As-Samin al-HalabiAl‑Anfal · 8:1–11

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

الأنفال

Al-Anfal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

8:1Page 177

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١

They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} : فاعل «يَسْأل» يعود على معلوم، وهم مَنْ حَضَرَ بَدْراً. و «سأل» تارةً تكونُ لاقتضاء معنى في نَفْسِ المسؤول فتتعدَّى ب «عن» كهذه الآية، وكقول الشاعر:

2379 - سَلي إنْ جَهِلْتِ الناسَ عنَّا وعنهمُ ... فليس سواءً عالمٌ وجَهولُ

وقد تكون لاقتضاء مالٍ ونحوه فتتعدَّى لاثنين نحو: «سألت زيداً مالاً» . وقد ادَّعى بعضُهم أن السؤالَ هنا بهذا المعنى، وزعم أن «عَنْ» زائدةٌ، والتقدير: يسألونك الأنفالَ، وأيَّد قولَه بقراءة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وزيدٍ ولدِه ومحمد الباقر ولدِه أيضاً وولده جعفر الصادق وعكرمة وعطاء: «يسألونك الأنفالَ» دون «عن» . والصحيحُ أن هذه القراءةَ على إرادةِ حرفِ الجر. وقال بعضهم: «عن» بمعنى «مِنْ» . وهذا لا ضرورةَ تدعو إليه.

وقرأ ابنُ محيصن: «عَلَّنْفَال» . والأصل: أنه نقل حركةَ الهمزة إلى لام التعريف، ثم اعتدَّ بالحركة العارضة فأدغم النونَ في اللام كقوله: {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم} [العنكبوت: 38] ، وقد تقدَّم ذلك في قوله {عَنِ الأهلة} [البقرة: 189] .

والأنفال: جمع نَفَل وهي الزيادة على الشيء الواجب وسُمِّيَتْ/ الغنيمة نَفَلاً لزيادتِها على حِماية الحَوزة. قال لبيد:

2380 - إنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ ... وبإذنِ الله رَيْثي وعَجَلْ

وقال آخر:

2381 - إنَّا إذا احْمَرَّ الوغَى نَرْوي القَنا ... ونَعِفُّ عند مَقاسِمِ الأنفالِ

وقيل: سُمِّيت «الأَنْفال» لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم. وقال الزمخشري: «والنَّفَل: ما يُنْفَلُه الغازي، أي يُعْطاه زيادةً على سهمه من المَغْنم» .

قوله: {ذَاتَ بِيْنِكُمْ} : قد تقدَّمَ الكلامُ على «ذات» في آل عمران. وهي هنا صفةٌ لمفعولٍ محذوف تقديره: وأَصْلِحوا أحوالاً ذاتَ افتراقِكم وذاتَ وَصْلِكم، أو ذاتَ المكانِ المتصلِ بكم، فإنَّ «بين» قد قيل إنه يُراد به هنا الفراقُ أو الوصل أو الظرف. وقال الزجاج وغيره: «إنَّ» ذات «هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه» وقد أوضح ذلك ابنُ عطية. والتفسير ببيان هذا أولى.

وقال الشيخ: «والبَيْنُ: الفِراق، و» ذات «نعت لمفعول محذوف أي: وأَصْلِحوا أحوالاً ذات افتراقكم، لمَّا كانت الأحوالُ ملابِسةً للبَيْن أُضِيْفَتْ صفتُها إليه، كما تقول: اسْقِني ذا إنائك أي: ماءً صاحبَ إنائك، لَمَّا لابس الماءُ الإِناءَ وُصِفَ ب» ذا «وأُضيف على الإِناء. والمعنى: اسقِني ما في الإِناء من الماء» .

8:2Page 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

قوله تعالى: {وَجِلَتْ} : يُقال: وَجِلَ بالكسر في الماضي يَوْجَلُ بالفتح، وفيه لُغَيَّةٌ أخرى، قرئ بها في الشاذ: وَجَلَتْ بفتح الجيم في الماضي وكَسْرِها في المضارع فَتَنْحَذِف الواو كوَعَد يَعِدُ. ويُقال في المشهورة: وَجِل يَوْجَل. ومنهم مَنْ يقول: ياجَلُ بقلب الواو ألفاً، وهو شاذٌّ لأنه قَلْبُ حرفِ العلة بأحد السببين: وهو انفتاحُ ما قبلَ حرفِ العلة دون تحركه وهو نظير «طائي» في النسب إلى طيِّئ. ومنهم من يقول: يِيْجَلُ بكسر حرف المضارعة فتنقلبُ الواوُ ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. وقد تقدَّم في أول هذا الموضوع أنَّ من العرب مَنْ يكسِرُ حرف المضارعة بشروطٍ منها: أن لا يكونَ حرفُ المضارعة ياءً إلا في هذه اللفظة وفي أَبَى يِئْبَى.

ومنهم مَنْ ركَّب من هاتين اللغتين لغةً أخرى وهي فتحُ الياء وقلبُ الواو ياءً فقال: يَيْجَلُ، فأخذ قلبَ الواو ممَّن كسرَ حرفَ المضارعة، وأخذ فتحَ الياءِ مِنْ لغة الجمهور.

وقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} قال ابن عطية: «وجوابُ الشرط المتقدم في قوله:» وأطيعوا «، هذا مذهب سيبويه، ومذهب المبرد أن الجواب محذوف متأخر، ومذهبه في هذا ألاَّ يتقدَّمَ الجوابُ على الشرط» . قلت: وهذا الذي ذكره أبو [محمد] نقل الناسُ خلافَه، نقلوا ذلك أعني جوازَ تقديمِ جوابِ الشرط عليه عن الكوفيين وأبي زيد وأبي العباس، فالله أعلم أيُّهما أثبت. ويجوز أن يكون للمبرد قولان وكذا لسيبويه، فنقل كلُّ فريق عن كلٍ منهما أحد القولين.

8:3Page 177

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

وقوله تعالى: {الذين يُقِيمُونَ} : يجوز في هذا الموصول أن يكون مرفوعاً على النعت للموصول، وعلى البدل، أو على البيان له، وأن يكون منصوباً على القطع المُشْعِر بالمدح. وقوله: {وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} : التقديمُ يفيدُ الاختصاصَ أي: عليه لا على غيره. وهذه الجملةُ يُحتمل أن يكون لها محلٌّ من الإِعراب وهو النصبُ على الحال مِنْ مفعول «زادَتْهم» ويُحتمل أن تكونَ مستأنفةً، ويحتمل أن تكون معطوفةً على الصلة قبلها فتدخلَ في حَيِّزِ الصلاتِ المتقدمةِ، وعلى هذين الوجهين فلا محلَّ لها من الإِعراب.

8:4Page 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

قوله تعالى: {حَقّاً} : يجوز أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوف أي: هم المؤمنون إيماناً حقاً. ويجوز أن يكونَ مؤكِّداً لمضمون الجملة كقولك: هو عبد الله حقاً، والعاملُ فيه على كلا القولين مقدَّرٌ أي: أحقُّه حقاً. ويجوز وهو ضعيف جداً أن يكونَ مؤكِّداً لمضمون الجملة الواقعة بعده وهي «لهم درجات» ويكون الكلامُ قد تمَّ عند قوله «هم المؤمنون» ثم ابتدئ ب «حقاً» لهم درجات «. وهذا إنما يجوز على رأيٍ ضعيف، أعني تقديمَ المصدرِ المؤكِّد/ لمضمون جملة عليها.

قوله: {عِندَ رَبِّهِمْ} يجوز أن يكونَ متعلقاً ب» درجات «لأنها بمعنى» أُجُورٌ «، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنها صفةٌ ل» درجات «أي: استقرَّت عند ربهم، وأن يتعلَّق بما تعلَّق به» لهم «من الاستقرار.

8:5Page 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

قوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ} : فيه عشرون وجهاً: أحدها: أن الكافَ نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: الأنفالُ ثابتةٌ لله ثبوتاً كما أخرجك أي: ثبوتاً بالحق كإخراجك من بيتك بالحق، يعني أنه لا مِرْيَةَ في ذلك. الثاني: أن تقديره: وأصلحوا ذاتَ بينكم إصلاحاً كما أخرجك. وقد التفت من خطابِ الجماعةِ إلى خطاب الواحد. الثالث: تقديرُه: وأطيعوا اللهَ ورسولَه طاعةً محققةً ثابتةً كما أخرجك أي: كما أن إخراج الله إياك لا مِرْيَةَ فيه ولا شبهة. الرابع: تقديرُه: يتوكلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك ربك. الخامس: تقديره: هم: المؤمنون حقاً كما أخرجك فهو صفة ل «حقاً» .

السادس: تقديره: استقرَّ لهم درجاتٌ وكذا استقراراً ثابتاً كاستقرار إخراجك. السابع: أنه متعلقٌ بما بعده تقديره: يجادلونك مجادلةً كما أخرجك ربك. الثامن: تقديرُه: لكارهون كراهيةً ثابتة كما أخرجك ربك أي: إن هذين الشيئين: الجدالَ والكراهيةَ ثابتان لا محالة، كما أن إخراجك ثابت لا محالة. التاسع: أن الكافَ بمعنى إذ، و «ما» مزيدة. التقدير: اذكر إذ أخرجك. وهذا فاسدٌ جداً إذ لم يَثْبُتْ في موضعٍ أن الكاف تكون بمعنى إذ، وأيضاً فإنَّ «ما» لا تُزادُ إلا في مواضعَ ليس هذا منها.

العاشر: أن الكاف بمعنى واو القسم و «ما» بمعنى الذي، واقعةٌ على ذي العلم مُقْسَماً به، وقد وقعت على ذي العلم في قوله: {والسمآء وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] {وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى} [الليل: 3] والتقدير: والذي أخرجك، ويكون قوله «يجادلونك» جوابَ القسم. وهذا قول أبي عبيدة. وقد ردَّ الناس عليه قاطبةً. وقالوا: كان ضعيفاً في النحو، ومتى ثبت كونُ الكافِ حرفَ قسمٍ بمعنى الواو؟ وأيضاً فإن «يجادلونك» لا يَصِحُّ كونُه جواباً؛ لأنه على مذهب البصريين متى كان مضارعاً مثبتاً وَجَب فيه شيئان: اللام وإحدى النونين، نحو {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً} [يوسف: 32] ، وعند الكوفيين: إمَّا اللامُ وإمَّا إحدى النونين، و «يجادلونك» عارٍ عنهما.

الحادي عشر: أن الكاف بمعنى على، و «ما» بمعنى الذي والتقدير: امْضِ على الذي أخرجَك. وهو ضعيفٌ لأنه لم يثبتْ كونُ الكاف بمعنى «على» البتةَ إلا في موضعٍ يحتمل النزاع كقوله: {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198] أي على هدايته إياكم. الثاني عشر: أن الكافَ في محل رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا الله، كأنه ابتداءٌ وخبر. قال ابن عطية: «وهذا المعنى وَضَعه هذا المفسِّر، وليس من ألفاظ الآية في وِرْدٍ ولا صَدَر» .

الثالث عشر: أنها في موضعِ رفعٍ أيضاً والتقدير: لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرة ورزق كريم، هذا وعدٌ حقٌّ كما أخرجك. وهذا فيه حذفُ مبتدأ وخبر، ولو صَرَّح بذلك لم يلتئم التشبيهُ ولم يَحْسُنْ.

الرابع عشر: أنها في موضع رفعٍ أيضاً. والتقدير: وأصلِحوا ذاتَ بينكم ذلكم خيرٌ لكم كما أخرجك، فالكاف في الحقيقة نعتٌ لخبر مبتدأ محذوف. وهو ضعيف لطول الفصل بين قوله: «وأَصْلِحوا» وبين قوله «كما أَخْرَجَك» .

الخامس عشر: أنها في محل رفع أيضاً على خبر ابتداء مضمر والمعنى: أنه شبَّه كراهية أصحاب رسول الله عليه السلام لخروجه من المدينة حين تحققوا خروجَ قريشٍ للدفع عن أبي سفيان وحِفْظِ عِيره بكراهيتهم لنزع الغنائم مِنْ أيديهم وجَعْلِها لله ورسوله يَحْكم فيها ما يشاء. واختار الزمخشري هذا الوجهَ وحَسَّنه، فقال: «يرتفع محلُّ الكاف على أنه خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه الحالُ كحالِ إخراجك. يعني أن حالَهم في كراهة ما رأيت من تَنْفيل الغزاة مثلُ حالهم في كراهة خروجهم للحرب» وهذا الذي حَسَّنه الزمخشري هو قول الفراء وقد شرحه ابن عطية بنحو ما تقدَّم مِن الألفاظ فإن الفراء قال: «هذه الكاف شَبَّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال» .

السادس عشر: أنها صفةٌ لخبر مبتدأ أيضاً/ وقد حُذف ذلك المبتدأ وخبره. والتقدير: قِسْمتك الغنائمَ حقٌّ كما كان إخراجُك حقاً. السابع عشر: أنَّ التشبيه وقع بين إخراجين أي: إخراج ربك إياك من بيتك وهو مكة وأنت كارهٌ لخروجك، وكان عاقبة ذلك الإِخراج النصرَ والظفرَ كإخراجه إياك من المدينة وبعضُ المؤمنين كارهٌ، يكون عقيبَ ذلك الخروجِ الظفرُ والنصر والخير كما كانت عقيبَ ذلك الخروجِ الأول.

الثامن عشر: أن تتعلق الكاف بقوله «فاضربوا» . وبَسْطُ هذا على ما قاله صاحب هذا الوجه: الكاف للتشبيه على سبيل المجاز، كقول القائل لعبده: «كما رَجَعْتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألتَ مدداً فَأَمْدَدْتُك وأَزَحْتُ عِلَلك فَخُذْهم الآن وعاقِبْهم كما أَحْسَنْتُ إليك وأَجْرَيْتُ عليك الرزق فاعملْ كذا واشكرْني عليه، فتقدير الآية: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغَشَّاكم النعاسَ أمَنَةً منه، وأنزل عليكم من السماء ماءً ليطَهِّرَكم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مُرْدفين فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلَّ بنان، كأنه يقول: قد أَزَحْتُ عِلَلكم وأَمْدَدْتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع وهو القتلُ لتبلغوا مرادَ الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. وهذا الوجه بَعْدَ طولِه لا طائل تحته لبُعْده من المعنى وكثرة الفواصل.

التاسع عشر: أن التقدير: كا أخرجك ربك مِنْ بيتك بالحق أي: بسبب إظهار دين الله وإعْزازِ شريعته وقد كرهوا خروجك تهيُّباً للقتال وخوفاً من الموت؛ إذ كانَ أُمِرَ عليه السلام بخروجهم بغتةً ولم يكونوا مستعدِّين للخروج وجادلوك في الحق بعد وضوحه نَصَرَكَ الله وأَمَدَّك بملائكته، ودلَّ على هذا المحذوفِ الكلامُ الذي بعده وهو قوله:

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: 9] الآيات. وهذا الوجهُ استحسنه الشيخ، وزعم أنه لم يُسْبق به، ثم قال: «ويظهر أن الكافَ ليست لمحضِ التشبيه بل فيها معنى التعليل. وقد نصَّ النحويون على أنها للتعليل، وخرَّجوا عليه قولَه تعالى: {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198] ، وأنشدوا:

2382 - لا تَشْتُمِ الناس كما لا تُشْتَمُ ... أي: لانتفاء شتم الناس لك لا تشتمهم. ومن الكلام الشائع:» كما تطيع الله يدخلك الجنة «أي: لأجل طاعتك الله يدخلك، فكذا الآية، والمعنى: لأَنْ خرجت لإِعزاز دين الله وقَتْل أعدائه نَصَرك وأَمَدَّك بالملائكة» .

العشرون: تقديرُه: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما إخراجُك في الطاعة خيرٌ لكم، كما كان إخراجُك خيراً لهم. وهذه الأقوال مع كثرتها غالبُها ضعيف، وقد بَيَّنْت ذلك. قوله: {بالحق} فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بالفعل أي بسبب الحق أي: إنه إخراجٌ بسبب حقٍ يظهر وهو علوُّ كلمة الإِسلام والنصرُ على أعداء الله. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول «أَخْرَجَكَ» أي: ملتبساً بالحق.

قوله: {وَإِنَّ فَرِيقاً} الواو للحال، والجملة في محل نصب، ولذلك كُسِرت «إنَّ» . ومفعول «كارهون» محذوف أي: لكارهون الخروج، وسببُ الكراهة: إمَّا نفرة الطبع ممَّا يُتَوقَّع من القتال، وإمَّا لعدم الاستعداد.

8:6Page 177

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

قوله تعالى: {يُجَادِلُونَكَ} : يُحتمل أن يكونَ مستأنفاً إخباراً عن حالهم بالمجادلة. ويُحتمل أن يكونَ حالاً ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم إياك. ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في «لكارهون» أي: لكارهون في حال جدال. والظاهر أن الضمير المرفوع يعودُ على الفريق المتقدِّم، ومعنى المجادلة قولهم: كيف نقاتل ولم نعتَدَّ للقتال؟ ويجوز أن يعود على الكفار وجدالُهم ظاهر. قوله: «بعدما تبيَّن» منصوب بالجدال و «ما» مصدرية أي: بعد تبيُّنِه ووضوحِه، وهو أقبحُ من الجدال في الشيء قبل اتِّضاحه. وقرأ عبد الله «بُيِّن» مبنياً للمفعول مِنْ بَيَّنْتُه أي أظهرته.

قوله: {وَهُمْ يَنظُرُونَ} حالٌ من مفعول «يُساقُون» .

8:7Page 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ} : «إذ» منصوب بفعل مقدر أي: اذكر إذ. والجمهور على رفع الدال لأنه مضارع مرفوع. وقرأ/ مسلم ابن محارب بسكونها على التخفيف لتوالي الحركات. وقرأ ابن محيصن «يعدكم الله احدى» بوصل همزة «إحدى» تخفيفاً على غير قياس، وهي نظير قراءة مَنْ قرأ: «إنها لاحدى» بإسقاط الهمزة، أجرى همزة القطع مُجْرى همزة الوصل. وقرأ أيضاً «أحد» بالتذكير، لأن الطائفة مؤنث مجازي. وقرأ مسلم بن محارب «بكلمته» على التوحيد، والمراد به اسم الجنس، فيؤدي مؤدَّى الجمع.

8:8Page 177

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

قوله تعالى: {لِيُحِقَّ} : فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بما قبله أي: ويقطع ليحق الحق. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديره: ليحقَّ الحق فَعَل ذلك أي: ما فعله إلا لهما وهو إثباتُ الإِسلام وإظهارُه وزوالُ الكفر ونحوه.

قال الزمخشري: «ويجب أن يُقَدَّر المحذوفُ مؤخراً ليفيدَ الاختصاص وينطبقَ عليه المعنى» . قلت: وهذا على رأيه، وهو الصحيح.

قوله: {أَنَّها لكم} منصوبُ المحل على البدل من «إحدى» أي: يَعِدُكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم أي: تَتَسلَّطون عليها تَسَلُّطَ المُلاَّكِ فهي بدلُ اشتمال.

8:9Page 178

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ} : فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه منصوب باذكر مضمراً، ولذلك سمَّاه الحوفي مستأنفاً أي: إنه مقتطعٌ عما قبله. الثاني: أنه منصوب بيحقُّ أي: يحقُّ الحق وقت استغاثتكم. وهو قول ابن جرير. وهو غلط، لأنَّ «ليحقَّ» مستقبل لأنه منصوب بإضمار «أَنْ» ، و «إذ» ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟ الثالث: أنه بدلٌ من «إذ» الأولى، قاله الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء. وكان قد قَدَّموا أن العامل في «إذا» الأولى «اذكر» مقدراً. الرابع: أنه منصوب ب «يعدكم» قاله الحوفي وقَبْلَه الطبري. الخامس: أنه منصوب بقوله «تَوَدُّون» قاله أبو البقاء. وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصل.

و «استغاث» يتعدى بنفسه وبالباء. ولم يجئ في القرآن إلا متعدِّياً بنفسه حتى نقم ابن مالك على النحويين قولهم المستغاث له، أو به، والمستغاث من أجله. وقد أنشدوا على تَعَدِّيه بالحرف قول الشاعر:

2383 - حتى استغاثَ بماءٍ لا رِشَاءَ له ... من الأباطحِ في حافَاتِه البُرَكُ

مُكَلَّلٌ بأصول النَّبْت تَنْسُجه ... ريحٌ خَرِيقٌ لضاحي مائِه حُبُكُ

كما استغاث بِسَيْءٍ فَزُّغَيْطَلَةٍ ... خافَ العيونَ ولم يُنْظَرْ به الحَشَكُ

فدلَّ هذا على أنه يتعدى بالحرف كما استعمله سيبويه وغيره.

قوله: {أَنِّي} العامة على فتح الهمزة بتقدير حذف حرف الجر أي: فاستجاب بأني. وقرأ عيسى بن عمر ويُروى عن أبي عمرو أيضاً «إني» بكسرها. وفيها مذهبان: مذهَب البصريين أنه على إضمار القول أي: فقال إني ممدُّكم. ومذهب الكوفيين أنها محكيَّةٌ باستجاب إجراءً له مُجْرى القولِ لأنه بمعناه.

قوله: {بِأَلْفٍ} العامَّة على التوحيد. وقرأ الجحدري: «بآلُفٍ» بزنة أفْلُس. وعنه أيضاً وعن السديّ بزنة أَحْمال. وفي الجمع بين هاتين القراءتين وقراءة الجمهور: أن تُحْمَلَ قراءةُ الجمهور على أن المراد بالأَلْفِ هم الوجوه، وباقيهم كالأتباع لهم، فلذلك لم يَنُصَّ عليهم في قراءة الجمهور ونصَّ عليهم في هاتين القراءتين. أو تُحْمل الألْف على مَنْ قاتَلَ من الملائكة دون مَنْ لم يقاتل فلا تنافِيَ حينئذٍ بين القراءات.

قوله: {مُرْدِفِينَ} قرأ نافع ويُروى عن قنبل أيضاً «مُرْدَفين» بفتح الدال والباقون بكسرها. وهما واضحتان لأنه يُروى في التفسير أنه كان وراء كل مَلِكٍ مَلَكٌ رديفاً له. فقراءة الفتح تُشْعر بأن غيرهم أردفهم لركوبهم خلفهم، وقراءة الكسر تُشْعر بأن الراكبَ خلفَ صاحبهِ قد أَرْدَفَه، فصَحَّ التعبيرُ باسم الفاعل تارةً واسمِ المفعول أخرى. وجَعَلَ أبو البقاء مفعولَ «مُرْدِفين» يعني بالكسر محذوفاً أي: مُرْدِفين أمثالهم. وجَوَّز أن يكون معنى الإِرداف المجيءَ بعد الأوائل أي: جُعِلوا رِدْفاً للأوائل.

ويُطلب جوابٌ عن كيفية الجمع/ بين هذه الآيةِ وآيةِ آل عمران، حيث قال هناك «بخمسة» ، وقال هنا «بأَلْف» والقصة واحدة. والجواب: أن هذه الألف مُرْدِفَةً لتلك الخمسة فيكون المجموعُ ستةَ آلاف، ويظهر هذا ويَقُوى في قراءة «مُرْدِفين» بكسر الدال.

وقد أنكر أبو عبيد أن يكون الملائكة أَرْدَفَت بعضها أي: ركَّبَتْ خلفها غيرها من الملائكة. وقال الفارسي: «مَنْ كسر الدال احتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا مُرْدِفين مثلَهم كما تقول:» أَرْدَفْتُ زيداً دابَّتي «فيكون المفعولُ الثاني محذوفاً، وحَذْفُ المفعولِ كثيرٌ. والوجه الآخر: أن يكونوا جاؤوا بعد المسلمين. وقال الأخفش:» بنو فلان يَرْدِفوننا أي: يجيئون بعدنا «، وقال أبو عبيدة:» مُرْدِفين: جاؤوا بعدُ، ورَدِفني وأَرْدَفني واحد «. قال الفارسي:» هذا الوجه كأنه أَبْيَنُ لقوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} ، قولُه «مُرْدِفين» أي جائين بعدُ لاستغاثتِكم. ومَنْ فتح الدال فهم مُرْدَفون على: أُرْدِفوا الناسَ أي: أُنْزِلوا بعدهم «.

وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليل» مُرَدِّفين «بفتحِ الراء وكسرِ الدالِ مشدَّدة، والأصل: مُرْتَدِفين فأدغم. وقال أبو البقاء:» إن هذه القراءةَ مأخوذةٌ مِنْ رَدَّفَ بالتشديد الدال على التكثير، وإن التضعيف بدلٌ من الهمزة كأَفْرَحْتُه وفرَّحته «وجَوَّز الخليلُ بن أحمد ضمَّ الراءِ إتباعاً لضمِّ الميم كقولهم: مُخُضِم بضم الخاء، وقد قُرِئ بها شذوذاً.

وقُرئ» مُرِدِّفين «بكسرِ الراء وتشديدِ الدالِ مكسورةً. وكسرُ الراء يَحْتمل وجهين: إمَّا لالتقاء الساكنين وإمَّا للإِتباع. قال ابن عطية:» ويجوز على هذه القراءةِ كسرُ الميم إتباعاً للراء، ولا أحفظه قراءة «، قلت: وكذلك الفتحة في» مُرَدِّفين «في القراءةِ التي حكاها الخليل تحتمل وجهين. أحدهما: وهو الظاهر أنها حركةُ نَقْلٍ من التاء حين قصد إدغامَها إلى الراء.

والثاني: أنها فُتِحَتْ تخفيفاً، وإن كان الأصلُ الكسرَ على أصل التقاء الساكنين كما قد قُرئ به. وقُرِئ» مِرْدِفين «بكسر الميم إتباعاً لكسرة الراء.

والوَجَل: الفَزَعُ. وقيل: استشعار الخوف يُقال منه: وَجِل يَوْجَل وياجَل ويَيْجَل ويَيْجِل وَجَلاً، فهو وَجِل. والشَّوْكَة: السلاح كسِنان الرُّمْح والنَّصْل والسيف، وأصلها من النبتِ الحديدِ الطَرْفِ كشَوْك السَّعْدان، يُقال منه: رجلٌ شائكٌ، فالهمزةُ من واو كقائم، ويجوز قلبُه بتأخيرِ عينه بعد لامه، فيقال:» شاكٍ «، فيصير كغازٍ، ووزنُه حينئذ فالٍ قال زهير:

2384 - لدى أسدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ

ويُوصَفُ السِّلاحُ بالشاكي كما يُوصف به الرجل فيُقال: رجلٌ شاكٌ وشاكٍ، وسلاحٌ شاكٌ وشاكٍ. فأمَّا شاكٌ فصحيحٌ غيرُ معتلٍّ، وألفُه منقلبةٌ عن عين الكلمة، ووزنُه في الأصل على فَعِل بكسر العين، ولكن قُلِبَتْ ألفاً كما قالوا كَبْشٌ صافٌ أي صَوِف، وكذلك شاكٌ أي شَوِكٌ.

ويُحتمل أن يكونَ محذوفَ العينِ وأصلُه شائك فحُذِفَت العينُ فبقي شاكاً فألفُه زائدةٌ ووزنُه على هذا فال. وأمَّا شاكٍ فمنقوصٌ وطريقتُه بالقلب كما تقدم. ومِنْ وصف السلاح بالشاك قوله:

2385 - وأُلْبِسُ مَنْ رضاه في طريقي ... سلاحاً يَذْعَر الأبطال شاكا

فهذا يُحْتمل أن يكونَ محذوفَ العين، وأن يكون أصله شَوِكاً كصَوِف.

ويُقال أيضاً: هو شاكٌّ في السلاح بتشديد الكاف مِنَ الشِكَّة وهي السلاح أجمع، نقله الهروي والراغب.

والاستغاثة: طلبُ الغَوْث وهو النصرُ والعَوْن وقيل: الاستغاثةُ سَدُّ الخَلَّة وقت الحاجة. وقيل: هي الاستجارةُ. ويقال: غَوْثٌ وغُواث وغَواث، والغيث من المطر والغَوْث من النصرة، فعلى هذا يكونُ «استغاث» مشتركاً بينهما، ولكن الفرقَ بينهما في الفعل فيقال: استَغَثْتُه فأغاثني من الغَوْث، وغاثَني مِن الغَيْث. والإِردافُ: الإِتباع والإِركاب وراءك. قال الزجاج: «أَرْدَفْتُ الرجل إذا جئت بعده» . ومنه {تَتْبَعُهَا الرادفة} [النازعات: 7] ، ويقال: رَدِف وأَرْدَف. واختلف اللغويون فقيل: هما بمعنى واحد، وهو قولُ ابنِ الأعرابي نقله عنه ثعلب، وقولُ أبي زيد نقله عنه أبو عبيد قال: «يُقال: رَدِفْتُ الرجلَ وأَرْدَفْته إذا ركبْتَ خلفَه» ، وأنشد:

2386 - إذا الجوزاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظنَنْتُ بآل فاطمةَ الظُّنونا

أي جَاءَتْ على رِدْفِها. وقيل: بل بينهما فرقٌ، فقال الزجاج: «يقال: رَدِفْتُ الرجلَ: رَكِبْتُ خلفَه وأَرْدَفْتُه: أركبتُه خلفي» وهذا يناسِبُ قولَ مَنْ يُقَدِّر مفعولاً في «مُرْدِفين» بكسرِ الدال، وأَرْدَفْتُه «إذا جِئْتَ بعده أيضاً، فصار أَرْدَفَ على هذا مشتركاً بين معنيين. وقال شمر:» رَدِفْتُ وأَرْدَفْتُ إذا فَعَلْتَ ذلك بنفسك، فأمَّا إذا فَعَلْتَهما/ بغيرك فَأَرْدَفْتُ لا غير «. وقوله: {مُرْدَفِينَ} بفتح الدالِ فيه وجهان، أظهرهما: أنه صفةٌ لأَلْف أي أَرْدَف بعضُهم لبعض. والثاني: أنه حالٌ من ضمير المخاطبين في» يمدُّكم «قال ابن عطية:» ويُحتمل أن يُراد بالمُرْدَفين المؤمنون أي: أُرْدِفوا بالملائكة «وهذا نصٌّ فيما ذكرته من الوجه الثاني. وقال الزمخشري:» وقرئ «مُرْدَِفين» بكسر الدال وفتحها مِنْ قولك: رَدِفه إذا تبعه، ومنه قوله تعالى: {رَدِفَ لَكُم} [النمل: 72] ، أي: رَدِفَكم، وأَرْدَفْتُه إياه إذا تَبِعْتَه، ويقال: أَرْدَفته كقولك: اتَّبَعْته إذا جئت بعده، فلا يخلُو المكسورُ الدالِ مِنْ أن يكون بمعنى مُتْبِعين أو مُتَّبِعين. فإن كان بمعنى مُتْبِعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى مُتْبِعِيْن بعضَهم بعضاً، أو مُتْبِعين بعضهم لبعض، أو بمعنى مُتْبعين إياهم المؤمنين، بمعنى يتقدَّمونهم فيُتْبعونهم أنفسهم أو مُتْبِعين لهم يُشَيِّعونهم ويُقَدِّمونهم بين أيديهم وهم على ساقتهم ليكونوا على أعينهم وحِفْظهم، أو بمعنى مُتْبِعين أنفسهم ملائكةً آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة. ويعضد هذا الوجهَ قولُه تعالى في سورة آل عمران

{بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين} [آل عمران: 124] {بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] ، ومن قرأ «مُرْدَفين» بالفتح فهو بمعنى مُتْبَعين أو مُتَّبَعين «.

قلت: وهذا الكلامُ على طوله شرحُه أنَّ» أَتْبع «بالتخفيف يتعدَّى إلى مفعولين، و» اتَّبع «بالتشديد يتعدى لواحدٍ، وأَرْدَف قد جاء بمعناهما، ومفعولُه أو مفعولاه محذوفٌ لفهم المعنى، فيقدَّر في كل موضع ما يليق به. إلا أنَّ الشيخ عابَ عليه قوله» مُتْبِعين إياهم المؤمنين وقال: «هذا ليس من مواضعِ فَصْلِ الضمير بل مما يتصل وتُحْذف له النون، لا يقال: هم كاسون إياك ثوباً، بل كاسوك، فتصحيحه أن يقول: متبعيهم المؤمنين أو مُتْبعين أنفسَهم المؤمنين» .

8:10Page 178

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ} : الهاء تعود على الإِمداد أي: وما جعل اللهُ الإِمدادَ. ثم هذا الإِمدادُ يحتمل أن يكون المنسبكَ من قوله {أَنِّي مُمِدُّكُمْ} [الأنفال: 9] ، إذ المعنى: فاستجاب بإمدادكم. ويحتمل أن يكون مدلولاً عليه بقوله «مُمِدُّكم» كما دلَّ عليه فِعْلُه في قوله: {اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ} [المائدة: 8] . وهذا الثاني أَوْلى لأنه مُتَأَتٍّ على قراءة الفتح والكسر في «إني» بخلاف الأول فإنه لا يتجه عَوْدُه على الإِمداد على قراءة الكسر إلا بتأويلٍ ذكره الزمخشري وهو أنه مفعولُ القول المضمر فهو في معنى القول. وقيل يعود على المَدَد قاله الزجاج. قال الواحدي: «وهذا أَوْلَى لأنَّ بالإِمداد بالملائكة كانت البشرى» . وقال الفراء: «إنه يعودُ على الإِرداف المدلول عليه بمردفين» . وقيل: يعودُ على الألف. وقيل: على الوعد المدلول عليه ب {يَعِدُكُمُ} [الأنفال: 7] .

وقيل: على جبريل أو على الاستجابة، لأنها مؤنث مجازي، أو على الإِخبار بالإِمداد. وهي كلُّها محتملة وأرجحها الأولُ، والجَعْل هنا تصييرٌ.

8:11Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

قوله تعالى: {إذ يَغْشاكم} : في «إذ» وجوه أحدها: أنه بدل من «إذ» في قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ} [الأنفال: 7] . قال الزمخشري: «إذ يغشاكم بدلٌ ثانٍ من» إذ يَعِدكم «. قوله:» ثان «لأنه أبدل منه» إذ «في قوله» إذ تَسْتغيثون «ووافقه على هذا ابن عطية وأبو البقاء. الثاني: أنه منصوبٌ بالنصر. الثالث: ب {مِنْ عِندِ الله} [الأنفال: 10] من معنى الفعل. الرابع: ب {مَا جَعَلَهُ الله} [الأنفال: 10] . الخامس: بإضمار» اذكر «. ذكر ذلك الزمخشري. وقد سبقه إلى الرابع الحوفيُّ.

وقد ضَعَّفَ الشيخُ الوجهَ الثاني بثلاثة أوجه أحدها: أنَّ فيه إعمالَ المصدرِ المقرون بأل قال:» وفيه خلاف ذهب الكوفيون إلى أنه لا يَعْمل. الثاني من الأوجه المضعِّفة أنه فيه فصلٌ بين المصدر ومعموله بالخبر وهو قوله: «إلا من عند الله» ، ولو قلت: «ضَرْبُ زيدٍ شديدٌ عمراً» لم يَجُزْ. الثالث: أنه عَمل ما قبل «إلا» فيما بعدها وليس أحدَ الثلاثةِ الجائزِ ذلك فيها، لأنه لا يعمل ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكونَ مستثنى أو مستثنى منه أو صفةً له. وقد جوَّز الكسائي والأخفش إعمالَ ما قبل «إلا» فيما بعدها مطلقاً، وليس في هذه الأوجه أحسنُ من أنه أخبر عن الموصول قبل تمامِ صلته.

وضَعَّفَ الثالثَ بأنه يلزم منه أن يكون استقرارُ النصر مقيَّداً/ بهذا الظرفِ، والنصرُ من عند الله لا يتقيَّد بوقت دون وقت. وهذا لا يَضْعُفُ به لأنَّ المرادَ بهذا النصرِ نصرٌ خاص، وهذا النصرُ الخاصُّ كان مقيداً بذلك الظرف. وضعَّف الرابعَ بطولِ الفصل ويكون معمولاً لما قبل «إلا» .

السادس: أنه منصوبٌ بقوله: «ولتطمئنَّ به» قاله الطبري. السابع: أنه منصوبٌ بما دلَّ عليه «عزيز حكيم» قاله أبو البقاء. ونحا إليه ابن عطية قبله.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يَغْشاكم النعاسُ» . نافع: «يُغْشِيكم» بضم الياء وكسر الشينِ خفيفةً. «النعاسَ» نصباً. والباقون «يُغَشِّيكم» كالذي قبله، إلا أنه بتشديد الشين فالقراءة الأولى مِنْ غَشِي يَغْشَى، و «النعاس» فاعل. وفي الثانية مِنْ «أغشى» ، وفاعلُه ضميرُ الباري تعالى، وكذا في الثالثة مِنْ «غَشَّى» بالتشديد. و «النعاس» فيهما مفعول به، وأغشى وغشَّى لغتان.

قوله: «أَمَنَةً» في نصبِها ثلاثةُ [أوجه] أحدُها: أنه مصدرٌ لفعلٍ مقدر أي: فَأَمِنْتُم أَمَنةً. الثاني: أنها منصوبة على أنها واقعةٌ موقعَ الحال: إمَّا من الفاعل، فإن كان الفاعلُ «النعاس» فنسبةُ الأمنة إليه مجازٌ، وإن كان الباريَ تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبة حقيقةٌ، وإمَّا من المفعولِ على المبالغة أي: جَعْلهم نفسَ الأمنة، أو على حَذْفِ مضاف أي: ذوي أمنة.

الثالث: أنه مفعولٌ من أجله وذلك: إمَّا أن يكونَ على القراءتين الأخيرتين أو على الأولى، فعلى القراءتين الأخيرتين أمرُها واضحٌ، وذلك أن التغشيةَ أو الإِغشاءَ من الله تعالى، والأمنةُ منه أيضاً، فقد اتحد الفاعلُ فصحَّ النصب على المفعول له. وأمَّا على القراءة الأولى ففاعل «يغشى» النعاسُ، وفاعل «الأمنة» الباري تعالى. ومع اختلافِ الفاعلِ يمتنع النصبُ على المفعول له على المشهور وفيه خلافٌ، اللهم إلا أن يُتَجَوَّز بتجوز.

وقد أوضح ذلك الزمخشري فقال: «وأَمَنَةً» مفعولٌ له. فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعلُ الفعلِ المُعَلَّلِ والعلةِ واحداً؟ قلت: بلى ولكن لمَّا كان معنى «يَغْشاكم النعاسُ» تَنْعَسون انتصب «أَمَنةً» على معنى: أنَّ النعاسَ والأَمَنَة لهم، والمعنى إذ تَنْعَسُون أمناً «. ثم قال:» فإن قلت: هل يجوزُ أن ينتصبَ على أن الأمنةَ للنعاس الذي هو يغشاكم أي: يَغْشاكم النعاسُ لأمنة، على أنَّ إسنادَ الأَمْن إلى النعاس إسنادٌ مجازي وهو لأصحابِ النُّعاس على الحقيقة، أو على أنه أتاكم في وقت كان مِنْ حق النعاس في ذلك الوقت المَخُوف أن لا يُقَدَّمَ على غشيانكم، وإنما غَشَّاكم أمنةً حاصلةً له من الله لولاها لم يَغْشكم على طريقة التمثيل والتخييل «. قلت: لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله، وله فيه نظائرُ، وقد ألمَّ به من قال: 2387 - يَهاب النَّوْمُ أن يَغْشى عيوناً ... تهابُكَ فهْوَ نَفَّارٌ شَرودُ

وقوله: {مِنْه} في محلِّ نصبٍ صفةً ل» أَمَنَة «، والضمير في» منه «يجوزُ أن يعودَ على الباري تعالى، وأَنْ يعودَ على النعاس بالمجاز المذكور آنفاً.

وقرأ ابن محيصن والنخعي ويحيى بن يعمر» أَمْنَةً «بسكون الميم. ونظير أَمِنَ أَمَنَةً بالتحريك حَيِي حياة، ونظيرُ أَمِن أَمْنة بالسكون رَحِم رَحْمَةً.

قوله: {مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ} العامَّةُ على» ماءً «بالمد. و» ليطهركم «متعلِّقٌ ب» يُنَزِّل «. وقرأ الشعبي» ما ليطهركم «بألفٍ مقصورة، وفيها تخريجان أظهرهما وهو الذي ذكره ابن جني وغيره أنَّ» ما «بمعنى الذي، و» ليطهِّرَكم «صلتُها، وقال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم، فقدَّر الجارَّ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، والجملةُ صلة ل» ما «. وقد ردَّ الشيخ هذين التخريجين بأن لامَ» كي «لا تقعُ صلةً. والثاني: أن» ما «هو ماء بالمد، ولكن العرب قد حَذَفَتْ همزتَه فقالوا:» شربت ماً «بميم منونة، حكاه ابن مقسم، وهذا لا نظيرَ له إذ لا يجوز أن يُنْتَهَك اسمٌ مُعْرَبٌ بالحذف حتى يبقى على حرفٍ واحد.

إذا عُرِف هذا فيجوزُ أن يكونَ قَصَرَها، وإنما لم ينوِّنْه إجراءً للوصل مُجْرى الوقف. ثم هذه الألفُ يحتمل أن تكون عين الكلمة وأن الهمزةَ محذوفةٌ/ وهذه الألفُ بدلٌ مِنَ الواو التي في «مَوَهَ» في الأصل، ويجوز أن تكونَ المبدلةَ من التنوين وأجرى الوصلَ مُجْرى الوقف. والأولُ أَوْلَى لأنهم يُراعون في الوقف أن لا يتركوا الموقوف عليه على حرفٍ واحد نحو «مُرٍ» اسم فاعل مِنْ أرى يُري.

قوله: «ويُذْهِبَ» نسقٌ على «ليطهِّركم» . وقرأ عيسى بن عمر «ويُذْهِبْ» بسكون الباء، وهو تخفيف سمَّاه الشيخ جزماً. والعامة على «رِجز» بكسرِ الراء والزاي. وقرأ ابن محيصن بضم الراء، وابنُ أبي عبلة بالسين. وقد تقدَّم الكلامُ على كل واحد منها. ومعنى «رجز الشيطان» هنا ما ينشأُ عن وسوسته.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском