As-Samin al-HalabiAl‑An'am · 6:146–151

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:146–151

6:146Page 147

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ١٤٦

And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their transgression. And indeed, We are truthful.

قوله تعالى: {وَعَلَى الذين هَادُواْ} : متعلق بحرَّمْنا، وهو يُفيد الاختصاص عند بعضهم كالزمخشري والرازي، وقد صَرَّح به الرازي هنا أعني تقديمَ المعمول على عامله.

وفي «الظفر» لغات خمس، أعلاها: ظُفُر وهي قراءة العامة، وظُفْر بسكون العين وهي تخفيف المضمومها، وبها قرأ الحسن في روايةٍ وأبي بن كعب والأعرج، وظِفِر بكسر الظاء والفاء، ونسبها الواحدي لأبي السمَّال قراءةً، وظِفْر بكسر الظاء وسكون الفاء وهي تخفيف المكسورها، ونسبها الناس للحسن أيضاً قراءة، واللغة الخامسة أُظْفور ولم يُقرأ بها فيما علمت، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:

2110 - ما بين لُقْمَتِها الأولى إذا انحدَرَتْ ... وبين أخرى تليها قِيْدُ أُظْفورِ

وجمع الثلاثي أظفار، وجمع أظفور أظافير وهو القياس، وأظافر من غير مدّ وليس بقياس، وهذا كقوله:

2111 -. . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . العينين والعواوِرِ

وقد تقدَّم تحقيق ذلك في قوله مفاتح الغيب.

قوله: «ومن البقر» فيه وجهان أحدهما: أنه معطوف على «كل ذي» فتتعلق «مِنْ» بحرَّمنا الأولى لا الثانية، وإنما جيء بالجملة الثانية مفسرة لما أبهم في «من» التبعيضية مِن المحرم فقال: «حَرَّمْنا عليهم شحومهما» والثاني: أن يتعلق بحرَّمْنا المتأخرة والتقدير: / وحرَّمنا على الذين هادوا من البقر والغنم شحومهما، فلا يجب هنا تقديم المجرور بها على الفعل، بل يجوز تأخيره كما تقدَّم، ولكن لا يجوز تأخيره عن المنصوب بالفعل فيقال: حرَّمنا عليهم شحومَهما من البقر والغنم لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة. وقال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون» مِن البقر «متعلقاً ب» حَرَّمنا «الثانية» . قال الشيخ: «وكأنه توهَّم أنَّ عَوْد الضمير مانع من التعلق، إذ رتبةُ المجرور ب مِنْ التأخير لكن عَمَّاذا؟ أما عن الفعل فمسلَّم، وأما عن المفعول فغير مُسَلَّم» يعني أنه إن أراد أنَّ رتبة قوله «من البقر» التأخير عن شحومهما فيصير التقدير: حرَّمْنا عليهم شحومهما من البقر فغير مُسَلَّم. ثم قال الشيخ: «وإن سَلَّمنا أنَّ رُتْبَتَه التأخير عن الفعل والمفعول فليس بممنوع بل يجوز ذلك كما جاز:» ضرب غلامَ المرأة أبوها «و» غلامَ المرأة ضرب أبوها «، وإن كانت رتبة المفعول التأخير، لكنه وجب هنا تقديمه لعود الضمير الذي في الفاعل الذي رتبتُه التقديم عليه فكيف بالمفعول الذي هو والمجرور في رتبة واحدة؟ أعني في كونِهما فضلةً فلا يُبالى فيهما بتقديم أيِّهما شِئْتَ على الآخر، قال الشاعر:

2112 -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... وقد رَكَدَتْ وسطَ السماء نجومُها

فقدَّم الظرفَ وجوباً لعود الضمير الذي اتصل بالفاعل على المجرور بالظرف» . قلت: لقائلٍ أن يقول لا نُسَلِّم أن أبا البقاء إنما مَنَعَ ذلك لِما ذكره حتى يُلْزَمَ بما ألزمته بل قد يكون منعه لأمر معنوي.

والإِضافة في قوله «شحومهما» تفيد الدلالة على تأكيد التخصيص والربط، إذ لو أتى في الكلام «من البقر والغنم حرَّمْنا عليهم الشحوم» لكان كافياً في الدلالة على أنه لا يُراد إلا شحومُ البقر والغنم، هذا كلام الشيخ وهو بَسْطُ ما قاله الزمخشري فإنه قال: «ومن البقر والغنم حَرَّمْنا عليهم شحومهما كقولك:» مِنْ زيد أخذت ماله «تريد بالإِضافة زيادة الربط.

قوله: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} » ما «موصولة في محل نصب على الاستثناء المتصل من الشحوم أي: إنه لم يُحَرِّم الشحم المحمول على الظهر، ثم إن شئت جعلت هذا الموصول نعتاً لمحذوف أي: إلا الشحم الذي حملته ظهورهما، كذا قدَّره الشيخ، وفيه نظر، لأنه هو قد نَصَّ على أنه لا يُوصف ب» ما «الموصولة وإن كان يُوصف بالذي، وقد ردَّ هو على غيره بذلك في مثل هذا التقدير، وإن شِئْتَ جَعَلْته موصوفاً بشيء محذوف أي: إلا الذي حملته ظهورهما من الشحم، وهذا الجارُّ هو وصف معنوي لا صناعي فإنه لو أظهر كذا لكان إعرابه حالاً.

وقوله» ظهورهما «يحتمل أن يكون من باب {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] بالنسبة إلى ضمير البقر والغنم من غير نظر إلى جمعيتهما في المعنى، ويحتمل أن يكون جَمَعَ» الظهور «لأن المضاف إليه جمع في المعنى، فهو مثل» قَطَعْت رؤوس الكبشين «فالتثنية في مثل هذا ممتنعة.

قوله: {أَوِ الحوايآ} في موضعها من الإِعراب ثلاثة أوجه، أحدها: وهو قول الكسائي أنها في موضع رفع عطفاً على» ظهورهما «أي: وإلا الذي حَمَلَتْه الحوايا من الشحم فإنه أيضاً غير محرَّم، وهذا هو الظاهر. الثاني: أنها في محل نصب نسقاً على» شحومهما «أي: حَرَّمْنا عليهم الحوايا أيضاً أو ما اختلط بعظم فتكون الحوايا والمختلط مُحَرَّمَيْن، وسيأتي تفسيرهما، وإلى هذا ذهب جماعة قليلة، وتكون» أو «فيه كالتي في قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} يُراد بها نفي ما يدخل عليه بطريق الانفراد كما تقول:» هؤلاء أهلٌ أن يُعْصَوا فاعصِ هذا أو هذا «فالمعنى: حَرَّم عليهم هذا وهذا. وقال الزمخشري:» أو بمنزلتها في قولهم: «جالس الحسن أو ابن سيرين» .

قال الشيخ: «وقال النحويون» أو «في هذا المثال للإِباحة فيجوز له أن يجالسهما وأن يجالس أحدهما، والأحسن في الآية إذا قلنا إن» الحوايا «معطوف على» شحومهما «أن تكون» أو «/ فيه للتفصيل فصَّل بها ما حَرَّم عليهم من البقر والغنم» .

قلت: هذه العبارة التي ذكرها الزمخشري سبقه إليها أبو إسحاق فإنه قال: «وقال قوم: حُرِّمت عليهم الثُروب وأُحِلَّ لهم ما حملت الظهور، وصارت الحوايا أو ما اختلط بعظم نسقاً على ما حرَّم لا على الاستثناء، والمعنى على هذا القول: حُرِّمَتْ عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير مُحَرَّم، وأدخلت» أو «على سبيل الإِباحة كما قال تعالى {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} [الإِنسان: 24] ، والمعنى: كل هؤلاء أهلٌ أن يُعْصَى فاعصِ هذا أو اعص هذا، و» أو «بليغةٌ في هذا المعنى لأنك إذا قلت:» لا تُطع زيداً وعمراً «فجائز أن تكون نَهَيْتَني عن طاعتهما معاً في حالة، فإذا أطعتُ زيداً على حِدَته لم أكن عاصياً، وإذا قلت: لا تُطع زيداً أو عمراً أو خالداً فالمعنى: أن كل هؤلاء أهل أن لا يُطاع فلا تُطِع واحداً منهم ولا تطع الجماعة، ومثلُه: جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي، فليس المعنى: أني آمرك بمجالسةِ واحدٍ منهم، فإنْ جالَسْتَ واحداً منهم فأنت مصيب، وإن جالَسْتَ الجماعة فأنت مصيب. وأمَّا قوله» فالأحسن أن تكون «أو» فيه للتفصيل «فقد سَبَقه إلى ذلك أبو البقاء فإنه قال: و» أو «هنا بمعنى الواو لتفصيل مذاهبهم أو لاختلاف أماكنها، وقد ذكرناه في قوله {كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى} [البقرة: 135] . وقال ابن عطية ردَّاً على هذا القول أعني كون الحوايا نسقاً على شحومهما:» وعلى هذا تدخل الحوايا في التحريم، وهذا قولٌ لا يعضُده لا اللفظ ولا المعنى بل يدفعانه «ولم يبيِّن وجهَ الدفع فيهما. الثالث: أن» الحوايا «في محل نصب عطفاً على المستثنى وهو ما حَمَلَتْ ظهورُهما كأنه قيل: إلا ما حملت الظهور أو إلا الحوايا أو إلا ما اختلط، نقله مكي، وأبو البقاء بدأ به ثم قال:» وقيل: هو معطوف على الشحوم «. ونقل الواحدي عن الفراء أنه قال:» يجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير حذف المضاف على أن يريد أو شحوم الحوايا فيحذف الشحوم ويكتفي بالحوايا كما قال تعالى: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] يريد أهلها، وحكى ابن الأنباري عن أبي عبيد أنه قال: قلت للفراء: هو بمنزلة قول الشاعر:

2113 - لا يَسْمعُ المرءُ فيها ما يُؤَنِّسُهُ ... بالليل إلا نئيمَ البُوْمِ والضُّوَعا

فقال لي: نعم، يذهب إلى أن «الضوع» عطف على «النئيم» ولم يعطف على «البوم» ، كما عُطِفت الحوايا على «ما» ولم تعطف على الظهور. قلت: فمقتضى ما حكاه ابن الأنباري أن تكون «الحوايا» عطفاً على «ما» المستثناة، وفي معنى ذلك قَلَقٌ بَيِّنٌ.

هذا ما يتعلق بإعرابها، وأما ما يتعلق بمدلولها فقيل: هي المباعر، وقيل: المصارين والأمعاء، وقيل: كل ما تحويه البطن فاجتمع واستدار، وقيل: هي الدوارة التي في بطن الشاة. واختُلِفَ في مفرد «الحوايا» فقيل: حاوية كضاربة وقيل: حَوِيَّة كطريفة وقيل: حاوياء كقاصِعاء. وقد جوَّز الفارسي أن يكون جمعاً لكل واحد من الثلاثة يعني أنه صالح لذلك. وقال ابن الأعرابي: هي الحَوِيَّة والحاوية ولم يذكر الحاوياء. وذكر ابن السكيت الثلاثة فقال «يقال: حاوية وحوايا مثل زاوية وزوايا، وراوية وروايا» ومنهم من يقول حَوِيَّة وحوايا مثل الحَوِيَّة التي توضع على ظهر البعير ويُركب فوقها، ومنهم مَنْ يقول لواحدتها «حاوياء» وأنشد قول جرير:

2114 - تَضْغُو الخَنانيصُ والغُول التي أكلَتْ ... في حاوِيَاءِ رَدُومِ الليل مِجْعارِ

وأنشد أبو بكر ابن الأنباري:

2115 - كأنَّ نقيق الحَبّ في حاويائه ... فحيحُ الأفاعي أو نقيقُ العقارب

فإن كان مفردها حاوية فوزنُها فواعل كضاربة وضوارب ونظيرها في المعتل: زاوية وزوايا وراوية وروايا، والأصل حواوي كضوارب فقلبت الواو التي هي عين الكلمة همزة لأنها تالي حرفي لين اكتنفا مدة مَفاعِل، فاسْتُثقِلت همزة مكسورة فقُلِبَتْ ياءً فاستثقلت الكسرة على الياء فجُعِلَتْ فتحة، فتحرك حرف العلة وهو الياء التي هي لام الكلمة بعد فتحةٍ فقُلِبَتْ ألفاً فصارت حوايا، وإن شئت قلت: قُلِبَتْ الواو همزة مفتوحة فتحرَّكَتْ الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، فصارت همزة مفتوحة بين ألفَيْن يشبهانها فقلبت الهمزة ياء، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في قوله {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58] / واختلافُ أهل التصريف في ذلك، وكذلك إذا قلنا مفردها «حاوياء» كان وزنها فواعل أيضاً كقاصِعاء وقواصِع وراهِطاء ورواهِط، والأصل حواوي أيضاً فَفُعِل به ما فُعل فيما قبله، وإن قلنا إن مفردها حَوِيَّة فوزنها فعائل كطرائف، والأصل حوائي فقُلِبت الهمزةُ ياءً مفتوحة، وقُلبت الياء التي هي لام ألفاً فصار اللفظ «حوايا» أيضاً فاللفظُ متَّحد والعمل مختلف.

وقوله «أو ما اختلط بعظم» فيه ما تقدَّم في حوايا، ورأى الفراء فيه أنه منصوبٌ نَسَقاً على «ما» المستثناة في قوله «إلا ما حَمَلَتْ ظهورهما» والمراد به الأَلْيَة وقيل: هو كلُّ شحمٍ في الجَنْب والعين والأذن والقوائم.

قوله: {ذلك جَزَيْنَاهُم} فيه أوجهٌ أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: الأمر ذلك، قاله الحوفي ومكي وأبو البقاء. الثاني: أنه مبتدأٌ، والخبر ما بعده، والعائد محذوف، أي: ذلك جزيناهموه، قاله أبو البقاء وفيه ضعف، من حيث إنه حَذَفَ العائد المنصوب وقد تقدَّم ما في ذلك في المائدة عند قوله {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُون} [الآية: 50] ، وأيضاً فقدَّر العائد متصلاً، وينبغي أن لا يُقَدَّر إلا منفصلاً ولكنه يشكل حَذْفُه وقد تقدم تحقيقه أول البقرة.

وقال ابن عطية: «ذلك في موضع رفع» ولم يبيِّنْ على أي الوجهين المتقدمين وينبغي أن يُحْمَلَ على الأول لضعف الثاني. الثالث: أنه منصوب على المصدر، وهو ظاهر كلامِ الزمخشري فإنه قال: «ذلك الجزاء جزيناهم وهو تحريم الطيبات» . إلا أن هذا قد ينخدش بما نقله ابن مالك وهو أن المصدر إذا أشير إليه وَجَبَ أن يُتْبع ب «ذلك» المصدرُ فيقال: «ضربت ذلك الضرب» و «قمت هذا القيام» ولو قلت: «ضربت زيداً ذلك» و «قمت هذا» لم يَجُزْ، ذكر ذلك في الرد على من أجاب عن قول المتنبي:

2116 - هذي بَرَزْتِ فَهِجْتِ رسيسا ... ثم انصرفْتِ وما شَفَيْتِ نسيسا

فإنهم لَحَّنوا المتنبي من حيث إنه حذف حرف النداء من اسم الإِشارة إذ الأصل: يا هذي، فأجابوا عنه بأنَّا لا نُسَلِّم أن «هذي» منادى بل إشارةٌ إلى المصدر كأنه قال: بَرَزْتِ هذي البَرْزة. فردَّ ابن مالك هذا الجواب بأنه لا يَنْتَصِبُ اسم الإِشارة مشاراً به إلى المصدر إلا وهو متبوع بالمصدر. وإذا سُلِّم هذا فيكون ظاهر قول الزمخشري «إنه منصوب على المصدر» مردوداً بما رُدَّ به الجوابُ عن بيت أبي الطيب، إلا أنَّ رَدَّ ابن مالك ليس بصحيح لورود اسم الإِشارة مشاراً به إلى المصدر غيرَ متبوع به، قال الشاعر: 2117 - يا عمرُو إنك قد مَلِلْت صَحابتي ... وصحابَتيك إخالُ ذاك قليلُ

قال النحويون: «ذاك» إشارة إلى مصدر «خال» المؤكِّد له، وقد أنشده هو على ذلك.

الرابع: أنه منصوب على أنه مفعولٌ ثانٍ قُدِّم على عامله لأنَّ «جزى» يتعدَّى لاثنين، والتقدير: جَزَيْناهم ذلك التحريم. وقال أبو البقاء ومكي: إنه في موضع نصب بجَزَيْناهم، ولم يُبَيِّنا على أي وجه انتصب: هل على المفعول الثاني أو المصدر؟

وقوله {لَصَادِقُونَ} معمولُه محذوفٌ أي: لصادقون في إتمام جزائهم في الآخرة إذ هو تعريضٌ بكذبهم حيث قالوا: نحن مُقْتدون في تحريم هذه الأشياءِ بإسرائيل والمعنى: لَصادقون في إخبارنا عنهم ذلك، ولا يقدَّر له معمول أي: من شأننا الصدق. والضمير في «كذَّبوك» الظاهر عَوْدُه على اليهود لأنهم أقرب مذكور. وقيل: يعود على المشركين لتقدُّم الكلام معهم في قوله {نَبِّئُونِي بِعِلْم} [الأنعام: 143] و {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآء} [الأنعام: 144] .

6:147Page 148

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٤٧

So if they deny you, [O Muḥammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."

وقوله تعالى: {ذُو رَحْمَةٍ} : جيء بهذه الجملة اسمية وبقوله {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} فعليةً تنبيهاً على مبالغة سَعَة الرحمة، لأن الاسمية أدلُّ على الثبوت والتوكيد من الفعلية. وقوله: {عَنِ القوم المجرمين} يحتمل أن يكون مِنْ وَضْع الظاهر موضعَ المضمر تنبيهاً على التسجيل عليهم بذلك، والأصل: ولا يُرَدُّ بأسُه عنكم. وقال أبو البقاء: «فإن كَذَّبوك» شرط، جوابه « فقل ربكم ذو رحمة واسعة» والتقدير: فقل يصفح عنكم بتأخير العقوبة «وهذا تفسير معى لا إعراب.

6:148Page 148

سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ ١٤٨

Those who associated [others] with Allāh will say, "If Allāh had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but misjudging."

وقوله تعالى: {وَلاَ آبَاؤُنَا} : عطف على الضمير المرفوع المتصل/ ولم يأتِ هنا بتأكيد بضمير رفع منفصل ولا فاصل بين المتعاطفين اكتفاءً بوجود «لا» الزائدة للتأكيد فاصلة بين حرف العطف والمعطوف، وهذا هو على قواعد البصريين. وأمَّا الكوفيون فلا يشترطون شيئاً من ذلك وقد تقدَّم إتقان هذه المسألة.

وفي هذه الآية لم يُؤَّكَّد الضمير وفي آية النحل أكَّد فقال تعالى: {مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا} [النحل: 35] ، وهناك أيضاً قال «من دونه» مرتين وهنا قالها مرة واحدة فقال الشيخ: «لأنَّ لفظَ العبادة يَصِحُّ أن ينسب إلى إفراد الله بها، وهذا ليس بمستنكرٍ، بل المستنكرُ عبادةُ غير الله أو شيءٍ مع الله فناسب هنا ذكر» من دونه «مع العبادة، وأمَّا لفظ» ما أشركنا «فالإِشراك يدلُّ على إثبات شريك فلا يتركَّب مع هذا الفعلِ لفظُ» من دونه «لو كان التركيب في غير القرآن» ما أشركنا مِنْ دونه «لم يصِحَّ المعنى، وأمَّا» من دونه «الثانية فالإِشراك يدلُّ على تحريم أشياء وتحليل أشياء فلم يَحْتَجْ إلى لفظ» من دونه «وأمَّا لفظ العبادة فلا يدلُّ على تحريم شيء كما يدل عليه لفظ» أشرك «فقيَّد بقوله» من دونه «، ولمَّا حَذَفَ» مِنْ دونِه «هنا ناسب أن يحذف» نحن «ليطَّرِدَ التركيب في التخفيف» . قلت: وفي هذا الكلام نظرٌ لا يَخْفى. وقوله «من شيء» : «مِنْ» زائدة في المفعول أي: ما حَرَّمنا شيئاً، و «مِنْ دونه» متعلق بحرَّمْنا أي: ما حرَّمنا من غير إذنه لنا في ذلك. و «كذلك» نعت لمصدر محذوف أي: مثل التكذيب المشار إليه في قوله «فإن كَذَّبوك» . وقرئ «كَذَب» بالتخفيف.

وقوله: {حتى ذَاقُواْ} جاء به لامتداد التكذيب أو الكذب، وقوله «مِنْ علم» : يحتمل أن يكون مبتدأ و «عندكم» خبر مقدم، وأن يكون فاعلاً بالظرف لاعتماده على الاستفهام، و «مِنْ» زائدة على كلا التقديرين. وقرأ النخعي وابن وثاب «إن يتَّبعون» بياء الغيبة، قال ابن عطية: «وهذه قراءة شاذة يُضَعِّفها قولُه {وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} يعني أنه أتى بعدها بالخطاب فبَعُدَتْ الغيبةُ. وقد يُجاب عنه بأن ذلك من باب الالتفات.

6:149Page 148

قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٤٩

Say, "With Allāh is the far-reaching [i.e., conclusive] argument. If He had willed, He would have guided you all."

وقوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ} : بين «قل» وبين «فلله» شيء محذوف، فقدَّره الزمخشري شرطاً جوابه: فلله. قال: «فإن كان الأمرُ كما زعمتم مِنْ كونكم على مشيئة الله فلله الحجة» . وقَدَّره غيره جملةً اسمية والتقدير: قل أنتم لا حُجَّةَ لكم على ما ادَّعَيْتُمْ فلله الحجة البالغة عليكم.

6:150Page 148

قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١٥٠

Say, [O Muḥammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allāh has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

قوله تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} : «هلمَّ» هنا اسم فعل بمعنى أحْضِروا، و «شهداءَكم» مفعول به، فإن اسم الفعل يعمل عَمَلَ مُسَمَّاه من تَعَدٍّ ولُزوم. واعلم أنَّ «هلمَّ» فيها لغتان لغةُ الحجازيين ولغة التميميين: فأمَّا لغة الحجاز فإنها فيها بصيغةٍ واحدةٍ سواء أُسْنِدَتْ لمفرد أم مثنى أم مجموع أم مؤنث نحو: هلمَّ يا زيد يا زيدان يا زيدون يا هند يا هندان يا هندات، وهي على هذه اللغة عند النحاة اسم فعل لعدم تغيُّرِها، والتزمت العرب فَتْحَ الميم على هذه اللغة وهي حركة بناء بُنِيت على الفتح تخفيفاً، وأمَّا لغة تميم وقد نسبها الليث إلى بني سعد فتلحقها الضمائر كما تَلْحق سائر الأفعال فيُقال: هلمَّا هلمُّوا هلمِّي هَلْمُمْن. وقال الفراء: «يقال هَلُمِّين يا نسوة» وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرَّف. هذا قول الجمهور، وقد خالفَ بعضُهم في فعليَّتها على هذه اللغة وليس بشيء، والتزمت العرب أيضاً فيها على لغة تميم فَتْحَ الميم إذا كانت مسندةً لضمير الواحد المذكر، ولو يُجيزوا فيها ما أجازوا في ردَّ وشدَّ من الضم والكسر.

واختلف النحويون فيها: هل هي بسيطة أو مركبة؟ ثم القائلون بتركيبها اختلفوا فيما رُكِّبت منه: فجمهور البصريين على أنها مركبة من «ها» التي للتنبيه، ومن «المم» أمراً مِنْ لَمَّ يَلُمُّ، فلما ركِّبتا حُذِفَتْ ألف «ها» لكثرة الاستعمال، وسقطت همزة الوصل للاستغناء عنها بحركة الميم المنقولة إليها لأجل الإِدغام، وأدغمت الميم في الميم، وبُنيت على الفتح فقيل: بل نُقِلت حركة الميم للام فسقطت الهمزةُ للاستغناء عنها فلما جيء ب «ها» التي للتنبيه التقى ساكنان: ألف ها واللام مِنْ «لَمَّ» لأنها ساكنة تقديراً، ولم يَعْتَدُّوا بهذه الحركة لأنَّ حركة النقل عارضة، فحذفت ألفُ «ها» لالتقاء الساكنين تقديراً. وقيل: بل حذفت ألف «ها» لالتقاء الساكنين، وذلك أنه لَمَّا جيء بها مع الميم سَقَطَتْ همزة الوصل في الدرج فالتقى ساكنان: ألف «ها» ولام «المم» / فحُذِفت ألف «ها» فبقي هَلْمُم، فنُقِلَتْ حركة الميم إلى اللام وأدغمت. وذهب بعضهم إلى أنها مركبة من «ها» التي للتنبيه أيضاً ومن «لَمّ» أمراً مِنْ «لَمَّ الله شَعْثَه» أي جمعه، والمعنى عليه في هلم، لأنه بمعنى: اجمع نفسك إلينا، فحُذِفت ألف «ها» لكثرة الاستعمال، وهذا سهلٌ جداً، إذ ليس فيه إلا عملٌ واحد هو حَذْفُ ألف «ها» وهو مذهب الخليل وسيبويه. وذهب الفراء إلى أنها مركبة من هل التي للزجر ومن أمّ أمراً من الأَمّ وهو القصد، وليس فيه إلا عملٌ واحد وهو نقل حركة الهمزة إلى لام هل. وقد رُدَّ كل واحد من هذه المذاهب بما يطول الكتاب بذكره من غير فائدة. و «هَلُمَّ» تكون متعدية بمعنى أَحْضِر، ولازمةً بمعنى أقبلْ، فمَنْ جَعَلَها متعدية أخذها مِن اللَّمِّ وهو الجمع، ومَنْ جَعَلَها قاصرةً أخذها من اللَّمَمِ وهو الدنو والقرب.

6:151Page 148

۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

قوله تعالى: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ} : في «ما» هذه ثلاثة أوجه أظهرها: أنها موصولةٌ بمعنى الذي والعائد محذوف أي: الذي حَرَّمه، والموصول في محل نصب مفعولاً به. والثاني: أن تكون مصدريةً أي: أتل تحريم ربكم، ونفس التحريم لا يُتْلَى وإنما هو مصدرٌ واقع موقع المفعول به أي: أتلُ مُحَرَّم ربكم الذي حرَّمه هو. والثالث: أنها استفهامية في محل نصب بحرَّم بعدها، وهي مُعَلِّقة لأتْل والتقدير: أتل أيَّ شيء حرَّم ربكم، وهذا ضعيف لأنه لا تُعَلَّقُ إلا أفعالُ القلوب وما حُمِل عليها. وأمَّا «عليكم» ففيه وجهان أحدهما: أنه متعلق بَحَرَّم، وهذا اختيار البصريين. والثاني: أنه متعلق بأَتْلُ وهو اختيار الكوفيين يعني أن المسألة من باب الإِعمال، وقد عرفت أن اختيار البصريين إعمالُ الثاني، واختيارَ الكوفيين إعمالُ الأول.

قوله: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} فيه أوجه أحدها: أنَّ «أَنْ» تفسيرية لأنه تَقَدَّمَها ما هو بمعنى القول لا حروفه و «لا» هي ناهية و «تشركوا» مجزومٌ بها، وهذا وجهٌ ظاهر، وهو اختيار الفراء قال: «ويجوزُ أن يكون مجزوماً ب» لا «على النهي كقولك: أمرتك أَنْ لا تذهب إلى زيد بالنصب والجزم. ثم قال: والجزم في هذه الآية أحبُّ إليَّ كقوله تعالى: {أَوْفُواْ المكيال والميزان} [هود: 85] قلت: يعني فعطفُ هذه الجملة الأمرية يُقَوِّي أنَّ ما قبلها نهي ليتناسب طرفا الكلام، وهو اختيار الزمخشري أيضاً فإنه قال:» وأَنْ في «أن لا تشركوا» مفسرة و «لا» للنهي «ثم قال بعد كلام:» فإن قلت: إذا جعلت «أن» مفسرةً لفعل التلاوة وهو معلَّق بما حرَّم ربكم وَجَبَ أَنْ يكون ما بعده منهيَّاً عنه مُحَرَّماً كله كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرفُ النهي فما تصنع بالأوامر؟ قلت: لَمَّا وَرَدَت هذه الأوامرُ مع النواهي، وتقدَّمهن جميعاً فعلُ التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه عُلم أن التحريمَ راجعٌ إلى أضدادها وهي الإِساءة إلى الوالدين، وبَخْسُ الكيل والميزان، وتَرْكُ العدلِ في القول، ونكثُ العهد «.

قال الشيخ:» وكونُ هذه الأشياء اشتركت في الدخول تحت حكم التحريم، وكونُ التحريم راجعاً إلى أضداد الأوامر بعيدٌ جداً وإلغازٌ في التعامي ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك «. قلت: ما استبعده ليس ببعيدٍ وأين الإِلغاز والتعمِّي من هذا الكلامِ حتى يرميَه به. ثم قال الشيخ:» وأمَّا عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين، أحدهما: أنها معطوفة لا على المناهي قبلها فيلزم انسحاب التحريم عليها حيث كانت في حَيِّز «أن» التفسيرية، بل هي معطوفة على قوله {تَعَالَوْاْ أتْلُ مَا حَرَّمَ} ، أمرهم أولاً بأمرٍ يترتب عليه ذِكْرُ مَناهٍ، ثم أمرهم ثانياً بأوامر وهذا معنى واضح.

والثاني: أن تكون الأوامر معطوفةً على المناهي وداخلةً تحت «أن» التفسيرية، ويصحُّ ذلك على تقدير محذوف تكون «أن» مفسرةً له وللمنطوق قبله الذي دلَّ على حَذْفِه، والتقدير: وما أمركم به فحذف وما أمركم به لدلالة ما حَرَّم عليه، لأن معنى ما حَرَّم ربكم: ما نهاكم ربكم عنه فالمعنى: تعالوا أتلُ ما نهاكم ربكم عنه وما أمركم به، وإذا كان التقدير هكذا صح أن تكون «أن» تفسيرية لفعل/ النهي الدالِّ عليه التحريمُ وفعل الأمر المحذوف، ألاى ترى أنه يجوز أن تقول: «أمرتك أن لا تكرم جاهلاً وأكرم عالماً» إذ يجوز أن يُعْطف الأمر على النهي والنهي على الأمر كما قال:

2118 -. . . . . . . . . . . . . . . . ... يقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتجمَّلِ

وهذا لا نعلم فيه خلافاً بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام والإِنشاء فإنَّ في جواز العطف فيها خلافاً «انتهى.

الثاني: أن تكون» أَنْ «ناصبةً للفعل بعدها، وهي وما في حَيِّزها في محل نصب بدلاً من» ما حرم «. الثالث: أنها الناصبة أيضاً وهي وما في حَيِّزها بدل من العائد المحذوف إذ التقدير: ما حَرَّمه، وهو في المعنى كالذي قبله. و» لا «على هذين الوجهين زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها في قوله تعالى: {أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] و {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} [الحديد: 29] . قال الشيخ:» وهذا ضعيف لانحصار عموم المُحَرَّمِ في الإِشراك، إذ ما بعده من الأمر ليس داخلاً في المُحَرَّم ولا ما بعد الأمر مما فيه لا يمكن ادِّعاء زيادة «لا» فيه لظهور أنَّ «لا» فيه للنهي «. ولمَّا ذكر مكي كونَها بدلاً مِنْ» ما حرم «لم ينبِّه على زيادة» لا «ولا بد منه. وقد منع الزمخشري أن تكون بدلاً مِنْ» ما حرم «فقال:» فإن قلت: هلا قلت هي التي تنصب الفعل وجعلت «أن لا تشركوا» بدلاً من «ما حرم» . قلت: وجب أن يكون أن لا تشركوا ولا تقربوا ولا تقتلوا ولا تتبعوا السبل نواهي لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله «بالوالدين إحساناً» ؛ لأنَّ التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وأَوْفوا وإذا قلتم فاعدِلوا، وبعهد الله أَوْفوا «. فإن قلت: فما تصنع بقوله {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه} [الأنعام: 153] فيمَنْ قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفُه على» أَنْ لا تشركوا «إذا جعلت» أن «هي الناصبة حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفي الإِشراك وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيماً؟ قلت: أجعل قولَه» وأن هذا صراطي مستقيماً «علةً للاتِّباع بتقدير اللام كقوله

{وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً} [الجن: 18] بمعنى: ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، والدليل عليه القراءة بالكسر كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنه مستقيم، أو: واتبعوا صراطي أنه مستقيم «.

واعترض عليه الشيخ بعد السؤال الأول وجوابه وهو» فإن قلت: هَلاَّ قلت هي الناصبة «إلى: {وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ} فقال:» لا يتعيَّنْ أن تكونَ جميعُ الأوامر معطوفة على ما دخل عليه «لا» لأنَّا بيَّنَّا جواز عطف «وبالوالدين إحساناً» على «تعالَوا» وما بعده معطوف عليه، ولا يكون قوله «وبالوالدين إحساناً» معطوفاً على أن لا تشركوا «.

الرابع: أن تكون» أَنْ «الناصبة وما في حَيِّزها منصوبةً على الإِغراء ب» عليكم «، ويكون الكلامُ الأول قَدْ تمَّ عند قوله» ربكم «، ثم ابتدأ فقال: عليكم أن لا تشركوا، أي: الزموا نفي الإِشراك وعدمه، وهذا وإن كان ذكره جماعة كما نقله ابن الأنباري ضعيف لتفكك التركيب عن ظاهره؛ ولأنه لا يتبادر إلى الذهن.

الخامس: أنها وما في حَيِّزها في محل نصب أو جر على حذف لام العلة والتقدير: أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا، وهذا منقول عن أبي إسحاق، إلا أن بعضهم استبعده من حيث إن ما بعده أمرٌ معطوف بالواو ومناهٍ معطوفة بالواو أيضاً فلا يناسب أن يكونَ تبييناً لِما حرَّم، أمَّا الأمرُ فمِنْ حيث المعنى، وأمَّا المناهي فمِنْ حيث العطف.

السادس: أن تكون هي وما بعدها في محل نصب بإضمارٍ فعلٍ تقديره: أوصيكم أن لا تشركوا؛ لأن قوله» وبالوالدين إحساناً «محمول على أوصيكم بالوالدين إحساناً، وهو مذهب أبي إسحاق أيضاً.

السابع: أن تكون» أَنْ «وما في حَيِّزها في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي: المُحَرَّمُ أن لا تشركوا، أو المتلوُّ أن لا تشركوا، إلا أن التقدير بنحو المتلوّ أحسنُ؛ لأنه لا يُحْوج إلى زيادة» لا «، والتقدير بالمحرم أن لا تشركوا يحوج إلى زيادتها لئلا يفسد المعنى.

الثامن: أنها في محل رفع أيضاً على الابتداء، والخبر الجارُّ قبله والتقدير: عليكم عَدَمُ الإِشراك، ويكون الوقف على قوله» ربكم «كما تقدَّم في وجه الإِغراء، وهذا مذهب لأبي بكر بن الأنباري فإنه قال:» ويجوز أن يكونَ في موضع رفع ب «على» كما تقول: عليكم الصيام والحج «.

التاسع: أن يكون في موضع رفع بالفاعلية بالجارِّ قبلها، وهو ظاهر قول ابن الأنباري المتقدم، والتقدير: استقرَّ/ عليكم عدم الإِشراك. وقد تحصَّلت في محل» أن لا تشركوا «على ثلاثة أوجه، الرفع والنصب والجر، فالجر من وجه واحد وهو أن يكون على حذف حرف الجر على مذهب الخليل والكسائي، والرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من ستة أوجه، فمجموع ذلك عشرة أوجه تقدَّم تحريرها.

و «شيئاً» فيه وجهان أحدهما: أنه مفعول به. والثاني: أنه مصدر أي إشراكاً أي: شيئاً من الإِشراك.

وقوله {وبالوالدين إِحْسَاناً} تقدم تحريره في البقرة.

قوله: {مِّنْ إمْلاَقٍ} «مِنْ» سببية متعلقة بالفعل المنهيّ عنه أي: لا تقتلوا أولادَكم لأجل الإِملاق. والإِملاق: الفقر في قول ابن عباس. وقيل: الجوع بلغة لخم، نقله مؤرج. وقيل: الإِسراف، أَمْلق أي: أسرف في نفقته، قاله محمد بن نعيم الترمذي. وقيل الإِنفاق، أملق مالَه أي أنفقه قاله المنذر ابن سعيد. والإِملاق: الإِفساد أيضاً قاله شمر، قال: «وأَمْلَقَ يكون قاصراً ومتعدياً، أَمْلَقَ الرجل: إذا افتقر فهذا قاصر، وأملق ما عنده الدهر أي: أفسده» وأنشد النضر بن شميل على ذلك قول أوس بن حجر:

2119 - ولمَّا رأيت العُدْمَ قَيَّد نائلي ... وأملق ما عندي خطوبٌ تَنَبَّلُ

أي: تَذْهب بالمال. تَنَبَّلَتْ بما عندي: أي ذهبت به.

وفي هذه الآية الكريمة {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} ، فقدَّم المخاطبين، وفي الإِسراء قَدَّمَ ضمير الأولاد عليهم فقال {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} [الإِسراء: 31] فقيل: للتفنُّنِ في البلاغة. وأحسن منه أن يقال: الظاهر من قوله «من إملاق» حصول الإِملاق للوالد لا توقُّعُه وخشيته فبُدِئ أولاً بالعِدَةِ برزق الآباء بشارةً لهم بزوال ما هم فيه من الإِملاق، وأما في آية سبحان فظاهرها أنهم مُوْسرون وإنما يخشَوْن حصول الفقر ولذلك قال: خَشْيَةَ إملاقٍ، وإنما يُخْشى الأمور المتوقعة فبُدئ فيها بضمان رزقهم فلا معنى لقتلكم إياهم، فهذه الآية تفيد النهيَ للآباء عن قتل الأولاد وإن كانوا متلبِّسين بالفقر، والأخرى عن قتلهم وإن كانوا مُوْسِرين، ولكن يخافون وقوع الفقر وإفادة معنى جديد أولى من ادِّعاء كون الآيتين بمعنى واحد للتأكيد.

قوله {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} في محل نصب بدلاً من الفواحش بدلَ اشتمال أي: لا تَقْرَبوا ظاهرها وباطنها كقولك: ضربْتُ زيداً ما ظهر منه وما بطن، ويجوز أن تكون «مَنْ» بدل البعض من الكل. و «منها» متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من فاعل «ظهر» . وحُذِفَ منها بعد قوله «بطن» لدلالة قوله «منها» في الأول عليه.

قوله {إِلاَّ بالحق} في محلِّ نصب على الحال من فاعل «تقتلوا» أي: لا تقتلوها إلا متلبِّسين بالحق، ويجوز أن يكون وصفاً لمصدر محذوف أي: إلا قَتْلاً متلبِّساً بالحق، وهو أن يكون القتل للقِصاص أو للرِدَّة أو للزنا بشرطه كما جاء مبيَّناً في السنَّة. وقوله: «ولا تَقْتلوا» هذا شبيهٌ بما هو مِنْ ذِكْر الخاص بعد العام اعتناءً بشأنه؛ لأن الفواحشَ يندرج فيها قَتْلُ النفسِ، فجرَّد منها هذا استفظاعاً له وتهويلاً، ولأنه قد استثنى منه في قوله «إلا بالحق» ولو لم يَذْكر هذا الخاصَّ لم يَصِحَّ الاستثناء من عموم الفواحش، لو قيل في غير القرآن: «لا تَقْرَبوا الفواحشَ إلا بالحق» لم يكن شيئاً.

قوله {ذلكم وَصَّاكُمْ} في محله قولان أحدهما: أنه مبتدأ، والخبر الجملة الفعلية بعده. والثاني: أنه في محل نصب بفعلٍ مقدَّر من معنى الفعل المتأخر عنه، وتكون المسألة من باب الاشتغال، والتقدير: ألزمكم أو كلَّفكم ذلك، ويكون «وصَّاكم به» مفسِّراً لهذا العامل المقدر كقوله تعالى: {والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الإِنسان: 31] وناسب قوله هنا «لعلكم تعقلون» لأنَّ العقل مَنَاطُ التكليف والوصية بهذه الأشياء المذكورة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском