Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:12–30, continued
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: إنَّ بُحُورًا مِن نارٍ دُونَ العَرْشِ تَكُونُ مِنها الصَّواعِقُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: الصَّواعِقُ نارٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ قالَ: شَدِيدُ القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: شَدِيدُ الأخْذِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ قالَ: التَّوْحِيدُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ العَطْشانُ يَمُدُّ يَدَهُ إلى البِئْرِ لِيَرْتَفِعَ الماءُ إلَيْهِ وما هو بِبالِغِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الرَّجُلِ العَطْشانِ الَّذِي يَنْظُرُ إلى خَيالِهِ في الماءِ مِن بَعِيدٍ وهو يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ قالَ: المُؤْمِنُ والكافِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ احْتَمَلَتْ مِنهُ القُلُوبُ عَلى قَدْرِ يَقِينِها وشَكِّها، فَأمّا الشَّكُّ فَلا يَنْفَعُ مَعَهُ العَمَلُ، وأمّا اليَقِينُ فَيَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ أهْلَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ وهو الشَّكُّ ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ وهو اليَقِينُ، وكَما يُجْعَلُ الحُلِيُّ في النّارِ فَيُؤْخَذُ خالِصُهُ ويُتْرَكُ خَبَثُهُ، فَكَذَلِكَ يَقْبَلُ اللَّهُ اليَقِينَ ويَتْرُكُ الشَّكَّ.
وأخْرُجُ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ قالَ: الصَّغِيرُ قَدْرُ صِغَرِهِ والكَبِيرُ قَدْرُ كِبَرِهِ.
13:21–25Page 252
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١
And those who join that which Allāh has ordered to be joined1 and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,
وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢
And those who are patient, seeking the face [i.e., acceptance] of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home1 -
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣
Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their forefathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],
سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤
"Peace [i.e., security] be upon you for what you patiently endured." And excellent is the final home.
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥
But those who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.1
.
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ لِلْإنْكارِ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ المُماثَلَةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ، إنَّما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وهو القُرْآنُ، وبَيْنَ مَن هو أعْمى لا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإنَّ الحالَ بَيْنَهُما مُتَباعِدٌ جِدًّا كالتَّباعُدِ الَّذِي بَيْنَ الماءِ والزَّبَدِ، وبَيْنَ الخَبَثِ والخالِصِ مِن تِلْكَ الأجْسامِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما يَقِفُ عَلى تَفاوُتِ المَنزِلَتَيْنِ، وتَبايُنِ الرُّتْبَتَيْنِ أهْلُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ المادِحَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما عَقَدُوهُ مِنَ العُهُودِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، أوْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ الَّذِي وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأكَّدُوهُ بِالأيْمانِ ونَحْوِها، وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ المِيثاقِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ كالنُّذُورِ ونَحْوِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ مِنَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى أنْ يُرادَ بِالعَهْدِ جَمِيعُ عُهُودِ اللَّهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الِالتِزاماتُ الَّتِي يُلْزِمُ بِها العَبْدُ نَفْسَهُ، ويُرادُ بِالمِيثاقِ ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ في عالَمِ الذَّرِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ.
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ بِصِلَتِهِ، ونَهى عَنْ قَطْعِهِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صِلَةُ الأرْحامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ قَصَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ، واللَّفْظُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خَشْيَةً تَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ ما وجَبَ، واجْتِنابِ ما لا يَحِلُّ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ (p-٧٢٩)وهُوَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ والمُناقَشَةُ لِلْعَبْدِ، فَمَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، ومِن حَقِّ هَذِهِ الخِيفَةِ أنْ يُحاسِبُوا أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى الإتْيانِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وقِيلَ: عَلى الرَّزايا والمَصائِبِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الصَّبْرِ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ: أنْ يَكُونَ خالِصًا لَهُ، لا شائِبَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ فَعَلُوها في أوْقاتِها عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أذْكارِها وأرْكانِها مَعَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ، والمُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ أنْفَقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناهم، والمُرادُ بِالسِّرِّ: صَدَقَةُ النَّفْلِ، والعَلانِيَةِ: صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: السِّرُّ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ، أوْ لا يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ، والعَلانِيَةُ لِمَن كانَ يُعْرَفُ بِالمالِ أوْ يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ سَيِّئَةَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ بِالإحْسانِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٩٦، فُصِّلَتْ: ٣٤ ]، أوْ يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ العَمَلَ السَّيِّئَ، أوْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، أوِ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ، أوِ الظُّلْمَ بِالعَفْوِ، أوِ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ العُقْبى مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا وعُقْباها الجَنَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ: الدّارُ الآخِرَةِ، وعُقْباها الجَنَّةُ لِلْمُطِيعِينَ، والنّارُ لِلْعُصاةِ.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أيْ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ يَدْخُلُونَها، والعَدْنُ أصْلُهُ الإقامَةُ، ثُمَّ صارَ عَلَمًا لِجَنَّةٍ مِنَ الجِنانِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وجَنّاتُ عَدْنٍ: وسَطُ الجَنَّةِ وقَصَبَتُها وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» .
﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ يَشْمَلُ الآباءَ والأُمَّهاتِ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في يَدْخُلُونَ، وجازَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ: ويَدْخُلُها أزْواجُهم وذُرِّيّاتُهم، وذِكْرُ الصَّلاحِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ مِن قَراباتِ أُولَئِكَ، ولا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ مِنَ الآباءِ أوِ الأزْواجِ أوِ الذَّرِّيَّةِ بِدُونِ صَلاحٍ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ أبْوابِ المَنازِلِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، أوِ المُرادُ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ التُّحَفِ والهَدايا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قائِلِينَ سَلامٌ عَلَيْكم، أيْ: سَلِمْتُمْ مِنَ الآفاتِ أوْ دامَتْ لَكُمُ السَّلامَةُ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِكم وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، أيْ: إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ عَلَيْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الكَرامَةُ بِسَبَبِ صَبْرِكم، أوْ بَدَلُ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَدْحِ ما أعْطاهم مِن عُقْبى الدّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ.
ثُمَّ اتْبَعَ أحْوالَ السُّعَداءِ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ عَدَمِ النَّقْضِ وعَدَمِ القَطْعِ فَعُرِفَ مِنهُما تَفْسِيرُ النَّقْضِ والقَطْعِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم وما بَعَدَهُما مِنَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ لِدُخُولِها في النَّقْضِ والقَطْعِ ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي والإضْرارِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ اللَّعْنَةُ: أيِ الطَّرْدُ والإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ سُوءُ عاقِبَةِ دارِ الدُّنْيا، وهي النّارُ أوْ عَذابُ النّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ انْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وعَقَلُوهُ ووَعَوْهُ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ قالَ: عَنِ الحَقِّ، فَلا يُبْصِرُهُ ولا يَعْقِلُهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ فَبَيَّنَ مَن هم ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ، أيْ: عَقْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ البِرَّ والصِّلَةَ لَيُخَفِّفانِ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ يَعْنِي مِن إيمانٍ بِالنَّبِيِّينَ وبِالكُتُبِ كُلِّها ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يَعْنِي يَخافُونَ مِن قَطِيعَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي شِدَّةَ الحِسابِ.
وقَدْ ورَدَ في صِلَةِ الرَّحِمِ وتَحْرِيمِ قَطْعِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قالَ: يَدْفَعُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ قالَ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، يَعْنِي وسَطَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِكَعْبٍ: ما عَدْنٌ ؟ قالَ: هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «جَنَّةُ عَدْنٍ قَضِيبٌ غَرَسَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ قالَ: مَن آمَنَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٠)عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ قالَ: عَلى دِينِكم ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ: نِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ: ائْتُوهم فَحَيُّوهم، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبَّنا نَحْنُ سُكّانُ سَمائِكَ وخِيرَتُكَ مِن خَلْقِكَ، أفَتَأْمُرُنا أنْ نَأْتِيَ هَؤُلاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ اللَّهُ: إنَّ هَؤُلاءِ عِبادِي كانُوا يَعْبُدُونَنِي ولا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ إنَّ المُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ وعِنْدَهُ سِماطانِ مِن خَدَمٍ وعِنْدَ طَرَفِ السِّماطَيْنِ بابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ المَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أقْصى الخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتّى يَبْلُغَ المُؤْمِنَ، فَيَقُولُ ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أقْرَبُهم إلى المُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ حَتّى يَبْلُغَ أقْصاهُمُ الَّذِي عِنْدَ البابِ فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قالَ: سُوءُ العاقِبَةِ.
13:26–30Page 252
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦
Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ ٢٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, Allāh leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨
Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩
Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.
كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠
Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."
.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ولَهم سُوءُ الدّارِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ نَرى كَثِيرًا مِنهم قَدْ وفَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّزْقَ وبَسَطَ لَهُ فِيهِ، فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَقَدْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن كانَ كافِرًا، ويُقَتِّرُهُ عَلى مَن كانَ مُؤْمِنًا ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ولا يَدُلُّ البَسْطُ عَلى الكَرامَةِ ولا القَبْضُ عَلى الإهانَةِ، ومَعْنى يَقْدِرُ: يُضَيِّقُ.
ومِنهُ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أيْ ضُيِّقَ، وقِيلَ: مَعْنى يَقْدِرُ: يُعْطِي بِقَدَرِ الكِفايَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ وحْدَهُ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَرِحُوا بِالدُّنْيا وجَهِلُوا ما عِنْدَ اللَّهِ، قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ وفَرِحُوا مَعْطُوفًا عَلى يُفْسِدُونَ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ أيْ ما هي إلّا شَيْءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وقِيلَ: المَتاعُ واحِدُ الأمْتِعَةِ كالقَصْعَةِ والسُّكُرُّجَةِ ونَحْوِهِما، وقِيلَ: المَعْنى: شَيْءٌ قَلِيلٌ ذاهِبٌ، مِن: مَتَعَ النَّهارُ؛ إذا ارْتَفَعَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَوالٍ، وقِيلَ: زادٌ كَزادِ الرّاكِبِ يَتَزَوَّدُ بِهِ مِنها إلى الآخِرَةِ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا قَرِيبًا، وتَكَرَّرَ في مَواضِعَ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا، وهو أنَّ الضَّلالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مَن شاءَ أنْ يُضِلَّهُ ضَلَّ كَما ضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ ويَهْدِي إلى الحَقِّ.
أوْ إلى الإسْلامِ، أوْ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مَن أنابَ، أيْ: مَن رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الإنابَةِ الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ، كَذا قالَ النَّيْسابُورِيُّ، ومَحَلُّ " الَّذِينَ آمَنُوا " النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ مَن أنابَ أيْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأنابُوا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ آمَنُوا " خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.
﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِألْسِنَتِهِمْ، كَتِلاوَةِ القُرْآنِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ والتَّوْحِيدِ، أوْ بِسَماعِ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ سَمّى سُبْحانَهُ القُرْآنَ ذِكْرًا قالَ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ آمَنُوا بِهِ غَيْرَ شاكِّينَ بِخِلافِ مَن وُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، وقِيلَ: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الطّاعَةُ، وقِيلَ: بِوَعْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: بِالحَلِفِ بِاللَّهِ، فَإذا حَلَفَ خَصْمُهُ بِاللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ، وقِيلَ: بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ، والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدائِعِ صُنْعِهِ وإنْ كانَ يُفِيدُ طُمَأْنِينَةً في الجُمْلَةِ - لَكِنْ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ، وكَذَلِكَ النَّظَرُ في المُعْجِزاتِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُطِيقُها البَشَرُ، فَلَيْسَ إفادَتُها لِلطُّمَأْنِينَةِ كَإفادَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذا وجْهُ ما يُفِيدُهُ هَذا التَّرْكِيبُ مِنَ القَصْرِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدُّعائِيَّةُ، وهي طُوبى لَهم عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، و( طُوبى لَهم ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ القُلُوبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وأهْلُ اللُّغَةِ: طُوبى فُعْلى مِنَ الطِّيبِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُها الحالُ المُسْتَطابَةُ، وقِيلَ: طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: هي (p-٧٣١)الجَنَّةُ، وقِيلَ: هي البُسْتانُ بِلُغَةِ الهِنْدِ، وقِيلَ: مَعْنى طُوبى لَهم: حُسْنى لَهم، وقِيلَ: خَيْرٌ لَهم، وقِيلَ: كَرامَةٌ لَهم، وقِيلَ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ، والأصْلُ طُيْبى فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وضَمِّ ما قَبْلِها، واللّامُ في " لَهم " لِلْبَيانِ، مِثْلُ سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ.
وقُرِئَ " حُسْنُ مَآبٍ " بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، مِن آبَ إذا رَجَعَ، أيْ: وحُسْنُ مَرْجِعٍ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ.
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: شُبِّهَ الإنْعامُ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالإنْعامِ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ، ومَعْنى ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ في قَرْنٍ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِهِ قُرُونٌ، أوْ في جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِها جَماعاتٌ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، أيْ: بِالكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْزالُ الكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وجُمْلَةُ قُلْ هو رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهم قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟ فَقالَ سُبْحانَهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ هو رَبِّي أيْ خالِقِي، لا إلَهَ إلّا هو، أيْ: لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لَهُ والإيمانَ بِهِ سِواهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في جَمِيعِ أُمُورِي وإلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ ( مَتابِ ) أيْ تَوْبَتِي، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكُفّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ والتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي يُزَوِّدُهُ أهْلُهُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ في الزَّمانِ الأوَّلِ في إبِلِهِ، أوْ غَنَمِهِ فَيَقُولُ لِأهْلِهِ مَتِّعُونِي فَيُمَتِّعُونَهُ فِلْقَةَ الخُبْزِ أوِ التَّمْرِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى حَصِيرٍ فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ ؟ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا، ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَمَثَلِ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ هَذِهِ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ؟ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَشَّتْ إلَيْهِ واسْتَأْنَسَتْ بِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: إذا حَلَفَ لَهم بِاللَّهِ صَدَّقُوا ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: تَسْكُنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأحَبَّ أصْحابِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: ذاكَ مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأحَبَّ أهْلَ بَيْتِي صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ، وأحَبَّ المُؤْمِنِينَ شاهِدًا وغائِبًا، ألا بِذِكْرِ اللَّهِ يَتَحابُّونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: نِعْمَ ما لَهم.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ، والأرْجَحُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ طُوبى لِمَن رَآكَ وآمَنَ بِكَ، قالَ: طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ورَآنِي، ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ولَمْ يَرَنِي، فَقالَ رَجُلٌ: وما طُوبى ؟ قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرُ مِائَةِ عامٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» [الواقعة: ٣٠]، وفي بَعْضِ الألْفاظِ إنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ قالَ: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ في الكِتابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: أمّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ، بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقالَ أصْحابُهُ: دَعْنا نُقاتِلْهم، فَقالَ: لا، ولَكِنِ اكْتُبُوا كَما يُرِيدُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ مَتابِ قالَ: تَوْبَتِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences