Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:120–128
16:120–128Page 281
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠
Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.
شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١
[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.
وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢
And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.
ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣
Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.
إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤
The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥
Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.
وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦
And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.
وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧
And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.
إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨
Indeed, Allāh is with those who fear Him and those who are doers of good.
.
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ.
﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ.
﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] .
﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ.
وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها.
﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً.
ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها.
قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ.
ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ.
وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ.
ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ.
قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences