As-Samin al-HalabiAl‑A'raf · 7:41–53

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:41–53

7:41Page 155

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.

وقوله تعالى: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} : والجملةُ محتملة للحالية والاستئناف، ويجوز حينئذ/ في «مهاد» أن تكون فاعلاً ب «لهم» فتكون الحال من قبيل المفردات، وأن تكون مبتدأ فتكون من قبيل الجمل. و «من جهنم» حال من «مِهاد» لأنه لو تأخر عنه لكان صفةً، أو متعلِّقٌ بما تعلَّق الجارُّ قبله.

وغَواشٍ: جمع غاشية. وللنحاة في الجمع الذي على مفاعل إذا كان منقوصاً بقياسٍ خلافٌ: هل هو منصرف أو غير منصرف؟ فبعضهم قال: هو منصرفٌ لأنه قد زال [منه] صيغة منتهى الجموع فصار وزنُه وزن جَناح وقَذَال فانصرف. وقال الجمهور: هو ممنوع من الصرف، والتنوينُ تنوينُ عوض. واختُلِفَ في المُعَوَّض عنه ماذا؟ فالجمهور على أنه عوضٌ من الياء المحذوفة. وذهب المبرد إلى أنه عوضٌ من حركتها. والكسرُ ليس كسرَ إعراب، وهكذا جَوارٍ ومَوالٍ. وبعضهم يجرُّه بالفتحة قال:

2198 - ولو كان عبدُ الله مولىً هجوتُه ... ولكنَّ عبدَ اللهِ مَوْلَى مَواليا

وقال آخر:

2199 - قد عَجِبَتْ مني ومن يُعَيْلِيا ... لَمَّا رَأَتْني خَلَقاً مُقْلَوْلِيا

وهذا الحكمُ ليس خاصاً بصيغة مَفاعل، بل كل غير منصرف إذا كان منقوصاً فحكمه حكم ما تقدم نحو: يُعَيْلٍ تصغير يَعْلى، ويَرْمٍ اسم رجل، وعليه قولُه: «ومن يُعَيْلِيا» ، وبعضُ العرب يُعْرب «غواشٍ» ونحوه بالحركات على الحرف الذي قبل الياء المحذوفة فيقول: هؤلاء جوارٌ، وقرئ {وَمن فوقهم غواشٌ} برفع الشين وهي كقراءة عبد الله {وله الجوارُ} [الرحمن: 24] برفع الراء. وقد حرَّرْتُ هذه المسألةَ وما فيها من المذاهبِ واللغات في موضوعٍ غير هذا.

قوله: {وكذلك} تقدَّم مثله. وقوله {الظالمين} يحتمل أن يكون من باب وقوع الظاهرِ موقع المضمر. والمراد بالظالمين المجرمون، ويحتمل أن يكونوا غيرَهم وأنهم يُجْزَون كجزائهم.

7:42Page 155

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢

But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

قوله تعالى: {والذين آمَنُواْ} : مبتدأ وفي خبره وجهان، أحدهما: أنها الجملةُ من قولِه {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً} وعلى هذا فلا بد من عائدٍ وهو مقدر، وتقديره: نفساً منهم. والثاني: هو الجملة من قوله {أولئك أَصْحَابُ} ، وتكون هذه الجملة المنفيَّةُ معترضةً بينهما، وهذا الوجه أعرب.

7:43Page 155

وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣

And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."

وقوله تعالى: {مِّنْ غِلٍّ} : يجوز أن تكون «مِنْ» لبيان جنس «ما» ، ويجوز أن تكون حالاً فتتعلَّق بمحذوف أي: كائناً مِنْ غِل. وقوله: «تجري من تحتهم الأنهار» في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها حال من الضمير في «صدورهم» قاله أبو البقاء. وجَعَل العامل في هذه الحال معنى الإِضافة. والثاني: أنها حال، والعامل فيها «نزعنا» ، قاله الحوفي. والثالث: أنها استئناف إخبار عن صفة أحوالهم.

وردَّ الشيخ الوجهين الأوَّلين: أمَّا الثاني فلأنَّ {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار} ليس مِنْ صفة فاعل «نَزَعْنا» ولا مفعوله وهما «ن» و «ما» فكيف ينتصب حالاً عنهما؟ وهو واضح. وأمَّا الأولُ فلأنَّ معنى الإِضافة لا يعمل إلا إذا أمْكن تجريدُ المضاف وإعمالُه فيما بعده رفعاً أو نصباً. قلت: قد تقدم غيرَ مرة أن الحالَ تأتي من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه لمَدْرَكٍ آخر لا لِما ذكره أبو البقاء من أنَّ العامل هو معنى الإِضافة، بل العامل في الحال هو العامل في المضاف وإن كانت الحالُ ليست منه؛ لأنهما لما كانا متضايفَيْنِ وكانا مع ذلك شيئاً واحداً ساغ ذلك.

والغِلُّ: الحِقْد والإِحْنَةُ والبغض، وكذلك الغُلول. وجمع الغِلّ غلال. والغُلول: الأَخْذُ في خُفْية، وأحسنُ ما قيل أن ذلك من لفظ الغِلالة كأنه تَدَرَّع ولبس الحقد والخيانة حتى صار إليه كالغِلالة الملبوسة.

قوله: {لولا أَنْ هَدَانَا} أَنْ وما في حَيِّزها في محل رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ على ما قَدَّرْته غير مرة، وجواب «لولا» مدلول عليه بقوله: «وما كنا» تقديره: لولا هدايةٌ لنا موجودة لشَقِيْنا أو ما كنا مهتدين. و «لقد جاءت» جواب قسم مقدر. و «بالحق» يجوز أن تكون الباءُ للتعدية، فبالحق مفعولٌ معنى، ويجوز أن تكون للحال أي: جاؤوا ملتبسين بالحق.

قوله: {أَن تِلْكُمُ} يجوز أن تكون المفسِّرة، فَسَّرَت النداء وهو الظاهر بما بعدها. ويجوز أن تكون المخففةَ، واسمُها ضمير الأمر محذوفاً، وأن وما بعدها في محل نصب أو جر؛ لأنَّ الأصلَ: بأن تلكم، وأشير إليها بإشارة البعيد لأنهم وُعِدوها في الدنيا. وعبارة بعضهم «هي إشارة لغائبة» [فيها] مسامحة لأنَّ الإِشارة لا تكون إلا لحاضر، ولكن العلماء تُطْلق على البعيد غائباً مجازاً.

و «أُورِثتموها» يجوز أن تكون هذه الجملةُ حاليةً كقوله: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} [النمل: 52] ، ويجوز أن تكونَ خبراً عن «تلكم» ويجوز أن تكون «الجنة» بدلاً أو عطف بيان، و «أُورثتموها» الخبر. ومنع أبو البقاء أن تكون حالاً من «تلكم» للفصل بالخبر، ولأن المبتدأ لا يعمل في الحال. وأدغم أبو عمرو والأخوان الثاء في التاء، وأظهرها الباقون.

و {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تقدم غير مرة. والجماعة على «وما كنا» بواو وكذلك هي في مصاحف الأمصار غيرَ الشام. وفيها وجهان، أظهرهما: أنها واو الاستئناف، والجملة بعدها مستأنفة. والثاني: أنها حالية. وقرأ ابن عامر: «وما كنا» بدون واو، والجملة على ما تقدَّم من احتمالي الاستئناف والحال، وهي في مصحف الشاميين كذا/ فقد قرأ كلٌّ بما في مصحفه.

7:44Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers

قوله تعالى: {أَن قَدْ وَجَدْنَا} : «أَنْ» يحتمل أن تكون تفسيرية للنداء، وأن تكونَ مخففةً من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الأمر والشأن، والجملة بعدها خبرها، وإذا كان الفعلُ متصرفاً غيرَ دعاء فالأجود الفصلُ ب «قد» كهذه الآية أو بغيرها. وقد تقدَّم تحقيقه في المائدة. وقال الزمخشري: «فإن قلت: هلا قيل: ما وعدكم ربكم، كما قيل:» ما وَعَدنا ربنا «. قلت: حُذِف ذلك تخفيفاً لدلالة» وَعَدْنا «عليه. ولقائل أن يقول: أُطْلِق ليتناول كلَّ ما وَعَدَ الله من البعث والحساب والعقاب والثواب وسائرِ أحوالِ القيامة، لأنهم كانوا مكذِّبين بذلك أجمعَ، ولأن الموعودَ كلَّه ممَّا ساءهم، وما نعيم أهلِ الجنة إلا عذابٌ لهم فأطلق لذلك» قلت: قوله: «ولقائلٍ إلى آخره» هذا الجوابُ لا يطابق سؤالَه لأن المُدَّعى حَذْفُ المفعول الأول وهو ضمير المخاطبين، والجواب وقع بالمفعول الثاني الذي هو الحسابُ والعقاب وسائر الأحوال، فهذا إنما يناسب لو سُئل عن حَذْفِ المفعول الثاني لا المفعول الأول.

و {نَعَمْ} حرفُ جوابٍ كأجل وإي وجَيْر وبلى. ونقيضتها لا، و «نعم» تكون لتصديق الإِخبار أو إعلام استخبار أو وَعْدِ طالب، وقد يُجاب بها النفيُ المقرونُ باستفهام وهو قليل جداً كقوله:

2200 - أليس الليلُ يجمعُ أُمَّ عمروٍ ... وإيَّانا فذاك بنا تَدَاني

نعم وترى الهلالَ كما أراه ... ويَعْلوها النهارُ كما عَلاني

فأجاب قوله «أليس» ب نعم، وكان من حقه أن يقول: بلى، ولذلك يُروى عن ابن عباس في قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172] : لو قالوا: نعم لكفروا، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى قريباً.

وتُكْسَرُ عينُها، وبها قرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب، وهي لغةُ كنانة. وطعن أبو حاتم عليها وقال: «ليس الكسر بمعروف» . واحتجَّ الكسائي لقراءته بما يُحكى عن عمر بن الخطاب أنه سأل قوماً فقالوا: نَعَم يعني بالفتح فقال: «أمَّا النَّعَم فالإِبل فقولوا: نَعِم» أي بالكسر. قال أبو عبيد: «ولم نَرَ العرب يعرفون ما رَوَوْه عن عمر ونراه مُوَلَّداً» . قلت: هذا طعنٌ في المتواتر فلا يُقبل. وتبدل عينها حاءً، وهي لغةٌ فاشيةٌ كما تبدل حاء «حتى» عيناً.

وقوله: {بَيْنَهُمْ} يجوز أن يكونَ منصوباً ب «أذَّن» أو ب «مؤذِّن» ، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفةٌ ل «مؤذِّن» . قال مكي عند إجازته هذا الوجه: «ولكن لا يعمل في» أَنْ «» مُؤَذِّن «إذ قد نَعَته» يعني أنَّ قوله «أَنْ لعنةُ» لا يجوز أن يكونَ معمولاً [ل «مؤذن لأنه موصوف، واسم الفاعل متى وُصِف لم يعمل.

قلت: هذا يُوهِمُ أنَّا إذا لم نجعل «بينهم» نعتاً ل «مؤذِّن» جاز أن يعمل في «أن» ] وليس الأمر كذلك، [لأنك لو قلت] : «ضرب ضاربٌ زيداً» تنصب زيداً ب ضرب لا بضارب. لكني قد رأيت الواحدي [أجاز ما] أجاز مكي [من كون] «مؤذِّن» عاملاً في «أَنْ» ، وإذا وَصَفْتَه امتنع ذلك، وفيه ما تقدَّم وهو حسن.

و «أَنْ» يجوز أن تكون المفسِّرة، وأن تكونَ المخففةَ، والجملة الاسميةُ بعدها الخبر، ولا حاجةَ هنا لفاصل. وقرأ الأخوان وابن عامر والبزِّي: «أنَّ» بفتح الهمزة وتشديد النون ونصب اللعنة على أنها اسمها، و «على الظالمين» خبرها، وكذلك في النور «أن لعنةُ الله عليه» خَفَّف «أَنْ» ورفع اللعنة نافع وحده، والباقون بالتشديد والنصب. وقرأ عصمة عن الأعمش: إنَّ بالكسر والتشديد وذلك: إمَّا على إضمار القول عن البصريين، وإمَّا على إجراء النداء مُجْرى القول عند الكوفيين.

7:45Page 156

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."

وقوله تعالى: {الذين} : يجوز أن يكون مرفوعَ المحل ومنصوبَه على القطع فيهما، ومجرورَه على النعت أو البدل أو عطف البيان. ومفعول «يَصُدُّون» محذوفٌ أي: يصدُّون الناس. ويجوز ألاَّ يُقَدَّر له مفعول، والمعنى: الذين من شأنهم الصدُّ كقولهم: «هو يعطي ويمنع» . ويجوز أن يكون «يَصُدُّون» بمعنى يُعْرضون، مِنْ صَدَّ صُدوداً فيكون لازماً.

7:46Page 156

وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦

And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا} : أي: بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذا هو الظاهر لقوله {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} . وقيل: بين الجنة والنار، وبه بدأ الزمخشري. وقوله: {وَعَلَى الأعراف} قال الزمخشري: «أي: وعلى أعراف الحجاب» كأنه جعل أل عوضاً من الإِضافة وهو مذهب كوفي، وقد تقدم تحقيقه. وجعل بعضُهم نفس الأعراف هي نفس الحجاب المتقدِّمِ ذكرُه، عبَّر عنه تارة بالحجاب وتارة بالأعراف. قال الواحدي: ولم يذكر غيره «ولذلك عُرِّفَت الأعراف لأنه عَنَى بها الحجاب» .

والأعراف جمع عُرْف بضم العين، وهو كل مُرْتَفَع من أرض وغيرها استعارةً مِنْ عُرْف الديك وعُرْف الفَرَس، كأنه عُرِف بارتفاعه دونَ الأشياءِ المنخفضة فإنها مجهولة غالباً، قال أمية بن أبي الصلت:

2201 - وآخرون على الأعراف قد طَمِعوا ... في جنة حَفَّها الرمَّانُ والخَضِرُ ومثله أيضاً قوله:

2202 - كلُّ كِنازِ لَحْمِه نيافِ ... كالجبلِ المُوْفِي على الأعرافِ

وقال آخر وهو الشماخ:

2203 - فظلَّتْ بأعرافٍ تَعادَى كأنها ... رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الريحِ راكزٌ

وقوله: {يَعْرِفُونَ} في محل رفع نعتاً لرجال. و «كُلاَّ» أي: كل فريق من أصحاب الجنة وأصحاب النار. وقوله {أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} كقوله {أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [الأعراف: 44] إلا أنه لم يُقْرأ هنا إلا بأنْ الخفيفة فقط.

قوله: {وَنَادَوْاْ} هذا الضميرُ وما بعده لرجال. وقوله {لَمْ يَدْخُلُوهَا} في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها حال من فاعل «نادوا» أي: نادى أهل الأعراف حالَ كونهم غير داخلين الجنة. وقوله «وهم يطمعون» يحتمل أن يكون حالاً مِنْ فاعل «يَدْخلُوها» ثم لك اعتباران بعد ذلك، الأول: أن يكون المعنى: لم يدخلوها طامعين في دخولها بل/ دخلوها على يأس مِنْ دخولها. والثاني: أن المعنى: لم يدخلوها حال كونهم طامعين أي: لم يدخلوا بعد، وهم في وقت عدم الدخول طامعون، ويحتمل أن يكون مستأنَفَاً أخبر عنهم بأنهم طامعون في الدخول.

الوجه الثاني: أن يكون حالاً من مفعول «نادوا» أي: نادَوهم حالَ كونهم غيرَ داخلين. وقوله: «وهم يَطْمَعون» على ما تقدم آنفاً. والوجه الثالث أن تكون في محلِّ رفعٍ صفةً لرجال قاله الزمخشري. وفيه ضعفٌ من حيث إنه فَصَل فيه بين الموصوف وصفته بجملة قوله: «ونادَوا» وليست جملةَ اعتراض. والوجه الرابع: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها جوابُ سائلٍ سأل عن أصحاب الأعراف فقال: ما صُنِعَ بهم؟ فقيل: لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها.

وقال مكي كلاماً عجيباً وهو أن قال: «إنْ حَمَلْتَ المعنى على أنهم دخلوها كان» وهم يطمعون «ابتداء وخبراً في موضع الحال من المضمر المرفوع في» يدخلوها «، معناه: أنهم يئسوا من الدخول فلم يكن لهم طمعٌ في الدخول، لكن دخلوا وهم على بأس من ذلك، فإنْ حَمَلْتَ معناه أنهم لم يدخلوا بعدُ ولكنهم يطمعون في الدخولِ برحمة الله كان ابتداءً وخبراً مستأنفاً» .

وقال بعضُهم: «جملةُ قوله» لم يدخلوها «من كلام أصحاب الجنة، وجملةُ قوله وهم يطمعون» من كلام الملائكة «قال عطاء عن ابن عباس:» إن أصحابَ الأعراف ينادُون أصحابَ الجنة بالسلام، فيردُّون عليهم السلام، فيقول أصحاب الجنة للخزنة: ما لأصحابنا على أعراف الجنة لم يدخلوها؟ فيقول لهم الملائكة جواباً لهم وهم يطمعون «، وهذا يَبْعد صحته عن ابن عباس إذ لا يلائم فصاحة القرآن.

والطمع هنا يحتمل أن يكونَ على بابه، وأن يكونَ بمعنى اليقين. قالوا: لقوله تعالى حكايةً عن إبراهيم على نبيِّنا وعليه أفضلُ الصلاة والسلام: {والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ} [الشعراء: 82] وقال: 2204 - وإني لأطمعُ أنَّ الإِله ... قديرٌ بحسْنِ يَقيني يَقيني

7:47Page 156

۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

قوله تعالى: {تِلْقَآءَ} : منصوبٌ على ظرف المكان قال مكي: «وجمعُه تلاقِيّ» . قلت: لأن تِلْقاء وزنه تِفْعال كتمثال، وتمثال وبابه يُجمع على تفاعيل، فالتقت الياءُ الزائدة مع الياء التي هي لام الكلمة فأدغمت فصارت تلاقِيَّ. والتلقاء في الأصل مصدر ثم جُعِل دالاً على المكان أي: على جهة اللقاء والمقابلة قالوا: ولم يجئ من المصادر على تِفْعال بكسر التاء إلا لفظتان: التِلقاء والتِبْيان، وما عدا ذلك من المصادر فمفتوحٌ نحو التَّرْداد والتَّكرار، ومن الأسماء مكسورٌ نحو تِمثال وتِمْساح وتِقْصار.

وفي قوله: {صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} فائدةٌ جليلة وهو أنهم لم يَلْتفتوا إلى جهة النار إلا مجبورين على ذلك لا باختيارهم لأنَّ مكان الشر محذور. وقد تقدَّم خلافُ القراء في نحو «تلقاء أصحاب» بالنسبة إلى إسقاط إحدى الهمزتين أو إثباتها أو تسهيلها في أوائل البقرة. وقرأ الأعمش: «وإذا قُلِبَتْ» وهي مخالفةٌ للسواد، كقراءة {لم يدخلوها وهم ساخطون} أو {وهم طامِعُون} على أنَّ هذه أقرب. و «قالوا» هو جوابُ «إذا» والعامل فيها.

7:48Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."

قوله تعالى: {مَآ أغنى} : يجوز أن تكونَ استفهاميةً للتوبيخ والتقريع وهو الظاهر، ويجوز أن تكونَ نافية. وقوله: «وما كنتم» : «ما» مصدرية ليُنْسَق مصدرٌ على مثله أي: ما أغنى عنكم جمعُكم وكونُكم مستكبرين. وقرئ «تستكثرون» بتاء مثلثة من الكثرة.

7:49Page 156

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩

[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

قوله تعالى: {أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ} : يجوز في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها في محل نصب بالقول المتقدم أي: قالوا: ما أغنى وقالوا: أهؤلاء الذين. والثاني: أن تكون جملةً مستقلةً غيرَ داخلةٍ في حيز القول، والمشارُ إليهم على القول الأول هم أهل الجنة، والقائلون ذلك هم أهل الأعراف، والمقولُ لهم هم أهل النار. والمعنى: وقال أهلُ الأعراف لأهل النار: أهؤلاء الذين في الجنة اليوم هم الذين كنتم تَحْلفون إنهم لا يدخلون الجنة، برحمة الله وفضله ادخلوا الجنة أي: قالوا لهم أو قيل لهم: ادخلوا الجنة.

وأمَّا على القول الثاني وهو الاستئناف: فاختُلف في المشار إليه. فقيل: هم أهل الأعراف، والقائلُ ذلك مَلَكٌ يأمره الله بهذا القول، والمقول له هم أهلُ النار. وقيل: المشار إليه هم أهل الجنة، والقائلُ هم الملائكة، والمقولُ له هم أهل النار. وقيل: المشار إليهم هم أهل الأعراف وهم/ القائلون ذلك أيضاً، والمقول لهم الكفارُ، وقوله «ادخلوا الجنة» من قولةِ أهل الأعراف أيضاً أي: يرجعون فيخاطب بعضُهم بعضاً فيقولون: ادخلوا الجنة. وقال ابن الأنباري: «إن قوله: أهؤلاء الذين أَقْسَمْتم لا ينالهم الله برحمة» من كلام أصحاب الأعراف. وقوله «ادخلوا» من كلام الله تعالى، وذلك على إضمار قول أي: فقال لهم الله: ادخلوه، ونظيره قوله تعالى: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ} [الشعراء: 35] فهذا من كلام الملأ، فماذا تأمرون؟ فهذا من كلام فرعون أي: فقال: فماذا تأمرون؟ .

وقرأ الحسن وابن سيرين: «أَدْخِلوا الجنة» أمراً من أَدْخَل وفيها تأويلان، أحدهما: أن المأمور بالإِدخال الملائكة أي: أَدْخلوا يا ملائكةُ هؤلاء. ثم خاطب البشر بعد خطاب الملائكة فقال: لا خوف عليكم، وتكون الجملة من قوله: «لا خوف» لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافها. والثاني: أن المأمور بذلك هم أهل الأعراف والتقدير: أدخلوا أنفسَكم، فحذف المفعولَ في الوجهين. ومثلُ هذه القراءة هنا قولُه تعالى: {أَدْخِلُوا آل فرعون} [غافر: 46] وستأتي إن شاء الله، إلا أن المفعولَ هناك مصرَّحٌ به في إحدى القراءتين.

والجملة من قوله «لا خوف» على هذا في محلِّ نصبٍ على الحال أي: أَدْخِلوا أنفسكم غير خائفين. وقرأ عكرمة «دَخَلوا» ماضياً مبنياً للفاعل. وطلحة وابن وثاب والنخعي «أُدْخِلوا» مِنْ أُدْخِل ماضياً مبنياً للمفعول على الإِخبار، وعلى هاتين فالجملة المنفية في محل نصبٍ بقول مقدر، ذلك القولُ منصوبٌ على الحال أي: مقولاً لهم لا خوف.

7:50Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers

قوله تعالى: {أَنْ أَفِيضُواْ} : كأحوالِها من احتمال التفسير والمصدرية، و «من الماء» متعلق بأفيضوا على أحدِ وجهيه: إمَّا على حذف مفعول أي: شيئاً من الماء فهي تبعيضيةٌ، طلبوا منهم البعضَ اليسير، وإمَّا على تضمين «أفيضوا» معنى ما يتعدَّى ب مِنْ أي: أنعموا منه بالفيض. وقوله: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ} «أو» هنا على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين: إمَّا تخييراً أو إباحةً أو غيرَ ذلك ممَّا يليق بها، وعلى هذا يقال كيف قيل: حَرَّ مهما فأعيد الضمير مثنَّى، وكان من حق مَنْ يقول إنها لأحد الشيئين أن يعودَ مفرداً على ما تقرر غير مرة؟ وقد أجابوا بأن المعنى: حَرَّم كلاً منهما. وقيل إن «أو» بمعنى الواو فعود الضمير واضحٌ عليه.

و «ممّا» : «ما» يجوز أن تكون موصولة اسمية، وهو الظاهر، والعائد محذوف أي: أو من الذي رزقكموه الله، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، وفيه مجازان: أحدهما: أنهم طَلَبوا منهم إفاضةَ نفس الرزق مبالغةً في ذلك. والثاني: أن يَرادَ بالمصدر اسمُ المفعول كقوله: {كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله} [البقرة: 60] في أحد وجهيه. وقال الزمخشري: «أو ممَّا رزقكم الله من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإِفاضة. ويجوز أن يُراد: أو أَلْقُوا علينا مِنْ ما رزقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله:

2205 - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ... . . . . . . . . . . . . . . .

قال الشيخ:» وقوله «وألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة» يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون قوله: «أفيضوا» ضُمِّن معنى «ألقوا» علينا من الماء أو مما رزقكم الله فيصحَّ العطف، ويحتمل وهو الظاهر من كلامه أن يكونَ أضمر فعلاً بعد «أو» يَصِل إلى مما رزقكم الله وهو «ألقوا» ، وهما مذهبان للنحاة فيما عُطِف على شيء بحرف عطف، والفعل لا يصل إليه، والصحيح منهما التضمين لا الإِضمار «. قلت: يعني الزمخشري أن الإِفاضة أصل استعمالها في الماء وما جرى مجراه في المائعات، فقوله» أو مِنْ غيره من الأشربة «تصحيح ليسلِّط الإِفاضةَ عليه؛ لأنه لو حُمِل مما رزقكم الله على الطعام والفاكهة لم يَحْسُن نسبة الإِفاضة إليهما إلا بتجوُّز، فذكر وجه التجوز بقوله» ألقوا «، ثم فسَّره الشيخ بما ذكر، وهو كما قال، فإن العلَف لا يُسْنَدُ إلى الماء. فقوله إمَّا بالتضمين أي فَغَذَّيتُها، ومثلُه:

2206 -. . . . . . . . . . . . . . . ... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا

وقوله:

2207 - يا ليت زوجَك قد غدا ... متقلِّدا سيفاً ورُمْحا

وقوله تعالى: {والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان} [الحشر: 9] وقد مضى من هذا جملةٌ صالحة. وزعم بعضهم أن قوله {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} عامٌّ يندرج فيه الماء المتقدم، وهو بعيدٌ أو متعذَّرٌ للعطف بأو.

والتحريم هنا المَنْعُ كقوله:

2208 - حرامٌ على عينيَّ أن تُطْعَما الكَرى ... . . . . . . . . . . . . . . . .

7:51Page 156

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

قوله تعالى: {الذين} : يجوز أن يكون في محل جَرٍّ وهو الظاهر نعتاً أو بدلاً من «الكافرين» : ويجوز أن يكونَ رفعاً أو نصباً على القطع. وقوله: «وغَرَّتْهم» عطفٌ على الصلة. وقوله: «فاليومَ» منصوب بما بعده. / وقوله: «كما» نعتٌ لمصدر محذوف أي: ينساهم نسياناً كنسيانهم لقاءَ أي بتركهم. و «ما» مصدريةٌ. ويجوز أن تكونَ الكافُ للتعليل أي: تركناهم لأجل نسيانهم لقاءَ يومهم. و «يومهم» يجوز أن يكونَ متسعاً فيه فأُضيف المصدرُ إليه، كما يُضاف إلى المفعول به. ويجوز أن يكون المفعولُ محذوفاً، والإِضافةُ إلى ظرف الحدث أي: لقاء العذاب في يومهم. وقوله: «وما كانوا» «ما» مصدريةٌ نسقاً على أختها المجرورة بالكاف أي: وكما يجحدون بآياتنا، والتعليل فيه واضح.

7:52Page 157

وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

والضمير في: {جِئْنَاهُمْ} : عائدٌ على مَنْ تقدَّم من الكفرة، والمراد ب «كتاب» الجنس. وقيل: يعودُ على مَنْ عاصر النبي عليه الصلاة والسلام. والمراد بالكتاب القرآن. والباء في «بكتاب» للتعدية فقط. وقوله: «فَصَّلناه» صفةٌ ل «كتاب» ، والمرادُ بتفصيله إيضاحُ الحقِّ من الباطل، أو تنزيله في فصولٍ مختلفةٍ كقوله: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} [الإِسراء: 106] . وقرأ الجحدري وابن محيصن بالضاد المعجمة أي: فضَّلْناه على غيرِه من الكتب السماوية. وقوله: «على عِلْم» حال: إمَّا من الفاعل أي: فَصَّلْناه عالمين بتفصيله، وإمَّا من المفعول أي: فصَّلْناه مشتملاً على علم. ونَكَّر «علم» تعظيماً.

وقوله: {هُدًى وَرَحْمَةً} الجمهورُ على النصب، وفيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول من أجله أي: فصَّلناه لأجل الهداية والرحمة. والثاني: أنه حال: إمَّا من كتاب، وجاز ذلك لتخصصه بالوصف، وإمَّا من مفعول «فصَّلناه» . وقرأ زيد بن علي «هدىً ورحمةٍ» بالجر، وخرَّجه الكسائي والفراء على النعت ل «كتاب» ، وفيه المذاهب المشهورة في نحو « [مررت] برجل عدل» ، وخرَّجه غيرهما على البدل منه. وقرأته فرقة «هدىً ورحمةٌ» بالرفع على إضمار المبتدأ. وقال مكي: «وأجاز الفراء والكسائي» هدى ورحمة «بالخفض، يجعلانه بدلاً من» علم «، ويجوز هدى ورحمة على تقدير: هو هدى ورحمة» وكأنه لم يَطَّلع على أنهما قراءتان مَرْوِيَّتان حتى نسبهما على طريق الجواز. و «لقومٍ» صفة لرحمة وما عُطِفت عليه.

7:53Page 157

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣

Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

وقوله تعالى: {تَأْوِيلَهُ} : قد تقدَّم ذلك في آل عمران. وقال الزمخشري ههنا: «والتأويل مادتُه من همزة وواو ولام مِنْ آل يؤول» وقال الخطابي: «أَوَّلْتُ الشيءَ رَدَدْتُه إلى أوله، واللفظةُ مأخوذةٌ من الأول» . قال الشيخ: وهو خطأٌ لاختلاف المادتين «. و» يومَ «منصوب ب» يقول «، وقد جاءَتْ منصوبةً بالقول، و» بالحق «يجوز أن تكونَ الباءُ للحال، وأن تكونَ للتعدية أي: جاؤوا ملتبسين بالحق أو أجاؤوا الحق.

قوله: {مِن شُفَعَآءَ} » مِنْ «مزيدة في المبتدأ و» لنا «خبرٌ مقدم. ويجوز أن يكونَ» من شفعاء «فاعلاً و» مِنْ «مزيدة أيضاً، وهذا جائزٌ عند كل أحد لاعتماد الجارِّ على الاستفهام. وقوله:» فيشفعوا «منصوب بإضمار» أَنْ «في جواب الاستفهام، فيكون قد عَطَفْتَ اسماً مؤولاً على اسمٍ صريح أي: فهل لنا شفعاء فشفاعة منهم لنا.

قوله: {أَوْ نُرَدُّ} الجمهور عَلَى رفع» نُرَدُّ «ونصب» فنعملَ «، فَرَفْعُ» نردُّ « على أنه عَطَفَ جملةً فعلية وهي» نُرَدُّ «على جملة اسمية وهي: هل لنا من شفعاء فيشفعوا، ونصبُ» فنعملَ «على ما انتصب عليه» فيشفعوا «. وقرأ الحسنُ برفعهما على ما تقدم، كذا روى عنه ابن عطية وغيره. وروى عنه الزمخشري نصب» نُرَدّ «ورفع» فنعمل «. وقرأ أبو حيوة وابن أبي إسحاق بنصبهما. فنصبُ» نُرَدَّ «عطفاً على» فيشفعوا «جواباً على جواب، ويكون الشفعاء في أحد شيئين: إمَّا في خلاصهم من العذاب، وإمَّا في رجوعهم للدنيا ليعملوا صالحاً، والشفاعةُ حينئذ منسحبةٌ على الخلاص أو الردّ، وانتصب» فنعملَ «نسقاً على» فنردَّ «، ويجوز أن يكون» أو نُرَدَّ «من باب» لألزمنَّكَ أو تقضيَني حقي «إذا قدَّرناه بمعنى: حتى تقضيَني أو كي تقضيَني، غَيَّا اللزومَ بقضاء الحق أو عَلَّله به فكذلك الآية الكريمة أي: حتى نُرَدَّ أو كي نُرَدَّ، والشفاعةُ حينئذ متعلقةٌ بالردِّ ليس إلا، وأمَّا عند من يقدِّر» أو «بمعنى» إلا «في المثال المتقدم وهو سيبويه فلا يظهر معنى الآية عليه، إذ يَصير التقدير: هل يشفع لنا شفعاءُ إلا أن نُرَدَّ. وهذا استثناءٌ غير ظاهر.

وقوله:» ما كانوا «فاعل» ضَلَّ «، و» ما «موصولةٌ عائدها محذوف.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском