As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:167–179
7:167Page 172
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧
And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.
قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ} : تَأَذَّن: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه بمعنى آذَنَ أي: أَعْلَمَ. قال الواحديُّ: «وأكثرُ أهل اللغة على أنَّ التأذُّن بمعنى الإِيذان وهو الإِعلامُ. قال الفارسي:» آذن «أَعْلَمَ، وأذَّن: نادى وصاح للإِعلام ومنه قوله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: 44] . قال:» وبعض العرب يُجْري آذَنْتُ مجرى تأذَّنْتُ، فيجعل آذن وتأذَّن بمعنى، فإذا كان أذَّن أعلم في لغة بعضهم فأذَّن: تفعَّل مِنْ هذا. وقيل: إن معناه حَتَّم وأوجب «. وقال الزمخشري:» تأذَّن: عَزَم ربك، وهو تَفَعَّل من الإِيذان وهو الإِعلامُ، لأن العازمَ على الأمر يحدِّث به نفسَه ويُؤْذِنُها بفعله، وأُجْري مُجْرى فعل القسم ك عَلِمَ الله وشهد الله، ولذلك اُجيب بما يُجاب به القسم وهو: «ليبعثَنَّ» . وقال الطبري وغيرُه: «تَأَذَّن معناه أَعْلَمَ» وهو قلقٌ مِنْ جهة التصريف إذ نسبةُ «تأذَّن» إلى الفاعلِ غيرُ نسبة أعلم، وبين ذلك فرقٌ بين التعدي وغيره.
قوله: {إلى يَوْمِ القيامة} فيه وجهان أحدُهما: أنه متعلقٌ ب «يَبْعَثَنَّ» وهذا هو الصحيحُ. والثاني: أنه متعلقٌ ب «تأذَّن» نقله أبو البقاء. ولا جائزٌ أن يتعلق بيُسومهم لأن مَنْ: إمَّا: موصولةٌ وإمَّا موصوفةٌ، والصلةُ والصفة لا يعملان فيما قبل الموصول والموصوف.
7:168Page 172
وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨
And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].
قوله تعالى: {أُمَماً} : إمَّا حالٌ من مفعول «قطَّعناهم» ، وإمَّا مفعولٌ ثانٍ على ما تقدَّم من أنَّ قَطَّعَ تضمَّن معنى صَيَّر. و «منهم» الصالحون «صفةٌ لأمم. وقال أبو البقاء:» أو بدل منه، أي: من أمم «يعني أنه حالٌ من مفعول» قَطَّعناهم «أي: فَرَّقناهم حال كونهم منهم الصالحون.
قوله: {وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك} .» منهم «خبرٌ مقدم، و» دونَ ذلك «نعتٌ لمنعوتٍ محذوف هو المبتدأ، والتقدير: ومنهم ناسٌ أو قومٌ دون ذلك. قال الزمخشري:» معناه: ومنهم ناسٌ منحطُّون عَنِ الصلاح، ونحوه: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 64] بمعنى: ما منا أحدٌ إلا له مقامٌ معلومٌ «يعني في كونه حُذِف الموصوفُ وأقيم الجملةُ الوصفية مُقامَه، كما قام مَقامَه الظرفُ الوصفي. والتفصيل ب» مِنْ «يجوز فيه حَذْفُ الموصوف وإقامةُ الصفة مُقامه كقولهم:» منا ظَعَن ومنَّا أقام «. وقال ابن عطية:» فإن أريدَ بالصَّلاح الإِيمانُ ف «دون» بمعنى «غير» يُراد به الكفرة «. قال الشيخ:» إن أراد أنَّ «دون» ترادِفُ غيراً فليس بصحيحٍ، وإن أرادَ أنه يلزم أنَّ مَنْ كان دون شيء أن يكون غيراً له فصحيح «.
و» ذلك «إمَّا أن يُشارَ به إلى الصَّلاح، وإما أَنْ يُشار به إلى الجماعة، فإن أُشير به إلى الصلاح فلا بد من حذف مضاف ليصِحَّ المعنى تقديرُه: ومنهم دونَ أهلِ ذلك الصلاح ليعتدل التقسيم، وإن أُشير به إلى الجماعة أي: ومنهم دونَ أولئك الصالحين فلا حاجة إلى تقدير/ مضاف لاعتدال التقسيم بدونه. وقال أبو البقاء:» ودون ذلك ظرفٌ أو خبر على ما ذكرنا في قوله {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] . وفيه نظرٌ من حيث إن «دون» ليس بخبر.
7:169Page 172
فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩
And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?
قوله تعالى: {وَرِثُواْ} : في محلِّ رفع نعتاً ل «خَلْفٌ» و «يأخذون» حال من فاعل «ورثوا» . والخَلْف والخَلَف بفتح اللام وإسكانها هل هما بمعنىً واحد، أي: يُطلق كل منهما على القَرْن الذي يَخْلُف غيره صالحاً كان أو طالحاً، أو أن الساكن اللام في الطالح والمفتوحها في الصالح؟ خلافٌ مشهور بين اللغويين. قال الفراء: «يُقال للقَرْن: خَلْف يعني ساكناً ولمن استخلفته: خلَفاً يعني متحرك اللام» . وقال الزجاج: يُقال للقَرْن يجيء بعد القرن خَلْف «. وقال ثعلب:» الناس كلهم يقولون: «خَلَف صدق» للصالح و «خَلْف سوء» للطالح، وأنشد:
2324 - ذهب الذين يُعاشُ في أكنافِهم ... وبَقِيتُ في خَلْف كجِلْدِ الأجرب
وقالوا في المثل: «سكت أَلْفاً ونطق خَلْفاً» ، ويُعزى هذا أيضاً إلى الفراء وأنشدوا:
2325 - خَلَّفْتَ خَلْفاً ولم تَدَعْ خَلفَا ... ليت بهم كان لا بك التَّلَفَا
وقال بعضهم: «قد يجيء في الرديء خَلَف بالفتح، وفي الجيد خَلْف بالسكون، فمِنْ مجيء الأول قوله:
2326 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إلى ذلك الخَلَفِ الأعور
ومِنْ مجيء الثاني قول حسان:
2327 - لنا القَدَمُ الأُوْلى عليهم وخَلْفُنا ... لأولِنا في طاعة الله تابعُ
وقد جمع بينهما الشاعر في قوله:
2328 - إنَّا وَجَدْنا خَلْفَنا بِئْسَ الخَلَفْ ... عبداً إذا ما ناء بالحِمْل وَقَفْ
فاستعمل الساكنَ والمتحركَ في الرديء، ولهذا قال النضر:» يجوز التحريكُ والسكونُ في الرديء، فأمَّا الجيدُ فبالتحريك فقط «، ووافقه جماعةُ أهل اللغة إلا الفراءَ وأبا عبيد فإنهما أجازا السكون في الخلف المراد به الصالح.
والخَلْف بالسكون - فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدر، ولذلك لا يثنَّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّث وعليه ما تقدَّم من قوله:
إنَّا وَجَدْنا خَلْفَنَا بئس الخَلَفْ ... وإمَّا اسم جمع خالِف كرَكْب لراكب وتَجْر لتاجر، قاله ابن الأنباري. وردُّوه عليه بأنه لو كان اسم جمع لم يَجْرِ على المفرد وقد جرى عليه. واشتقاقُه: إمَّا من الخلافة، أي: كلُّ خَلَفٍ يَخْلُفُ مَنْ قبله، وإمَّا مِنْ خَلَفَ النبيذ يخلُف، أي: فسد، يقال: خَلَفَ النبيذُ يَخْلُف خَلْفاً إذا فسد، خَلْفاً وخُلُوفاً، وكذا الفم إذا تغيَّرت رائحتُه. ومن ذلك الحديث:» لَخَلُوف فم الصائم «. وقرأ الحسن البصري:» وُرِّثوا «بضم الواو وتشديد الراء مبنياً لِما لم يُسَمَّ فاعلُه. ويجوز أن يكون» يأخذون «مستأنفاً، أخبر عنهم بذلك. وتقدَّم الكلامُ على لفظ» الأدنى «واشتقاقه.
قوله: {وَيَقُولُونَ} نسق على» يأخذون «بوجهيه و» سيُغْفَر «معموله. وفي القائم مَقام فاعلِه وجهان، أحدهما: الجارُّ بعده وهو» لنا «.
والثاني: أنه ضمير الأخذ المدلول عليه بقوله: «يأخذون» ، أي: سيفغر لنا أَخْذُ العَرض الأدنى.
قوله: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ} هذه الجملةُ الشرطية فيها وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، والثاني: أن الواوَ للحال، وما بعدها منصوبٌ عليها. قال الزمخشري: «الواو للحال، أي: يرجون المغفرة وهم مُصِرُّون عائدون إلى فعلهم غير تائبين، وغفرانُ الذنوبِ لا يَصِحُّ إلا بالتوبة، والمُصِرُّ لا غفران له» انتهى. وإنما جَعَل الواو للحال لهذا الغرض الذي ذكره من أن الغفران شرطُه التوبة، وهو رأي المعتزلة، وأمَّا أهل السنة فيجوز مع عدم التوبة لأنَّ الفاعلَ مختار.
قوله: {عَرَضَ} العرض بفتح الراء ما لا ثبات له، ومنه استعار المتكلمون العَرَض المقابل للجوهر. وقال أبو عبيدة: «العَرَض بالفتح جميعُ مَتَاع الدنيا غيرَ النَّقْدَيْن» . والعَرْض بالسكون هو الدراهم والدنانير التي هي قيم المُتْلَفات ورؤوسُ الأموال. وعلى الأول قيل: الدنيا عرضٌ حاضر يأكل منها البَرُّ والفاجر.
قوله: {أَن لاَّ يِقُولُواْ} فيه [أوجه] / أحدها: أنَّ محله رفع على البدل من «ميثاق» لأن قول الحق هو ميثاق الكتاب. والثاني: أنه عطفُ بيان له، وهو قريب من الأول. والثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله. قال الزمخشري: «وإن فُسِّر ميثاق الكتاب بما تقدَّم ذكرُه كان» أن لا يقولوا «مفعولاً من أجله، ومعناه: لئلا يقولوا» وكان قد فَسَّر ميثاق الكتاب بقوله في التوراة: مَنْ ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يُغفر له إلا بالتوبة. و «أنْ» مفسرةٌ لميثاق الكتاب لأنه بمعنى القول. و «لا» ناهية وما بعدها مجزوم بها، وعلى الأقوال [الأُول] «لا» نافية والفعل منصوبٌ ب «أنْ» المصدرية. و «الحق» يجوز أن يكون مفعولاً به وأن يكونَ مصدراً، وأُضيف الميثاقُ للكتاب لأنه مذكورٌ فيه.
قوله: «دَرَسُواْ» فيه ثلاثة أوجه، أظهرها ما قال الزمخشري وهو كونُه معطوفاً على قوله «ألم يُؤْخَذْ» لأنه تقرير، فكأنه قيل: أُخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا، وهو نظيرُ قوله تعالى {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ} [الشعراء: 18] معناه: قد ربَّيْناك ولَبِثْتَ. والثاني: أنه معطوف على «وَرِثوا» . قال أبو البقاء: «ويكون قولُه» ألم يُؤْخَذْ «معترضاً بينهما، وهذا الوجهُ سبقه إليه الطبري وغيره.
الثالث: أنه على إضمار قد، والتقدير: وقد درسوا. قلت: وهو على هذا منصوب على الحال نسقاً على الجملة الشرطية أي: يقولون: سيُغْفر لنا في هذه الحال، ويجوز أن يكونَ حالاً من فاعل» يأخذوه «، أي: يأخذون العرضَ في حال دَرْسِهم ما في الكتاب المانع من أخذ الرِّشا.
وعلى كلا التقديرين فالاستفهامُ اعتراض.
وقرأ الجحدري: «أن لا تقولوا» بتاء الخطاب وهو التفات حسن. وقرأ عليٌّ رضي الله عنه وأبو عبد الرحمن السلمي «وادَّارسوا» بتشديد الدال والأصل: تدارسوا، وتصريفُه كتصريف {فادارأتم فِيهَا} [البقرة: 72] وقد تقدَّم تحريرُه.
قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تقدَّم الكلام على هذه الهمزة والفاء غيرَ مرة. وقرأ ابن عامر ونافع وحفص «تعملون» بالخطاب والباقون بالغيبة، فالخطاب يحتمل وجهين، أحدهما: أنه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بالضمائر حينئذ شيءٌ واحد. والثاني: أن الخطابَ لهذه الأمة، أي: أفلا تعقلون أنتم حال هؤلاء وما هم عليه وتتعجَّبون من حالهم. وأمَّا الغيبةُ فجرى على ما تقدَّم من الضمائر. ونقل الشيخ أن قراءة الغيبة لأبي عمرو وأهلِ مكة، وقراءةَ الخطاب للباقين.
7:170Page 172
وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠
But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.
قوله تعالى: {والذين يُمَسِّكُونَ} : فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ، وفي خبره حينئذ [أوجه] ، أحدُهما: الجملة من قوله: «إنَّا لا نُضيع أَجْرَ المُصْلحين» وفي الرابط حينئذ أقوال، أحدها: أنه ضميرٌ محذوفٌ لفَهْم المعنى. والتقدير: المُصْلحين منهم، وهذا على قواعد جمهور البصريين وقواعد الكوفيين تقتضي أن أل قائمةٌ مَقام الضمير تقديره: أَجْر مصلحيهم كقوله: {فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى} [النازعات: 41] ، أي: مَأْواه، وقوله: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب} [ص: 50] ، أي أبوابها، وقوله: {في أَدْنَى الأرض} [الروم: 3] ، أي أرضهم، إلى غير ذلك. والثاني: أن الرابطَ تكرُّرُ المبتدأ بمعناه نحو: زيد قام أبو عبد الله وهو رأيُ الأخفش، وهذا كما يُجيزه في الموصول نحو: أبو سعيدٍ الذي رويتُ عن الخدريّ، والحجَّاج الذي رأيت ابنُ يوسف، وقد قدَّمْت من ذلك شواهد كثيرة. الثالث: أن الرابطَ هو العمومُ في «المُصْلحين» قاله أبو البقاء، قال: «وإن شِئْتَ قلت: لمَّا كان المصلحون جنياً والمبتدأ واحد منه استغنيت عن ضمير» . قلت: العمومُ رابطٌ من الروابط الخمسة وعليه قولُه:
2329 - ألا ليت شعري هَلْ إلى أمِّ سالمٍ ... سبيلٌ فأمَّا الصبر عنها فلا صبرا
ومنه «نِعْم الرجل زيد» على أحدِ الأوجه.
والوجه الثاني من وجهَيْ الخبر أنه محذوف تقديره: والذين يمسكون مأجورون أو مُثابون ونحوه، وقوله: «إنَّا لا نضيع» جملةٌ اعتراضية، قاله الحوفي، ولا ضرورة إلى ادِّعاء مثلِه.
الثاني من وجهي «والذين يُمْسكون» : أنه في محل جر نسقاً على «للذين يتقون» ، أي: ولَدار الآخرة خيرٌ للمتقين وللمتمسكين، قاله الزمخشري، إلا أنه قال: «ويكون قوله» إنَّا لا نُضيع اعتراضاً «. وفيه نظرٌ لأنه لم يقعْ بين شيئين متلازمَيْن ولا بين/ شيئين بينهما تعلُّقٌ معنويٌّ فكان ينبغي أن يقولَ: ويكون على هذا مستأنفاً.
وقرأ العامَّة:» يُمَسِّكون «بالتشديد مِنْ مَسَّك بمعنى تمسَّك، حكاه أهلُ التصريف، أي: إنَّ فَعَّل بمعنى تَفَعَّل، وعلى هذا فالباء للآلة كهي في: تمسَّكْتُ بالحبل. وقرأ أبو بكر عن عاصم ورُوِيت عن أبي عمرو وأبي العالية:» يُمْسِكون «بسكون الميم وتخفيف السين مِنْ أَمْسَك، وهما لغتان يقال: مَسَكْت وأَمْسكت، وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله:
2330 - ولا تُمَسِّكُ بالعَهْدِ الذي زَعَمَتْ ... إلا كما يُمْسِكُ الماءَ الغرابيلُ ولكن أمسك متعدّ. قال تعالى: {وَيُمْسِكُ السمآء} فعلى هذا مفعولُه محذوفٌ تقديرُه:» يُمْسِكون دينَهم وأعمالهم بالكتاب «، فالباءُ يجوز أن تكونَ للحال وأن تكونَ للآلة، أي: مصاحبين للكتاب، أي لأوامره ونواهيه. وقرأ الأعمش وهي قراءة عبد الله» استمسكوا «. وأُبَيّ» تَمَسَّكوا «ماضيَيْن.
7:171Page 173
۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١
And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."
قوله تعالى: {فَوْقَهُمْ} : فيه وجهان: أحدهما: هو متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حال من الجبل، وهي حالٌ مقدرة لأن حالةَ النَّتْق لم تكن فوقَهم، لكنه بالنَّتْق صار فوقهم. والثاني: أنه ظرفٌ لنَتَقْنا. قاله الحوفي وأبو البقاء. قال الشيخ: «ولا يمكن ذلك إلا أن يُضَمَّن معنى فِعْلٍ يمكن أن يعمل في» فوقهم «، أي: رفعنا بالنَّتْقِ الجبلَ فوقهم فيكون كقوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور} [النساء: 154] .
والنَّتْق: اختلفَتْ فيه عبارات أهل اللغة. فقال أبو عبيدة:» هو قَلْعُ الشيءِ من موضعه والرَّمْيُ به، ومنه «نَتَق ما في الجِراب» إذا نقضه ورمى ما فيه. وامرأة ناتق ومِنْتاق: إذا كانت كثيرةَ الولادة. وفي الحديث: «عليكم بزواج الأبكار فإنهن أَنْتَقُ أَرْحاماً وأطيبُ أفواهاً وأرضى باليسير» وقيل: النتق: الجَذْب بشدة. ومنه «نَتَقْتُ السِّقاء» إذا جَذَبْتَه لتقتلعَ الزُّبْدة من فمه «. وقال الفراء:» هو الرفع «وقال ابن قتيبة:» الزعزعة «وبه فسَّر مجاهد. وقال النابغة:
2331 - لم يُحْرَموا حُسْنَ الغِذاءِ وأمُّهُمْ ... طَفَحَتْ عليك بناتقٍ مِذْكار
وكلُّ هذه مَعانٍ متقاربة. وقد عَرَفْت أن» فوقهم «يجوز أن يكون منصوباً ب» نَتَق «لأنه بمعنى رفع وقلع.
قوله:» كأنه ظُلَّة «في محلِّ نصبٍ على الحال من» الجبل «أيضاً فتتعدَّد الحال. وقال مكي:» هي خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو كأنه ظُلَّة «وفيه بُعْدٌ.
قوله: {وظنوا} فيه أوجهٌ، أحدها: أنه في محل جَرٍّ نسقاً على» نَتَقْنا «المخفوض بالظرف تقديراً. والثاني: أنه حال، و» قد «مقدرةٌ عند بعضهم، وصاحب الحال: إمَّا الجبل، أي: كأنه ظُلَّةٌ في حال كونه مظنوناً وقوعُه بهم. ويضعف أن يكون صاحبه» هم «في» فوقهم «. والثالث: أنه مستأنف فلا محل له. والظنُّ هنا على بابه، ويجوز أن يكون بمعنى اليقين، والباء على بابها أيضاً. قيل: ويجوز أن تكون بمعنى» على «.
قوله: {واذكروا} العامَّة على التخفيف أمراً مِنْ ذكر يَذْكُر. والأعمش:» واذَّكِروا «بتشديد الذال من الاذّكار والأصل: اذْتَكِرُوا والاذتكار، وتقدم تصريفه. وقرأ ابن مسعود: تذكَّروا مِن تذكَّر بتشديد الكاف. وقرئ: وتَذَّكَّروا بتشديد الذال والكاف، والأصلُ: وَلْتَتَذَكَّروا، فأدغمت التاء في الذال وحُذِفَتْ لامُ الجر كقوله:
2332 - محمدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ ... . . . . . . . . . . .
7:172Page 173
وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢
And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."
قوله تعالى: {مِن ظُهُورِهِمْ} : بدلٌ من قوله «من بني آدم» بإعادة الجارِّ كقوله: {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ} [الزخرف: 33] {لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ} [الأعراف: 75] . وهل هو بدلُ اشتمال أو بدل بعض من كل؟ قولان، الأول لأبي البقاء، والثاني للزمخشري، وهو الظاهر كقولك: ضربت زيداً ظهرَه، وقطعتُه يدَه، لا يُعْرِب أحد هذا بدلَ اشتمال.
و {ذُرِّيَّتَهُمْ} مفعول به. وقرأ الكوفيون وابن كثير «ذريتهم» بالإِفراد، والباقون «ذُرِّيَّاتهم» بالجمع. قال الشيخ: «ويحتمل في قراءة الجمع أن يكونَ مفعولُ» أخذ «محذوفاً لفهمِ المعنى، و» ذريَّاتهم «بدلٌ من ضميرِ» ظهورهم «، كما أنَّ» من ظهورهم «بدلٌ من» بني آدم «، والمفعولُ المحذوفُ هو الميثاق كقوله {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً} [النساء: 154] قال:» وتقديرُ الكلام: وإذ أَخَذَ ربُّك من ظهور ذريات بني آدم ميثاق التوحيد، واستعارَ أن يكون أخذ الميثاق من الظهر، كأن الميثاق لصعوبته، والارتباطَ به شيءٌ ثقيل يُحمل على الظهر «.
وكذلك قرأ الكوفيون وابن كثير في سورة يس وفي/ الطور في الموضعين:» ذريتهم «بالإِفراد، وافقهم أبو عمرو على ما في يس، ونافع وافقهم في أول الطور وهي» ذريتهم بإيمان «دونَ الثانية وهي» أَلْحَقْنا بهم ذريَّاتِهم «فالكوفيون وابن كثير جَرَوا على منوالٍ واحدٍ وهو الإِفراد، وابن عامر على الجمع، وأبو عمرو ونافع جمعوا بين الأمرين كما بَيَّنْتُ لك.
قال الشيخ في قراءة الإِفراد في هذه السورة:» ويتعيَّن أن يكونَ مفعولاً ب «أخذ» وهو على حَذْف مضاف، أي: ميثاق ذريتهم «يعني أنه لم يَجُزْ فيه ما جازَ في» ذرياتهم «من أنه بدل والمفعول محذوف، وذلك واضحٌ لأنَّ مَنْ قرأ» ذريتهم «بالإِفراد لم يَقْرأه إلا منصوباً، ولو كان بدلاً مِنْ» هم «في» ظهورهم «لكان مجروراً بخلافِ» ذرياتهم «بالجمع، فإن الكسرةَ تَصْلُح أن تكون عَلَماً للجر وللنصب في جمع المؤنث السالم.
قوله: {بلى} جوابٌ لقوله» أَلَسْتُ «قال ابن عباس:» لو قالوا: نعم لكفروا «يريد أن النفيَ إذا أُجيب ب نعم كانت تصديقاً له، فكأنهم أقرُّوا بأنه ليس بربِّهم. هكذا ينقلونه عن ابن عباس رضي الله عنه، وفيه نظرٌ إنْ صَحَّ عنه، وذلك أن هذا النفيَ صار مقرَّراً، فكيف يكفرون بتصديق التقرير؟ وإنما المانع من جهة اللغة: وهو أن النفيَ مطلقاً إذا قُصِد إيجابه أُجيب ب بلى، وإن كان مقرَّراً بسبب دخول الاستفهام عليه، وإنما كان ذلك تغليباً لجانب اللفظ، ولا يجوز مراعاةُ جانب ِالمعنى إلا في شعر كقوله: 2333 - أليس الليلُ يجمعُ أمَّ عمروٍ ... وإيانا فذاك بنا تَدانى
نعم وترى الهلالَ كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني
فأجاب قوله «أليس» ب نعم مراعاةً للمعنى لأنه إيجاب.
قوله: {شَهِدْنَآ} هذا من كلام الله تعالى. وقيل: من كلام الملائكة. وقيل: من كلام الله تعالى والملائكة. وقيل: من كلام الذرية. قال الواحدي: «وعلى هذا لا يَحْسُن الوقفُ على قوله» بلى «ولا يتعلَّقُ» أَنْ تقولوا «ب» شَهِدْنا «ولكن بقوله» وأَشْهَدَهُمْ «.
قوله: {أَن تَقُولُواْ} مفعولٌ مِنْ أجله، والعامل فيه: إمَّا شهدْنا، أي: شهِدْنا كراهةَ أن تقولوا، هذا تأويل البصريين، وأمَّا الكوفيون فقاعدتهم تقدير لا النافية، تقديره: لئلا تَقولوا، كقولِه {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] ، وقول الآخر:
2334 - رَأَيْنا ما رأى البُصَراء فيها ... فآلَيْنا عليها أَنْ تُباعا
أي: أن لا تُباع، وأمَّا» وأشهدهم «، أي: أشهدهم لئلا تقولوا أو كراهةَ أَنْ تقولوا. وقد تقدَّم أن الواحديَّ قد قال:» إنَّ شَهِدْنا إذا كان من قولِ الذرية يتعيَّن أن يتعلَّقَ «أن تقولوا» ب «أَشْهَدَهم» كأنه رأى أن التركيب يصير: شَهِدْنا أن تقولوا سواءً قرئ بالغيبة أو الخطاب، والشاهدون هم القائلون في المعنى، فكان ينبغي أن يكون التركيب: شهدنا أن نقول نحن. وهذا غيرُ لازم لأن المعنى: شهد بعضهم على بعض، فبعضُ الذرية قال: شهدنا أن يقول البعض الآخر كذلك. وذكر الجرجانيُّ لبعضهم وجهاً آخر وهو أن يكون قوله «وإذْ أخَذَ ربك» إلى قوله: «قالوا بلى» تمامَ قصة الميثاق، ثم ابتدأ عز وجل خبراً آخر بِذِكْرِ ما يقوله المشركون يوم القيامة فقال تعالى: {شَهِدْنا} بمعنى نشهد كما قال الحطيئة:
2335 - شَهِدَ الحطيئةُ حين يلقى ربَّه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: يشهد، فيكون تأويله «يَشْهد أن تقولوا» .
وقرأ أبو عمرو «يقولوا» في الموضعين بالغَيْبة جرياً على الأسماء المتقدمة، والباقون بالخطاب، وهذا واضحٌ على قولنا إنَّ «شَهِدْنا» مُسْندٌ لضمير الله تعالى. وقيل: على قراءة الغيبة يتعلَّق «أَنْ يقولوا» بأشهدهم، ويكون «قالوا شهدنا» معترضاً بين الفعلِ وعلَّته، والخطابُ على الالتفات فيكون الضميران لشيء واحد. وهل هذا من باب الحقيقة وأن الله أخرج الذرية من ظهره بأَنْ مَسَح عليه فخرجوا كالذَّرِّ وأَنْطَقهم فشهدوا الكلُّ بأنه ربهم، فالمؤمنون قالوه حقيقةً في الأَزَل والمشركون قالوه تقيَّةً، وعلى هذا جماعةٌ كثيرة، أو من باب التمثيل، قاله جماعة منهم الزمخشري، وجعله كقوله تعالى: {ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] ، وقولِ الشاعر:
2336 - إذ قالت الأَنْساع للبطن الحَقِي ...
وقول الآخر:
2337 - قالت له ريحُ الصَّبا قَرْقارِ ... إلى غير ذلك.
7:173Page 173
أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣
Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allāh before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"
No commentary for this ayah
7:174Page 173
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤
And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.1
قوله تعالى: {وكذلك نُفَصِّلُ} : أي: ومثلَ ما بَيَّنَّا أَخْذَ الميثاق المتقدم وفصَّلناه نبيِّن ونفصِّل الآيات. وقرأت فرقة «يُفَصّل» بياء الغيبة وهو الله تعالى.
7:175Page 173
وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥
And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2
قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُ} : الجمهورُ على «أَتْبعه» رباعياً وفيه وجهان أحدهما: أنه متعدٍّ لواحدٍ بمعنى أَدْركه ولحقه وهو مبالغةٌ في حقه، / حيث جُعِل إماماً للشيطان. ويحتمل أن يكون متعدِّياً لاثنين لأنه منقولٌ بالهمزة مِنْ تَبع، والمفعولُ الثاني محذوفٌ تقديره: أتبعه الشيطان خطواتِهِ، أي: جعله تابعاً لها. ومِنْ تعدِّيه لاثنين قولُه تعالى: {وأَتْبعناهم ذرياتهم بإيمان} [الطور: 21] . وقرأ الحسن وطلحة بخلافٍ عنه «فاتَّبعه» بتشديد التاء. وهل تبعه واتَّبعه بمعنى أو بينهما فرق؟ قيل بكلٍ منهما/ وأبدى بعضهم الفرق بأنَّ تَبِعه مشى في أثره، واتَّبعه إذا وازاه في المشي. وقيل: اتَّبعه بمعنى استتبعه.
والانسلاخ: التعرِّي من الشيء، ومنه: انسلاخ جلد الحية. وليس في الآية قَلْبٌ؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه وإن زعمه بعضهم، وأن أصلَه: فانسلختْ منه.
7:176Page 173
وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦
And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.
قوله تعالى: {لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} : الضميرُ المنصوبُ الظاهرُ عودُه على الذي أوتي الآيات، والمجرورُ عائد على الآيات. وقيل: المنصوبُ يعودُ على الكفر المفهوم مِمَّا سبق، والمجرور على الآيات أيضاً، أي: لَرَفَعْنا الكفر بما ترى من الآيات. وقيل: الضمير المجرور يعود على المعصية والمنصوب على «الذي» . والمراد بالرَّفْع الأخذُ كما تقول: رُفِع الظالمُ، أي قُلِعَ وأُهْلِكَ، أي: لأهلكناه بسبب المعصية. وهذه أقوال بعيدة، وإن كانت مرويةً عن مجاهد وغيره. ولا يظهر الاستدراك إلا على الوجه الأول. ومعنى أخلد، أي: ترامى بنفسه. قال أهل العربية: «وأصله من الإِخلاد وهو الدوامُ واللزوم، فالمعنى: لَزِم المَيْلَ إلى الأرض، قال مالك بن نويرة:
2338 - بأبناء حَيٍّ مِنْ قبائل مالك ... وعمرو بن يربوعٍ أقاموا فأخلدوا
قوله: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} هذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال، أي: لاهثاً في الحالتين. قال بعضهم:» وأما الجملة الشرطية فلا تكاد تقع بتمامها موضعَ الحال فلا يقال: «جاء زيد إنْ يَسْأَل يُعط» على الحال، بل لو أريد ذلك لجُعِلت الجملة خبراً عن ضمير ما أريد جَعْلُ الحال منه فيقال: جاء زيد وهو إن يسأل يُعط، فتكون الجملة الاسمية في الحال. نعم قد أوقعوا الجملة الشرطية موقعَ الحال، ولكن بعد أن أخرجوها عن حقيقة الشرط، وتلك الجملة لا تخلو: مِنْ أن يُعطف عليها ما يناقضها أو لم يُعطف، فالأول يستمرُّ فيه تَرْكُ الواو نحو: أتيتك إن أتيتني وإن لم تأتني، إذ لا يَخْفى أن النقيضين من الشرطين في مثل هذا الموضع لا يَبْقَيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية كالاستفهامين المتناقضين في قوله: {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6] ، والثاني لا بد فيه من الواو نحو: أتيتك وإن لم تأتني، لأنه لو تركْتَ الواوَ فقيل: أتيتُك إن لم تأتِني لالتبس. إذا عُرِف هذا فقوله {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} من قبيل النوع الأول لأنَّ الحَمْل عليه والترك نقيضان «.
والكلب: يجمع في القلة على أكْلُب، وفي الكثرة على كِلاب، وشذُّوا فجمعوا أكلباً على أكالب، وكِلاباً على كِلابات، وأمَّا كَلِيب فاسم جمع كفريق لا جمع قال طرفة:
2339 - تَعَفَّق بالأَرْطَى لها وأرادَها ... رجالٌ فبذَّت نبلَهم وكليبُ
وتقدَّمت هذه المادة في المائدة. ويقال: لَهَثَ يَلْهَث بفتح العين في الماضي والمضارع لَهَثَاً ولُهْثاً بفتح اللام وضمها وهو خروجُ لسانه في حال راحته وإعيائه، وأمَّا غيره من الحيوان فلا يَلْهَثُ إلا إذا أعيا أو عطش. والذي يَظْهر أن هذه الجملةَ الشرطيَة لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها مفسِّرة للمثَل المذكور، وهذا معنى واضح كما قالوا في قوله تعالى {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} فإنَّ الجملةَ من قوله» خَلَقَه من تراب «مفسرةٌ لقولِه تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] .
قوله: {ذَّلِكَ مَثَلُ} يجوز أن يُشارَ ب» ذلك «إلى صفةِ الكلب، ويجوز أن يُشارَ به إلى المنسلخِ من الآيات أو إلى الكلب. وأداةُ التشبيهِ محذوفةٌ من ذلك، أي: صفة المنسلخ أو صفة الكلب مثل الذين كذَّبوا. ويجوز أن تكون المحذوفةُ من مثَل القوم، أي: ذلك الوصف وهو وصف المنسلخ أو وصف الكلب كمثل القوم.
7:177Page 173
سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧
How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.
قوله تعالى: {سَآءَ مَثَلاً} : «ساء» بمعنى بئس، وفاعلها مضمر فيها و «مثلاً» تمييزٌ مفسِّر له، وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ فاعل هذا الباب إذا كان ضميراً يُفَسَّر بما بعده ويُسْتَغْنى عن تثنيته وجمعه وتأنيثه بتثنية التمييز وجمعه وتأنيثه عند البصريين. وتقدَّم أن «ساءَ» أصلُها التعدِّي لمفعولٍ، والمخصوصُ بالذم لا يكون إلا من جنسِ التمييز/، والتمييز مفسِّر للفاعلِ فهو هو، فلزم أن يَصْدُقَ الفاعلُ والتمييز والمخصوصُ على شيءٍ واحد. إذا عُرِف هذا فقوله «القوم» غيرُ صادقٍ على التمييز والفاعل، فلا جَرَمَ أنه لا بد من تقدير محذوف: إمَّا من التمييز، وإمَّا من المخصوص، فالأولُ يقدَّر: ساء أصحاب مَثَل، أو أهل مثل القوم، والثاني يُقَدَّر: ساء مَثَلاً مثلُ القوم، ثم حُذِف المضاف في التقديرين وأقيم المضاف إليه مُقامه، وهذه الجملةُ تأكيدٌ للتي قبلها.
وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بن عمر: «ساء مثلُ القوم» برفع «مثل» مضافاً للقوم. والجحدري رُوِي عنه كذلك، وروي عنه كسرُ الميم وسكونُ الثاء ورفعُ اللام وجَرُّ القوم. وهذه القراءةُ المنسوبةُ لهؤلاء الجماعة تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون «ساء» للتعجب مبنية تقديراً على فَعُل بضم العين كقولهم: «لقَضُو الرجل» ، و «مثل القوم» فاعل بها، والتقدير: ما أسوأ مثلَ القوم، والموصولُ على هذا في محلِّ جرٍ نعتاً لقوم. والثاني: أنها بمعنى بئس، ومَثَلُ القوم فاعل، والموصولُ على هذا في محل رفعٍ لأنه المخصوصُ بالذمِّ، وعلى هذا فلا بد مِنْ حَذْف مضاف ليتصادقَ الفاعلُ والمخصوصُ على شيءٍ واحد. والتقدير: ساءَ مثلُ القومِ مثل الذين. وقَدَّر الشيخ تمييزاً في هذه القراءة وفيه نظرٌ، إذ لا يحتاج إلى تمييز إذا كان الفاعلُ ظاهراً حتى جَعَلوا الجمع بينهما ضرورةً كقوله:
2340 - تَزوَّدْ مثلَ زادِ أبيك فينا ... فنعمَ الزَّادُ زادُ أبيك زادا
وفي المسألة ثلاثةُ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفصيل: فإن كان مغايراً للفظِ ومفيداً فائدةً جديدة جاز نحو: نعم الرجل شجاعاً زيد، وعليه قوله:
2341 - تخيَّرَهُ فلم يَعْدِلْ سواه ... فنِعْمَ المرءُ مِنْ رجلٍ تَهامي
قوله: {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} مفعول ل «يظلمون» ، وفيه دليلٌ على تقديم خبر كان عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يُؤْذِنُ بتقديم العامل غالباً. وقلت «غالباً» لأن ثَمَّ مواضع يمتنع فيها ذلك نحو {فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ} [الضحى: 9] فاليتيم مفعول ب «تقهر» ولا يجوز تقديم «تقهر» على جازِمِه، وهو محتملٌ للبحث.
وهذه الجملة الكونيةُ تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكونَ نسقاً على الصلة وهي «كَذَّبوا بآياتنا» . والثاني: أن تكون مستأنفة، وعلى كلا القولين فلا محلَّ لها، وقُدِّمَ المفعولُ ليفيدَ الاختصاص، وهذا على طريق الزمخشري وأنظاره.
7:178Page 173
مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨
Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.
قوله تعالى: {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي} : راعَى لفظ مَنْ فأفرد، وراعى معناها في قوله «أولئك هم الخاسرون» فجمع. وياء «المهتدي» ثابتةٌ عند جميع القراء لثبوتها في الرسم، وسيأتي لك خلافٌ في التي في الإِسراء وبحثها. وقال الواحدي: «فهو المهتدي: يجوز إثباتُ الياءِ على الأصل، ويجوزُ حَذْفُها استخفافاً كما قيل في بيت الكتاب:
2342 - فَطِرْتُ بمُنْصُلي في يَعْمَلات ... دوامي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريحا
ومنه:
2343 - كنَواحِ ريشِ حَمامةٍ نَجْديةِ ... ومَسَحْتَ باللِّثتين عَصْفَ الإِثْمِدِ
قال ابن جني:» شَبَّه المضاف إليه بالتنوين فحذف له الياء «.
7:179Page 174
وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩
And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.
قوله تعالى: {لِجَهَنَّمَ} : يجوز في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها لامُ الصيرورة والعاقبة، وإنما احتاج هذا القائلُ إلى كونها لامَ العاقبة لقوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] فهذه علةٌ معتبرةٌ محصورة، فكيف تكون هذه العلةُ أيضاً؟ وأوردوا من ذلك قول الشاعر: 2344 - لِدُوا للموت وابْنُوا للخراب ... . . . . . . . . . . . . . .
وقول الآخر:
2345 - ألا كلُّ مولودٍ فللموتِ يُوْلَدُ ... ولستُ أرى حَيّاً لحيٍّ يُخَلَّدُ
وقول الآخر:
2346 - فللموتِ تَغْذُو الوالداتُ سِخالَها ... كما لخرابِ الدور تُبْنَى المساكنُ
والثاني: أنها للعلةِ وذلك أنهم لمَّا كان مآلُهم إليها جعل ذلك سبباً على طريق المجاز.
وقد ردَّ ابن عطية على مَنْ جعلها لامَ العاقبة فقال: «وليس هذا بصحيح، ولامُ العاقبة إنما تُتَصَوَّر إذا كان فعل الفاعل لم يُقْصد مصيرُ الأمر إليه، وأما هنا فالفعل قُصِد به ما يصير الأمر [إليه] مِنْ سُكْناهم لجهنم» ، واللام على هذا متعلقة ب «ذَرَأْنا» . ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال من «كثيراً» لأنه في الأصل صفة لها لو تأخر. ولا حاجة إلى ادعاء قلب وأن الأصل: ذَرَأْنا جهنم لكثير لأنه ضرورةٌ أو قليلٌ.
و {مِّنَ الجن} صفة ل «كثيراً» . «لهم قلوب» جملة في محل نصب: إمَّا صفة لكثير أيضاً، وإمَّا حالاً من «كثيراً» وإن كان نكرة لتخصُّصِه بالوصف، أو من الضمير المستكن في «من الجن» لأنه يَحْمل/ ضميراً لوقوعِه صفةً. ويجوز أن يكون «لهم» على حِدَته هو الوصف أو الحال، و «قلوب» فاعل به فيكون من باب الوصفِ بالمفرد وهو أولى. وقوله: {لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} وكذلك الجملةُ المنفيَّةُ في محلِّ النعت لما قبلها، وهذا الوصفُ يكاد يكونُ لازماً لو ورد في غير القرآن لأنه لا فائدةَ بدونه لو قلت: «لزيد قَلْبٌ وله عينٌ» وسَكَتَّ لم يظهر لذلك كبيرُ فائدةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences