مختلفاً أكله، وإمَّا لأن الزرع هو الظاهر فيه الاختلافُ بالنسبة إلى المأكول منه كالقمح والشعير والفول والحمص والعََدس وغير ذلك. وقيل إنها تعود عليهما، قال الزمخشري: «والضمير للنخل، والزرعُ داخلٌ في حكمه لكونه معطوفاً عليه» . قال الشيخ: «وليس بجيد، لأن العطفَ بالواو لا يُجَوِّزُ إفراد ضمير المتعاطفين» . وقال الحوفي: «والهاء في» أكلُه «عائدةٌ على ذِكْرِ ما تقدَّم من هذه الأشياء المنشآت» ، وعلى هذا الذي ذكره الحوفي لا تختص الحال بالنخل والزرع بل يكون لِما تقدَّم جميعه.

قال الشيخ: «ولو كان كما زعم لكان التركيب» أكلها «، إلا إنْ أُخذ ذلك على حذف مضاف أي: ثمر جنات، وروعي هذا المحذوفُ فقيل:» أُكُلُه «بالإِفراد على مراعاته، فيكون ذلك كقوله:» أو كظلمات في بحر لُجِّيٍّ يغشاه موج «أي: أو كذي ظلمات؛ ولذلك أعاد الضمير في يغشاه عليه» . قلت: فيبقى التقدير: مختلفاً أكل ثمر الجنات وما بعدها، وهذا يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الأُكُل كما تقدم غير مرة أنه الثمر المأكول. قال الزمخشري في الأكل: «وهو ثمره الذي يؤكل» . وقال ابن الأنباري: «إن مختلفاً نُصب على القطع فكأنه قال: والنخل والزرع المختلف أُكُلُهما» وهذا رأي الكوفيين وقد تقدم إيضاحه غير مرة.

وقوله: {والزيتون والرمان} إلى قوله: {إِذَآ أَثْمَرَ} قد تقدم إيضاحه.

قوله «حصادِه» قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان في المصدر لقولهم جَداد وجِداد، وقَطاف وقِطاف، وحَران وحِران. قال سيبويه: «جاؤوا بالمصدر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثالِ فِعال، وربما قالوا فيه فَعال» يعني أن هذا مصدر خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر فإن المصدر الأصلي إنما هو الحصد، فالحصدُ ليس فيه دلالةٌ على انتهاء زمان ولا عدمها بخلاف الحَصاد والحِصاد.

ونسب الفراء الكَسْرَ لأهل الحجاز/ والفتح لتميم ونجد. واختار أبو عبيد الفتح قال: «للفخامة، وإن كانت الأخرى فاشية غير مدفوعة» ، ومكي الكسرَ قال: «لأنه الأصل وعليه أكثر الجماعة» .

وقوله {يَوْمَ حَصَادِهِ} فيه وجهان أحدهما: أنه منصوب ب «آتوا» أي: أعطوا واجبه يوم الحصاد. واستشكل بعض الناس ذلك بأن الإِيتاء إنما يكون بعد التصفية فكيف يوجب الإِيتار في يوم الحصيد؟ وأجيب بأن ثَمَّ محذوفاً والتقدير: إلى تصفيته قالوا: فيكون الحصاد سبباً للوجوب المُوَسَّع والتصفية سبب للأداء، وأحسنُ من هذا أن يكون المعنى: واهتموا بإيتاء الزكاة الواجبة فيه واقصدوه في ذلك اليوم.

والثاني: أنه منصوب بلفظ «حقه» على معنى: وأعطوا ما استحق منه يوم حصاده، فيكون الاستحقاق ثابتاً يوم الحصاد والأداء بعد التصفية، ويؤيد ذلك تقديرُ المحذوف عند بعضهم كما قَدَّمْتُه، وقال في نظير هذه الآية: {انظروا إلى ثَمَرِهِ} [الأنعام: 99] وفي هذه «كُلُوا» قيل: لأن الأولى سِيْقَتْ للدلالة على كمال قدرته وعلى إعادة الأجسام من عُجْب الذَّنَب فأمر بالنظر والتفكُّر في البداية والنهاية، وهذه سِيْقَت في مَعْرِض كمال الامتنان فناسب الأمر بالأكل، وتحصَّل من مجموع الآيتين الانتفاعُ الأخروي والدنيوي، وهذا هو السبب لتقدم النظر على الأمر بالأكل.

6:142Page 146

وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.

قوله تعالى: {حَمُولَةً وَفَرْشاً} : منصوبان على أنهما نُسِقا على جنات أي: وأنشأ من الأنعام حمولة. والحَمولة: ما أطاق الحملَ عليه من الإِبل. والفَرْش صغارُها، هذا هو المشهورُ في اللغة. وقيل: الحَمولة كبارُ الأنعام أعني الإِبل والبقر والغنم، والفَرْش صغارها قال: «ويدل له أنه أبدل منه قولَه بعد ذلك ثمانية أزواج من الضأن» كما سيأتي. وقال الزجاج: «أجمع أهل اللغة على أن الفَرْشَ صغار الإبل، وأنشد:

2097 - أَوْرَثَني حَمولةً وفَرْشاً ... أَمُشُّها في كل يومٍ مَشَّا وقال الآخر:

2098 - وَحَوَيْنا الفَرْشَ مِنْ أنعامكم ... والحَمُولاتِ وربَّاتِ الحجالْ

قال أبو زيد:» يحتمل أن يكون سُمِّيَتْ بالمصدر لأنَّ الفَرْشَ في الأًصل مصدر «. والفَرْش لفظٌ مشترك بين معانٍ كثيرة منها ما تقدَّم، ومنها متاع البيت، والفضاء الواسع، واتساع خفِّ البعيرِ قليلاً، والأرض الملساء، عن أبي عمرو بن العلاء، ونباتٌ يلتصق بالأرض، ومنه قول الشاعر:

2099 - كمِشْفَر الناب تلوك الفَرْشا ... وقيل: الحَمُولة: كلُّ ما حُمِل عليه، من إبل وبقر وبغل وحمار، والفَرْشُ هنا ما اتُّخِذَ من صوفه ووبره وشعره ما يفترش، وأنشدوا للنابغة:

2100 - وحَلَّتْ بيوتي في يَفاعٍ مُمَنَّعٍ ... تَخَالُ به راعي الحَمولَةِ طائرا

وقال عنترة:

2101 - وما راعني إلا حَمُولة أهلها وسطَ الديارِ تَسُفُّ حب الخِمْخِمِ ...

6:143Page 147

ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} : في نصبه ستةُ أوجه، أحسنُها: أن يكونَ بدلاً من «حَمولة وفرشاً» لولا ما نقله الزجاج من الإِجماع المتقدم، ولكن ليس فيه أن ذلك محصورٌ في الإِبل، والقول بالبدل هو قول الزجاج والفراء. والثاني: أنه منصوب ب «كلوا» الذي قبله أي: كلوا ثمانيةَ أزواج، ويكون قوله «ولا تَتَّبِعُوا» إلى آخره كالمعترض بين الفعل ومنصوبه وهو قول علي بن سليمان وقَدَّره: كُلوا لحمَ ثمانية. وقال أبو البقاء: «هو منصوب ب» كلوا «تقديره: كُلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج، ولا تُسْرفوا معترض بينهما» . قلت: صوابه أن يقول: «ولا تتَّبعوا» بدلَ «ولا تسرفوا» لأنَّ «كُلوا» الذي يليه «ولا تسرفوا» ليس منصبّاً على هذا لأنه بعيد منه، ولأنَّ بعده ما هو أَوْلَى منه بالعمل، ويُحتمل أن يكون الناسخ غلط عليه، وإنما قال هو «ولا تَتَّبعوا» ويدل على ذلك أنه قال «تقديره: كلوا ممَّا رزقكم الله» ، وكلوا الأولُ ليس بعده «مما رزقكم» إنما هو بعد الثاني. الثالث: أنه عطف على «جنات» أي: أنشأ جنات وأنشأ ثمانية أزواج، ثم حُذِفَ الفعل وحرف العطف وهو مذهب الكسائي. قال أبو البقاء: «وهو ضعيف» قلت: الأمر كذلك، وقد سُمِع ذلك في كلامهم نثراً ونظماً، ففي النثر قولهم: «أكلت لحماً سمكاً تمراً» وفي نظمهم قول الشاعر:

2102 - ... كيف أصبحتَ كيف أَمْسَيْتَ مِمَّا

يزرَعُ الودَّ في فؤاد الكريمِ ... أي: أكلت لحماً وسمكاً وتمراً، وكيف أصبحت وكيف أمسيت، وهذا على أحد القولين في ذلك. والقول الثاني أنه بدل بداء. ومنه الحديث: «إن الرجلَ ليصلِّي الصلاة، وما كُتِبَ له نصفُها ثلثُها ربعُها إلى أن وصل إلى العَشْر» الرابع: أنه منصوب بفعل محذوف مدلولٍ عليه بما في اللفظ تقديره: كلوا ثمانيةَ أزواج، وهذا أضعفُ ممَّا قبله. الخامس: أنه منصوبٌ على الحال، تقديره: / مختلفةً أو متعددة، وصاحب الحال «الأنعام» فالعامل في الحال ما تعلَّق به الجار وهو «مِنْ» . السادس: أنه منصوب على البدل مِنْ محلِّ «ممَّا رزقكم الله» .

قوله: {مَّنَ الضأن اثنين} في نصب «اثنين» وجهان أحدهما: أنه بدلٌ من «ثمانية أزواج» وهو ظاهرُ قولِ الزمخشري فإنه قال: «والدليل عليه» ثمانية أزواج «ثم فَسَّرها بقوله» من الضأن اثنين «الآية. وبه صَرَّح أبو البقاء فقال:» واثنين بدل من الثمانية وقد عُطِفَ عليه بقية الثمانية «.

والثاني: أنه منصوبٌ بأنشأ مقدَّراً، وهو قول الفارسي، و «مِنْ» تتعلَّق بما نصب «اثنين» .

والجمهور على تسكين همزة «الضأن» وهو جمع ضائن وضائنة كتاجِر وتاجرة وتَجْر، وصاحب وصاحبة وصَحْب، وراكب وراكبة ورَكْب. وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف وعيسى بن عمر «الضَّأَن» بفتحها، وهو إمَّا جمع تكسير لضائن كما يقال خادم وخدم وحارس وحرس وطالب وطَلَب، وإمَّا اسم جمع. ويُجْمع على ضَئين كما يقال: كلب وكليب، قال:

2103 -. . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . فبذَّتْ نَبْلَهمْ وكليبُ

وقيل: الضَّئين والكليب اسما جمع، ويقال ضِئين بكسر الضاد، وكأنها إتباع لكسر الهمزة نحو: بِعير وشِعير بكسر الباء والشين لكسر العين. والضأن معروفٌ وهو ذو الصوف من الغنم، والمعز ذو الشعر منها. وقرأ أبان بن عثمان «اثنان» بالرفع على الابتداء والخبر الجار قبله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر المَعَز بفتح العين، والباقون بسكونها، وهما لغتان في جمع ماعِز، وقد تقدَّم أن فاعِلاً يُجمع على فَعْل تارة وعلى فَعَل أخرى كتاجر وتَجْر وخادِم وخَدَم، وقد تقدَّم تحقيقُه، ويُجْمع أيضاً على مِعْزى، وبها قرأ أُبَيّ، قال امرؤ القيس:

1104 - ألا إنْ لا تكن إِبِلٌ فمِعْزَى ... كأنَّ قُروْنَ جِلَّتِها العِصِيُّ

وقال أبو زيد: إنه يُجْمع على أُمْعوز، وأنشد:

2105 -. . . . . . . . . . . . . . ... كالتَّيْبسِ في أُمْعوِزهِ المُتَرَبِّلِ

ويجمع أيضاً على مَعِيز، وأنشدوا لامرئ القيس:

1106 - ويمنحها بنو شَمَجَى بنِ جَرْمٍ ... معيزَهُمُ حنَانكَ ذا الحَنانِ

والإِبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل واحدُه جمل وناقة وبعير، ولم يجئ اسم على فِعِل عند سيبويه غيره، وزاد غير سيبويه بِكِراً وإِطِلاً ووِتِداً ومِشِطاً، وسيأتي لهذا مزيد بيان في الغاشية إن شاء الله، والنسبة إليه إبَلي بفتح الباء لئلاَّ يتوالَى كسرتان مع ياءين.

قوله: {ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} الذَّكَرَيْن منصوب بما بعده، وسببُ إيلائه الهمزةَ ما تقدم في قوله «أأنت قلتَ للناس» و «أم» عاطفة للأُنْثَيَيْن على الذكرين، وكذلك أم الثانية عاطفة ما الموصولة على ما قبلها فمحلُّها نصبٌ تقديره: أم الذي اشتملت عليه أرحام، فلما التقت الميم ساكنة مع ما بعدها وجَب الإِدغامُ.

6:144Page 147

وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤

And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allāh charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allāh to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people."

و «أم» في قوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} : منقطعة ليست عاطفةً؛ لأن بعدها جملةً مستقلة بنفسها فتُقَدَّر ب بل والهمزة والتقدير: بل أكنتم شهداء. و «إذ» منصوب بشهداء أنكر عليهم ما ادَّعَوْه، وتهكَّم بهم في نسبتهم إلى الحضور في وقتِ الإِيصاء بذلك. و «بهذا» إشارة إلى جميع ما تقدَّم ذِكْرُه من المحرَّمات عندهم.

6:145Page 147

قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٤٥

Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allāh.1 But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."

قوله تعالى: {مُحَرَّماً} : منصوبٌ بقوله «لا أَجِدُ» وهو صفة لموصوف محذوف حُذِفَ لدلالة قوله على «طاعم يَطْعَمُه» والتقدير: لا أجد طعاماً محرَّماً. و «على طاعم» متعلق بمحرَّماً و «يَطْعَمُه» في محل جرّ صفةً لطاعم. وقرأ الباقر ونقلها مكي عن أبي جعفر «يَطَّعِمُه» بتشديد الطاء وأصلها يَطْتَعِمه افتعالاً من الطعم، فأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد طاء للتقارب فوجب الإِدغام. وقرأت عائشة ومحمد بن الحنفية وأصحاب عبد الله بن مسعود «تَطَعَّمه» بالتاء من فوق وتشديد العين فعلاً ماضياً.

قوله {إِلاَّ أَن يَكُونَ} منصوبٌ على الاستثناء وفيه وجهان، أحدهما: أنه متصل قال أبو البقاء: «استثناء من الجنس، وموضعه نصب، أي: لا أجد مُحَرَّماً إلا الميتة» والثاني: أنه منقطع، قال مكي: «وأن يكون في موضع نصب على الاستثناء المنقطع» . وقال الشيخ: «وإلا أن يكون» استثناء منقطع لأنه كون وما قبله عين، ويجوز أن يكون موضعه نصباً بدلاً على لغة تميم ونصباً على الاستثناء على لغة الحجاز «يعني أن الاستثناء/ المنقطع فيه لغتان إحداهما لغة الحجاز وهو وجوبُ النصبِ مطلقاً، ولغة التميميين يجعلونه كالمتصل، فإن كان في الكلام نفي أو شبهه رُجِّح البدلُ، وهنا الكلام نفي فيترجَّح نصبُه عند التميميين على البدل دون النصب على الاستثناء فنصبُه من وجهين، وأمَّا الحجاز فنصبُه عندهم مِنْ وجهٍ واحد، وظاهر كلام أبي القاسم الزمخشري أنه متصل فإنه قال:» محرماً أي: طعاماً محرماً من المطاعم التي حَرَّمتموها، إلا أن يكون ميتة «إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة» وقرأ ابن عامر في رواية: «أوحَى» بفتح الهمزة والحاء مبنياً للفاعل.

وقوله تعالى: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ} وقوله «نَبِّئوني» ، وقوله أيضاً «آلذكرين» ثانياً وقوله «أم كنتم شهداء» جمل اعتراضٍ بين المعدودات التي وقعَتْ تفصيلاً لثمانية أزواج. قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف فصل بين المعدود وبين بعضه ولم يُوالِ بينه؟ قلت: قد وقع الفاصل بينهما اعتراضاً غيرَ أجنبي من المعدود، وذلك أن الله عز وجل مَنَّ على عباده بإنشاء الإِنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج على مَنْ حرَّمها، والاحتجاج على مَنْ حرَّمها تأكيد وتسديد للتحليل، والاعتراضات في الكلام لا تُساق إلا للتوكيد» .

وقرأ ابن عامر «إلا أَنْ تكونَ ميتةٌ» بالتأنيث ورفع ميتة يعني: إلا أن يوجدَ ميتة، فتكون تامة عنده، ويجوز أن تكون الناقصة والخبرُ محذوفٌ تقديره: إلا أن يكون هناك ميتة، وقد تقدَّم أن هذا منقولٌ عن الأخفش في قوله مثل ذلك {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} .

وقال أبو البقاء: «ويُقْرأ برفع» ميتة «على أنَّ» تكون «تامة، وهو ضعيف لأن المعطوف منصوب» . قلت: كيف يُضَعِّف قراءة متواترة؟ وأما قوله «لأن المعطوف منصوب» فذلك غير لازم؛ لأن النصب على قراءة مَنْ رفع «ميتة» يكون نَسَقَاً على محلِّ «أن تكون» الواقعة مستثناةً تقديره: إلا أن يكون ميتة، وإلا دماً مسفوحاً، وإلا لحم خنزير. وقال مكي ابن أبي طالب «وقرأ أبو جعفر» إلا أن تكون «بالتاء، ميتةٌ بالرفع» ، ثم قال: «وكان يلزم أبا جعفر أن يقرأ» أو دمٌ «بالرفع وكذلك ما بعده» . قلت: هذه هي قراءة ابن عامر نسبها لأبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني شيخ نافع وهو محتمل، وقوله «كان يلزمه» إلى آخره هو معنى ما ضَعَّف به أبو البقاء هذه القراءةَ، وقد تقدَّم جوابُ ذلك، واتفق أن ابن عامر يقرأ «وإن تكنْ ميتةٌ» بالتأنيث والرفع وهنا كذلك.

وقرأ ابن كثير وحمزة «تكون» بالتأنيث، «ميتةً» بالنصب على أن اسم «تكون» مضمر عائد على مؤنث أي: إلا أن يكون المأكول، ويجوز أن يعودَ الضميرُ مِنْ «تكون» على «محرَّماً» ، وإنما أنَّث الفعلَ لتأنيث الخبر كقوله {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن} [الأنعام: 23] ينصب «فتنتهم» وتأنيث «تكن» . وقرأ الباقون «يكون» بالتذكير، «ميتة» نصباً، واسم «يكون» يعود على قوله «مُحَرَّماً» أي: إلا أن يكون ذلك المحرَّم. وقدَّره أبو البقاء ومكي وغيرهما: «إلا أن يكون المأكولُ» أو «ذلك ميتة» .

قوله: «أو دماً» «دماً» على قراءةِ العامة معطوفٌ على خبر «يكون» وهو «ميتة» ، وعلى قراءة ابن عامر وأبي جعفر معطوفٌ على المستثنى وهو «أن يكون» وقد تقدم تحرير ذلك. ومسفوحاً صفة ل «دماً» . والسَّفْحُ: «الصَّبُّ. وقيل: السَّيَلان وهو قريب من الأول، وسفح يُستعمل قاصراً ومتعدِّياً يقال: سَفَحَ زيدٌ دمعه ودمه أي: أهراقَه وسفح هو، إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر ففي المتعدي يقال: سَفْح، وفي اللازم يقال سُفُوح، ومن التعدِّي قوله تعالى: {أو دماً مسفوحاً} فإن اسم المفعول التام لا يُبْنى إلا مِنْ متعدٍّ، ومن اللزوم ما أنشده أبو عبيدة لكثير عزة:

2107 - أقول ودَمْعي واكفٌ عند رسمها ... عليك سلامُ الله والدمعُ يَسْفَح

قوله:» أو فِسْقاً «فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه عطف على خبر يكون أيضاً أي: إلا أن يكون فسقاً.

و «أُهِلَّ» في محل نصب لأنه صفة له كأنه قيل: أو فِسْقاً مُهَلاًّ به لغير الله، جعل العينَ المحرَّمة نفسَ الفسق مبالغة، أو على حذف مضاف ويُفَسِّره ما تقدَّم من قوله: / {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] . الثاني: أنه منصوب عطفاً على محل المستثنى أي: إلا أن يكون ميتة أو إلا فسقاً. وقوله «فإنه رجْسٌ» اعتراض بين المتعاطفين. والثالث: أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه قوله «أُهِلَّ» مقدَّم عليه، ويكون قد فصل بين حرف العطف وهو «أو» وبين المعطوف وهو الجملة من قوله «أُهِلَّ» بهذا المفعول من أجله، ونظيره في تقديم المفعول له على عامله قوله:

2108 - طَرِبْتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ ... ولا لَعِباً مني وذو الشيب يَلْعَبُ

و «أُهِلَّ» على هذا الإِعراب عَطْفٌ على «يكون» ، والضمير في «به» عائد على ما عاد عليه الضمير المستتر في «يكون» ، وقد تقدَّم تحقيقُه، قاله الزمخشري. إلا أن الشيخ تَعَقَّب عليه ذلك فقال: «وهذا إعرابٌ متكلَّف جداً وتركيب على هذا الإِعراب خارج عن الفصاحة وغيرُ جائزٍ على قراءةِ مَنْ قرأ {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} بالرفع، فيبقى الضمير في» به «ليس له ما يعود عليه، ولا يجوز أن يُتكلَّفَ محذوفٌ حتى يعود الضمير عليه، فيكون التقدير: أو شيء أهِلَّ لغير الله به؛ لأنَّ مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر» . قلت: يعني بذلك أنه لا يُحذف الموصوف والصفة جملة إلا إذا كان في الكلام «مِنْ» التبعيضية كقولهم: «منا ظَعَنَ ومنا أقام» أي: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام، فإن لم يكن فيه «مِنْ» كان ضرورة كقوله: 2109 - تَرْمي بكفَّيْ كان مِنْ أرمى البشَرْ ... أي: بكفَّيْ رجل، وهذا رأي بعضهم، وأمَّا غيره فيقول: متى دل دليل على الموصوف حذف مطلقاً، فقد يجوز أن يرى الزمخشري هذا الرأي.

وقوله: «فإنه» الهاء فيها خلاف، والظاهر عَوْدُها على «لحم» المضاف لخنزير. وقال ابن حزم: «إنها تعود على خنزير لأنه أقرب مذكور» ورُجِّح الأول بأن اللحم هو المحدِّث عنه، والخنزير جاء بعرَضيَّة الإِضافة إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: «رأيت غلام زيد فأكرمته» أن الهاء تعود على الغلام لأنه المحدَّث عنه المقصودُ بالإِخبار عنه، لا على زيد؛ لأنه غير مقصود. ورُجِّح الثاني بأن التحريم المضاف للخنزير ليس مختصاً بلحمه بل شحمُه وشعره وعظمه وظِلْفُه كذلك، فإذا أعدنا الضمير على خنزير كان وافياً بهذا المقصود، وإذا أَعَدْنا على «لحم» لم يكن في الآية تعرُّضٌ لتحريم ما عدا اللحمَ مما ذكر. وقد أُجيب عنه بأنه إنما ذُكِر اللحم دون غيره، وإن كان غيرُه مقصوداً بالتحريم؛ لأنه أهمُّ ما فيه وأكثر ما يُقصد منه اللحم، كما ذلك في غيره من الحيوانات، وعلى هذا فلا مفهوم لتخصيص اللحم بالذِّكر، ولو سُلِّم فإنه يكون من باب مفهوم اللقب وهو ضعيف جداً. وقوله «فإنه رِجْسٌ» : إمَّا على المبالغة بأَنْ جُعل نفس الرجس، أو على حَذْفِ مضاف وله نظائر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском