Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:17–23
10:17–19Page 210
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٧
So who is more unjust than he who invents a lie about Allāh or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed.
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨
And they worship other than Allāh that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allāh." Say, "Do you inform Allāh of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him.
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩
And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ الكَذِبَ، وزِيادَةُ كَذِبًا مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا؛ لِبَيانِ أنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ هو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّما يَكُونُ الِافْتِراءُ كَذِبًا في الإسْنادِ فَقَطْ، كَما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، ذَكَرَ مَعْنى هَذا أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ رَدِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المُشْرِكِينَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، أوْ يُبَدِّلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، ولا ظُلْمَ يُماثِلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ هُمُ المُشْرِكُونَ، والمُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ هم أهْلُ الكِتابِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ لا أظْلِمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ: أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ، والضَّمِيرُ في إنَّهُ لِلشَّأْنِ: أيْ إنَّ الشَّأْنَ هَذا.
ثُمَّ نَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، لا بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضَّرَرُ ولا النَّفْعُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا لِمَن أطاعَهُ مُعاقِبًا لِمَن عَصاهُ، والواوُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ وما في ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والواوُ في ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ويَعْبُدُونَ زَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ، وهَذا غايَةُ الجَهالَةِ مِنهم حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفاعَةَ في المَآلِ مِمَّنْ لا يُوجَدُ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ في الحالِ، وقِيلَ: أرادُوا بِهَذِهِ الشَّفاعَةِ إصْلاحَ أحْوالِ دُنْياهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ .
قَرَأ أبُو السَّمالِ العَدَوِيُّ " تُنْبِئُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْبَأ يُنْبِئُ.
وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَبَّأ يُنْبِئُ.
والمَعْنى: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في مُلَكِهِ يُعْبَدُونَ كَما يُعْبَدُ، أوْ أتُخْبِرُونَهُ أنَّ لَكم شُفَعاءَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولا شَفِيعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِينَ هم في سَماواتِهِ وفي أرْضِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ حاصِلُهُ عَدَمُ وُجُودِ مَن هو كَذَلِكَ أصْلًا، وفي هَذا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكُفّارِ ما لا يَخْفى، ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ بِهِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم جَوابًا عَلَيْهِمْ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ.
والمَعْنى: أنَّ النّاسَ ما كانُوا جَمِيعًا إلّا أُمَّةً واحِدَةً مُوَحِّدَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُؤْمِنَةً بِهِ، فَصارَ البَعْضُ كافِرًا وبَقِيَ البَعْضُ الآخَرُ مُؤْمِنًا، فَخالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ العَرَبُ كانُوا عَلى الشِّرْكِ.
وقالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فاخْتَلَفُوا عِنْدَ البُلُوغِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ أحْدَثَتْ مِلَّةً مِن مِلَلِ الكُفْرِ مُخالَفَةً لِلْأُخْرى، بَلِ المُرادُ كَفَرَ البَعْضُ وبَقِيَ البَعْضُ عَلى التَّوْحِيدِ كَما قَدَّمْنا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فِيما هم ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَكِنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ ذَلِكَ بِالكَلِمَةِ الَّتِي لا تَتَخَلَّفُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإقامَةِ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لَفُرِغَ مِن هَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ إنَّ اللَّهَ أمْهَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ فَلا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا؛ وقِيلَ: الكَلِمَةُ أنَّهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا إلّا بِحُجَّةٍ، وهي إرْسالُ الرُّسُلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقِيلَ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " لَقَضى " بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
(p-٦١٧)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانُوا عَلى هُدًى.
ورُوِيَ أنَّهُ قَرَأ هَكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: آدَمَ وحْدَهُ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ قالَ: حِينَ قَتْلَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: كانَ النّاسُ أهْلَ دِينٍ واحِدٍ عَلى دِينِ آدَمَ فَكَفَرُوا، فَلَوْلا أنَّ رَبَّكَ أجَّلَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم.
10:20–23Page 210
وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠
And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.
قَوْلُهُ: ويَقُولُونَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا نَوْعًا رابِعًا مِن مَخازِيهِمْ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ويَعْبُدُونَ [يونس: ١٨] وجاءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ ما قالُوهُ.
قِيلَ: والقائِلُونَ هم أهْلُ مَكَّةَ، كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا بِما قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا القُرْآنُ لَكَفى بِهِ دَلِيلًا بَيِّنًا ومُصَدِّقًا قاطِعًا: أيْ هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي نَقْتَرِحُها عَلَيْهِ ونَطْلُبُها مِنهُ كَإحْياءِ الأمْواتِ وجَعْلِ الجِبالِ ذَهَبًا ونَحْوِ ذَلِكَ ؟ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ غَيْبٌ، واللَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ، المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لَكم ولا لِسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ،﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِنُزُولِها، وقِيلَ: المَعْنى: انْتَظِرُوا قَضاءَ اللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم بِإظْهارِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً عِنادًا ومَكْرًا وُلِجاجًا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أذاقَهم رَحْمَةً مِنهُ مِن بَعْدِ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ، فَعَلُوا مُقابِلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المَكْرَ مِنهم في آياتِ اللَّهِ، والمُرادُ بِإذاقَتِهِمْ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ وسَّعَ عَلَيْهِمْ في الأرْزاقِ، وأدَرَّ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بِالمَطَرِ وصَلاحِ الثِّمارِ بَعْدَ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ بِالجَدْبِ وضِيقِ المَعايِشِ، فَما شَكَرُوا نِعْمَتَهُ ولا قَدَرُوها حَقَّ قَدْرِها، بَلْ أضافُوها إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وطَعَنُوا في آياتِ اللَّهِ واحْتالُوا في دَفْعِها بِكُلِّ حِيلَةٍ، وهو مَعْنى المَكْرِ فِيها.
وإذا الأُولى شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُها ( ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ )، وهي فُجائِيَّةٌ، ذَكَرَ مَعْنى ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ أعْجَلُ عُقُوبَةً، وقَدْ دَلَّ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ مَكْرَهم كانَ سَرِيعًا، ولَكِنَّ مَكْرَ اللَّهِ أسْرَعُ مِنهُ.
وإذا الفُجائِيَّةُ يُسْتَفادُ مِنها السُّرْعَةُ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم فاجَئُوا المَكْرَ: أيْ أوْقَعُوهُ عَلى جِهَةِ الفُجاءَةِ والسُّرْعَةِ، وتَسْمِيَةُ عُقُوبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَكْرًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما قُرِّرَ في مُواطِنَ مِن عِباراتِ الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ .
قَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ " يَمْكُرُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
والمَعْنى: أنَّ رُسُلَ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ يَكْتُبُونَ مَكْرَ الكُفّارِ لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الحَفَظَةُ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلى العَلِيمِ الخَبِيرِ ؟ وفي هَذا وعِيدٌ لَهم شَدِيدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّ مَكْرَهم إذا كانَ ظاهِرًا لا يَخْفى، فَعُقُوبَةُ اللَّهِ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ وفي هَذِهِ زِيادَةٌ، وهي أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى مُجَرَّدِ الإعْراضِ، بَلْ يَطْلُبُونَ الغَوائِلَ لِآياتِ اللَّهِ بِما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ المَكْرِ.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ ضَرَبَ سُبْحانَهُ لِهَؤُلاءِ مَثَلًا حَتّى يَنْكَشِفَ المُرادُ انْكِشافًا تامًّا، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَرِّ أنَّهم يَمْشُونَ عَلى أقْدامِهِمُ الَّتِي خَلَقَها لَهم لِيَنْتَفِعُوا بِها، ويَرْكَبُونَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ لِرُكُوبِهِمْ مِنَ الدَّوابِّ، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَحْرِ: أنَّهُ ألْهَمَهم لِعَمَلِ السَّفائِنِ الَّتِي يَرْكَبُونَ فِيها في لُجَجِ البَحْرِ ويَسَّرَ ذَلِكَ لَهم ودَفَعَ عَنْهم أسْبابَ الهَلاكِ.
وقَدْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " وهو الَّذِي يَنْشُرُكم في البَحْرِ " بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ مِنَ النَّشْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ يَنْشُرُهم سُبْحانَهُ في البَحْرِ فَيُنَجِّي مَن يَشاءُ ويُغْرِقُ مَن يَشاءُ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الفُلْكُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ وجَرَيْنَ أيِ السُّفُنَ ( بِهِمْ ): أيْ بِالرّاكِبِينَ عَلَيْها، و( حَتّى ) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، والغايَةُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِكَمالِها، فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: الكَوْنُ في الفُلْكِ، والثّانِي: جَرْيُها بِهِمْ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعاصِفَةٍ، وثالِثُها: فَرَحُهم.
والقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الجَزاءِ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ جاءَتْها أيْ لَجاءَتِ الفُلْكَ رِيحٌ عاصِفٌ أوْ جاءَتِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ: أيْ تَلَقَّتْها رِيحٌ عاصِفٌ، والعُصُوفُ شِدَّةُ هُبُوبِ الرِّيحِ، والثّانِي ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لِلْفُلْكِ، والمُرادُ جاءَ الرّاكِبِينَ فِيها، والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ فَوْقَ البَحْرِ، والثّالِثُ ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمُ الهَلاكُ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِقَوْمٍ أوْ بِبَلَدٍ، فَجَعَلَ هَذِهِ الإحاطَةَ مَثَلًا في الهَلاكِ وإنْ كانَ بِغَيْرِ العَدُوِّ كَما هُنا، وجَوابُ إذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ (p-٦١٨)قَوْلُهُ: جاءَتْها إلى آخِرِهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بَدَلًا مِن ( ظَنُّوا ) لِكَوْنِ هَذا الدُّعاءِ الواقِعِ مِنهم إنَّما كانَ عِنْدَ ظَنِّ الهَلاكِ وهو الباعِثُ عَلَيْهِ، فَكانَ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ( دَعَوُا ) مُسْتَأْنَفَةً كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا ؟ فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، جَعَلَ الفائِدَةَ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ المُبالَغَةَ.
وقالَ الرّازِيُّ: الِانْتِقالُ مِن مَقامِ الخِطابِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ في هَذا المَقامِ دَلِيلُ المَقْتِ والتَّبْعِيدِ، كَما أنَّ عَكْسَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] دَلِيلُ الرِّضا والتَّقْرِيبِ، وانْتِصابُ ( مُخْلِصِينَ ) عَلى الحالِ: أيْ لَمْ يَشُوبُوا دُعاءَهم بِشَيْءٍ مِنَ الشَّوائِبِ، كَما جَرَتْ عادَتُهم في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ أنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم في الدُّعاءِ، ولَيْسَ هَذا لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، بَلْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهم مِمّا شارَفُوهُ مِنَ الهَلاكِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ جُبِلُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ، وأنَّ المُضْطَرَّ يُجابُ دُعاؤُهُ، وإنْ كانَ كافِرًا.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَلْتَفِتُونَ إلى أصْنامِهِمْ في هَذِهِ الحالَةِ وما يُشابِهُها، فَيا عَجَبًا لِما حَدَثَ في الإسْلامِ مِن طَوائِفَ يَعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ، إذا عَرَضَتْ لَهم في البَحْرِ مِثْلُ هَذِهِ الحالَةِ دَعَوُا الأمْواتَ، ولَمْ يُخْلِصُوا الدُّعاءَ لِلَّهِ كَما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ كَما تَواتَرَ ذَلِكَ إلَيْنا تَواتُرًا يَحْصُلُ بِهِ القَطْعُ، فانْظُرْ - هَداكَ اللَّهُ - ما فَعَلَتْ هَذِهِ الِاعْتِقاداتُ الشَّيْطانِيَّةُ، وأيْنَ وصَلَ بِها أهْلُها، وإلى أيْنَ رَمى بِهِمُ الشَّيْطانُ، وكَيْفَ اقْتادَهم وتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ؟ حَتّى انْقادُوا لَهُ انْقِيادًا ما كانَ يَطْمَعُ في مِثْلِهِ ولا في بَعْضِهِ مِن عُبّادِ الأوْثانِ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللّامُ في ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ هي اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: مِن هَذِهِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِن مُشارَفَةِ الهَلاكِ في البَحْرِ، واللّامُ في لَنَكُونَنَّ جَوابُ القِسْمِ: أيْ لَنَكُونَنَّ في كُلِّ حالٍ مِمَّنْ يَشْكُرُ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْنا، مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ سُؤالِكَ أنْ تُفَرِّجَها عَنّا وتُنْجِيَنا مِنها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَفْعُولُ ( دَعَوُا ) .
فَلَمّا نَجّاهم اللَّهُ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ الَّتِي وقَعُوا فِيها، وأجابَ دُعاءَهم، لَمْ يَفُوا بِما وعَدُوا مِن أنْفُسِهِمْ، بَلْ فَعَلُوا فِعْلَ الجاحِدِينَ لا فِعْلَ الشّاكِرِينَ، وجَعَلُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ مَكانَ الشُّكْرِ.
وإذا في ﴿إذا هم يَبْغُونَ﴾ هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، والبَغْيُ: هو الفَسادُ، مِن قَوْلِهِمْ بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى في الفَسادِ، وزِيادَةُ ( في الأرْضِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ فَسادَهم هَذا شامِلٌ لِأقْطارِ الأرْضِ، والبَغْيُ وإنْ كانَ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِحَقٍّ، بَلْ لا يَكُونُ إلّا بِالباطِلِ، لَكِنْ زِيادَةُ ( بِغَيْرِ الحَقِّ ) إشارَةٌ إلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ شُبْهَةِ عِنْدَهم، بَلْ تَمَرُّدًا وعِنادًا، لِأنَّهم قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ يَعْتَقِدُونَها مَعَ كَوْنِها باطِلَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، ذَكَرَ عاقِبَةَ البَغْيِ وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
قَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ بِنَصْبِ مَتاعَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
فَمَن قَرَأ بِالنَّصْبِ جَعَلَ ما قَبْلَهُ جُمْلَةً تامَّةً: أيْ بَغْيُكم وبالٌ عَلى أنْفُسِكم، فَيَكُونُ بَغْيُكم مُبْتَدَأً و( عَلى أنْفُسِكم ) خَبَرَهُ، ويَكُونُ ( مَتاعَ ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ المَصْدَرُ مَعَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ اسْتِئْنافًا، وقِيلَ: إنَّ مَتاعَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ ظَرْفُ زَمانٍ نَحْوُ مَقْدَمِ الحاجِّ: أيْ زَمَنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ كَمَتاعِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ مُمَتَّعِينَ، وقَدْ نُوقِشَ غالِبُ هَذِهِ الأقْوالِ في تَوْجِيهِ النَّصْبِ.
وأمّا مَن قَرَأ بِرَفْعِ " مَتاعُ " فَجَعَلَهُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيْ بَغْيُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أمْثالِكم والَّذِينَ جِنْسُهم جِنْسُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ومَنفَعَتُها الَّتِي لا بَقاءَ لَها، فَيَكُونُ المُرادُ بِأنْفُسِكم عَلى هَذا الوَجْهِ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِما يُدْرِكُهُ الجِنْسُ عَلى جِنْسِهِ مِنَ الشَّفَقَةِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُ مَتاعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو مَتاعٌ.
قالَ النَّحّاسُ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ ( بَغْيُكم ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ( ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ )، وعَلى أنْفُسِكم مَفْعُولُ البَغْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) ويُضْمَرُ مُبْتَدَأٌ: أيْ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا انْتَهى.
وقَدْ نُوقِشَ أيْضًا بَعْضُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ بِما يَطُولُ بِهِ البَحْثُ في غَيْرِ طائِلٍ.
والحاصِلُ أنَّهُ إذا جُعِلَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ )، فالمَعْنى: أنَّ ما يَقَعُ مِنَ البَغْيِ عَلى الغَيْرِ هو بَغْيٌ عَلى نَفْسِ الباغِي بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهُ مُجازاةً عَلى بَغْيِهِ، وإنْ جُعِلَ الخَبَرُ ( مَتاعُ )، فالمُرادُ أنَّ بَغْيَ هَذا الجِنْسِ الإنْسانِيِّ عَلى بَعْضِهِ بَعْضًا هو سَرِيعُ الزَّوالِ قَرِيبُ الِاضْمِحْلالِ، كَسائِرِ أمْتِعَةِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّها ذاهِبَةٌ عَنْ قُرْبٍ، مُتَلاشِيَةٌ بِسُرْعَةٍ، لَيْسَ لِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ ولا عَظِيمُ جَدْوى.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ عَلى ذَلِكَ البَغْيِ مِنَ المُجازاةِ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ وعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ، والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ومَتاعِها تُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ، فَيُجازِي المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحْسِنَ بِإحْسانِهِ ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا: أيْ فَنُخْبِرُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والمُرادُ بِذَلِكَ المُجازاةُ كَما تَقُولُ لِمَن أساءَ: سَأُخْبِرُكَ بِما صَنَعْتَ، وفِيهِ أشَدُّ وعِيدٍ وأفْظَعُ تَهْدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ وعُقُوبَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ قالَ: اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ (p-٦١٩)جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ قالَ: هَلَكُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ما حاصِلُهُ: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أهْدَرَ يَوْمَ الفَتْحِ دَمَ جَماعَةٍ، مِنهم عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، هَرَبَ مِن مَكَّةَ ورَكِبَ البَحْرَ فَأصابَهم عاصِفٌ، فَقالَ أصْحابُ السَّفِينَةِ لِأهْلِ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ الإخْلاصُ، ما يُنْجِينِي في البَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ، أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتّى أضَعَ يَدِيَ في يَدِهِ، فَلَأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجاءَ فَأسْلَمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ عَلى أهْلِها: المَكْرُ، والنَّكْثُ، والبَغْيُ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم﴾، ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾» [الحج: ١٠] .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَبْغِ ولا تَكُنْ باغِيًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: المَكْرُ، والبَغْيُ، والنَّكْثُ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ .
أقُولُ أنا: ويَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ بِهَذِهِ الثَّلاثِ الَّتِي دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها تَعُودُ عَلى فاعِلِها: الخَدْعُ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ [البقرة: ٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي مِنهُما» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences