Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:51–68
16:51–68Page 272
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥
So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.
وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦
And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧
And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨
And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.
يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩
He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.
لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠
For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.
وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١
And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢
And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1
تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣
By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.
وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤
And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥
And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦
And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧
And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.
وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨
And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.
.
لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مَخْلُوقاتِهِ السَّماوِيَّةَ والأرْضِيَّةَ مُنْقادَةٌ لَهُ، خاضِعَةٌ لِجَلالِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَنَهى سُبْحانَهُ عَنِ اتِّخاذِ إلَهَيْنِ، ثُمَّ أثْبَتَ أنَّ الإلَهِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ في إلَهٍ واحِدٍ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ قِيلَ إنَّ التَّثْنِيَةَ في إلَهَيْنِ قَدْ دَلَّتْ عَلى الِاثْنَيْنِيَّةِ، والإفْرادُ في إلَهٌ قَدْ دَلَّ عَلى الوَحْدَةِ، فَما وجْهُ وصْفِ إلَهَيْنِ بِـ اثْنَيْنِ، ووَصَفِ إلَهٌ بِـ واحِدٌ ؟ فَقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ إنَّما هو واحِدٌ إلَهٌ، وقِيلَ إنَّ التَّكْرِيرَ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ عَنِ اتِّخاذِ الشَّرِيكِ، وقِيلَ إنَّ فائِدَةَ زِيادَةِ اثْنَيْنِ هي أنْ يُعْلَمَ أنَّ النَّهْيَ راجِعٌ إلى التَّعَدُّدِ لا إلى الجِنْسِيَّةِ، وفائِدَةُ زِيادَةِ واحِدٌ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ المُرادَ إثْباتُ الإلَهِيَّةِ دُونَ الواحِدِيَّةِ، مَعَ أنَّ الإلَهِيَّةَ لَهُ سُبْحانَهُ مُسَلَّمَةٌ في نَفْسِها، وإنَّما خِلافُ المُشْرِكِينَ في الواحِدِيَّةِ ثُمَّ نَقَلَ الكَلامَ سُبْحانَهُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِزِيادَةِ التَّرْهِيبِ، فَقالَ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ راهِبِينَ شَيْئًا فَإيّايَ فارْهَبُونِ لا غَيْرِي، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في أوَّلِ البَقَرَةِ.
ثُمَّ لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ وحْدانِيَّتَهُ، وأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخَصَّ بِالرَّهْبَةِ مِنهُ والرَّغْبَةِ إلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ الكُلَّ في مِلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَن تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ النَّحْلِ ٤٩، إلى آخِرِهِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيْ ثابِتًا واجِبًا دائِمًا لا يَزُولُ، والدِّينُ هو الطّاعَةُ والإخْلاصُ، قالَ الفَرّاءُ واصِبًا مَعْناهُ دائِمًا، ومِنهُ قَوْلُ الدُّؤَلِيِّ:(p-٧٨٦)
؎لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلُ بَقاؤُهُ بِذَمٍّ يَكُونُ الدَّهْرُ أجْمَعَ واصِبا
أيْ دائِمًا.
ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الواصِبُ: الخالِصُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]، أيْ دائِمٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ، أيْ: طاعَتُهُ واجِبَةٌ أبَدًا.
فَفَسَّرَ الواصِبَ بِالواجِبِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في تَفْسِيرِ الواصِبِ، أيْ: لَيْسَ أحَدٌ يُطاعُ إلّا انْقَطَعَ ذَلِكَ بِزَوالٍ أوْ بِهَلَكَةٍ، غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الطّاعَةَ تَدُومُ لَهُ، فَفَسَّرَ الواصِبَ بِالدّائِمِ، وإذا دامَ الشَّيْءُ دَوامًا لا يَنْقَطِعُ فَقَدْ وجَبَ وثَبَتَ، يُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ يَصِبُ وُصُوبًا فَهو واصِبٌ: إذا دامَ، ووَصَبَ الرَّجُلُ عَلى الأمْرِ: إذا واظَبَ عَلَيْهِ، وقِيلَ الوَصَبُ التَّعَبُ، والإعْياءُ، أيْ: يَجِبُ طاعَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ تَعِبَ العَبْدُ فِيها وهو غَيْرُ مُناسِبٍ لِما في الآيَةِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، والمَعْنى: إذا كانَ الدِّينُ أيِ الطّاعَةُ واجِبًا لَهُ دائِمًا لا يَنْقَطِعُ، كانَ المُناسِبُ لِذَلِكَ تَخْصِيصَ التَّقْوى بِهِ وعَدَمَ إيقاعِها لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ امْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ جَمِيعَ ما هم مُتَقَلِّبُونَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ هو مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ﴾ أيْ ما يُلابِسُكم مِنَ النِّعَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها فَمِنَ اللَّهِ، أيْ: فَهي مِنهُ، فَتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، وبِكم صِلَتُها، و﴿مِن نِعْمَةٍ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ بَيانٌ لِ ما وقَوْلُهُ: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ الخَبَرُ، وعَلى كَوْنِ ما شَرْطِيَّةً يَكُونُ فِعْلُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا أيْ ما يَكُنْ، والنِّعْمَةُ إمّا دِينِيَّةٌ وهي مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ ومَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإمّا دُنْيَوِيَّةٌ نَفْسانِيَّةٌ، أوْ بَدَنِيَّةٌ أوْ خارِجِيَّةٌ كالسَّعاداتِ المالِيَّةِ وغَيْرِها، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أنْواعٌ لا حَصْرَ لَها، والكُلُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. فَعَلى العاقِلِ أنْ لا يَشْكُرَ إلّا إيّاهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَلَوُّنَ الإنْسانِ بَعْدَ اسْتِغْراقِهِ في بَحْرِ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ أيْ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ أيَّ مَسٍّ فَإلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ تَتَضَرَّعُونَ في كَشْفِهِ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو، يُقالُ جَأرَ يَجْأرُ في لِسانِ العَرَبِ جُؤارًا: إذا رَفَعَ صَوْتَهُ في تَضَرُّعٍ.
قالَ الأعْشى يَصِفُ بَقَرَةً:
؎فَطافَتْ ثَلاثًا بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ∗∗∗ وكانَ النَّكِيرُ أنْ تُطِيفَ وتَجْأرا
والضُّرُّ: المَرَضُ والبَلاءُ والحاجَةُ والقَحْطُ وكُلُّ ما يَتَضَرَّرُ بِهِ الإنْسانُ.
﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أيْ إذا رَفَعَ عَنْكم ما نَزَلْ بِكم مِنَ الضُّرِّ، إذا فَرِيقٌ أيْ جَماعَةٌ مِنكم بِرَبِّهِمُ - الَّذِينَ رُفِعَ الضُّرَّ عَنْهم - يُشْرِكُونَ فَيَجْعَلُونَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ مِن صَنَمٍ أوْ نَحْوِهِ، والآيَةُ مَسُوقَةٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن فِعْلِ هَؤُلاءِ حَيْثُ يَضَعُونَ الإشْراكَ بِاللَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِكَشْفِ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ الضُّرِّ مَكانَ الشُّكْرِ لَهُ، وهَذا المَعْنى قَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ ويُونُسَ، ويَأْتِي في سُبْحانَ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خاصٌّ بِمَكْرٍ وكُفْرٍ، وقابَلَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْهُ بِالجُحُودِ والكُفْرِ، وعَلى هَذا فَتَكُونُ ( مِن ) في مِنكم لِلتَّبْعِيضِ حَيْثُ كانَ الخِطابُ لِلنّاسِ جَمِيعًا، والفَرِيقُ هُمُ الكَفَرَةُ وإنْ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى الكُفّارِ فَ ( مِن ) لِلْبَيانِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ لامُ كَيْ، أيْ: لِكَيْ يَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم مِن نِعْمَةِ كَشْفِ الضُّرِّ، حَتّى كَأنَّ هَذا الكُفْرَ مِنهُمُ الواقِعُ في مَوْضِعِ الشُّكْرِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ غَرَضٌ لَهم ومَقْصِدٌ مِن مَقاصِدِهِمْ، وهَذا غايَةٌ في العُتُوِّ والعِنادِ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، وقِيلَ: اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، يَعْنِي ما كانَتْ عاقِبَةُ تِلْكَ التَّضَرُّعاتِ إلّا هَذا الكُفْرَ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والتَّرْهِيبِ مُلْتَفِتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ فَتَمَتَّعُوا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِن ذَلِكَ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ أمْرِكم وما يَحِلُّ بِكم في هَذِهِ الدّارِ وما تَصِيرُونَ إلَيْهِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ أعْمالِهِمْ فَقالَ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم﴾ أيْ يَقَعُ مِنهم هَذا الجَعْلُ بَعْدَ ما وقَعَ مِنهُمُ الجُؤارُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهم وما يَعْقُبُ كَشْفَهُ عَنْهم مِنَ الكُفْرِ مِنهم بِاللَّهِ والإشْراكِ بِهِ، ومَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ مِنَ الجَماداتِ والشَّياطِينِ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم مِن أمْوالِهِمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْهِ.
وقِيلَ المَعْنى: أنَّهم أيِ الكُفّارُ يَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ وهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، فَفاعِلُ ( يَعْلَمُونَ ) عَلى هَذا هي الأصْنامُ وأجْراها مَجْرى العُقَلاءِ في جَمْعِها بِالواوِ والنُّونِ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها.
وحاصِلُ المَعْنى: ويَجْعَلُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لِلْأصْنامِ الَّتِي لا تَعْقِلُ شَيْئًا نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ إيّاها ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وهَذا السُّؤالُ سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ تَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا.
﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، وقَدْ كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ تَقُولُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَمّا نَسَبَهُ إلَيْهِ هَؤُلاءِ الجُفاةُ الَّذِينَ لا عُقُولَ لَهم صَحِيحَةً ولا أفْهامَ مُسْتَقِيمَةً ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الفرقان: ٤٤]، وفي هَذا التَّنْزِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ أيْ ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَهُ مِنَ البَنِينَ عَلى أنَّ ما في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ.
وأنْكَرَ النَّصْبَ الزَّجّاجُ قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا يَقُولُونَ جَعَلَ لَهُ كَذا وهو يَعْنِي نَفْسَهُ، وإنَّما يَقُولُونَ جَعَلَ لِنَفْسِهِ كَذا، فَلَوْ كانَ مَنصُوبًا لَقالَ ولِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ.
وقَدْ أجازَ النَّصْبَ الفَرّاءُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَراهَتَهم لِلْإناثِ الَّتِي جَعَلُوها لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ أيْ إذا أُخْبِرَ أحَدُهم بِوِلادَةِ بِنْتٍ لَهُ ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ مُتَغَيِّرًا، ولَيْسَ المُرادُ السَّوادَ الَّذِي هو ضِدُّ البَياضِ، بَلِ المُرادُ الكِنايَةُ بِالسَّوادِ عَنِ الِانْكِسارِ والتَّغَيُّرِ بِما يَحْصُلُ مِنَ الغَمِّ، والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لَقِيَ مَكْرُوهًا قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحُزْنًا. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَلِ المُرادُ سَوادُ اللَّوْنِ حَقِيقَةً، قالَ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ المَعْلُومَ بِالوِجْدانِ أنَّ مَن غَضِبَ وحَزَنَ واغْتَمَّ لا يَحْصُلُ في لَوْنِهِ إلّا مُجَرَّدُ التَّغَيُّرِ وظُهُورِ الكَآبَةِ والِانْكِسارِ لا السَّوادُ الحَقِيقِيُّ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ (p-٧٨٧)عَلى الحالِ، أيْ: مُمْتَلِئٌ مِنَ الغَمِّ غَيْظًا وحَنَقًا.
قالَ الأخْفَشُ: هو الَّذِي يَكْظِمُ غَيْظَهُ ولا يُظْهِرُهُ، وقِيلَ إنَّهُ المَغْمُومُ الَّذِي يَطْبُقُ فاهُ مِنَ الغَمِّ، مَأْخُوذٌ مِنِ الكِظامَةِ وهو سَدُّ فَمِ البِئْرِ. قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ.
﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ﴾ أيْ يَتَغَيَّبُ ويَخْتَفِي ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ أيْ مِن سُوءِ الحُزْنِ والعارِ والحَياءِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ حُدُوثِ البِنْتِ لَهُ ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ أيْ لا يَزالُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الأمْرَيْنِ: وهو إمْساكُ البِنْتِ الَّتِي بُشِّرَ بِها، أوْ دَفْنُها في التُّرابِ ﴿عَلى هُونٍ﴾ أيْ هَوانٍ، وكَذا قَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ.
قالَ اليَزِيدِيُّ: والهُونُ الهَوانُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وكَذا حَكاهُ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الكِسائِيِّ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ البَلاءُ والمَشَقَّةُ، قالَتِ الخَنْساءُ:
؎نُهِينُ النُّفُوسَ وهَوْنُ النُّفُو ∗∗∗ سِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ أبْقى لَها
وقالَ الفَرّاءُ: الهُونُ: القَلِيلُ بِلُغَةِ تَمِيمٍ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: أيُمْسِكُهُ عَلى سُوءٍ. أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ، أيْ يُخْفِيهِ في التُّرابِ بِالوَأْدِ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ العَرَبُ، فَلا يَزالُ الَّذِي بُشِّرَ بِحُدُوثِ الأُنْثى مُتَرَدِّدًا بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، والتَّذْكِيرُ في ( يُمْسِكُهُ ويَدُسُّهُ ) مَعَ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الأُنْثى لِرِعايَةِ اللَّفْظِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ أمْ يَدُسُّها في التُّرابِ ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ أيُمْسِكُها، وقِيلَ دَسُّها إخْفاؤُها عَنِ النّاسِ حَتّى لا تُعْرَفَ كالمَدْسُوسِ لِإخْفائِهِ عَنِ الأبْصارِ ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ حَيْثُ أضافُوا البَناتِ الَّتِي يَكْرَهُونَها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وأضافُوا البَنِينَ المَحْبُوبِينَ عِنْدَهم إلى أنْفُسِهِمْ ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] .
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ القَبائِحِ الفَظِيعَةِ مَثَلُ السَّوْءِ، أيْ: صِفَةُ السَّوْءِ مِنَ الجَهْلِ والكُفْرِ بِاللَّهِ، وقِيلَ هو وصْفُهم لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالصّاحِبَةِ والوَلَدِ، وقِيلَ هو حاجَتُهم إلى الوَلَدِ لِيَقُومَ مَقامَهم ووَأْدُ البَناتِ لِدَفْعِ العارِ وخَشْيَةِ الإمْلاقِ، وقِيلَ العَذابُ والنّارُ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ وهو أضْدادُ صِفَةِ المَخْلُوقِينَ مِنَ الغِنى الكامِلِ والجُودِ الشّامِلِ والعِلْمِ الواسِعِ، أوِ التَّوْحِيدُ وإخْلاصُ العِبادَةِ، أوْ أنَّهُ خالِقٌ رازِقٌ قادِرٌ مُجازٍ، وقِيلَ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ فَلا يَضُرُّهُ نِسْبَتُهم إلَيْهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ.
ثُمَّ لَمّا حَكى سُبْحانَهُ عَنِ القَوْمِ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ بَيَّنَ سِعَةَ كَرَمِهِ وحِلْمِهِ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ ولَمْ يُؤاخِذْهم بِظُلْمِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ والمُرادُ بِالنّاسِ هُنا الكُفّارُ أوْ جَمِيعُ العُصاةِ ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ أيْ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ النّاسِ وذِكْرُ الدّابَّةِ، فَإنَّ الجَمِيعَ مُسْتَقِرُّونَ عَلى الأرْضِ، والمُرادُ بِالدّابَّةِ الكافِرُ، وقِيلَ كُلُّ ما دَبَّ، وقَدْ قِيلَ عَلى هَذا كَيْفَ يَعُمُّ بِالهَلاكِ مَعَ أنَّ فِيهِمْ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ؟ وأُجِيبَ بِإهْلاكِ الظّالِمِ انْتِقامًا مِنهُ، وإهْلاكُ غَيْرِهِ إنْ كانَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ فَلِأجْلِ تَوْفِيرِ أجْرِهِ، وإنْ كانَ مِن غَيْرِهِمْ فَبِشُؤْمِ ظُلْمِ الظّالِمِينَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] .
وفِي مَعْنى هَذا أحادِيثُ مِنها ما عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذابًا أصابَ العَذابُ مَن كانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلى نِيّاتِهِمْ» وكَذَلِكَ حَدِيثُ الجَيْشِ الَّذِينَ يُخْسَفُ بِهِمْ في البَيْداءِ، وفي آخِرِهِ: أنَّهم يُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: ٢٥] الآيَةَ، تَحْقِيقًا حَقِيقًا بِالمُراجَعَةِ لَهُ.
﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ وهو مُنْتَهى حَياتِهِمْ وانْقِضاءُ أعْمارِهِمْ أوْ أجَلُ عَذابِهِمْ، وفي هَذا التَّأْخِيرِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مِنها الإعْذارُ إلَيْهِمْ وإرْخاءُ العِنانِ مَعَهم، ومِنها حُصُولُ مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ مِن أوْلادِهِمْ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ الَّذِي سَمّاهُ لَهم حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن دُونِ تَقَدُّمٍ عَلَيْهِ ولا تَأخُّرٍ عَنْهُ، والسّاعَةُ المَدَّةُ القَلِيلَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها هَذا وتَحْقِيقُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَوْعًا آخَرَ مِن جَهْلِهِمْ وحُمْقِهِمْ فَقالَ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ أيْ يَنْسِبُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ما يَكْرَهُونَ نِسْبَتَهُ إلى أنْفُسِهِمْ مِنَ البَناتِ، وهو تَكْرِيرٌ لِما قَدْ تَقَدَّمَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ ولِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ هَذا مِنَ النَّوْعِ الآخَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِن قَبائِحِهِمْ وهو، أيْ: هَذا الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُهم مِنَ الكَذِبِ هو قَوْلُهم: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحُسْنى، أوِ العاقِبَةُ الحُسْنى.
قالَ الزَّجّاجُ: يَصِفُونَ أنَّ لَهم مَعَ قُبْحِ قَوْلِهِمْ مِنَ اللَّهِ الجَزاءَ الحَسَنَ.
قالَ الزَّجّاجُ أيْضًا والفَرّاءُ: أُبْدِلَ مِن قَوْلِهِ ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ قَوْلُهُ ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾، والكَذِبَ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ تَصِفُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنِ ( الكُذُبُ ) بِرَفْعِ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْألْسُنِ وهو جَمْعُ كَذِبٍ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ عَلى هَذا هو ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ .
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أيْ حَقًّا أنَّ لَهم مَكانَ ما جَعَلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الحُسْنى النّارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: مَتْرُوكُونَ مَنسِيُّونَ في النّارِ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ فَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِن أفْرَطْتُ فُلانًا خَلْفِي: إذا خَلَّفْتُهُ ونَسِيتُهُ.
وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: مُعَجَّلُونَ إلَيْها مُقْدَّمُونَ في دُخُولِها مِن أفَرَطْتُهُ، أيْ: قَدَّمْتُهُ في طَلَبِ الماءِ، والفارِطُ هو الَّذِي يَتَقَدَّمُ إلى الماءِ، والفُرّاطُ المُتَقَدِّمُونَ في طَلَبِ الماءِ، والوُرّادُ المُتَأخِّرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» أيْ مُتَقَدِّمُكم.
قالَ القَطامِيُّ:
؎فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَعَجَّلَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ " مُفْرِطُونَ " بِكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْناهُ: مُسْرِفُونَ في الذُّنُوبِ والمَعاصِي، يُقالُ أفْرَطَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا أرْبى عَلَيْهِ وقالَ لَهُ أكْثَرَ مِمّا قالَ مِنَ الشَّرِّ.
وقَرَأ أبُو (p-٧٨٨)جَعْفَرٍ القارِّيُّ " مُفَرِّطُونَ " بِكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها، أيْ: مُضَيِّعُونَ أمْرَ اللَّهِ، فَهو مِنَ التَّفْرِيطِ في الواجِبِ.
وقَرَأ الباقُونَ ﴿مُفْرَطُونَ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ مُخَفَّفًا، ومَعْناهُ: مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ قالَ: الدِّينُ: الإخْلاصُ، وواصِبًا: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واصِبًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: واجِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿تَجْأرُونَ﴾ قالَ: تَتَضَرَّعُونَ دُعاءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: تَصِيحُونَ بِالدُّعاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: وعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ جَعَلُوا لِأوْثانِهِمْ وشَياطِينِهِمْ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وجَزَّءُوا مِن أمْوالِهِمْ جُزْءًا فَجَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ وشَياطِينِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هو قَوْلُهم هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ الآيَةَ يَقُولُ: يَجْعَلُونَ لِيَ البَناتِ يَرْتَضُونَهُنَّ لِي ولا يَرْتَضُونَهُنَّ لِأنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا وُلِدَ لِلرَّجُلِ مِنهم جارِيَةٌ أمْسَكَها عَلى هَوانٍ أوْ دَسَّها في التُّرابِ وهي حَيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِهِ البَنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ قالَ: يَئِدُ ابْنَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ قالَ: بِئْسَ ما حَكَمُوا، يَقُولُ: شَيْءٌ لا يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَرْضَوْنَهُ لِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ: يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ قالَ: ما سَقاهُمُ المَطَرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: قَدْ فُعِلَ ذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ، أهْلَكَ اللَّهُ ما عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِن دابَّةٍ إلّا ما حَمَلَ في سَفِينَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُنُوبُ ابْنِ آدَمَ قَتَلَتِ الجُعْلَ في جُحْرِهِ، ثُمَّ قالَ، أيْ واللَّهِ زَمَنَ غَرَقِ قَوْمِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: كادَ الجُعْلُ أنْ يُعَذَّبَ في جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: بَلى واللَّهِ إنَّ الحُبارى لَتَمُوتُ هُزالًا في وكْرِها مِن ظُلْمِ الظّالِمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ قالَ: يَجْعَلُونَ لِيَ البَناتِ ويَكْرَهُونَ ذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ قالَ: قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لَنا البَنُونَ ولَهُ البَناتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ قالَ: مَنسِيُّونَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مُعَجَّلُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences