Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:75–83
16:75–80Page 275
۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥
Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦
And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧
And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.
وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨
And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.
أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩
Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠
And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.
.
قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ، أيْ: بِالمَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَيْفَ يَضْرِبُ الأمْثالَ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، عَلَّمَهم سُبْحانَهُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ فَقالَ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، أيْ: ذَكَرَ شَيْئًا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ جَنابِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وبَيْنَ ما جَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ مِنَ الأصْنامِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ والمَثَلُ في الحَقِيقَةِ هي حالَةٌ لِلْعَبْدِ عارِضَةٌ لَهُ، وهي المَمْلُوكِيَّةُ والعَجُزُ عَنِ التَّصَرُّفِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ وبَدَلٌ مِنهُ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِأنَّ العَبْدَ والحُرَّ مُشْتَرِكانِ في كَوْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ لِأنَّ المُكاتِبَ والمَأْذُونَ يَقْدِرانِ عَلى بَعْضِ التَّصَرُّفاتِ، فَهَذا الوَصْفُ لِتَمْيِيزِهِ عَنْهُما ﴿ومَن رَزَقْناهُ﴾ مَن هي المَوْصُولَةُ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى عَبْدًا، أيْ: والَّذِي رَزَقْناهُ مِنّا أيْ مِن جِهَتِنا ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ مِنَ الأحْرارِ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ الأمْوالَ ويَتَصَرَّفُونَ بِها كَيْفَ شاءُوا، والمُرادُ بِكَوْنِ الرِّزْقِ حَسَنًا أنَّهُ مِمّا يَحْسُنُ في عُيُونِ النّاسِ، لِكَوْنِهِ رِزْقًا كَثِيرًا مُشْتَمِلًا عَلى أشْياءَ مُسْتَحْسَنَةٍ نَفِيسَةٍ تَرُوقُ النّاظِرِينَ إلَيْها، والفاءُ في قَوْلِهِ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾ لِتَرْتِيبِ الإنْفاقِ عَلى الرِّزْقِ، أيْ: يُنْفِقُ مِنهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ ويَصْرِفُ مِنهُ إلى أنْواعِ البِرِّ والمَعْرُوفِ، وانْتِصابُ﴿سِرًّا وجَهْرًا﴾ عَلى الحالِ، أيْ: يُنْفِقُ مِنهُ في حالِ السِّرِّ وحالِ الجَهْرِ، والمُرادُ بَيانُ عُمُومِ الإنْفاقِ لِلْأوْقاتِ، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ مُشْعِرٌ بِفَضِيلَتِهِ عَلَيْهِ، وأنَّ الثَّوابَ فِيهِ أكْثَرُ، وقِيلَ إنَّ مَن في ﴿ومَن رَزَقْناهُ﴾ مَوْصُوفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: وحُرًّا رَزَقْناهُ، لِيُطابِقَ عَبْدًا، ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ أيِ الحُرُّ والعَبْدُ المَوْصُوفانِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِمَكانِ ( مَن ) لِأنَّهُ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وقِيلَ إنَّهُ أُرِيدَ بِالعَبْدِ والمَوْصُولِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الحُرِّ الجِنْسُ، أيْ: مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الجِنْسَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ: هَلْ يَسْتَوِي العَبِيدُ والأحْرارُ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ مَعَ كَوْنِ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَخْلُوقَيْنِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لا يَسْتَوُونَ عِنْدَهم، فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ شُرَكاءَ لا يَمْلِكُونَ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا، ويَجْعَلُونَهم مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِبادَةِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ؟ وحاصِلُ المَعْنى: أنَّهُ كَما لا يَسْتَوِي عِنْدَكم عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لا يَقْدِرُ مِن أمْرِهِ عَلى شَيْءٍ ورَجُلٌ حُرٌّ قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي الرَّبُّ الخالِقُ الرَّزّاقُ والجَماداتُ مِنَ الأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها وهي لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَبْدِ المَمْلُوكِ في الآيَةِ هو الكافِرُ المَحْرُومُ مِن طاعَةِ اللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ، والآخَرُ (p-٧٩٤)هُوَ المُؤْمِنُ، والغَرَضُ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في الرُّتْبَةِ والشَّرَفِ، وقِيلَ: العَبْدُ هو الصَّنَمُ، والثّانِي عابِدُ الصَّنَمِ، والمُرادُ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في القُدْرَةِ والتَّصَرُّفِ، لِأنَّ الأوَّلَ جَمادٌ، والثّانِيَ إنْسانٌ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيِ الحَمْدُ لِلَّهِ كُلُّهُ؛ لِأنَّهُ المُنْعِمُ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ مِنِ العِبادِ شَيْئًا مِنهُ، فَكَيْفَ تَسْتَحِقُّ الأصْنامُ مِنهُ شَيْئًا ولا نِعْمَةَ مِنها أصْلًا لا بِالأصالَةِ ولا بِالتَّوَسُّطِ، وقِيلَ أرادَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى أوْلِيائِهِ مِن نِعْمَةِ التَّوْحِيدِ، وقِيلَ أرادَ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ، والخِطابُ إمّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ أوْ لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَثَلًا مُطابِقًا لِلْغَرَضِ كاشِفًا عَنِ المَقْصُودِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ: عَلى قُوَّةِ هَذِهِ الحُجَّةِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ حَتّى يَعْبُدُوا مَن تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَعْرِفُوا المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ الجَلِيلَةِ، ونَفْيُ العِلْمِ عَنْهم إمّا لِكَوْنِهِمْ مِنَ الجَهْلِ بِمَنزِلَةٍ لا يَفْهَمُونَ بِسَبَبِها ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ، أوْ هم يَتْرُكُونَ الحَقَّ عِنادًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ فَكانُوا كَمَن لا عِلْمَ لَهُ، وخَصَّ الأكْثَرَ بِنَفْيِ العِلْمِ: إمّا لِكَوْنِهِ يُرِيدُ الخَلْقَ جَمِيعًا، وأكْثَرُهُمُ المُشْرِكُونَ، أوْ ذَكَرَ الأكْثَرَ وهو يُرِيدُ الكُلَّ، أوِ المُرادُ أكْثَرُ المُشْرِكِينَ، لِأنَّ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ولا يَعْمَلُ بِمُوجَبِ العِلْمِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَثَلًا ثانِيًا ضَرَبَهُ لِنَفْسِهِ، ولِما يُفِيضُ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ولِلْأصْنامِ الَّتِي هي أمْواتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ فَقالَ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ مَثَلًا آخَرَ أوْضَحَ مِمّا قَبْلَهُ وأظْهَرَ مِنهُ، ورَجُلَيْنِ بَدَلٌ مِن مَثَلٍ وتَفْسِيرٌ لَهُ، والأبْكَمُ العَيِيُّ المُفْحَمُ، وقِيلَ هو الأقْطَعُ اللِّسانِ الَّذِي لا يُحْسِنُ الكَلامَ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، ثُمَّ وصَفَ الأبْكَمَ فَقالَ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ المُتَعَلِّقَةِ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ لِعَدَمِ فَهْمِهِ وعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى النُّطْقِ، ومَعْنى ﴿كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ ثَقِيلٌ عَلى ولِيِّهِ وقَرابَتِهِ وعِيالٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ ويَعُولُهُ ووَبالٌ عَلى إخْوانِهِ، وقَدْ يُسَمّى اليَتِيمُ كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلى مَن يَكْفُلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أكُولٌ لِمالِ الكَلِّ قَبْلَ شَبابِهِ إذا كانَ عَظْمُ الكَلِّ غَيْرَ شَدِيدِ
وفِي هَذا بَيانٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى إقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ بَعْدَ ذِكْرِ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى شَيْءٍ مُطْلَقًا.
ثُمَّ وصَفَهُ بِصِفَةٍ رابِعَةٍ فَقالَ ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أيْ إذا وجَّهَهُ إلى أيِّ جِهَةٍ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ قَطُّ؛ لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ ولا يَعْقِلُ ما يُقالُ لَهُ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ( أيْنَما يُوَجَّهْ ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( أيْنَما تَوَجَّهَ ) عَلى صِيغَةِ الماضِي ﴿هَلْ يَسْتَوِي هو﴾ في نَفْسِهِ مَعَ هَذِهِ الأوْصافِ الَّتِي اتَّصَفَ بِها ﴿ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ أيْ يَأْمُرُ النّاسَ بِالعَدْلِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ يَنْطِقُ بِما يُرِيدُ النُّطْقَ بِهِ ويَفْهَمُ، ويَقْدِرُ عَلى التَّصَرُّفِ في الأشْياءِ وهو في نَفْسِهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ عَلى دِينٍ قَوِيمٍ وسِيرَةٍ صالِحَةٍ لَيْسَ فِيهِ مَيْلٌ إلى أحَدِ جانِبَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، قابَلَ أوْصافَ الأوَّلِ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لِلْآخَرِ، لِأنَّ حاصِلَ أوْصافِ الأوَّلِ عَدَمُ اسْتِحْقاقِهِ لِشَيْءٍ، وحاصِلُ وصْفَيْ هَذا أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أكْمَلَ اسْتِحْقاقٍ، والمَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ بِعَدَمِ تَساوِي هَذَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى امْتِناعِ التَّساوِي بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
ولَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ المَثَلَيْنِ مَدَحَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ولا يَسْتَقِلُّ بِهِ، والمُرادُ عَلِمَ ما غابَ عَنِ العِبادِ فِيهِما، أوْ أرادَ بِغَيْبِهِما يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنِ العِبادِ، ومَعْنى الإضافَةِ إلَيْهِما التَّعَلُّقُ بِهِما.
والمَعْنى: التَّوْبِيخُ لِلْمُشْرِكِينَ والتَّقْرِيعُ لَهم، أيْ: أنَّ العِبادَةَ إنَّما يَسْتَحِقُّها مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ لا مَن كانَ جاهِلًا عاجِزًا لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِن أنْواعِ العِلْمِ ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ﴾ الَّتِي هي أعْظَمُ ما وقَعَتْ فِيهِ المُماراةُ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ اللَّمْحُ النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن زَمانٍ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الحَدَقَةُ نَحْوَ المَرْئِيِّ وكُلُّ زَمانٍ قابِلٌ لِلتَّجْزِئَةِ، ولِذا قالَ أوْ هو أيْ أمْرُهُما أقْرَبُ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ المُبالَغَةِ، بَلْ هو كَلامٌ في غايَةِ الصِّدْقِ، لِأنَّ مُدَّةَ ما بَيْنَ الخِطابِ وقِيامِ السّاعَةِ مُتَناهِيَةٌ، ومِنها إلى الأبَدِ غَيْرُ مُتَناهٍ، ولا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي إلى غَيْرِ المُتَناهِي، أوْ يُقالُ: إنَّ السّاعَةَ لَمّا كانَتْ آتِيَةً ولا بُدَّ جُعِلَتْ مِنَ القُرْبِ كَلَمْحِ البَصَرِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يُرِدْ أنَّ السّاعَةَ تَأْتِي في لَمْحِ البَصَرِ، وإنَّما وصَفَ سُرْعَةَ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِها؛ لِأنَّهُ يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، وقِيلَ: المَعْنى: هي عِنْدَ اللَّهِ كَذَلِكَ وإنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ المَخْلُوقِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦، ٧] ولَفْظُ أوْ في ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ لَيْسَ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّمْثِيلِ، وقِيلَ دَخَلَتْ لِشَكِّ المُخاطَبِ، وقِيلَ هي بِمَنزِلَةِ ( بَلْ ) ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومَجِيءُ السّاعَةِ بِسُرْعَةٍ مِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ حالَةً أُخْرى لِلْإنْسانِ دالَّةٌ عَلى غايَةِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ رَأْفَتِهِ فَقالَ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، أيْ: أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم أطْفالًا لا عِلْمَ لَكم بِشَيْءٍ، وجُمْلَةُ ( ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ المُرادُ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، وقِيلَ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا قَضى بِهِ عَلَيْكم مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن مَنافِعِكم، والأوْلى التَّعْمِيمُ لِتَشْمَلَ الآيَةُ هَذِهِ الأُمُورَ وغَيْرَها اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَإنَّ شَيْئًا نَكِرَةٌ واقِعَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ ( إمِّهاتِكم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ هُنا، وفي النُّورِ والزُّمَرِ والنَّجْمِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ، ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ رَكَّبَ فِيكم هَذِهِ الأشْياءَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( أخْرَجَكم ) ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَأْخِيرِ هَذا الجَعْلِ عَنِ الإخْراجِ لِما أنَّ مَدْلُولَ الواوِ هو مُطْلَقُ الجَمْعِ.
والمَعْنى: جَعَلَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ لِتُحَصِّلُوا بِها العِلْمَ الَّذِي كانَ مَسْلُوبًا عَنْكم عِنْدَ إخْراجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِ ذَلِكَ العِلْمِ مِن شُكْرِ المُنْعِمِ وعِبادَتِهِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ، (p-٧٩٥)والأفْئِدَةِ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو وسَطُ القَلْبِ مُنَزَّلٌ مِنهُ بِمَنزِلَةِ القَلْبِ مِنَ الصَّدْرِ، وقَدْ قَدَّمْنا الوَجْهَ في إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهو أنَّ إفْرادَ السَّمْعِ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ يَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَصْرِفُوا كُلَّ آلَةٍ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعْرِفُونَ مِقْدارَ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم فَتَشْكُرُونَهُ، أوْ أنَّ هَذا الصَّرْفَ هو نَفْسُ الشُّكْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ﴾ أيْ ألَمْ يَنْظُرُوا إلَيْها حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ: أيُّ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ بِما خَلَقَ اللَّهُ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ وسائِرِ الأسْبابِ المُواتِيَةِ لِذَلِكَ كَرِقَّةِ قَوامِ الهَواءِ وإلْهامِها بَسْطَ الجَناحِ وقَبْضَهُ كَما يَفْعَلُ السّابِحُ في الماءِ ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ أيْ في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ في سَمْتِ العُلُوِّ، وإضافَتِهِ إلى السَّماءِ لِكَوْنِهِ في جانِبِها ما يُمْسِكُهُنَّ في الجَوِّ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، فَإنَّ ثِقَلَ أجْسامِها ورِقَّةَ قَوامِ الهَواءِ يَقْتَضِيانِ سُقُوطَها، لِأنَّها لَمْ تَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِن فَوْقِها ولا اعْتَمَدَتْ عَلى شَيْءٍ تَحْتَها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ألَمْ تَرَوْا " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ إنَّ في ذَلِكَ التَّسْخِيرِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ لِآياتٍ ظاهِراتٍ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الكافِرَ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُنْفِقَ نَفَقَةً في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنَ وهَذا المَثَلُ في النَّفَقَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ قالَ: كُلُّ هَذا مَثَلُ إلَهِ الحَقِّ وما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في المَثَلِ الأوَّلِ يَعْنِي بِذَلِكَ الآلِهَةَ الَّتِي لا تَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ يَنْفَعُها ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا﴾ قالَ: عَلانِيَةُ الَّذِي يُنْفِقُ سِرًّا وجَهْرًا لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ وعَبْدَةَ بْنِ هِشامِ بْنِ عَمْرٍو، وهو الَّذِي يُنْفِقُ سِرًّا وجَهْرًا، وفي عَبْدَةَ أبِي الجَوْزاءِ الَّذِي كانَ يَنْهاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي بِالأبْكَمِ الَّذِي هو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ الكافِرُ ﴿ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ المُؤْمِنُ، وهَذا المَثَلُ في الأعْمالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ الآيَةَ. في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ومَوْلًى لَهُ كافِرٍ، وهو أُسَيْدُ بْنُ أبِي العِيصِ كانَ يَكْرَهُ الإسْلامَ، وكانَ عُثْمانُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ويَكْفُلُهُ ويَكْفِيهِ المُؤْنَةَ، وكانَ الآخَرُ يَنْهاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ، فَنَزَلَتْ فِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ قالَ: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: كَلٌّ قالَ: الكَلُّ العِيالُ، كانُوا إذا ارْتَحَلُوا حَمَلُوهُ عَلى بَعِيرٍ ذَلُولٍ، وجَعَلُوا مَعَهُ نَفَرًا يُمْسِكُونَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، فَهو عَناءٌ وعَذابٌ وعِيالٌ عَلَيْهِمْ ﴿هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ هو أنْ يَقُولَ: ( كُنْ ) فَهو كَلَمْحِ البَصَرِ ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ فالسّاعَةُ كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هي أقْرَبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم﴾ قالَ: مِنَ الرَّحِمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ أيْ في كَبِدِ السَّماءِ.
16:81–83Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.
.
قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وهَذا المَذْكُورُ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ الإنْسانِ، ومِن تَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، والسَّكَنُ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وهو بِمَعْنى مَسْكُونٍ، أيْ: تَسْكُنُونَ فِيها وتَهْدَأُ جَوارِحُكم مِنَ الحَرَكَةِ، وهَذِهِ نِعْمَةٌ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ شاءَ لَخَلَقَ العَبْدَ مُضْطَرِبًا دائِمًا كالأفْلاكِ، ولَوْ شاءَ لَخَلَقَهُ ساكِنًا أبَدًا كالأرْضِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ بُيُوتَ المُدُنِ، وهي الَّتِي لِلْإقامَةِ الطَّوِيلَةِ عَقَّبَها بِذِكْرِ بُيُوتِ البادِيَةِ والرِّحْلَةِ، أيْ: جَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ - وهي الأنْطاعُ والأُدُمُ بُيُوتًا كالخِيامِ والقِبابِ ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ أيْ يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها في الأسْفارِ وغَيْرِها، ولِهَذا قالَ ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ والظَّعْنُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِها، وقُرِئَ بِهِما: سَيْرُ أهْلِ البادِيَةِ لِلِانْتِجاعِ والتَّحَوُّلِ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎ظَعَنَ الَّذِينَ فِراقُهم أتَوَقَّعُ وجَرى بِبَيْنِهِمُ الغُرابُ الأبْقَعُ
والظَّعْنُ الهَوْدَجُ أيْضًا ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جَعَلَ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن أصْوافِ الأنْعامِ وأوْبارِها وأشْعارِها، والأنْعامُ تَعُمُّ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ كَما تَقَدَّمَ، والأصْوافُ لِلْغَنَمِ، والأوْبارُ لِلْإبِلِ، (p-٧٩٦)والأشْعارُ لِلْمَعْزِ، وهي مِن جُمْلَةِ الغَنَمِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى وجْهِ التَّنْوِيعِ كُلُّ واحِدٍ مِنها لِواحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ، أعْنِي الإبِلَ، ونَوْعَيِ الغَنَمِ. والأثاثُ مَتاعُ البَيْتِ، وأصْلُهُ الكَثْرَةُ والِاجْتِماعُ، ومِنهُ شِعْرٌ أثِيثٌ، أيْ: كَثِيرٌ مُجْتَمِعٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وفَرْعٌ يُزِينُ المَتْنَ أسْوَدُ فاحِمٍ ∗∗∗ أثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
قالَ الخَلِيلُ أثاثًا، أيْ: مُنْضَمًّا بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، مِن أثَّ: إذا أكْثَرَ، قالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ، والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ بِأنْواعِ التَّمَتُّعِ، وعَلى قَوْلِ أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ: إنَّ الأثاثَ المالُ أجْمَعُ: الإبِلُ والغَنَمُ والعَبِيدُ والمَتاعُ، يَكُونُ عَطْفُ المَتاعِ عَلى الأثاثِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقِيلَ إنَّ الأثاثَ ما يَكْتَسِي بِهِ الإنْسانُ ويَسْتَعْمِلُهُ مِنَ الغِطاءِ والوِطاءِ، والمَتاعُ ما يُفْرَشُ في المَنازِلِ ويُتَزَيَّنُ بِهِ، ومَعْنى ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى أنْ تَقْضُوا أوْطارَكم مِنهُ، أوْ إلى أنْ يَبْلى ويَفْنى، أوْ إلى المَوْتِ، أوْ إلى القِيامَةِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ خِيامٌ، أوْ أبْنِيَةٌ يَسْتَظِلُّ بِها لِفَقْرٍ، أوْ لِعارِضٍ آخَرَ فَيَحْتاجُ إلى أنْ يَسْتَظِلَّ بِشَجَرٍ أوْ جِدارٍ أوْ غَمامٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ أيْ أشْياءَ تَسْتَظِلُّونَ بِها كالأشْياءِ المَذْكُورَةِ.
والحاصِلُ أنَّ الظِّلالَ تَعُمُّ الأشْياءَ الَّتِي تُظِلُّ، ثُمَّ لَمّا كانَ المُسافِرُ قَدْ يَحْتاجُ إلى رُكْنٍ يَأْوِي إلَيْهِ في نُزُولِهِ، وإلى ما يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ آفاتِ الحَرِّ والبَرْدِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ وهي جَمْعُ كِنٍّ: وهو ما يُسْتَكَنُّ بِهِ مِنَ المَطَرِ، وهي هُنا الغِيرانُ في الجِبالِ، جَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ عُدَّةً لِلْخَلْقِ يَأْوُونَ إلَيْها ويَتَحَصَّنُونَ بِها ويَعْتَزِلُونَ عَنِ الخَلْقِ فِيها ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ جَمْعُ سِرْبالٍ، وهي القُمْصانُ والثِّيابُ مِنَ الصُّوفِ والقُطْنِ والكَتّانِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لَبِسْتَهُ فَهو سِرْبالٌ، ومَعْنى ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ تَدْفَعُ عَنْكم ضَرَرَ الحَرِّ، وخَصَّ الحَرَّ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، لِأنَّ ما وقى مِنَ الحَرِّ وقى مِنَ البَرْدِ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ الحَرِّ بِالذِّكْرِ أنَّ الوِقايَةَ مِنهُ كانَتْ أهَمَّ عِنْدَهم مِنَ الوِقايَةِ مِنَ البَرْدِ لِغَلَبَةِ الحَرِّ في بِلادِهِمْ ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ وهي الدُّرُوعُ والجَواشِنُ يَتَّقُونَ بِها الطَّعْنَ والضَّرْبَ والرَّمْيَ.
والمَعْنى: أنَّها تَقِيكُمُ البَأْسَ الَّذِي يَصِلُ مِن بَعْضِكم إلى بَعْضٍ في الحَرْبِ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ البالِغِ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ مَنَّ عَلى عِبادِهِ بِصُنُوفِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ هاهُنا وبِغَيْرِها، وهو بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ سَيُتِمُّ لَهم نِعْمَةَ الدِّينِ والدُّنْيا ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ إرادَةَ أنْ تُسْلِمُوا، فَإنَّ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ في هَذِهِ النِّعَمِ لَمْ يَسَعْهُ إلّا الإسْلامُ والِانْقِيادُ لِلْحَقِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ " تَتِمُّ نِعْمَتُهُ " بِتاءَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ( نِعْمَتُهُ ) وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ " تَسْلَمُونَ " بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ مِنَ السَّلامَةِ عَلى الجِراحِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ مِنَ الإسْلامِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والِاخْتِيارُ قِراءَةُ العامَّةِ، لِأنَّ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنا مِنَ الإسْلامِ أفْضَلُ مِمّا أنْعَمَ بِهِ مِنَ السَّلامَةِ مِنَ الجِراحِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، أيْ: لَعَلَّكم يا أهْلَ مَكَّةَ تُخْلِصُونَ لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ، وإفْرادُ النِّعْمَةِ هُنا لِأنَّ المُرادَ بِها المَصْدَرُ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ إنْ تَوَلَّوْا عَنْكَ ولَمْ يَقْبَلُوا ما جِئْتَ بِهِ فَقَدْ تَمَهَّدَ عُذْرُكَ، ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ لِما أُرْسِلْتَ بِهِ إلَيْهِمُ، المُبِينُ: أيِ الواضِحُ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وصَرَفَ الخِطابَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ تَوَلِّيهِمْ، أيْ: هم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي عَدَّدَها، ويَعْتَرِفُونَ بِأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَها بِما يَقَعُ مِن أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وبِأقْوالِهِمُ الباطِلَةِ، حَيْثُ يَقُولُونَ: هي مِنَ اللَّهِ ولَكِنَّها بِشَفاعَةِ الأصْنامِ، وحَيْثُ يَقُولُونَ إنَّهم ورِثُوا تِلْكَ النِّعَمَ مِن آبائِهِمْ، وأيْضًا كَوْنِهِمْ لا يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ النِّعَمَ في مَرْضاةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وفي وُجُوهِ الخَيْرِ الَّتِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِصَرْفِها فِيها، وقِيلَ نِعْمَةُ اللَّهِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ أيِ الجاحِدُونَ لِنِعَمِ اللَّهِ أوِ الكافِرُونَ بِاللَّهِ، وعَبَّرَ هُنا بِالأكْثَرِ عَنِ الكُلِّ، أوْ أرادَ بِالأكْثَرِ العُقَلاءَ دُونَ الأطْفالِ ونَحْوِهِمْ، أوْ أرادَ كُفْرَ الجُحُودِ ولَمْ يَكُنْ كُفْرُ كُلِّهِمْ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ كُفْرُ بَعْضِهِمْ كُفْرَ جَهْلٍ، وكُفْرُ بَعْضِهِمْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ الجَحْدِ لِرُبُوبِيَّتِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ سَكَنًا قالَ: تَسْكُنُونَ فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ وهي خِيامُ العَرَبِ ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ يَقُولُ: في الحَمْلِ ومَتاعًا يَقُولُ بَلاغًا ﴿إلى حِينٍ﴾ قالَ: إلى المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم﴾ قالَ: بَعْضُ بُيُوتِ السَّيّارَةِ بُنْيانُهُ في ساعَةٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأوْبارِها﴾ قالَ: الإبِلُ ﴿وأشْعارِها﴾ قالَ الغَنَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ أثاثًا قالَ: الأثاثُ المَتاعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأثاثُ المالُ ﴿ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ يَقُولُ: تَنْتَفِعُونَ بِهِ إلى حِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ قالَ: مِنَ الشَّجَرِ ومِن غَيْرِها ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ قالَ: غاراتٌ يُسْكَنُ فِيها ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ قالَ: مِنَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم﴾ مِنَ الحَدِيدِ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ولِذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى سُورَةُ النِّعَمَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ قالَ: يَعْنِي الثِّيابَ، ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الدُّرُوعَ والسِّلاحَ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ الجِراحاتِ وكانَ (p-٧٩٧)ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُها ( تُسَلِّمُونَ ) كَما قَدَّمْنا، وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences