As-Samin al-HalabiAl‑A'raf · 7:137–147

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:137–147

7:137Page 166

وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ ١٣٧

And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word [i.e., decree] of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.

قوله تعالى: {وأَوْرَثْنَا} : يتعدَّى لاثنين لأنه قبل النقل بالهمزة متعدٍّ لواحد نحو: وَرِثْتُ أبي، فبالنقل اكتسب آخرَ، فأَوَّلُهما «القوم» و «الذين» وصلتُه في محل نصب نعتاً له. وأمَّا المفعولُ الثاني: ففيه ثلاثة أوجهٍ، أظهرُها: أنه {مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا} . وفي قوله {التي بَارَكْنَا فِيهَا} على هذا وجهان أحدهما: أنه نعتٌ لمشارق ومغارب. والثاني: أنه نعتٌ للأرض. وفيه ضعفٌ من حيث الفصلُ بالمعطوفِ بين الصفةِ والموصوف، وهو نظيرُ قولك: «قام غلامُ هندٍ وزيدٌ العاقلةِ» . وقال أبو البقاء هنا: «وفيه ضعفٌ؛ لأن فيه العطفَ على الموصوف قبل الصفة» وهذا سَبْقُ لسان أو قلم لأنَّ العطفَ ليس على الموصوف، بل على ما أُضيف إلى الموصوف.

الثاني من الأوجه الثلاثة: أن المفعول الثاني هو {التي بَارَكْنَا فِيهَا} أي: أَوْرَثناهم الأرض التي بارَكْنا فيها. وفي قوله تعالى {مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا} وجهان، أحدهما: هو منصوب على الظرف ب «يُسْتَضْعفون» . والثاني: أن تقديره: يُستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، فلمَّا حُذِفَ الحرف وصلَ الفعلُ بنفسه فنصب. هكذا قال أبو البقاء. ولا أدري كيف يكونان وجهَيْن فإن القولَ بالظرفية هو عينُ القول بكونه على تقدير «في» ؛ لأن كل ظرف مقدَّرٌ ب «في» فكيف يَجعل شيئاً واحداً شيئين؟

الوجه الثالث: أن المفعولَ الثاني محذوفٌ تقديره: أورثناهم الأرضَ أو الملكَ أو نحوه. و «يُستضعفون» يجوز أن يكون على بابه من الطلب أي: يُطلب منهم الضَّعْفَ مجازاً، وأن يكون استفعل بمعنى وجده ذا كذا. والمرادُ بالأرض أرضُ الشام وقيل: أرض مصر.

وقرأ الحسن ورويت عن أبي عمرو وعاصم «كلمات» بالجمع. قال الزمخشري: «ونظيره {لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى} [النجم: 18] يعني في كونِ الجمع وُصِفَ بمفرد. قال الشيخ:» ولا يتعيَّن في «الكبرى» ما ذَكَر لجواز أن يكون التقدير: لقد رأى الآيةَ الكبرى، فهي وصفُ مفردٍ لا جمعٍ وهو أبلغُ «. قلت: في بعض الأماكن يتعيَّن ما ذكره الزمخشري نحو {مَآرِبُ أخرى} [طه: 18] وهذه الآية، فلذلك اختارَ منها ما يتعيَّنَ في غيرها.

قوله: {بِمَا صَبَرُواْ} متعلِّق ب» تَمَّت «، والباءُ للسببية، و» ما «مصدريةٌ أي بسبب صبرهم. ومتعلَّقُ الصبرِ محذوفٌ أي: على أذى فرعون وقومه.

قوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ} يجوز في هذا الآيةِ أوجهٌ، أحدها: أن يكونَ» فرعون «اسمَ كان، و» يصنع «خبرٌ مقدم، والجملةُ الكونية صلةُ» ما «، والعائدُ محذوف، والتقدير: ودمَّرْنا الذي كان فرعون يَصْنَعُه.

واستضعف أبو البقاء هذا الوجه فقال: «لأنَّ» يصنع «يَصْلُح أن يعملَ في فرعون فلا يُقَدَّر تأخيره، كما لا يُقَدَّر تأخيرُ الفعل في قولك قام زيد» . قلت: يعني أن قولك «قام زيد» يجب أن يكونَ من باب الفعل والفاعل، ولا يجوزُ أن يُدَّعى فيه أنَّ «قام» فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ خبرٌ مقدمٌّ، و «زيد» مبتدأ مؤخر، لأجل اللَّبْس بباب الفاعل، فكذا هنا لأنَّ «يصنع» يَصِحُّ أن يتسلَّطَ على فرعون فيرفعَه فاعلاً، فلا يُدَّعَى فيه التقديم. وقد سبقه إلى هذا مكي وقال: «ويلزم مَنْ يجيز هذا أن يُجيزَ» يقوم زيد «على الابتداء والخبر والتقديم والتأخير ولم يُجِزْه أحد» ، وقد تقدَّمت هذه المسألة وما فيها، وأنه هل يجوز أن تكون من باب التنازع أم لا؟ وهذا الذي ذكراه وإن كان محيلاً في بادئ الرأي فإنه كباب/ الابتداء والخبر. ولكن الجواب عن ذلك أن المانع في «قام زيد» هو اللَّبس وهو مفقود ههنا.

القثاني: أن اسم «كان» ضميرٌ عائد على «ما» الموصولة و «يصنع» مسندٌ لفرعونَ، والجملةُ خبرٌ عن كان، والعائدُ محذوف أيضاً، والتقدير: ودمَّرْنا الذي كان هو يصنعه فرعون.

الثالث: أن تكون «كان» زائدةً و «ما» مصدرية، والتقدير: ودمَّرْنا ما يصنع فرعون أي: صُنْعَه. ذكره أبو البقاء. قلت: وينبغي أن يجيءَ هذا الوجهُ أيضاً وإن كانت «ما» موصولة اسمية على أن العائد محذوف تقديرُه: ودمَّرْنا الذي يصنعه فرعون.

الرابع: أنَّ «ما» مصدرية أيضاً، و «كان» ليست زائدةً بل ناقصةٌ، واسمُها ضمير الأمر والشأن، والجملةُ من قوله «يصنع فرعون» خبرُ كان فهي مفسِّرة للضمير. وقال أبو البقاء هنا: «وقيل: ليست» كان «زائدةً، ولكن» كان «الناقصة لا يُفصل بها بين» ما «وبين صلتها، وقد ذكرْنا ذلك في قوله {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10] وعلى هذا القول تحتاج» كان «إلى اسم. ويَضْعف أن يكونَ اسمُها ضميرَ الشأن؛ لأن الجملة التي بعدها صلةُ» ما «فلا تَصْلُح للتفسير فلا يحصُل بها الإِيضاحُ، وتمامُ الاسم والمفسِّر يجب أن يكون مستقلاً فتدعو الحاجةُ إلى أن تَجْعل» فرعون «اسمَ كان، وفي» يصنع «ضميرٌ يعود عليه» . قلت: بعد فَرَض كونِها ناقصةً تلزم أن تكونَ الجملةُ من قوله «يصنع فرعون» خبراً ل «كان» ، ويمتنع أن تكونَ صلةً ل «ما» . وقوله: «فتدعو الحاجة» أي ذلك الوجهُ الذي بدأت به واستضعفه هو احتاج إليه في هذا المكان فراراً مِنْ جَعْل الاسمِ ضميرَ الشأن لما تخيَّله مانعاً.

والتدميرُ: الإِهلاك وهو مُتَعدٍّ بنفسه. فأما قوله {دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ} فمفعولُه محذوفٌ أي: خرَّب عليهم منازلهم وبيوتَهم.

قوله: {يَعْرِشُونَ} قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم هنا وفي النحل «يَعرُشون» بضم الراء، والباقون بالكسر فيهما. وهما لغتان: عَرَش الكرمَ يعرِشُه ويعرُشُه، والكسرُ لغة الحجاز. قال اليزيدي: «وهي أفصحُ» . وقُرئ شاذاً بالغين المعجمة والسين المهملة مِن غَرْس الأشجار، وما أظنه إلا تصحيفاً. وقرأ ابن أبي عبلة «يُعَرِّشون» بضم الياء وفتحِ العين وكسرِ الراء مشددةً على المبالغة والتكثير.

7:138Page 167

وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨

And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They [the Children of Israel] said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.

قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَآئِيلَ} : كقوله: {فَرَقْنَا بِكُمُ البحر} [البقرة: 50] من كونِ الباء يجوز أن تكونَ للتعدية، وأن تكون للحالية كقوله:

2284 -. . . . . . . . . . . . . . . . . ...

تَدوسُ بنا الجماجمَ والتَّريبا

وقد تقدَّم ذلك. وجاوز بمعنى جاز. ففاعَل بمعنى فَعَل. وقرأ الحسن وإبراهيم وأبو رجاء ويعقوب: جَوَّزنا بالتشديد، وهو أيضاً بمعنى فَعَل المجردِ كقَدَر وقدَّر.

قوله: {يَعْكُفُونَ} صفة ل «قوم» . وقرأ الأخَوَان «يعكفون» بكسر العين، ويُروى عن أبي عمرو أيضاً. والباقون بالضم، وهما لغتان في المضارع كيَعْرشون. وقد تقدَّم معنى العكوف واشتقاقُه في البقرة.

قوله: {كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} الكافُ في محلِّ نصب صفة لإِلهاً، أي: إلهاً مماثلاً لإِلههم. وفي «ما» ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها موصولةٌ حرفية أي: تَتَأوَّل بمصدرٍ، وعلى هذا فصلتُها محذوفة، وإذا حُذِفت صلة «ما» المصدرية فلا بد من إبقاء معمولِ صلتها كقولهم: «لا أكلِّمكَ ما أنَّ حِراءَ مكانَه» أي: ما ثبت أن حراء مكانه. وكذا هنا تقديره: كما ثبت لهم آلهة، فآلهة فاعل ب «ثبت» المقدر. وقال أبو البقاء في هذا الوجه: «والجملة بعدها صلةٌ لها، وحسَّن ذلك أن الظرفَ مقدرٌ بالفعل» . قلت: كلامُه على ظاهره ليس بجيد؛ لأن «ما» المصدريةَ لا تُوْصَلُ بالجملة الاسمية على المشهور، وعلى رأي مَنْ يُجَوِّز ذلك فيشترط فيها غالباً أن تُفْهِم الوقت كقوله:

2285 - واصِلْ خليلَكَ ما التواصلُ ممكنٌ ... فلأَنْتَ أَوْ هُوَ عن قريبٍ ذاهبُ ولكنَّ مرادَه أنَّ الجارَّ مقدَّرٌ بالفعل، وحينئذ تَؤُول إلى جملة فعلية أي: كما استقرَّ لهم آلهةٌ.

الثاني: أن تكونَ «ما» كافَّةً لكاف التشبيه/ عن العمل فإنها حرف جر. وهذا كما تُكَفُّ «رُبَّ» ، فيليها الجملُ الاسمية والفعلية، ولكن ليس ذلك على سبيل الوجوب، بل يجوزُ في الكاف وفي «رب» مع ما الزائدة بعدهما وجهان: العملُ والإِهمالُ، وعلى ذلك قول الشاعر:

2286 - ونَنْصُرُ مولانا ونعلمُ أنَّه ... كما الناسُ مجرومٌ عليه وجارِمٌ

وقول الآخر:

2287 - رُبَّما الجامِلُ المُؤَبَّلُ فيهمُ ... وعناجيجُ بينهنَّ المَهارى

يروى برفع «الناس» و «الجامل» وجرِّهما. هذا إذا أمكن الإِعمال. أمَّا إذا لم يمكن تَعَيَّن أن تكونَ كافَّةً كهذه الآيةِ إذا قيل بأن «ما» زائدة.

الثالث: أن تكون «ما» بمعنى الذي، و «لهم» صلتها وفيه حينئذ ضميرٌ مرفوعٌ مستتر، و «آلهة» بدل من ذلك الضمير. والتقدير: كالذي استقر هو لهم آلهة. وقال أبو البقاء في هذا الوجه: «والعائد محذوف و» آلهة «بدلٌ منه تقديره: كالذي هو لهم» وتسميتُه هذا حَذْفاً تسامحٌ؛ لأن ضمائر الرفع إذا كانت فاعلةً لا تُوصف بالحذف بل بالاستتار.

7:139Page 167

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩

Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."

قوله تعالى: {إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} : «هؤلاء» إشارة لمَنْ عَكَفوا على الأصنام و «مُتَبَّر» فيه وجهان، أحدهما: أن يكون خبراً ل إنَّ و «ما» موصولة بمعنى الذي، و «هم فيه» جملةٌ اسميةٌ صلةٌ وعائدُه، وهذا الموصولُ مرفوعٌ باسم المفعول فيكون قد أَخْبَرْت بمفرد رفعت به شيئاً. والثاني: أن يكونَ الموصولُ مبتدأً، و «مُتَبَّر» خبره قُدِّم عليه، والجملةُ خبرٌ ل إنَّ. قال الزمخشري: «وفي ارتفاع» هؤلاء «اسماً ل» إنَّ «، وتقديمُ خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها وَسْمٌ لعبارة الأصنام بأنهم هم المعرَّضون للتَّبار وأنه لا يَعْدوهم البتة، وأنه لهم ضربةُ لازم ليحذِّرهم عاقبةَ ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبُّوا» . قال الشيخ: «ولا يتعيَّن ما قاله من [أنه] قدَّم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً، لأنَّ الأحسنَ في إعراب مثل هذا أن يكون» مُتَبَّر «خبراً ل إنَّ وما بعده مرفوعٌ» فذكر ما قَرَّرْتُه، ونظَّره بقولك: «إنَّ زيداً مضروب غلامه» . قال: «فالأحسن أن يكون» غلامه «مرفوعاً ب» مضروب «.

ثم ذكر الوجه الثاني وهو أن يكون» مُتَبَّر «خبراً مقدماً من الجملة، وجعله مرجوحاً وهو كما قال، لأنَّ الأصل في الأخبار أن تكون مفردةً فما أمكن فيها ذلك لا يُعْدل عنه. إلا أن الزمخشريَّ لم يَذْكر ذلك على سبيل التعيين بل على أحد الوجهين. وقد يكون هذا عنده أرجحَ مِنْ جهة ما ذكره من المعنى، وإذا دار الأمر بين مُرَجِّح لفظي ومُرَجِّح معنوي، فاعتبارُ المعنويِّ أولى، ولا أظنُّ حَمَل الزمخشري على ذلك إلا ما ذكرت.

وقوله: {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ} كقوله {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} من جواز الوجهين وما ذُكِر فيهما.

والتَتْبير: الإِهلاكُ، ومنه» التِّبْر «وهو كِسارة الذهب لتهالك الناس عليه. وقيل: التتبير: التكسير والتحطيم ومنه التِّبْر لأنه كِسارة الذهب.

7:140Page 167

قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠

He said, "Is it other than Allāh I should desire for you as a god1 while He has preferred you over the worlds?"

قوله تعالى: {أَغَيْرَ الله} : الهمزةُ للإِنكار والتوبيخ. وفي نصب «غير» وجهان أحدُهما: أنه مفعولٌ به ل «أبغيكم» على حَذْفِ اللام تقديره: أبغي لكم غيرَ الله، أي: أَطْلُبُ لكم. فلمَّا حذف الحرف وصل الفعل بنفسه، وهو غيرُ منقاس. وفي «إلهاً» على هذا وجهان أحدُهما: وهو الظاهر أنه تمييز ل «غير» . والثاني: أنه حالٌ، ذكره الشيخ وفيه نظر. والثاني من وجهي «غير» : أنه منصوب على الحال من «إلهاً» ، و «إلهاً» هو المفعول به ل «أَبْغيكم» على ما تقرَّر، والأصل: أبغي لكم إلهاً غير الله، ف «غير الله» صفةٌ ل «إله» فلما قُدِّمَتْ صفةُ النكرةِ عليها نُصِبت حالاً. وقال ابن عطية: «وغير منصوبة بفعل مضمر، هذا هو الظاهر، ويجوز أن يكون حالاً» ، وهذا الذي ذكره من إضمار الفعل لا حاجةَ غليه، فإن أراد أنه على الاشتغال فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ شرطَه أن يعمل المفسِّر في ضمير الأول أو سببيِّه.

قوله: {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ} يجوز أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال: إمَّا من «الله» وإمَّا من المخاطبين، لأن الجملةَ مشتملةٌ على كلٍ من ضميرَيْهما، ويجوز أن لا يكونَ لها محلٌّ لاستئنافها.

7:141Page 167

وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١

And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.

قوله تعالى: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ} : قرأه العامَّة/ مسنداً إلى المُعَظِّم. وابن عامر: «أنجاكم» مسنداً إلى ضمير الله تعالى جرياً على قوله «وهو فَضَّلكم» . وقُرِئ «نَجَّيناكم» مشدداً. وتقدم الخلاف في تشديدِ «يقتلون» وتخفيفِها قبل هذا بقليل. وتقدَّم في البقرة إعراب هذه الآيةِ بكمالها فلا حاجةَ إلى إعادته.

7:142Page 167

۞ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤٢

And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them],1 and do not follow the way of the corrupters."

قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ} : تقدَّم الخلاف في وَعَدْنا وواعَدْنا. وأتى الظرف بعده مفعول ثان على حَذْفِ مضاف، ولا يجوز أن يكون ظرفاً لفساد المعنى في البقرة فكذا هنا، أي: وَعَدْناه تمامَ ثلاثين، أو أثناءها أو مناجاتها.

قوله: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} في هذا الضميرِ قولان، أحدهما: أنه يعودُ على المُواعدة المفهومةِ مِنْ «واعَدْنا» ، أي: وأَتْمَمْنا مواعدته بعشر. والثاني: أنها تعودُ على ثلاثين قاله الحوفي. قال الشيخ: «ولا يَظْهر لأنَّ الثلاثين لم تكن ناقصةً فتمَّ بعشر» . وحُذِف تمييز «عشر» لدلالة الكلام عليه، أي: وأَتْمَمْناها بعشرِ ليال. وفي مُصْحف أُبَيّ «تَمَّمناها» بالتضعيف، عَدَّاه بالتضعيف.

قوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ} الفرق بين الميقات والوقت: أن المِيقات ما قُدِّر فيه عملٌ من الأعمال، والوقت وقت للشيء من غير تقديرِ عمل أو تقريره. وفي نصب «أربعين» أوجهٌ أحدها: أنه حال. قال الزمخشري: «وأربعين» نصب على الحال أي: تَمَّ بالغاً هذا العدد «. قال الشيخ:» فعلى هذا لا تكونُ الحال «أربعين» ، بل الحالُ هذا المحذوفُ فيُنافَى قوله «. قلت: لا تنافيَ فيه لأن النحاة لم يزالوا ينسبون الحكم للمعمول الباقي بعد حَذْف عامله المنوبِ عنه، وله شواهد منها:» زيد في الدار أو عندك «فيقولون: الجارُّ والظرف خبر، والخبر في الحقيقة إنما هو الحَدَثُ المقدَّر العاملُ فيهما. وكذا يقولون:» جاء زيد بثيابه «» بثيابه «حال، والحال إنما هو العامل فيه، إلى غير ذلك. وقدَّره الفارسي ب» معدوداً «قال: كقولك:» تمَّ القوم عشرين رجلاً «أي: معدودين هذا العدد» وهو تقدير حسن.

الثاني: أن ينتصب «أربعين» على المفعول به، قال أبو البقاء: «لأنَّ معناه بلغ، فهو كقولهم: بَلَغَتْ أرضك جَرِيبَيْن» ، أي يُضَمِّن «تَمَّ» معنى «بلغ» . الثالث: أنه منصوبٌ على الظرف. قال ابن عطية: «ويصحُّ أن تكون» أربعين «ظرفاً من حيث هي عددُ أزمنة» . وفي هذا نظر كيف يكون ظرفاً للتمام، والتمام إنما هو بآخر جزء من تلك الأزمنة؟ إلا بتجوز بعيد: وهو أنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أم آخراً إذا نقص ذهب التمامُ. الرابع: أن ينتصب على التمييز. قال الشيخ: «والأصل:» فتمَّ أربعون ميقاتُ ربه «ثم أسند التمام إلى ميقات، وانتصب» أربعون «على التمييز، فهو منقولٌ من الفاعلية» يعني فيكون كقولِه: {واشتعل الرأس شَيْباً} [مريم: 4] وهذا الذي قاله وجَعَلَه هو الذي يظهر يُشكل بما ذكره هو في الردِّ على الحوفي، حيث قال هناك: «إن الثلاثين لم تكن ناقصةً فتتمَّ» كذلك ينبغي أن يُقالَ هنا إن الأربعين لم تكن ناقصةً فتتمَّ، فكيف يُقَدِّر «فتمَّ أربعون ميقات ربه» ؟ فإنْ أجابَ هنا بجواب فهو جوابٌ هناك لِمَنْ اعترض عليه.

وقوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ} في هذه الجملة قولان، أظهرهُما: أنها للتأكيد لأنَّ قولَه قبل ذلك «وأَتْمَمْناها بعشر» فُهِم أنها أربعون ليلةً. وقيل: بل هي للتأسيس لاحتمالِ أن يَتَوَّهم متوهِّم بعشر ساعات أو غير ذلك، وهو بعيدٌ جداً.

قوله: «ربِّه» ولم يقل: ميقاتنا جَرْياً على «واعَدْنا» لِما في إظهار هذا الاسم الشريف من الاعترافِ بربوبية الله له وإصلاحه له.

قوله «هارونَ» الجمهورُ على فتح نونه وفيه ثلاثة أوجه. الأول: أنه مجرورٌ بدلاً من «أخيه» الثاني: أنه عطفُ بيان له. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار أعني. وقرئ شاذاً «هارونُ» بالضم وفيه وجهان أحدهما: أنه منادى حُذف منه حرفُ النداء، أي: يا هرون كقوله: {يُوسُفُ أَعْرِضْ} [يوسف: 29] . والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو هارون، وهذا في المعنى كالوجه الذي تقدَّم من أنه منصوبٌ بإضمار أعني فإنَّ كليهما قطع. وقال أبو البقاء: «ولو قرئ بالرفع» فذكرهما، كأنَّه لم يطَّلِعْ على أنها قراءة.

7:143Page 167

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٤٣

And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allāh] said, "You will not see Me,1 but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level,2 and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first [among my people] of the believers."3

قوله تعالى: {لِمِيقَاتِنَا} : هذه اللامُ للاختصاص وكذا في قوله تعالى: {لِدُلُوكِ الشمس} [الإِسراء: 78] / وليست بمعنى «عند» كما وَهِمَ بَعضُهم.

قوله: {أرني} مفعولُه الثاني محذوفٌ، والتقدير: أرني نفسَك أو ذاتك المقدسةَ وإنما حَذْفُه مبالغةٌ في الأدب، حيث لم يواجهْه بالتصريح بالمفعول. وأصل أَرِني: أَرْ إني فنُقِلَتْ حركةُ الهمزة. وقد تقدَّم تحريرُه.

قوله: {لَن تَرَانِي} : «لن» قد تقدَّم أنه لا يلزم مِنْ نفيِها التأبيدُ وإن كان بعضُهم فَهِم ذلك، حتى إن ابن عطية قال: «فلو بَقينا على هذا النفي بمجرده لتضمَّن أن موسى لا يَراه أبداً ولا في الآخرة، لكن وَرَدَ من جهة أخرى الحديثُ المتواتر: أنَّ أهلَ الجنةِ يَرَوْنه» . قلت: وعلى تقدير أنَّ «لن» ليست مقتضيةً للتأبيد فكلامُ ابنِ عطية وغيرِه ممن يقول: إن نفي المستقبل بعدها يَعُمُّ جميعَ الأزمنة المستقبلة صحيح لكن لِمَدْرك آخرَ: وهو أن الفعلَ نكرةٌ، والنكرةُ في سياق النفي تعمُّ، وللبحث فيه مجال.

والاستدراكُ في قوله «ولكن انظر» واضحٌ. وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف اتصلَ الاستدراكُ في قوله» ولكن انظر « [بما قبله] ؟ قلت: اتصلَ به على معنى أن النظر إليَّ مُحالٌ فلا تطلبه، ولكن اطلب نظراً آخر وهو أن تنظر إلى الجبل» وهذا على رأيه مِنْ أن الرؤية محالٌ مطلقاً في الدنيا والآخرة.

قوله: {جَعَلَهُ دَكّاً} قرأ الأخوان «دَكّاء» بالمدّ على وزن حَمْراء والباقون «دَكّاً» بالقصر والتنوين. فقراءةُ الأخوين تحتمل وجهين أحدهما: أنها مأخوذةٌ مِنْ قولهم: ناقةٌ دكَّاء، أي: منبسطة السَّنام غيرُ مرتفعتِه وإمَّا من قولهم: أرضٌ دكاء للناشزة. وفي التفسير: أنه لم يذهبْ كلُّه، بل ذهب أعلاه فهذا يناسبه. وأمَّا قراءة الجماعة ف «دَكٌّ» مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به، أي مدكوكاً أو مندَكّاً، على حذف مضاف، أي: ذا دَكٍّ. وفي انتصابه على القراءتين وجهان، المشهور: أنه مفعولٌ ثان ل «جعل» بمعنى صيَّر. والثاني: وهو رأي الأخفش أنه مصدرٌ على المعنى، إذ التقدير: دَكَّه دَكّاً.

وأمَّا على القراءة الأولى فهو مفعولٌ فقط، أي: صَيَّره مثلَ ناقةٍ دكاء أو أرضٍ دكاء. والدكُّ والدقُّ بمعنى وهو تفتيت الشيء وسَحْقُه. وقيل: تسويتُه بالأرض. وقرأ ابن وثاب: «دُكَّا» بضم الدال والقصر، وهو جمع دَكَّاء بالمد كحُمر في حمراء وغُرّ في غَرَّاء، أي جعله قِطَعاً.

قوله: «صَعِقاً» حالٌ مقارنةٌ، والخُرورُ السُّقوط، كذا أطلقه الشيخ، وقيَّده الراغب بسقوطٍ يُسمع له خريرٌ، والخريرُ يقال لصوتِ الماءِ والريح وغيرِ ذلك ممَّا يَسْقُط من علوٍّ. والإِفاقة: رجوعُ الفهمِ والعقل إلى الإِنسان بعد جنونٍ أو سُكرٍ، ومنه إفاقة المريض وهي رجوعُ قوته، وإفاقةُ الحَلْب: وهي رجوع الدَّرِّ إلى الضَّرْع يُقال: استَفِقْ ناقَتَك، أي: اتركها حتى يعودَ لبنُها، والفُواق ما بين حَلْبَتَي الحالب. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

7:144Page 168

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

[Allāh] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."

قوله تعالى: {بِرِسَالاَتِي} : أي: بسبب. وقرأ الحرميَّان: برسالتي بالإِفراد، والمراد به المصدر أي: بإرسالي إياك، ويجوز أن يكون على حَذْفِ مضاف، أي: بتبليغِ رسالتي. والرسالة: نفسُ الشيء المرسل به إلى الغير. وقرأ الباقون بالجمع اعتباراً بالأنواع، وقد تقدَّم ذلك في المائدة والأنعام. وقرأ العامة «وبكلامي» وهو محتملٌ أن يُراد به المصدرُ، أي: بتكليمي إياك، فيكون كقوله {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} [النساء: 164] وقوله:

2288 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإنَّ كلامَها شفاءٌ لِما بيا

أي: بتكليمي إياها، ويحتمل أن يكونَ المرادُ به التوراة وما أوحاه إليه من قولهم للقرآن «كلام الله» تسميةً للشيء بالمصدر. وقَدَّم الرسالة على الكلام لأنها أسبقُ أو ليترقَّى إلى الأشرفِ. وكرر حرف الجرِّ تنبيهاً على مغايرة الاصطفاء. وقرأ الأعمش: «برسالاتي وبكَلِمِي» جمع كلمة، ورَوَى عنه المهدوي أيضاً «وتكليمي» على زنة التفعيل، وهي تؤيد أن الكلامَ مصدرٌ. وقرأ أبو رجاء «برسالتي» بالإِفراد و «بكَلِمي» بالجمع، أي: وبسماع كلمي.

7:145Page 168

وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥

And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."1

قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً} : «أل» في الألواح يجوز أن تكون لتعريف الماهيَّة وأن تكونَ للعهد، لأنه يُروى في القصة أنه هو الذي قطعها وشقَّقها. وقال ابن عطية: «أل» عوض من الضمير، تقديره: «في ألواحه» وهذا كقوله: {فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى} ، أي: مَأْواه «. أمَّا كون» أل «عوضاً من الضمير فلا يَعْرفه البصريون. وأمَّا قولُه {فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى} فإنَّا نحتاج فيه إلى رابطٍ يَرْبِط بين الاسم والخبر، فالكوفيون يجعلون أل عوضاً من الضمير، والبصريون يُقَدِّرونه، أي: هي المأوى له، وأما في هذه الآية فلا ضرورةَ تدعو إلى ذلك.

وفي مفعول» كَتَبْنَا «ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه» موعظة «، أي: كتبنا له موعظة/ وتفصيلاً. و» من كل شيء «على هذا فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ ب» كتبنا «، والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه في الأصلِ صفةٌ ل» موعظة «، فلما قُدِّم عليها نُصب حالاً، و» لكلِّ شيء «صفةٌ ل» تفصيلاً «. والثاني: أنه» من كل شيء «. قال الزمخشري:» من كل شيء «في محل النصب مفعول» كتبنا «، و» موعظة وتفصيلاً «بدل منه، والمعنى: كَتَبْنا له كلَّ شيء كان بنو إسرائيل يَحْتاجون إليه في دينهم من المواعظ وتفصيلِ الأحكام» . الثالث: أن المفعولَ محلُّ المجرور. قال الشيخ بعدما حكى الوجهَ الأول عن الحوفي والثاني عن الزمخشري: «ويُحْتَمَلُ عندي وجهٌ ثالثٌ وهو أن يكونَ مفعولُ» كَتَبْنا «موضع المجرور كما تقول:» أكلت من الرغيف « و» مِنْ «للتبعيض، أي: كتبنا له أشياء من كل شيء، وانتصب» مَوْعِظة وتفصيلاً «على المفعول من أجله، أي: كتبنا له تلك الأشياءَ للاتِّعاظ وللتفصيل» قلت: والظاهر أن هذا الوجهَ هو الذي أراده الزمخشري فليس وجهاً ثالثاً.

قوله: «بقوة» حالٌ: إمَّا من الفاعل، أي: ملتبساً بقوة، وإمَّا من المفعول، أي: ملتبسةً بقوة، أي: بقوة دلائلها وبراهينها، والأولُ أوضحُ. والجملةُ مِنْ قوله «فَخُذْها» يُحتمل أن تكونَ بدلاً من قوله «فخُذْ ما آتيتك» وعاد الضميرُ على معنى «ما» لا على لفظِها. ويحتمل أن تكونَ منصوبةً بقول مضمر، ذلك القولُ منسوقٌ على جملة «كتبنا» والتقدير: وكتبنا فقلنا: خُذْ ما. والضميرُ على هذا عائدٌ على الألواح، أو على التوراة، أو على الرسالات، أو على كل شيء لأنه في معنى الأشياء.

قوله: {يَأْخُذُواْ} الظاهرُ أنه مجزومٌ جواباً للأمر في قوله «وَأْمُرْ» . ولا بدَّ مِنْ تأويله لأنه لا يلزمُ مِنْ أمره إياهم بذلك أن يأخذوا، بدليلِ عصيانِ بعضِهم له في ذلك، فإنَّ شَرْط ذلك انحلال الجملتين إلى شَرْطٍ وجزاء. وقيل: انجزم على إضمار اللام تقديره: ليأخذوا، كقوله:

2289 - محمدٌ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ ... إذا ما خِفْتَ مِنْ أمرٍ تَبالا

وهو مذهبُ الكسائي، وابنُ مالك يرى جَوازه إذا كان في جواب «قل» ، وهنا لم يُذكر «قل» ولكن ذُكِر شيءٌ بمعناه؛ لأن معنى «وَأْمُرْ» و «قل» واحد.

قوله: {بِأَحْسَنِهَا} يجوز أن يكونَ حالاً كما تقدم في «بقوة» وعلى هذا فمفعولُ «يأخذوا» محذوفٌ تقديرُه: يأخذوا أنفسهم. ويجوز أن تكونَ الباءُ زائدةً، و «أحسنُها» مفعولٌ به والتقدير: يأخذوا أحسنَها كقوله:

2290 -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... سودُ المحاجر لا يَقْرأن بالسُّوَرِ

وقد تقدَّم ذلك محقَّقاً في قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} [البقرة: 195] . و «أحسن» يجوز أن تكونَ للتفضيل على بابها، وأن لا تكونَ بل بمعنى حَسَنة كقوله:

2291 - إنَّ الذي سَمَك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائِمُهُ أعزُّ وأطولُ

أي: عزيزةٌ طويلة.

قوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين} جَوَّزوا في الرؤية هنا أن تكون بصَريةً وهو الظاهر فتتعدَّى لاثنين، أحدهما: ضمير المخاطبين، والثاني «دار» . والثاني: أنها قلبيةٌ وهو منقولٌ عن ابن زيد وغيره، والمعنى: سأُعْلِمُكُمْ سيرَ الأولين وما حلَّ بهم من النَّكال. وقيل: دار الفاسقين: ما دارَ إليه أمرُهم، وذلك لا يُعْلم إلا بالإِخبار والإِعلام. قال ابن عطية: معترضاً على هذا الوجه «ولو كان من رؤية القلب لتعدَّى بالهمزة إلى ثلاثةِ مفعولين. ولو قال قائل: المفعولُ الثالثُ يتضمنه المعنى فهو مُقَدَّر، أي: مَذْمومة أو خربة أو مُسَعَّرة على قول من قال إنها جهنم قيل له: لا يجوزُ حَذْفُ هذا المفعولِ ولا الاقتصارُ دونَه لأنها داخلةٌ على الابتداءِ والخبرِ، ولو جُوِّز لكان على قبحٍ في اللسان لا يليق بكتاب الله تعالى» .

قال الشيخ: «وحَذْفُ المفعول الثالث في باب أعلم لدلالة المعنى عليه جائزٌ فيجوز في جواب: هل أعلمتَ زيداً عمراً منطلقاً؟ أعلمتُ زيداً عمراً، وتحذف» منطلقاً «لدلالة الكلام السابق عليه» . قلت: هذا مُسَلَّم لكن أين الدليل عليه في الكلام كما في المثال الذي أبرزه الشيخ؟ ثم قال: «وأمَّا تعليلُه بأنَّها داخلةٌ على المبتدأ والخبر لا يدل على المنع، لأن خبرَ المبتدأ يجوزُ حَذْفُه اختصاراً، والثاني والثالث/ في باب» أَعْلَمَ «يجوز حَذْفُ كلٍ منهما اختصاراً» . قلت: حَذْفُ الاختصار لدليل، ولا دليلَ هنا. ثم قال: «وفي قوله لأنها أي» سأريكم «داخلة على المبتدأ والخبر فيه تجوُّزٌ» ويعني أنها قبل النقل بالهمزة داخلة على المبتدأ والخبر.

وقرأ الحسن البصري: «سأُوْريكم» بواو خالصة بعد الهمزة وفيها تخريجان، أحدهما قاله الزمخشري: «وهي لغةٌ فاشية بالحجاز يُقال: أَوْرَني كذا وأَوْرَيْتُه، فوجهه أن يكون مِنْ أَوْرَيْتُ الزندَ فإن المعنى: بَيِّنْه لي وأَنِرْه لأستبينَه. والثاني: ذكره ابن جني وهو أنه على الإِشباع فيتولَّد منها الواو قال:» وناسب هذا كونَه موضعَ تهديدٍ ووعيد فاحتمل الإِتيان بالواو «قلت: وهذا كقول الآخر: 2292 - اللهُ يعلمُ أنَّا في تَلَفُّتِنا ... يومَ اللقاء إلى أحبابنا صورُ

وأنني حيثما يثني الهوى بَصَري ... من حيث ما سلكوا أَدْنُو فانظورُ

لكن الإِشباعَ بابُه الضرورة عند بعضِهم. وقرأ ابن عباس وقسامة ابن زيد:» سأُوْرِثكم «. قال الزمخشري:» وهي قراءة حسنة يصححها قوله تعالى {وَأَوْرَثْنَا القوم} [الأعراف: 137] .

7:146Page 168

سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦

I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness,1 they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.

قوله تعالى: {بِغَيْرِ الحق} : فيه وجهان أحدهما: أنه متعلق بمحذوفٍ على أنه حال، أي: يتكبَّرون ملتبسين بغير الحق. والثاني: أن يتعلَّق بالفعل قبله أي: يتكبرون بما ليس بحق، والتكبُّر بالحق لا يكون إلا لله تعالى خاصة.

قوله: {وَإِن يَرَوْاْ} الظاهرُ أنها بَصَريَّة، ويجوز أن تكون قلبية، والثاني محذوفٌ لفَهْم المعنى كقول عنترة:

2293 - ولقد نَزَلْتِ فلا تظنِّي غيرَه ... مني بمنزلة المُحَبِّ المُكْرَمِ

أي: فلا تظني غيره واقعاً مني، وكذا الآية الكريمة، أي: وإن يَرَوا كل آية جائية أو حادثة. وقرأ مالك بن دينار «يُرَوا» مبنياً للمفعول مِنْ أرى المنقول بهمزة التعدية.

قوله {الرشد} قرأ الأخَوان هنا وأبو عمرو في قوله {مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف: 66] خاصةً دون الأوَّلَيْن فيها بفتحتين، والباقون بضمة وسكون. واختلف الناس فيها: هل هما بمعنى واحد؟ فقال الجمهور: نعم لغتان في المصدر كالبُخْل والبَخَل والسُّقْم والسَّقَم والحُزْن والحَزَن. وقال أبو عمرو بن العلاء: «الرُّشْد بضمة وسكون الصَّلاح في النظر، وبفتحتين الدِّين» قالوا ولذلك أُجْمِع على قوله {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} [النساء: 6] بالضم والسكون، وعلى قوله {فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً} [الجن: 14] بفتحتين. ورُوي عن ابن عامر «الرُّشُد» بضمَّتين وكأنه من باب الإِتباع كاليُسُر والعُسُر. وقرأ السلمي «الرَّشاد» بألف فيكون الرُّشْد والرَّشَد والرَّشاد كالسُّقْم والسَّقَم والسَّقَام. وقرأ ابن أبي عبلة «لا يتخذوها» و «يتخذوها» بتأنيث الضمير لأن السبيل يجوز تأنيثُها. قال تعالى: {قُلْ هذه سبيلي} [يوسف: 108] .

قوله: {ذلك} فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ خبره الجارُّ بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم. والثاني: أنه في محلِّ نصب. ثم اختُلِف في ذلك: فقال الزمخشري: «صَرَفَهم الله ذلك الصَّرْفَ بعينه فجعله مصدراً. وقال ابن عطية:» فعلنا ذلك «فجعله مفعولاً به، وعلى الوجهين فالباء في» بأنهم «متعلقةٌ بذلك المحذوف.

قوله: {وَكَانُواْ} في هذه الجملةِ احتمالان، أحدهما: أنها نسقٌ على خبر» أنَّ «، أي: ذلك بأنهم كذبوا، وبأنهم كانوا غافلين عن آياتنا. والثاني: أنها مستأنفةٌ أخبر الله تعالى عنهم بأنَّ مِنْ شأنهم الغفلةَ عن الآيات وتدبُّرِها.

7:147Page 168

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧

Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?

قوله تعالى: {والذين كَذَّبُواْ} : في خبره وجهان أحدهما: أنه الجملة من قوله {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ، و {هَلْ يُجْزَوْنَ} خبر ثان أو مستأنف. والثاني: أن الخبرَ «هل يُجْزون» والجملةُ من قوله «حَبِطَتْ» في محلِّ نصب على الحال، و «قد» مضمرة معه عند مَنْ يَشْترط ذلك، وصاحبُ الحال فاعلُ «كذَّبوا» .

قوله: {وَلِقَآءِ الآخرة} فيه وجهان، أحدهما: أنه من باب إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف والتقدير: ولقائهم الآخرة. والثاني: أنه من باب إضافة المصدر للظرف، بمعنى «ولقاء ما وعد الله في الآخرة» ، ذكرهما الزمخشري. قال الشيخ: «ولا يجيز جُلَّةُ النحويين الإِضافةَ إلى الظرف لأن الظرفَ على تقديرِ» في «، والإِضافةُ عندهم على تقدير اللام أو» مِنْ «، فإن اتُّسِع في العامل جازَ أن يُنْصَب الظرفُ/ نَصْبَ المفعول، ويجوز إذ ذاك أن يُضافَ مصدرُه إلى ذلك الظرف المتَّسَع في عاملِه، وأجازَ بعض النحويين أن تكون الإِضافةُ على تقدير» في «كما يُفهِمُ ظاهرُ كلامِ الزمخشري» .

قوله: {هَلْ يُجْزَوْنَ} هذا الاستفهامُ معناه النفي، ولذلك دخلت «إلا» ، ولو كان معناه التقريرَ لكان موجِباً فيَبْعُد دخول «إلا» أو يمتنع. وقال الواحدي هنا: « لا بد من تقديرِ محذوفٍ، أي: إلا بما كانوا، أو على ما كانوا، أو جزاء ما كانوا» . قلت: لأن نفسَ ما كانوا يَعْملونه لا يُجْزَوْنَه إنما يُجْزون بمقابله وهو واضح.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском