As-Samin al-HalabiAl‑A'raf · 7:157–166

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:157–166

7:157Page 170

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧

Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written [i.e., described] in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and prohibits them from what is wrong and makes lawful for them what is good and forbids them from what is evil and relieves them of their burden1 and the shackles which were upon them.2 So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.

قوله تعالى: {الذين يَتَّبِعُونَ} : في محله أوجه، أحدها: الجر نعتاً لقوله «الذين يتقون» . الثاني: أنه بدلٌ منه. الثالث: أنه منصوبٌ على القطع. الرابع: أنه مرفوع على خبر ابتداء مضمر وهو معنى القطع أيضاً. الخامس: أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ وجهان، أحدهما: أنه الجملةُ الفعلية من قوله «يأمرهم بالمعروف» . والثاني: الجملةُ الاسمية من قوله {أولئك هُمُ المفلحون} ذكر ذلك أبو البقاء، وفيه ضعف، بل مَنْعٌ، كيف يجعل «يأمرهم» خبراً وهو من تتمة وَصْفِ الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو على أنه معمولٌ للوجدان عند بعضهم كما سيأتي التنبيهُ عليه، وكيف يَجْعَلُ «أولئك هم المفلحون» خبراً لهذا الموصول، والموصولُ الثاني وهو قوله {فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} يطلبه خبراً، لا يتبادَرُ الذهنُ إلى غيره ولو تبادر لم يكن مُعْتبراً.

قوله: {الأمي} العامَّةُ على ضم الهمزة نسبةً: إمَّا إلى الأُمة وهي أمة العرب، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب، ومنه الحديثُ: «إنَّا أمةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتب ولا نحسب» ، وإمَّا نسبةً إلى الأَمّ وهو مصدر أَمَّ يَؤُمُّ، أي: قصد يقصد، والمعنى على هذا: أن هذا النبيَّ الكريم مقصود لكل أحدٍ. وفيه نظر، لأنه كان ينبغي أن يقال: الأَمِّيّ بفتح الهمزة. وقد يقال: إنه من تغيير النسب. وسيأتي أن هذا قراءةٌ لبعضهم، وإما نسبةً إلى أمِّ القرى وهي مكة، وإمَّا نسبة إلى الأُمّ كأن الذي لا يقرأ ولا يكتب على حالةِ ولادتِه من أمه.

وقرأ يعقوب «الأَمِّيّ» بفتح الهمزة، وخرَّجها بعضهم على أنه من تغيير النسب، كما قالوا في النسب إلى أُمَيَّة: أَمَوي/. وخرَّجها بعضهم على أنها نسبةٌ إلى الأَمّ وهو القصد، أي: الذي هو على القصد والسَّداد، وقد تقدَّم ذكرُ ذلك أيضاً في القراءة الشهيرة. فقد تحصَّل أن كلاً من القراءتين يحتمل أن تكون مُغَيَّرَةً من الأخرى.

قوله: «تجدونه» الظاهر أن هذه متعديةٌ لواحد لأنها اللُّقْبَة، والتقدير: تَلْقَوْنه، أي تَلْقَوْن اسمَه ونعته مكتوباً، لأنه بمعنى وُجْدان الضالَّة فيكون «مكتوباً» حالاً من الهاء في «تجدونه» . وقال أبو علي: «إنها متعدية لاثنين أولهما الهاء، والثاني» مكتوباً «. قال:» ولا بد من حذف هذا المضاف، أعني قوله «ذكره أو اسمه» . قال سيبويه: «تقول إذا نظرت في هذا الكتاب: هذا عمرو، وإنما المعنى: هذا اسم عمرو وهذا ذِكْر عمرو قال:» وهذا يجوزُ على سَعة الكلام «.

قوله: {عِندَهُمْ فِي التوراة} هذا الظرف وعديلُه كلاهما متعلِّقٌ ب» تَجدون «، ويجوز وهو الأظهر أن يتعلَّقا ب» مكتوباً «، أي: كُتِبَ اسمُه ونعته عندهم في تَوْراتهم وإنجيلهم.

قوله: {يَأْمُرُهُم} فيه ستةُ أوجه، أحدها: أنه مستأنف، فلا محلَّ له حينئذ وهو قول للزجاج. والثاني: أنه خبر ل «الذين» . قاله أبو البقاء، وقد ذُكِرَ، قلت: وقد ذكر ما فيه ثَمَّة. الثالث: أنه منصوبٌ على الحال من الهاء في «تجدونه» ولا بد من التجوز بها، ذلك بأن تُجْعَلَ حالاً مقدرة. وقد منع أبو علي أن تكون حالاً من هذا الضمير قال: «لأن الضميرَ للاسم والذِّكْرِ، والاسم والذِّكر لا يأمران» يعني أن الكلام على حَذْفِ مضافٍ كما مرَّ، فإن تقديره: تجدون اسمه أو ذِكْره، والذكرُ والاسمُ لا يأمران، إنما يأمر المذكور والمسمَّى. الرابع: أنه حال من «النبيّ» . الخامس: أنه حال من الضمير المستكن في «مكتوباً» . السادس: أنه مفسِّر ل «مكتوباً» ، أي لِما كُتِب، قاله الفارسي. قال: «كما فَسَّر قوله: {وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ} بقوله: {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [المائدة: 9] ، وكما فسَّر المَثَل في قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] بقوله {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} .

وقال الزجَّاج هنا:» ويجوز أن يكون المعنى: يجدونه مكتوباً عندهم أنه يأمرُهم بالمعروف، وعلى هذا يكون الأمرُ بالمعروف وما ذُكِر معه مِنْ صفته التي ذُكِرت في الكتابين «. واستدرك أبو علي عليه هذه المقالةَ فقال:» لا وجهَ لقوله «يجدونه مكتوباً عندهم أنه يأمرهم بالمعروف» إن كان يعني أن ذلك مرادٌ، لأنه لا شيءَ يَدُلُّ على حَذْفِه، ولأنَّا لا نَعْلَمهم أنهم صَدَقُوا في شيء، وتفسير الآية أنَّ {وجدت} فيها تتعدى لمفعولين «فَذَكر نحو ما قدَّمته عنه.

قلت: وهذا الردُّ تحاملٌ منه عليه، لأنه أراد تفسيرَ المعنى وهو تفسير حسن.

قوله: {إصرهم} قرأ ابن عامر:» آصارهم «بالجمع على صيغة أفْعال، فانقلبت الهمزة التي هي فاء الكلمة ألفاً لسَبْقِها بمثلها، والباقون بالإِفراد فهي جمع باعتبار متعلَّقاته وأنواعه، وهي كثيرة. ومَنْ أفرد فلأنه اسمُ جنسٍ. وقرأ بعضهم:» أَصرهم «بفتح الهمزة، وبعضُهم» أُصْرهم «بضمها. وقد تقدم تفسير هذه المادة في أواخر البقرة.

والأغلال جمع غُلّ، وهو هنا مَثَل لِما كُلِّفوه. وقد تقدَّم تفسير المادة أيضاً في آل عمران: {وما كان لنبي أن يَغُلَّ} ، وكذا تقدم تفسير التعزير في المائدة.

والعامَّة على تشديد» وعزَّروه «. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وسليمان التيمي بتخفيفها، وجعفر بن محمد:» وعَزَّزوه «بزايين معجمتين.

قوله: {أُنزِلَ مَعَهُ} قال الزمخشري:» فإن قلت: ما معنى «أُنْزِلَ معه» ، وإنما أُنْزِل مع جبريل؟ قلت: معناه أُنزل مع نبوته؛ لأن اسْتِنْباءَه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به.

ويجوز أن يتعلَّق ب «اتَّبعوا» ، أي: واتَّبعوا القرآن المنزَّل مع اتِّباع النبيّ وبالعمل بسنته وبما أَمَرَ به ونَهَى عنه، أو واتَّبعوا القرآنَ كما اتَّبعه مصاحبين له في اتَّباعه «يعني بهذا الوجهِ الأخير أنه حالٌ من فاعل» اتبعوا «. / وقيل:» مع «بمعنى» على «، أي: أُنْزِلَ عليه. وجوَّز الشيخ أن يكون» معه «ظَرْفاً في موضعِ الحال. قال:» والعاملُ فيها محذوف تقديره: أُنْزِلَ كائناً معه، وهي حال مقدَّرة كقولهم: «مررت برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً» فحالةُ الإِنزال لم يكن معه، لكنه صار معه بعدُ، كما أن الصيدَ لم يكن وقتَ المرور «.

7:158Page 170

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨

Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.

قوله تعالى: {إِلَيْكُمْ} : متعلقٌ ب «رسول» ، و «جميعاً» حال من المجرور ب إلى.

قوله: {الذي لَهُ مُلْكُ} يجوز فيه الرفع والنصب والجر، فالرفعُ والنصبُ على القطع وقد مرَّ غيرَ مرة. والجرُّ من وجهين: إمَّا النعتِ للجلالة، وإمَّا البدلِ منها. قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون جَرّاً على الوصفِ وإن حِيل بين الصفة والموصوف بقوله» إليكم جميعاً «. وقد استضعف أبو البقاء هذا ووجهَ البدل فقال:» ويَبْعُدُ أن يكونَ صفة لله أو بدلاً منه لِما فيه من الفصل بينهما ب «إليكم» وبحالٍ، وهو متعلِّق ب «رسول» .

قوله: {لا إله إِلاَّ هُوَ} لا محلَّ لهذه الجملةِ من الإِعراب، إذ هي بدلٌ من الصلةِ قبلها، وفيها بيانٌ لها، لأنَّ مَنْ مَلَكَ العالَم كان هو الإِلهَ على الحقيقة. وكذا قوله «يحيي ويميت» هي بيانٌ لقوله {لا إله إِلاَّ هُوَ} سِيْقَتْ لبيان اختصاصه بالإِلهية لأنه لا يَقْدِرُ على الإِحياءِ والإِماتةِ غيرُه، قال ذلك الزمخشري. قال الشيخ: «وإبدالُ الجملِ من الجمل غيرِ المشتركة في عاملٍ لا نعرفه» . وقال الحوفي: «إنَّ» يحيي ويميت «في موضع خبر» لا إله «. قال:» لأن الإِله في موضع رفع بالابتداء، و «إلا هو» بدلٌ على الموضع «قال:» والجملةُ أيضاً في موضع الحال من اسم الله «. قلت: يعني بالجملة قولَه {لا إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ} ويعني باسم الله، أي الضمير في» له مُلْك «، أي: استقرَّ له الملك في حال انفراده بالإِلهية. وقال الشيخ:» والأحسن أن تكون هذه جملاً مستقلة من حيث الإِعراب، وإن كان متعلقاً بعضُها ببعض من حيث المعنى «. وقال في إعراب الحوفي المتقدم:» إنه متكلِّفٌ «وهو كما قال.

وقرأ مجاهد وعيسى» وكلمة «بالتوحيد، والمراد بها الجنس كقوله:» أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد «، ويسمُّون القصيدة كلها كلمةً، وقد تقدَّم لك شرح هذا.

قوله: {فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ} قال الزمخشري:» فإن قلت: هَلاَّ قيل: فآمنوا بالله وبي بعد قوله: {إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} . قلت: عَدَل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفاتُ التي أُجْرِيَتْ عليه، ولِما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليُعْلِم أنَّ الذي يجب الإِيمان به واتِّباعه هو هذا الشخص المستقلّ بأنه النبيُّ الأميُّ الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً مَنْ كان أنا أو غيري إظهاراً للنَّصَفة وتفادياً من العصبية لنفسه «.

7:159Page 170

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩

And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.

No commentary for this ayah

7:160Page 171

وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠

And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ} : الظاهر أن «قطعناهم» متعدٍّ لواحد لأنه لم يُضَمَّنْ معنى ما يتعدى لاثنين، فعلى هذا يكون «اثنتي» حالاً من مفعول «قطَّعناهم» ، أي: فَرَّقْناهم معدودِين بهذا العدد. وجوَّز أبو البقاء أن يكون قَطَّعْنا بمعنى صَيَّرنا وأن «اثنتي» مفعولٌ ثانٍ، وجزم الحوفي بذلك.

وتمييز «اثنتي عشرة» محذوف لفهم المعنى تقديره: اثنتي عشرة فرقة و «أسباطاً» بدل من ذلك التمييز. وإنما قلت إن التمييز محذوف، ولم أجعل «أسباطاً» هو المميِّز لوجهين، أحدهما: أن المعدودَ مذكرٌ لأن أسباطاً جمع سِبْط، فكان يكون التركيبُ اثني عشر. والثاني: أن تمييز العدد المركب وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر مفرد منصوب، وهذا كما رأيت جمعٌ. وقد جعله الزمخشري تمييزاً له معتذراً عنه فقال: «فإن قلتَ: مميِّز ما عدا العشرةَ مفردٌ فما وجهُ مجيئه جمعاً؟ وهلا قيل: اثني عشر سِبْطاً. قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقاً لأن المرادَ: وقطَّعْناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكلُّ قبيلة أَسْباط لا سِبْط، فوضع أسباطاً موضع قبيلة. ونظيرُه:

2315 - ...

بين رماحَيْ مالكٍ ونَهْشَلِ

قال الشيخ:» وما ذهب إليه من أن كل/ قبيلة أسباط خلافُ ما ذكره الناس: ذكروا أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وقالوا: الأسباط جمع [سبط] ، وهم الفرق والأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في ولد إسماعيل ويكون على زعمه قولُه تعالى: {وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط} معناه: والقبيلة. وقوله وهو نظير قوله «بين رماحَيْ مالك ونهشل» ليس بنظيره، لأن هذا من باب تثنية الجمع وهو لا يجوز إلا في ضرورة، وكأنه يشير إلى أنه لو لم يُلْحَظْ في الجمع كونُه أريد به نوعٌ من الرماح لم تَصِحَّ التثنية، كذلك هنا لُحِظ في الأسباط وإن كان جمعاً معنى القبيلة فَمُيِّزَ به كما يُمَيَّزُ بالمفرد «.

وقال الحوفي:» يجوز أن يكونَ على الحَذْف، والتقدير: اثنتي عشرة فرقةً أسباطاً، ويكون «أسباطاً» نعتاً لفرقة، ثم حُذف الموصوفُ وأقيمت الصفة مُقامه. وأمم نعتٌ لأسباط، وأنَّث العددَ وهو واقعٌ على الأسباط وهو مذكر وهو بمعنى فرقة أو أمة كما قال:

2316 - ثلاثة أنفس. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يعني رجلاً. [وقال:]

2317 -. . . . . . . . . . . . . . . . عشرُ أَبْطُنْ ... . . . . . . . . . . . . . . . .

بالنظر إلى القبيلة. ونظيرُ وصفِ التمييز المفرد بالجمع مراعاةً للمعنى قول الشاعر: 2318 - فيها اثنتان وأربعون حَلوبةً ... سُوداً كخافيةِ الغراب الأَسْحَمِ

فوصف «حلوبة» وهي مفردةٌ لفظاً ب «سُوْداً» وهو جمع مراعاةً لمعناها، إذ المرادُ الجمع «.

وقال الفراء:» إنما قال «اثنتي عشرة» والسِّبط مذكر لأنَّ ما بعده أممٌ فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان اثني عشر لتذكير السبط لكان جائزاً «واحتجَّ النحويون على هذا بقول الشاعر:

2319 - وإنَّ قريشاً هذه عشرُ أبطنٍ ... وأنت بريءٌ من قبائلها العشرِ

ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة، لذلك أنَّث والبطن ذَكَر.

وقال الزجاج: «المعنى:» وقَطَّعناهم اثنتي عشرة فرقةً أسباطاً، من نعتِ فرقة كأنه قال: جَعَلناهم أسباطاً وفَرَّقْناهم أسباطاً «، وجوَّز أيضاً أن يكون» أسباطاً «بدلاً من» اثنتي عشرة «وتبعه الفارسيُّ في ذلك.

وقال بعضهم:» تقدير الكلام: وقطعناهم فرقاً اثنتي عشرة، فلا يُحتاج حينئذٍ إلى غيره. وقال آخرون: جَعَل كلَّ واحد من الاثنتي عشرة أسباطاً، كما تقول: لزيد دراهم ولفلان دراهم ولفلان دراهم، فهذه عشرون دراهم، يعني أن المعنى على عشرينات من الدراهم. ولو قلت: لفلان ولفلان ولفلان عشرون درهماً بإفراد «درهم» لأدَّى إلى اشتراك الكل في عشرين واحدة والمعنى على خلافه. وقال جماعة منهم البغوي: «وفي الكلام تقديمٌ وتأخير تقديرُه: وقطعناهم أسباطاً أمماً اثنتي عشرة» .

وقوله {أُمَماً} : إمَّا نعتٌ لأسباطاً، وإمَّا بدل منها بعد بدل على قولنا: إن أسباطاً بدلٌ من ذلك التمييزِ المقدر. وجَعَلَه الزمخشري أنه بدل من اثنتي عشرة قال: «بمعنى: وقَطَّعناهم أمماً لأن كل أسباط كانَتْ أمةً عظيمة وجماعة كثيفة العدد» وكلُّ واحدة تَؤُمُّ خلافَ ما تَؤُمُّه الأخرى لا تكاد تأتلف «انتهى. وقد تقدَّم القول في الأسباط.

وقرأ أبان بن تغلب» وَقَطَعْناهم «بتخفيف العين، والشهيرةُ أحسنُ لأنَّ المقامَ للتكثير، وهذه تحتمله أيضاً. وقرأ الأعمش وابن وثاب وطلحة ابن سليمان» عَشِرة «بكسر الشين، وقد رُوي عنهم فتحُها أيضاً، ووافقهم على الكسر فقط أبو حيوة وطلحة بن مصرف. وقد تقدَّم تحقيق ذلك في البقرة، وأن الكسرَ لغةُ تميم والسكونَ لغةُ الحجاز.

قوله: {أَنِ اضرب} يجوز في» أَنْ «أن تكون المفسِّرة للإِيحاء، وأن تكونَ المصدرية. وقوله:» فانبجسَتْ «كقوله: {فانفجرت} [البقرة: 80] إعراباً وتقديراً ومعنىً، وقد تقدم جميعُ ذلك في البقرة. وقيل: الانبِجاسُ: العَرَق. قال أبو عمرو بن العلاء: /» انبجست: عَرِقَتْ، وانفجرت: سالَتْ «ففرَّق بينهما بما ذُكر، وفي التفسير أن موسى عليه الصلاة والسلام كان إذا ضَرَبَ الحجر ظهر عليه مثلُ ثَدْي المرأة فَيَعْرَقُ ثم يَسيل، وهما قريبان من الفَرْق المذكور في النضخ والنضح. وقال الراغب:» يقال: بَجَس الماءُ وانبجَسَ انفجر، لكن الانبجاسَ أكثرُ ما يُقال فيما يَخْرج من شيءٍ ضيق، والانفجار يُستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع، ولذلك قال تعالى: {فانبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً} ، وفي موضعٍ آخرَ {فانفجرت} [البقرة: 60] ، فاستُعْمل حيث ضاق المخرج اللفظتان «يعني ففرَّق بينهما بالعموم والخصوص، فكلُّ انبجاسٍ انفجارٌ من غير عكس.

وقال الهروي: «يقال: انبجسَ وتَبَجَّس وتَفَجَّر وتفتَّق بمعنى واحدٍ» ، وفي حديث حذيفة: «ما منا إلا رجلٌ له آمَّةٌ يَبْجُسُها الظُّفُر غيرَ رَجُلَيْن» يعني عمر وعلياً رضي الله عنهم. الآمَّة: الشجَّة تبلغ أمَّ الرأس، وهذا مَثَل يعني أن الآمَّة منا قد امتلأت صديداً بحيث إنه يُقْدر على استخراج ما فيها بالظفر من غير احتياج إلى آلة حديد كالمِبْضَع فعبَّر عن زَلَلِ الإِنسان بذلك، وأنه تفاقم إلى أن صار يشبه شَجَّةً هذه صفتها.

قوله: {كُلُّ أُنَاسٍ} قد تقدَّم الوعدُ في البقرة بالكلام على لفظة «أناس» هنا. قال الزمخشري: «الأناس: اسم جمع غير تكسير نحو: رُخال وتُناء وتُؤام وأخواتٍ لها. ويجوز أن يقال: إن الأصل الكسر والتكسير، والضمة بدل من الكسرة كما أُبدلت في نحو سُكارَى وغُيارَى من الفتحة» . قال الشيخ: «ولا يجوز ما قال لوجهين، أحدهما: أنه لم يُنْطَقْ ب» إناس «بكسر الهمزة فيكون جمعَ تكسيرٍ حتى تكونَ الضمةُ بدلاً من الكسرة بخلاف سُكارى وغيارى فإن القياس فيه فَعالى بفتح فاء الكلمة، وهو مسموع فيهما. والثاني: أن سُكارى وغُيارى وعُجالى وما ورد من نحوها ليست الضمةُ فيه بدلاً من الفتحة، بل نَصَّ سيبويه في» كتابه «على أنه جمعُ تكسيرٍ أصلٌ، كما أن فَعالى جمعُ تكسيرٍ أصلٌ، وإن كان لا ينقاس الضمُّ كما ينقاس الفتح.

قال سيبويه في حَدِّ تكسيرِ الصفات:» وقد يُكَسِّرون بعضَ هذا على فُعالى وذلك قول بعضِهم «عُجالى وسُكارى» . وقال سيبويه في الأبنية أيضاً: «ويكونُ فُعالى في الاسم نحو: حُبارَى وسُمانى ولُبادى ولا يكون وصفاً إلا أن يُكَسَّر عليه الواحدُ للجمع نحو: سُكارى وعجالى» فهذان نَصَّان من سيبويه على أنه جمعُ تكسير، وإذا كان جمعَ تكسيرٍ أصلاً لم يَسْغُ أن يُدَّعى أن أصلَه فَعالَى وأنه أُبْدلت الحركة فيه. وذهب المبرد إلى أنه اسمُ جمع أعني فُعالى بضم الفاء وليس بجمع تكسير، فالزمخشري لم يذهبْ إلى ما ذهب إليه سيبويه، ولا إلى ما ذهب إليه المبرد، لأنه عند المبرد اسمُ جمعٍ، فالضمة في فائه أصلٌ ليست بدلاً من الفتحة بل أحدث قولاً ثالثاً «انتهى.

قوله: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ} قد تقدَّم الكلامُ على هذه الجملةِ وما قبلها، وما بعدها في البقرة، وكأن هذه القصةَ مختصرةٌ مِنْ تِيْكَ، فإن تِيْكَ أشبعُ من هذه. قال الزمخشري:» التقديمُ والتأخيرُ في «وقولوا وادخلوا» سواء قَدَّموا الحِطَّة على دخول الباب أو أخَّروها، فهم جامعونَ في الإِيجادِ بينهما «قال الشيخ:» وقولُه: سواءٌ قَدَّموا أو أخَّروها تركيبٌ غير عربي، وإصلاحهُ: سواء أقدَّموا أم أخَّروا كما قال تعالى:

{سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21] قلت: يعني كونه أتى لفظُ «سواء» بأو دون أم، ولم يأت بهمزة التسوية بعد سواء، وقد تقدم أن ذلك جائزٌ وإن كان الكثيرُ ما ذكره، وأنه قد قرئ {سواء عليهم أأنذرتهم أو لم تُنْذِرْهم} والردُّ بمثل هذا غيرُ طائلٍ.

وقرأ عيسى الهمذاني «ما رَزَقْتُكم» بالإِفراد، وسيأتي خلافٌ بين السبعة في مثل هذا في سورة طه.

قوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} قد تقدَّم الخلاف في «يغفر» وأما «خطاياكم» فقرأها ابنُ عامر «خطيئتكم» بالتوحيد والرفع على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والفرض أنه يقرأ «تُغْفَر» بالتاء من فوق. ونافع قرأ «خطيئاتكم» بجمعِ السَّلامة رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ لأنه يقرأ «تُغْفَر» كقراءةِ ابن عامر، وأبو عمرو قرأ: «خطاياكم» جمعَ تكسير، ويَقرأ «نغفر» بنونِ العظمة، والباقون: نَغْفر كأبي عمرو، «خطيئاتكم» بجمع السَّلامة منصوباً بالكسرة على القاعدة. وفي سورة نوح قرأ أبو عمرو/ «خطاياهم» بالتكسير أيضاً، والباقون بجمع التصحيح. وقرأ ابن هرمز «تُغْفَر» بتاء مضمومة مبنياً للمفعول كنافع، «خطاياكم» كأبي عمرو. وعنه أيضاً: «يَغْفر» بياء الغيبة، وعنه: «تَغْفِر» بفتح التاء من فوق، على معنى أن الحِطَّة سببٌ للغفران فنسب الغفرانَ إليها.

7:161Page 171

وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١

And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

No commentary for this ayah

7:162Page 171

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

No commentary for this ayah

7:163Page 171

وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

قوله تعالى: {عَنِ القرية} : لا بد من مضافٍ محذوفٍ، أي: عن خبر القرية، وهذا المضافُ هو الناصبُ لهذا الظرف وهو قوله: «إذ يعدون» وقيل: بل هو منصوبٌ ب «حاضرة» . قال أبو البقاء: «وجوَّز ذلك أنها كانت موجودةً ذلك الوقتَ ثم خَرِبَتْ» . وقدَّر الزمخشري المضاف «أهل» ، أي: عن أهل القرية، وجعل الظرفَ بدلاً من «أهل» المحذوف فإنه قال: «إذ يَعْدون» بدل من القرية، والمرادُ بالقرية أهلُها، كأنه قيل: وسَلْهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو مِنْ بدل الاشتمال.

قال الشيخ: «وهذا لا يجوزُ، لأنَّ» إذ «من الظروف التي لا تتصرَّف، ولا يَدْخل عليها حرفُ جر، وجَعْلُها بدلاً يُجَوِّز دخول» عن «عليها لأنَّ البدلَ هو على نية تكرار العامل، ولو أَدْخَلْت» عن «عليها لم يَجُزْ، وإنما يُتَصَرَّفُ فيها بأنْ تُضِيْفَ إليها بعضَ الظروفِ الزمانية نحو» يوم إذ كان كذا «، وأمَّا قولُ مَنْ ذهب إلى أنها تكونُ مفعولةً ب» اذكر «: فقولُ مَنْ عَجَز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفاً» .

وقال الحوفي: «إذ متعلقةٌ ب» سَلْهم «. قال الشيخ:» وهذا لا يُتَصور، لأن «إذ» لِما مضى، و «سَلْهم» مستقبلٌ، ولو كان ظرفاً مستقبلاً لم يَصِحَّ المعنى، لأنَّ العادِين وهم أهل القرية مفقودون، فلا يمكن سؤالُهم فالمسؤول غير أهل القرية العادين «.

وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك:» يَعَدُّون «بفتح العين وتشديد الدال، وهذه تشبه قراءةَ نافع في قوله» لا تَعَدُّوا في السبت «والأصل» تَعْتَدُّوا «فأدغم التاءَ في الدال لمقاربتها لها. وقُرئ» تُعِدُّون «بضمِ التاء وكسرِ العين وتشديد الدال من أعدَّ يُعِدُّ إعداداً: إذا هَيَّأ آلاتِه. وفي التفسير: أنهم كانوا مأمورين في السبت فيتركونها ويُهَيِّئون آلاتِ الصيد.

قوله: {إِذْ تَأْتِيهِمْ} العاملُ فيه» يَعْدُون «، أي: إذ عَدَوا إذ أَتَتْهم، لأنَّ الظرفَ الماضي يَصْرِفُ المضارع إلى المضيّ. وقال الزمخشري:» وإذ تأتيهم بدلٌ من إذْ يَعْدُون بدلاً بعد بدل «يعني أنه بدلٌ ثانٍ من القرية على ما تقرَّر عنه. وقد تقدَّم ردُّ الشيخ عليه هناك وهو عائدٌ هنا.

و» حِيْتان «جمع حُوت، وإنما أُبدلت الواو ياء لسكونها وانكسارِ ما قبلَها. ومثلُه: نون ونينان. والنونُ: الحوت.

قوله: {شُرَّعاً} حالٌ من» حِيتانهم «وشُرَّعٌ جمعُ شارع. وقرأ عمر ابن عبد العزيز» يوم إسْباتهم «وهو مصدرٌ» أسبت «إذا دخل في السَّبْت.

وقرأ عاصم بخلافٍ عنه وعيسى بن عمر: لا يَسْبُتون بضم الباء. وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف عنه «يُسْبِتون» بضم الياء وكسرِ الباء مِنْ أَسْبت، أي: دَخَل في السبت. وقرئ: «يُسْبَتُون» بضمِّ الياء وفتح الباء مبنياً للمفعول، نقلها الزمخشري عن الحسن قال: «أي: لا يُدار عليهم السَّبْت ولا يُؤْمرون بأن يَسْبِتُوا» .

والعاملُ في «يوم لا يَسْبتون» قوله «لا تَأْتيهم» أي: لا تأتيهم يوم لا يَسْبتون، وهذا يدلُّ على جواز تقديم معمول المنفي ب «لا» عليها. وقد قدَّمْتُ فيه ثلاثةَ مذاهب: الجوازَ مطلقاً كهذه الآية، المنعَ مطلقاً، التفصيلَ: بين أن يكون جوابَ قسم فيمتنعَ أو لا فيجوز.

قوله: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} ذكر الزجاج وابن الأنباري في هذه الكاف ومجرورِها وجهين، أحدهما: قال الزجاج: «أي: مثلَ هذا الاختبار الشديد نختبرهم، فموضعُ الكاف نصب ب» نَبْلوهم «. قال ابن الأنباري:» ذلك «إشارةٌ إلى ما بعدَه، يريد: نَبْلوهم بما كانوا يفسُقون كذلك البلاءَ الذي وقع بهم في أَمْرِ الحِيتان، وينقطع الكلام عند قوله» لا تأتيهم «.

الوجه الثاني: قال الزجاج:» ويحتمل أن يكون على بُعْدٍ أن يكونَ: ويومَ لا يَسْبِتُون لا تأتيهم كذلك، أي: لا تأتيهم شُرَّعاً، ويكون نَبْلوهم مستأنفاً «. قال أبو بكر:» وعلى هذا الوجهِ: «كذلك» راجعةٌ إلى الشُّروع في قوله تعالى: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً} والتقدير: ويوم لا يَسْبِتون لا تأتيهم كذلك الإِتيانَ بالشروع، وموضعُ الكاف على هذا نصبٌ بالإِتيان على الحال، أي: لا تأتي مثلَ ذلك الإِتيان «. /

وقوله: {بِمَا كَانُوا} الباء سببيةٌ، و» ما «مصدريةٌ أي: نَبْلُوهم بسببِ فِسْقِهم، ويَضْعُفُ أن تكونَ بمعنى الذي لتكلُّفِ حَذْفِ العائد على التدريج. وقد ذكر مكي هنا مسألةً مختلفاً فيها بين النحاة لا تعلُّق لها بهذا الموضع فقال:» وأفصحُ اللغات أن ينتصبَ الظرف مع السبت والجمعة فتقول: اليومَ السبتُ، واليومَ الجمعة، فَتُنْصَبَ «اليوم» على الظرف وتُرْفَعَ مع سائر الأيام فتقول: اليومَ الأحد، واليومَ الأربعاء، لأنه لا معنى للفعل فيهما، فالمبتدأ هو الخبر فترفع «. قلت: هذه المسألة فيها خلافٌ بين النحويين، فالجمهور كما ذكر يوجبون الرفعَ لأنه بمنزلة قولك: اليومُ الأولُ، اليوم الثاني. وأجاز الفراء وهشام النصب قالا:» لأن اليوم بمنزلة الآن، فالآن أعم من الأحد والثلاثاء، فكأنه قيل: الآن الأحد، الآن الاثنان «، أي: إنهما واقعان في الآن، وليست هذه المسألةُ مختصةً بالجمعة والسبت، بل الضابطُ فيها أنه إذا ذُكر» اليوم «مع ما يتضمن عملاً وحدثاً جاز النصب والرفع نحو قولهم: اليوم العيد، اليوم الفطر، اليوم الأضحى، كأنك قلت: اليوم يَحْدُث اجتماع وفطر وأُضْحية.

7:164Page 172

وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

قوله تعالى: {مَعْذِرَةً} : قرأ العامة «معذرة» رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي موعظتنا معذرة. وقرأ حفص عن عاصم وزيد ابن علي وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف: «معذرةً» نصباً. وفيها ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنها منصوبةٌ على المفعول من أجله، أي: وعَظْناه لأجلِ المعذرة. قال سيبويه: «ولو قال رجلٌ لرجل: معذرةً إلى الله وإليك من كذا انتصب» . الثاني: أنها منصوبةٌ على المصدر بفعل مقدرٍ مِنْ لفظِها تقديرُه: نعتذر معذرةً. الثالث: أن ينتصبَ انتصابَ المفعولِ به لأنَّ المعذرةَ تتضمَّن كلاماً، والمفردُ المتضمنُ لكلامٍ إذا وقع بعد القول نُصِبَ نَصْبَ المفعول به كقلت خطبة. وسيبويه يختار الرفع قال: «لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنفاً، ولكنهم قيل لهم: لِمَ تَعِظُون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة» . والمَعْذِرة: اسمُ مصدر وهو العُذْر. قال الأزهري: «إنها بمعنى الاعتذار» والعُذْر: التنصُّل من الذنب.

7:165Page 172

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

قوله تعالى: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} : الضمير في «نَسُوا» للمنهيين. و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، أي: فلمَّا نَسُوا الوعظَ الذي ذكَّرهم به الصالحون. قال ابن عطية: «ويحتمل أن يُرادَ به الذِّكْرُ نفسُه، ويُحتمل أن يرادَ به ما كان فيه الذكر» قال الشيخ: «ولا يَظْهر لي هذان الاحتمالان» قلت: يعني ابن عطية بقوله «الذكر نفسه» ، أي: نفسُ الموصول مرادٌ به المصدر كأنه قال: فلما نَسُوا الذكر الذي ذُكِّروا به، وبقوله «ما كان فيه الذكر» نفسُ الشيء المُذَكَّر به الذي هو متعلَّق الذكر، لأن ابن عطية لمَّا جَعَل «ما» بمعنى الذي قال: «إنها تحتملُ الوقوعَ على هذين الشيئين المتغايرين» .

قوله: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} قرأ نافع وأبو جعفر وشيبة: «بِيْسٍ» بياء ساكنة. وابن عامر بهمزة ساكنة، وفيهما أربعة أوجه، أحدها: أن هذا في الأصل فعلٌ ماضٍ سُمِّي به فأُعْرِب كقوله عليه السلام: «أنهاكم عن قيلٍ وقال» بالإِعراب والحكاية، وكذا قولهم: «مُذْ شَبَّ إلى دَبَّ» و «مُذْ شَبٍّ إلى دَبٍّ» فلمَّا نُقِل إلى الاسمية صار وَصْفاً ك نِضْو ونِقْض. والثاني: أنه وصف وُضِع على فِعْل كحِلْف. الثالث: أن أصلَه بَئيس كالقراءة المشهورة، فخفَّف الهمزة، فالتقت ياءان ثم كَسَر الباء إتباعاً كرِغيف وشِهيد، فاستثقل توالي ياءين بعد كسرة، فحذفت الياء المكسورة فصار اللفظ بِئْسٍ، وهو تخريج الكسائي. الرابع: أن أصله «بَئِس» بزنة كَتِف ثم أُتْبعت الباءُ للهمزة في الكسر، ثم سُكِّنت الهمزة ثم أُبدلت ياء. وأمَّا قراءةُ ابنِ عامر فتحتمل أن تكون فعلاً منقولاً، وأن تكون وصفاً كحِلْف.

وقرأ أبو بكر عن عاصم «بَيْئَسٍ» بياء ساكنة بين باء وهمزة مفتوحتين وهو صفةٌ على فَيْعَل كضيغَم وصَيْرَف وهي كثيرة في الأوصاف/. وقال امرؤ القيس بن عابس الكندي:

2320 - كلاهما كان رئيساً بَيْئَساً ... يَضْرِبُ في يومِ الهياجِ القَوْنَسا وقرأ باقي السبعة بَئِيْسٍ بزنة رئيس. وفيه وجهان، أحدهما: أنه وصفٌ على فَعِيل كشديد وهو للمبالغة وأصله فاعل. والثاني: أنه مصدرٌ وُصف به أي: بعذابٍ ذي بأس بئيس، مصدر مثل النذير والنكير والعذير، ومثل ذلك في احتمال الوجهين قول أبي الإِصبع العدواني:

2321 - حَنَقَاً عَلَيَّ ولا أَرَى ... ليَ منهما شَرَّاً بئيساً

وهي أيضاً قراءةُ علي وأبي رجاء.

وقرأ يعقوبٌ القارئ: بَئِسَ بوزن شَهِدَ، وقرأها أيضاً عيسى بن عمر وزيد بن علي. وقرأ نصر بن عاصم: بَأَس بوزن ضَرَب فعلاً ماضياً.

وقرأ الأعمش ومالك بن دينار: بَأْس فعلاً ماضياً، وأصله بئِس بكسرِ الهمزة فسَكَّنها تخفيفاً كشَهْد في قوله:

2322 - لو شَهْدَ عادَ في زمانِ تُبَّعِ ... وقرأ ابن كثير وأهل مكة: بِئِسٍ بكسر الباء والهمز همزاً خفيفاً، ولم يُبَيَّن: هل الهمزةُ مكسورةٌ أو ساكنة؟

وقرأ طلحة وخارجة عن نافع بَيْسٍ بفتح الباء وسكون الياء مثل كَيْل وأصله بَيْئَس مثل: ضَيْغَم فخفَّف الهمزةَ بقلبها ياءً وإدغامِ الياء فيها، ثم خَفَّفه بالحذف كمَيْت في مَيّت.

وقرأ عيسى بن عمر والأعمش وعاصم في رواية: بَيْئِسٍ كقراءة أبي بكر عنه إلا أنه كسر الهمزة. وهذه قد رَدَّها الناسُ لأن فَيْعِلاً بكسر العين في المعتلِّ، كما أن فَيْعَلاً بفتحها في الصحيح كسيِّد وضَيْغَم. على أنه قد شذَّ: صَيْقِل بالكسر، وعَيَّل بالفتح.

وقرأ نصر في رواية مالك بن دينار عنه «بَأَسٍ» بفتح الباء والهمزة وجَرِّ السين بزنة جَبَل.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وطلحة بن مصرف «بِئَسٍ» مثل كَبِد وحَذِر قال عبيد الله بن قيس:

2323 - ليتني أَلْقَى رُقَيَّةَ في ... خَلْوةٍ من غير ما بَئِسِ

وقرأ نصر بن عاصم في رواية «بَيِّسٍ» بتشديد الياء كميّت، وفيها تخريجان، أحدهما: أنها من البؤس ولا أصلَ لها في الهمز، والأصل: بَيْوِس كمَيْوِت ففُعِل به ما فُعِل به. والثاني: أن أصلَه الهمزةُ فأبدلها ياءً ثم أدغم الباء في الياء.

وقرأ أيضاً في روايةٍ «بَأَّس» بهمزةٍ مشددة، قالوا: قَلَبَ الياءَ همزةً وأدغمها في مثلها ماضياً كشَمَّر.

وطائفة أخرى: بَأَسَ «كالتي قبلها إلا أن الهمزةَ خفيفةٌ.

وطائفة:» باسٍ «بألف صريحة بين الباء والسين المجرورة.

وقرأ أهلُ المدينة:» بِئيس «كرئيس، إلا أنهم كسروا الباءَ، وهذه لغةُ تميم في فعيل الحلقيِّ العين نحو: بِعير وشعير وشهيد سواء أكان اسماً أم صفة.

وقرأ الحسن والأعمش:» بِئْيَسٍ «بياءٍ مكسورة ثم همزةٍ ساكنة ثم ياءٍ مفتوحةٍ بزنة حِذْيَم وعِثْيَر.

وقرأ الحسن: بِئْسَ بكسرِ الباء وسكون الهمزة وفتح السين، جَعَلَها التي للذَّمِّ في نحو: بئس الرجل زيد، ورُوِيت عن أبي بكر.

وقرأ الحسن أيضاً كذلك إلا أنه بياءٍ صريحة، وتخريجُها كالتي قبلها وهي مرويَّةٌ عن نافع. وقد ردَّ أبو حاتم هذه القراءةَ والتي قبلها بأنه لا يُقال:» مررت برجلٍ بئس «حتى يقال: بئس الرجل، أو بئس رجلاً. قال النحاس:» وهذا مردودٌ يعني قولَ أبي حاتم حكى النحويون: «إن فعلتَ كذا وكذا فبها ونعمَتْ» ، أي: ونِعمَتِ الخَصْلة، والتقدير: بئس العذاب «. قلت: أبو حاتم معذورٌ في [ردّ] القراءة فإن الفاعلَ ظاهراً غيرُ مذكور والفاعلُ عمدةٌ لا يجوز حذفه، ولكن قد ورد في الحديث:» من توضَّأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل «ففاعل» نعمت «هنا مضمرٌ يفسَِّره/ سياقُ الكلام. قال الشيخ:» فهذه اثنتان وعشرون قراءةً، وضبطُها بالتلخيص أنها قُرِئَتْ ثلاثيةَ اللفظِ ورباعيَّتَه: فالثلاثي اسماً: بِيْسٍ، بِئْسٍ، بَيْسٍ، بَاْسٍ، بَأَسٍ، بِئِسٍ، بَئِسٍ.

وفعلاً: بِئْسَ، بِيْسَ، بَئِسَ، بَأَسَ، بَأْسَ، بَيَسَ. والرباعية اسماً: بَيْئَسٍ، بِيْئِسٍ، بَيْئِسٍ، بَيِّسٍ، بَئِيْسٍ. بِئَيْسٍ، بِئْيَسٍ. وفعلاً: بَأَّسَ.

قلت: وقد زاد أبو البقاء أربع قراءات أخر: بَيِسٍ بباء مفتوحة وياءٍ مكسورةٍ. قال: «وأصلُها همزة مكسورة فأبدلَتْ ياء، وبَيَس بفتحهما، قال» وأصلها ياءٌ ساكنةٌ وهمزةٌ مفتوحة، إلا أن حركةَ الهمزةِ أُلْقِيَتْ على الياء وحُذِفَتْ، ولم تُقْلَبِ الياءُ ألفاً لأن حركتَها عارضةٌ «. وبَأْيَسٍ بفتح الباءِ وسكونِ الهمزة وفتح الياء، قال:» وهو بعيد إذ ليس في الكلام فَعْيَل «. وقرئ بَيْآس على فَيْعال وهو غريب. فهذه ستٌّ وعشرون قراءة في هذه اللفظة، وقد حرَّرْتُ ألفاظها وتوجيهاتها بحمد الله تعالى.

7:166Page 172

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском