As-Samin al-HalabiAt‑Tawbah · 9:37–54

As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:37–54

9:37Page 193

إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.

قوله تعالى: {إِنَّمَا النسياء} : في «النسِيْء» قولان أحدهما: أنه مصدرٌ على فَعِيل مِنْ أَنْسَأ أي أخَّر، كالنذير مِنْ أَنْذَر والنكير من أَنْكر. وهذا ظاهرُ قولِ الزمخشري فإنه قال: «النَّسيء تأخيرُ حرمةِ الشهرِ إلى شهر آخر» ، وحينئذٍ فالإِخبارُ عنه بقوله: «وزيادة» واضحٌ لا يَحْتاج إلى إضمار. وقال الطبري: النسيء بالهمز معناه الزيادة «. قلت: لأنه تأخير في المدة فيلزمُ منه الزيادة.

الثاني: أنه فَعِيل بمعنى مَفْعول، مِنْ نَسَأه أي أخَّره، فهو منسوءٌ، ثم حُوِّل مفعول إلى فعيل كما حُوِّل مفعول إلى فعيل، وإلى ذلك نحا أبو حاتم والجوهري. وهذا القول رَدَّه الفارسي بأنه يكون المعنى: إنما المؤخَّر زيادة، والمُؤَخَّر الشهر ولا يكون الشهرُ زيادةً في الكفر. وقد أجاب بعضهم عن هذا بأنه على حذف المضاف: إمَّا من الأول أي: إنما إنساءُ المُنْسَأ زيادة في الكفر، وإمَّا من الثاني أي: إنما المُنْسَأ ذو زيادة.

وقرأ الجمهور» النَّسيء «بهمزة بعد الياء. وقرأ ورش عن نافع» النَّسِيّ «بإبدال الهمزة ياءً وإدغام الياء فيها. ورُويت هذه عن أبي جعفر والزهري وحميد، وذلك كما خَفَّفوا» برية «و» خطية «. وقرأ السلمي وطلحة والأشهب وشبل:» النَّسْء «بإسكان السين. وقرأ مجاهد والسلمي وطلحة أيضاً:» النَّسُوء «بزنة فَعُول بفتح الفاء، وهو التأخير، وفَعول في المصادر قليل، قد تقدَّم منه أُلَيْفاظ في أوائل البقرة، وتقدم في البقرة اشتقاقُ هذه المادة، وهو هنا عبارةٌ عن تأخير بعض الشهور عن بعض قال:

2483 - ألَسْنا الناسئينَ على مَعَدٍّ ... شهورَ الحِلِّ نجعلُها حَراما

وقال الآخر:

2484 - نَسَؤُوا الشّهور بها وكانوا أهلَها ... مِنْ قبلِكم والعزُّ لم يتحوَّلِ

وقوله: {يُضَلُّ بِهِ} قرأ الأخوان وحفص:» يُضَلُّ «مبنياً للمفعول، والباقون مبنياً للفاعل والموصول فاعل به. وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب وعمرو بن ميمون:» يُضِلُّ «مبنياً للفاعل مِنْ أضل. وفي الفاعل وجهان أحدهما: ضمير الباري تعالى أي: / يُضِلُّ الله الذين كفروا. والثاني: أن الفاعل» الذين كفروا «وعلى هذا فالمفعول محذوف أي: يُضل الذين كفروا أتباعهم. وقرأ أبو رجاء» يَضَلُّ «بفتح الياء والضاد، وهي مِنْ ضَلِلْت بكسر اللام أضَلُّ بفتحها، والأصل: أَضْلَلُ، فنُقِلت فتحة اللام إلى الضاد لأجل الإِدغام. وقرأ النخعي والحسن في رواية محبوب:» نُضِلُّ «بضم نون العظمة و» الذين «مفعول، وهذه تقوِّي أن الفاعل ضمير الله في قراءة ابن مسعود.

قوله: {يُحِلُّونَهُ} فيه وجهان أحدهما: أن الجملةَ تفسيريةٌ للضلال. والثاني: أنها حاليةٌ.

قوله: {لِّيُوَاطِئُواْ} في هذه اللامِ وجهان: أنها متعلقةٌ بيُحَرِّفونه.

وهذا مقتضى مذهبِ البصريين فإنهم يُعْملون الثاني من المتنازعين. والثاني: أن يتعلَّقَ بيُحِلُّونه، وهذا مقتضى مذهب الكوفيين فإنهم يُعْملون الأول لسَبْقِه. وقولُ مَنْ قال إنها متعلقةٌ بالفعلين معاً، فإنما يعني من حيث المعنى لا اللفظ.

وقرأ أبو جعفر «ليوطِيُوا» بكسر الطاء وضم الياء الصريحة. والصحيح أنه يَنْبغي أن يُقْرأ بضم الطاء وحذف الياء؛ لأنه لمَّا أبدل الهمزةَ ياءً استثقل الضمةَ عليها فحذفها، فالتقى ساكنان، فحُذِفَت الياء وضُمَّت الطاء لتجانِسَ الواو.

والمُواطأة: المُوافَقَةُ والاجتماع يقال: تواطَؤُوا على كذا أي: اجتمعوا عليه، كأنه كل واحد يطأ حيث يطأ الآخر، ومنه قولُه تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً} [المزمل: 6] ، وقُرىء وِطاءً. وسيأتي إن شاء الله.

وقرأ الزهري «ليواطِيُّوا» بتشديدِ الياء. هكذا ترجموا قراءتَه وهي مشكلةٌ حتى قال بعضهم: «فإن لم يُرِدْ به شدة بيان الياء وتخليصها مِنَ الهمز دون التضعيف، فلا أعرف وجهها» . وهو كما قال.

قوله: «زُيِّنَ» الجمهورُ على «زُيِّن» مبنياً للمفعول، والفاعلُ المحذوف هو الشيطان. وقرأ زيد بن علي ببنائه للفاعل وهو الشيطان أيضاً، و «سوء» مفعوله.

9:38Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

قوله تعالى: {اثاقلتم} : أصلُه تثاقلتم، فلمَّا أريد الإِدغامُ سَكَنت الياءُ فاجتُلبت همزةُ الوصل كما تقدَّم ذلك في {فادارأتم} [البقرة: 72] ، والأصل: تدارأتم. وقرأ الأعمش «تثاقلتم» بهذا الأصل، و «ما» في قوله «مالكم» استفهامية وفيها معنى الإِنكار. وقيل: فاعله المحذوف هو الرسول.

و «اثَّاقلتم» ماضي اللفظ مضارع المعنى أي: يتثاقلون، وهو في موضع الحال، وهو عاملٌ في الظرف أي: مالكم متثاقلين وقت القول. وقال أبو البقاء: «اثَّاقلتم: ماض بمعنى المضارع أي: مالكم تتثاقلون وهو في موضع نصب أي: أيُّ شيء لكم في التثاقل، أو في موضع جر على رأي الخليل. وقيل: هو في موضع حال» قال الشيخ: «وهذا ليس بجيدٍ، لأنه يلزمُ منه حذفُ» أَنْ «، لأنه لا يَنْسِبُك مصدرٌ إلا من حرفٍ مصدري والفعل، وحَذْفُ» أَنْ «في نحو هذا قليلٌ جداً، أو ضرورة، وإذا كان التقديرُ:» في التثاقل «فلا يمكن عملُه في» إذا «، لأنَّ معمول المصدرِ الموصول لا يتقدَّم عليه، فيكون الناصب ل» إذا «والمتعلَّق به» في التثاقل «ما تعلَّق به» لكم «الواقعُ خبراً ل» ما «.

وقرىء» أَثَّاقَلْتم «بالاستفهام الذي معناه الإِنكار، وحينئذٍ لا يجوزُ أن يَعْمل في» إذا «؛ لأنَّ ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله، فيكون العاملَ في هذا الظرف: إمَّا الاستقرارُ المقدَّرَ في» لكم «، أو مضمرٌ مدلولٌ عليه باللفظ. والتقدير: ما تصنعون إذا قيل لكم. وإليه نحا الزمخشري. والظاهر أن يُقَدَّر: ما لكم تثاقلون إذا قيل، ليكون مدلولاً عليه من حيث اللفظُ والمعنى.

وقوله: {إِلَى الأرض} ضُمِّنَ معنى المَيْل والإِخلاد. وقوله:» من الآخرة «تظاهَرَتْ أقوالُ المُعْربين والمفسرين على أنَّ» مِنْ «بمعنى بدل كقوله: {لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً} [الزخرف: 60] أي: بدلكم، ومثلُه قولُ الآخر:

2485 - جاريةٌ لم تَأْكُلِ المُرَقَّقا ... ولم تَذُقْ من البُقول الفُسْتُقا

وقول الآخر:

2486 - فليت لنا مِنْ ماءِ زمزمَ شَرْبةً ... مُبَرَّدَةً باتَتْ على طَهَيانِ

/ إلا أنَّ أكثرَ النحويين لم يُثْبتوا لها هذا المعنى، ويتأوَّلون ما أوهم ذلك والتقديرُ هنا: اعتَصَمْتُمْ من الآخرة راضين بالحياة وكذلك باقيها. وقال أبو البقاء:» مِن الآخرة في موضع الحال أي: بدلاً من الآخرة «، فقدَّر المتعلَّقَ خاصاً، ويجوز أن يكون أراد تفسير المعنى.

قوله: {فِي الآخرة} متعلقٌ بمحذوفٍ من حيث المعنى تقديره: فما متاعُ الحياة الدنيا محسوباً في الآخرة. ف» محسوباً «حالٌ مِنْ» متاع «. وقال الحوفي:» إنه متعلق ب قليل وهو خبر المبتدأ «. قال:» وجاز أن يتقدَّمَ الظرفُ على عامله المقرونِ ب «إلا» لأنَّ الظروفَ تعمل فيها روائحُ الأفعال. ولو قلت: «ما زيدٌ عمراً إلا يَضْرب» لم يَجُزْ «.

9:39Page 193

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

No commentary for this ayah

9:40Page 193

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ} : هذا الشرط جوابُه محذوف لدلالة قولِه: «فقد نصره» عليه، والتقديرُ: إنْ لا تنصروه فسينصره. وذكر الزمخشري فيه وجهين، أحدهما ما تقدم، والثاني: قال: «إنه أَوْجب له النُّصْرَة، وجعله منصوراً في ذلك الوقت فلن يُخْذَلَ مِنْ بعده» . قال الشيخ: «وهذا لا يظهرُ منه جوابُ الشرط لأنَّ إيجابَ النصرةِ له أمرٌ سَبَق، والماضي لا يترتَّب على المستقبل فالذي يَظْهر الوجهُ الأول» .

قوله: {ثَانِيَ اثنين} منصوبٌ على الحال مِنْ مفعول «أخرجه» وقد تقدَّم معنى الإِضافة في نحو هذا التركيب عند قوله {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة: 73] . وقرأت جماعة «ثاني اثنين» بسكون الياء. قال أبو الفتح: «حاكها أبو عمرو» ووجهُها أن يكونَ سَكَّن الياءَ تشبيهاً لها بالألفِ، وبعضُهم يخصُّه بالضرورة.

قوله: {إِذْ هُمَا فِي الغار} : بدلُ مِنْ «إذ» الأولى فالعاملُ فيها «فقد نَصَره» ، قال أبو البقاء: «ومَنْ مَنَع أن يكونَ العاملُ في البدلِ هو العامل في المبدل منه قَدَّرَ عاملاً آخر، أي: نصره» إذ هما في الغار «.

و» الغار «نَقْبٌ يكونُ في الجبلِ، ويُجمع على غِيران ومثله: تاج وتِيْجان، وقاع وقِيعان. والغارُ أيضاً نَبْتٌ طيبُ الريح، والغارُ أيضاً الجماعة، والغاران البطن والفرج. وألف الغار عن واو.

قوله: {إِذْ يَقُولُ} بدلٌ ثانٍ من» إذ «الأولى. وقال أبو البقاء:» إنَّ إذ هما في الغار، وإذ يقول ظرفان لثاني اثنين «، والضمير في» عليه «يعود على أبي بكر، لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عليه السكينة دائماً. وقد تقدم القول في {السكينة} [البقرة: 248] . والضمير في» أيَّده «للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقرأ مجاهد» وأَيَدَه «. بالتخفيف. و» لم تَرَوْها «صفة لجنود.

قوله: {وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا} الجمهورُ على رفع» كلمة «على الابتداء، و» هي «يجوزُ أَنْ تكونَ مبتدأ ثانياً، و» العُلْيا «خبرها، والجملة خبر الأول، ويجوز أن تكونَ» هي «فصلاً و» العليا «الخبر. وقُرِىء» وكلمةَ الله «بالنصب نسقاً على مفعولَيْ جَعَلَ، أي: وجعل كلمة الله هي العليا. قال أبو البقاء:» وهو ضعيفٌ لثلاثة أوجه، أحدها: وَضْعُ الظاهرِ موضعَ المضمر، إذ الوجهُ أن تقولَ: وكَلِمَتُه. الثاني: أن فيه دلالةً على أنَّ كلمة الله كانت سُفْلى فصارت عليا، وليس كذلك. الثالث: أن توكيدَ مثلِ ذلك ب «هي» بعيد، إذ القياسُ أن يكونَ «إياها» . قلت: أما الأولُ فلا ضعفَ فيه لأنَّ القرآنَ ملآنُ من هذا النوع وهو مِنْ أحسنِ ما يكون لأن فيه تعظيماً وتفخيماً. وأمّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر وهو أن يكون الشيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدل التصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة. وأمَّا الثالث ف «هي» ليست تأكيداً البتة إنما «هي» ضمير فصل على حالها، وكيف يكون تأكيداً وقد نَصَّ النحويون على أن المضمر لا يؤكد المظهر؟

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

وانتصب {خِفَافاً وَثِقَالاً} : على الحال من فاعل «انفروا» .

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

قوله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً} : اسمُ كان ضميرٌ يعود على دل عليه السِّياق، أي: لو كان ما دعوتُهم إليه. وقرأ عيسى بن عمر والأعرج «بَعِدَت» بكسر العين. وقرأ عيسى «الشِّقَّة» بكسر الشين أيضاً. قال أبو حاتم: «هما لغةُ تميم» .

والشُّقَّة: الأرض التي يُشَقُّ اشتقاقاً مِنَ الشِّق أو المَشَقَّة.

قوله: {بالله} متعلقٌ ب «سَيَحْلِفُون» ، وقال الزمخشري: «بالله» متعلقٌ ب «سَيَحْلِفُون» ، أو هو من جملة كلامهم، والقولُ مرادٌ في الوجهين، أي: سيَحْلِفون، يعني المتخلِّفين عند رجوعِك متعذِّرين يقولون: باللَّهِ لو استطعنا، أو وسَيحلفون بالله يقولون: لو اسْتَطَعْنا، وقوله «لَخَرَجْنا» سدَّ مَسَدَّ جواب القسم و «لو» جميعاً «. قال الشيخ:» قوله: لخَرَجْنا سدَّ مَسَدَّ جوابِ القسم و «لو» جميعاً ليس بجيد، بل للنحويين في نحو هذا مذهبان، أحدُهما: أنَّ «لَخَرَجْنا» جواب القسم، وجوابُ «لو» محذوفٌ على قاعدة اجتماع القسم والشرط، إذ تقدَّم القسم على الشرط، وهذا اختيارٌ أبي الحسن ابن عصفور. والآخر: أنَّ «لَخَرَجْنا» جوابُ «لو» ، و «لو» وجوابها جواب القسم، وهذا اختيارُ ابنِ مالك، أمَّا أنَّ «لَخَرَجْنا» سادٌّ مَسَدَّهما فلا أعلمُ أحداً ذَهَبَ إلى ذلك. ويحتمل أن يُتَأول كلامُه على أنَّه لمَّا حُذِف جواب «لو» ودَلَّ عليه جوابُ القسم جُعِل كأنه سَدَّ مَسَدَّ جوابِ القسم وجوابِ لو «.

وقرأ الأعمش وزيد بن علي» لوُ اسْتَطَعْنا «بضم الواو، كأنهما فرَّا من الكسرة على الواو، وإن كان الأصلَ، وشبَّها واوَ» لو «بواو الضمير كما شبَّهوا واوَ الضمير بواو» لو «، حيث كسَرُوها نحو {اشتروا الضلالة} [البقرة: 16] لالتقاء الساكنين. وقرأ الحسن» اشْتَرَوا الضلالة «، و» لوَ استطعنا «بفتح الواو تخفيفاً.

قوله: {يُهْلِكُونَ} في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها حالٌ من فاعل» سَيَحْلِفُون «، أي: سَيَحْلفون مُهْلِكين أنفسَهم. والثاني: أنها بدلٌ من الجملةِ قبلها وهي» سَيَحْلِفون «. الثالث: أنها حالٌ من فاعل» لَخَرَجْنا «. وقد ذكر الزمخشري هذه الأوجه الثلاثة، فقال:» يُهْلِكون: إمَّا أنَ يكونَ بدلاً من «سيحلفون» أو حالاً بمعنى مُهْلكين. والمعنى: أنهم يُوْقِعُون في الهلاكِ أنفسَهم بحلفهم الكاذب. ويحتمل أن يكونَ حالاً من فاعل «خَرَجْنا» ، أي: لَخَرَجْنا وإنْ أهلكْنا أنفسنا. وجاء بلفظ الغائب لأنه مُخْبِرٌ عنهم، ألا ترى أنه لو قيل: سَيَحْلِفون بالله لو استطاعوا لخرجوا لكان سديداً، يقال: حَلَفَ بالله ليفعلن ولأفعلن، فالغيبةُ على حكم الإِخبار، والتكلمُ على الحكاية «.

قال الشيخ: «أمَّا كونُ» يُهْلِكون «بدلاً مِنْ» سَيَحْلِفون «فبعيدٌ؛ لأنَّ الإِهلاكَ ليس مُرادِفاً للحَلف ولا هو نوع منه، ولا يُبدل فِعْلٌ من فعل إلا إنْ كان مرادفاً له أو نوعاً منه» قلت: يَصِحُّ البدل على معنى أنه بدلُ اشتمال؛ وذلك لأنَّ الحَلْفَ سببٌ للإِهلاك فهو مشتملٌ عليه، فأبدل المُسَبَّب مِنْ سببِه لاشتمالِه عليه، وله نظائرُ كثيرةٌ منها قولُه:

2487 - إنَّ عليَّ اللَّهَ أن تُبايعا ... تُؤْخَذَ كَرْهاً أو تجيءَ طائعاً

ف «تُؤْخَذ» بدلٌ مِنْ «تبايع» بدلُ اشتمالٍ بالمعنى المذكور، وليس أحدهما نوعاً من الآخر. ثم قال الشيخ: «وأمَّا كونُه حالاً من قوله» لخرجنا « [فالذي يظهرُ أن ذلك لا يجوز لأنَّ قولَه» لخَرَجْنا «] فيه ضمير المتكلم، فالذي يجري عليه إنما يكون بضمير المتكلم، فلو كان حالً من فاعل» لخَرَجنا «لكان التركيبُ: نُهْلك أنفسنا أي مهلكي أنفسنا. وأمَّا قياسُه ذلك على» حَلَفَ زيد ليفعلن «و» لأفعلنَّ «فليس بصحيحٍ؛ لأنَّه إذا أَجْراه على ضمير الغيبة لا يَخْرُجُ منه إلى ضمير المتكلم، لو قلت:» حَلَفَ زيد ليفعلن وأنا قائم «على أن يكون» وأنا قائم «حالاً من ضمير» ليفعلن «لم يجز، وكذا عكسُه نحو:» حَلَفَ زيدٌ لأفعلن يقوم «تريد: قائماً لم يجز. وأمَّا قولُه» وجاء به على لفظِ الغائب لأنه مُخْبَرٌ عنهم «فمغالطة، ليس مخبراً عنهم بقوله {لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا} ، بل هو حاكٍ لفظَ قولِهم. ثم قال:» ألا ترى لو قيل: لو استطاعوا لخرجوا لكان سديداً إلى آخره «كلامٌ صحيحٌ لكنه تعالى لم يقل ذلك إخباراً عنهم، بل حكايةُ، والحالُ من جملةِ كلامِهم المحكيّ، فلا يجوزُ/ أن يخالفَ بين ذي الحال وحالِه لاشتراكهما في العامل. لو قلت:» قال زيد خرجت يضرب خالداً «تريد: اضرب خالداً، لم يجز. ولو قلت:» قالت هند: خرج زيد اضربْ خالداً «تريد: خرج زيد ضارباً خالداً لم يجز» انتهى.

الرابع: أنها جملةٌ استئنافيةٌ أخبر الله عنهم بذلك.

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

قوله تعالى: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} : «لِمَ» و «لهم» كلاهما متعلقٌ ب أَذِنْتَ. وجاز ذلك لأنَّ معنى اللامين مختلف، فالأولى للتعليلِ، والثانيةُ للتبليغ، وحُذِفَتْ ألفُ ما الاستفهاميةِ لانجرارِها. وتقديمُ الجارِّ الأول واجبٌ لأنه جرَّ ما له صدرُ الكلام. ومتعلَّقُ الإِذْنِ محذوفٌ، يجوز أن يكونَ القُعود، أي: لِمَ أذنت لهم في القعود، ويدل عليه السِّياق مِن اعتذارهم عن تَخَلُّفِهم عنه عليه السلام. ويجوز أن يكون الخروج، أي: لِمَ أذنت لهم في الخروج لأنَّ خروجَهم فيه مفسدةٌ مِنَ التخذيل وغيرِه يدل عليه {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} [التوبة: 47] .

قوله: {حتى يَتَبَيَّنَ} «حتى» يجوز أن تكون للغاية، ويجوزُ أن تكونَ للتعليل، وعلى كلا التقديرين فهي جارَّةٌ: إمَّا بمعنى إلى وإمَّا اللام، و «أَنْ» مضمرةٌ بعدها ناصبة للفعل، وهي متعلقة بمحذوفٍ. قال أبو البقاء «تقديره: هلاَّ أخَّرْتَهم إلى أن يتبيَّنَ أو ليتبيَّن. وقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} يدلُّ على المحذوف، ولا يجوزُ أن تتعلَّقَ» حتى «ب» أَذِنْتَ «لأن ذلك يوجب أن يكونَ أَذِن لهم إلى هذه الغاية أو لأجل التبيين، وذلك لا يُعاتَبُ عليه» . وقال الحوفي « حتى غاية لِمَا تضمَّنه الاستفهامُ، أي: ما كان له أن يأذن لهم حتى يتبيَّنَ له العُذْر» . قلت: وفي هذه العبارةِ بعَضُ غضاضة.

9:44Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

قوله تعالى: {أَن يُجَاهِدُواْ} : فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلَّقُ الاستئذان، أي: لا يستأذنوك في الجهاد، بل يَمْضون فيه غير مترددين. والثاني: أن متعلق الاستئذان محذوف و «أن يُجاهدوا» مفعولٌ من أجله تقديره: لا يستأذنك المؤمنون في الخروج والقعودِ كراهةَ أن يُجاهدوا بل إذا أَمَرْتهم بشيءٍ بادروا إليه.

9:45Page 194

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

No commentary for this ayah

9:46Page 194

۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1

قوله تعالى: {لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} : العامَّةُ على «عُدّة» بضم العين وتاء التأنيث وهي الزَّادُ والراحلةُ وجميعُ ما يَحْتاج إليه المسافرُ.

وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنهُ معاوية «عُدَّةُ» كذلك إلا أنه جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب تعود على الخروج. واختُلِف في تخريجِها فقيل: أصلُها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث، ولكنهم يحذفونها للإِضافةِ كالتنوين. وجعل الفراء من ذلك قولَه تعالى: {وَإِقَامَ الصلاة} [النور: 37] ، ومنه قولُ زهير:

2488 - إنَّ الخَلِيْطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا ... وأَخْلَفُوك عِدَ الأمرِ الذي وَعدُوا

يريد: عِدَّة الأمرِ. وقال صاحب «اللوامح» : لمَّا أضافَ جعل الكناية نائبةً عن التاء فأسقطها؛ وذلك لأنَّ العُدَّ بغير تاء ولا تقديرها هو الشيء الذي يخرج في الوجه «. وقال أبو حاتم:» هو جمع عُدَّة ك بُرّ جمع بُرّة، ودُرّ جمع دُرَّة، والوجهُ فيه عُدَد، ولكن لا يوافق خطَّ المصحف.

وقرأ زر بن حبيش وعاصم في رواية أبان «عِدَّهُ» بكسر العين مضافةً إلى هاءِ الكناية. قال ابن عطية: «وهو عندي اسمٌ لِما يُعَدُّ كالذِّبْح والقِتلْ. وقُرىء أيضاً» عِدَّة «بكسر العين وتاء التأنيث، والمرادُ عدة من الزاد والسلاح مشتقاً من العَدَد.

قوله: {ولكن كَرِهَ الله} الاستدراكُ هنا يحتاجُ إلى تأمل؛ ولذلك قال الزمخشري:» فإن قلت: كيف موقعُ حرفِ الاستدراك؟ قلت: لمَّا كان قولُه {وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج} معطياً نفيَ خروجهم واستعدادهم للغزو قيل: ولكنْ كره الله [انبعاثَهم] ، كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تَثَبَّطوا عن الخروج لكراهةِ انبعاثهم، كما [تقول: ما] أحسن زيدٌ إليَّ ولكن أساء إليّ «انتهى. يعني أن ظاهر الآية يقتضي أنَّ ما بعد» لكن «موافقٌ لما قبلها، وقد تقرَّر فيها أنها لا تقع إلا بين ضدين أو نقيضين أو خلافين على/ خلاف في هذا الأخير فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور.

قال الشيخ:» وليست الآيةُ نظيرَ هذا المثال يعني: ما أحسن زيداً إليّ ولكن أساء، لأن المثالَ واقعٌ فيه «لكن» بين [ضدَّيْن، والآيةُ واقعٌ فيها «لكن» بين] متفقين من جهة المعنى «، قلت: مُرَادُهم بالنقيضين النفيُ والإِثبات لفظاً وإن كانا يتلاقيان في المعنى، ولا يُعَدُّ ذلك اتفاقاً.

والتَّثْبيطُ: التَّعْويق. يقال: ثَبَّطْتُ زيداً أي: عُقْتُه عَمَّا يريده من قولهم: ناقة ثَبِطَة أي بطيئة السير. والمراد بقوله» اقعدوا «التَّخْلية وهو كنايةٌ عن تباطُئِهم، وأنهم تشبهوا بالنساء أو الصبيان والزمنى وذوي الأعذار، وليس المراد قعوداً كقوله:

2489 - دَعِ المكارِم لا تَقْصِدْ لبُغْيَتها ... واقعُدْ فإنَّك أنت الطاعِمُ الكاسي

9:47Page 194

لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم} : أي: في جيشكم وفي جمعكم. وقيل: «في» بمعنى مع، أي: معكم. وتقدَّم تفسير «الخبال» في آل عمران.

وقوله: {إِلاَّ خَبَالاً} جَوَّزوا فيه أن يكون استثناء متصلاً وهو مفرَّغٌ؛ لأنَّ «زاد» يتعدى لاثنين. قال الزمخشري: «المستثنى منه غيرُ مذكور، فالاستثناءُ من أعمِّ العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلاً فإن الخَبال بعضُ أعمِّ العام كأنه قيل: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً» . وجَوَّزوا فيه أن يكونَ منقطعاً والمعنى: ما زادوكم قوة ولا شدةً ولكنْ خبالً، وهذا يجيءُ على قول مَنْ قال إنه لم يكن في عَسْكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبال، كذا قال الشيخ. وفيه نظرٌ؛ لأنه إذا لم يكن في العَسْكر خبالٌ أصلاً فكيف يستثنى شيءٌ لم يكنْ ولم يُتوهَّم وجوده؟

قوله: {خِلاَلَكُمْ} منصوبٌ على الظرفِ. والخِلال: جمع خَلَل وهو الفُرْجَةُ بين الشيئين ويُستعار في المعاني فيُقال: في هذا الأمر خَلل.

والإِيُضاع: الإِسْراع يُقال: أَوْضَعَ البعيرُ، أي: أسرع في سَيْره قال امرؤ القيس:

2490 - أرانا مُوضِعينَ لأَِمْرِ غيبٍ ... ونُسْحَرُ بالطعامِ والشراب

وقال آخر:

2491 - يا لَيْتَني فيها جَذَعْ ... أَخُبُّ فيها وأَضَعْ

ومفعول «أوضعوا» محذوف، أي: أوضعوا ركائبهم لأنَّ الراكبَ أسرعُ من الماشي. ويُقال: وَضَعَتْ الناقةُ تَضَعُ: إذا أَسْرعت، وأوضعتها أنا. وقرأ ابن أبي عبلة {ما زادَكم إلا خَبالاً} ، أي: ما زادكم خروجهم. وقرأ مجاهد ومحمد بن زيد: «ولأَوْفَضوا» وهو الإِسراع أيضاً من قوله تعالى: {إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [المعارج: 43] ، وقرأ ابن الزبير «وَلأَرْفَضُوا» بالراء والفاء والضاد المعجمة مِنْ رَفَضَ، أي: أسرع أيضاً، قال حسان: 2492 - بزجاجةٍ رَقَصَتْ بما في جَوْفِها ... رَقْصِ القَلوصِ براكبٍ مستعجِلِ

وقال:

2493 -. . . . . . . . . . . . . . . . ... والراقصاتِ إلى مِنَىً فالغَبْغَبِ

يُقال: رَفَضَ في مِشْيته رَفْضاً ورَفَضاناً.

قوله: {يَبْغُونَكُمُ} في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «أَوْضَعوا» ، أي: لأَسْرَعوا فيما بينكم حالَ كونهم باغين، أي: طالبين الفتنةَ لكم.

قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً من مفعول «يَبْغُونكم» أو مِنْ فاعله، وجاز ذلك لأن في الجملة ضميريهما. ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، والمعنى: أنَّ فيكم مَنْ يَسْمع لهم ويُصْغِي لقولِهم. ويجوز أن يكونَ المرادُ: وفيكم جواسيسُ منهم يسمعون لهم الأخبارَ منكم، فاللامُ على الأول للتقوية لكون العاملِ فرعاً، وفي الثاني للتعليل، أي: لأجلهم.

ورُسِم في المصحف {ولا أَوْضَعُوا خلالكم} بألف بعد «لا» ، قال الزمخشري: «كانت الفتحة تُكْتب ألفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك أثرٌ في الطباع فكتبوا صورةَ الهمزةِ ألفاً وفتحتَها ألفاً أخرى، ونحوه، {أَوْ لا أَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 21] يعني في زيادة ألف بعد» لا «، وهذا لا يجوزُ القراءة به، ومَنْ قرأه متعمداً يكفر.

9:48Page 195

لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨

They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.

وقرأ مسلمة بن محارب «وقَلَبوا» مخففاً. وقوله «وهم كارهون» حالٌ والرابطُ الواو.

9:49Page 195

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

قوله تعالى: {مَّن يَقُولُ ائذن} : كقوله {يَاصَالِحُ ائتنا} [الأعراف: 77] من أنه يجوز تحقيقُ الهمزة وإبدالُها واواً لضمة ما قبلها، وإن كانت منفصلةُ من كلمةٍ أخرى. / وهذه الهمزةُ هي فاءُ الكلمة، وقد كان قبلها همزةُ وصل سَقَطت دَرْجاً. قال أبو جعفر. «إذا دخلت الواو والفاء على» ائذن «فهجاؤها ألفٌ وذال ونون بغير ياء، أو» ثم «فالهجاءُ ألفٌ وياءٌ وذالٌ ونون. والفرقُ أنَّ» ثم «يوقف عليها ويُنْفَصَل بخلافهما» . قلت: يعني أنه إذا دخلت واوُ العطف أو فاؤه على هذه اللفظةِ اشتدَّ اتصالُهما بها فلم يُعْتَدَّ بهمزة الوصل المحذوفة دَرْجاً، فلم يُرْسَمْ لها صورةٌ فتكتب «فَأْذَنْ، وَأْذَنْ» ، فهذه الألفُ مِنْ صورةِ الهمزة التي هي فاءُ الكلمة. وإذا دخلت عليها «ثم» كُتِبَتْ كذا: {ثُمَّ ائتوا} ، فاعتدُّوا بهمزة الوصل فرسموا لها صورة. قلت: وكأنَّ هذا الحكمَ الذي ذَكره مع «ثم» يختصُّ بهذه اللفظة، وإلا فغيرُها مما فاؤُه همزةٌ تسقط صورة همزة وصلِه خَطَّاً فيُكتب الأمرُ من الإِتيان مع «ثم» هكذا: «ثم أْتُوا» وكان القياسُ على «ثمَّ ائْذَنْ» : «ثم ائتوا» وفيه نظر.

وقرأ عيسى بن عمر وابن السَّمَيْفع وإسماعيل المكي فيما روى عنه ابن مجاهد: «ولا تُفْتِينِّي» بضم حرف المضارعة مِنْ أفتنه رباعياً. قال أبو حاتم: «هي لغة تميم» . وقيل: أفتنه: أدخله فيها. وقد جمع الشاعر بين اللغتين فقال:

2494 - لئن فَتَنَتْني فهي بالأمس أفتنتْ ... سعيداً فأمسى قد قلا كلَّ مسلم

ومتعلق الإِذن القعود، أي: ائذن لي في القعود والخُلْف عن العدو ولا تَفْتِنِّي بخروجي معك.

9:50Page 195

إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.

No commentary for this ayah

9:51Page 195

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١

Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.

قوله تعالى: {لَّن يُصِيبَنَآ} قال عمرو بن شقيق: «سمعت أَعْيُنَ قاضي الري يقرأ» لن يُصيبَنَّا «بتشديد النون» ، قال أبو حاتم: ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ النونَ لا تدخل مع «لن» ، ولو كانت لطلحة بن مصرف لجاز، لأنها مع «هل» قال الله تعالى: {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15] ، قلت: يعني أبو حاتم أنَّ المضارعَ يجوز توكيده بعد أداةِ الاستفهامِ، وابن مصرف يقرأ «هل» بدل «لن» ، وهي قراءة ابن مسعود.

وقد اعتُذِر عن هذه القراءة: فإنها حملت «لن» على «لم» و «لا» النافيتين، و «لم» و «لا» يجوزُ توكيد الفعل المنفيِّ بعدهما. أمَّا «لا» فقد تقدم تحقيق الكلام عليها في الأنفال، وأمَّا «لم» فقد سُمع ذلك وأنشدوا:

2495 - يَحْسَبُه الجاهل ما لم يَعْلما ... شيخاً على كرسيِّه مُعَمَّمَا

أراد «يَعْلَمَنْ» فأبدل الخفيفةَ ألفاً بعد فتحة كالتنوين.

وقرأ القاضي أيضاً وطلحة: «هل يُصَيِّبُنا» بتشديد الياء. قال الزمخشري: «ووجههُ أن يكونَ يُفَيْعِل لا يُفَعِّل لأنه من بنات الواو لقولهم: الصواب، وصاب يصوب، ومصاوب في جمع مصيبة، فَحَقُّ يُفَعِّل منه يُصَوِّب. ألا ترى إلى قولهم: صَوَّب رأيه، إلا أَنْ يكونَ من لغة من يقول: صاب السهمُ يَصيب كقوله:

2496 - أَسْهُمِيَ الصائِبات والصُّيُبْ ... يعني أنه أصله صَوْيِب فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحدهما بالسكون فقُلبت الواو ياءً وأدغم فيها، وهذا كما تقدم لك في تحيَّز أن أصله تَحَيْوَز. وأما إذا أخذناه مِنْ لغةِ مَنْ يقول: صاب السهم يَصيب فهو من ذوات الياء فوزنه على هذه اللغة فَعَّل.

9:52Page 195

قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢

Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

قوله تعالى: {إِلاَّ إِحْدَى} : مفعول التربُّص، فهو استثناء مفرغ. وقرأ ابن محيصن «إلا احدى» بوصل ألف «احدى» إجراء لهمزة القطع مُجْرى همزة الوصل فهو كقول الشاعر:

2497 - إنْ لم أُقاتِلْ فالبسوني بُرْقُعا ... وقول الآخر:

2498 - يابا المغيرة رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتُه بالمكر مِنِّي والدَّهَا

وقوله {أَن يُصِيبَكُمُ} مفعول التربُّص.

9:53Page 195

قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

قوله تعالى: {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} : مصدران في موضع الحال، أي: طائعين أو كارهين. وقرأ الأخوان «كُرْهاً» بالضم وقد تقدم تحقيق ذلك في النساء.

وقال الشيخ هنا: «قرأ الأعمش وابن وثاب» كُرْهاً «بضم الكاف» . وهذا يُوهم أنها لم تُقْرأ في السبعة. قال الزمخشري «هو أمرٌ في معنى الخبر كقوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً} [مريم: 75] ومعناه: لن يُتقبَّل منكم: أنفقتم طَوْعاً أو كرهاً، ونحوه قوله تعالى: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80] . وقوله يعني كثيِّر عَزَّة:

2499 - أسِيْئي بنا أو أَحْسِني لا مَلُومَةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أي: لن يغفر الله لهم استغفرت أو لم تستغفر، ولا نلومك أحسنتِ إلينا أو أَسَأْتِ، وفي معناه قول القائل:

2500 - أخوك الذي إنْ قُمْتَ بالسيفِ عامداً ... لتضربَهُ لم يَسْتَغِشَّك في الودِّ

وقال ابن عطية:» هذا أمرٌ في ضمنه جزاءٌ، وهذا مستمر في كل أمرٍ معه جزاء والتقدير: إن تنفقوا لن يُتقبَّل منكم، وأما إذا عَرِي الأمرُ من الجواب فليس يصحبه تضمُّنُ الشرط «قال الشيخ:» ويَقْدح في هذا التخريجِ أنَّ الأمر إذا كان فيه معنى الشرط كان الجواب لجواب الشرط، فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب: «لن يُتقبل» بالفاء لأنَّ «لن» لا تقع جواباً للشرط إلا بالفاء فكذلك ما ضُمِّن معناه، ألا ترى جزمَه الجوابَ في نحو: اقصد زيداً يُحْسِنْ إليك «. قلت: إنما أراد أبو محمد تفسير المعنى، وإلا فلا يَجْهَلُ مثل هذه الواضحات. وأيضاً فلا يلزمُ لأن يُعْطى الأمرُ التقديري حكمَ الشيء الظاهر من كل وجه.

وقوله: {إِنَّكُمْ} وما بعد جارٍ مَجْرى التعليل.

9:54Page 195

وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

قوله تعالى: {أَن تُقْبَلَ} : فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول ثانٍ ل «منع» : إمَّا على تقدير إسقاطِ حرف الجر، أي: من أن يُقْبل وإمَّا لوصول الفعل إليه بنفسه، لأنك تقول: منعتُ زيداً حَقَّه ومِنْ حقه. والثاني: أنه بدلٌ من «هم» في مَنْعِهم، قاله أبو البقاء كأنه يريد بدلَ الاشتمال. ولا حاجَة إليه.

وفي فاعل «منع» وجهان، أحدهما وهو الظاهر أنه {إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ} ، أي: ما منعهم قبولَ نفقتهم إلا كفرُهم. والثاني: إنه ضمير الله تعالى، أي: وما منعهم الله، ويكون «إلا أنهم» منصوباً على إسقاط حرف الجر، أي: لأنهم كفروا.

وقرأ الأخَوان: «أن يُقْبَلَ» بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، وهما واضحتان لأنَّ التأنيثَ مجازي، وقرأ زيد بن علي كالأخوين، إلا أنه أفرد النفقة. وقرأ الأعرج: «تُقْبل» بالتاء من فوق، «نفقتُهم» بالإِفراد. وقرأ السُّلمي: «يَقبل» مبنياً للفاعل وهو الله تعالى. وقرىء: «نَقْبل» بنون العظمة، «نفقتهم» بالإِفراد.

قوله: {إِلاَّ وَهُمْ كسالى} ، {إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} كلتا الجملتين حالٌ من الفاعل قبلها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском