Ash-ShawkaniAl‑Kahf · 18:9–20

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:9–20

18:9–16Page 294

أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩

Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1

إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠

[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."

فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١

So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.

ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢

Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.

نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣

It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.

وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤

And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.

هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥

These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"

وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦

[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."

.

قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وبِبَلْ وحْدَها عِنْدَ بَعْضِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أحَسِبْتَ، أوْ بَلْ حَسِبْتَ، ومَعْناها: الِانْتِقالُ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ آخَرَ لا لِإبْطالِ الأوَّلِ والإضْرابِ عَنْهُ كَما هو مَعْنى بَلْ في الأصْلِ.

والمَعْنى: أنَّ القَوْمَ لَمّا تَعَجَّبُوا مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وسَألُوا عَنْها الرَّسُولَ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، قالَ سُبْحانَهُ: بَلْ أظْنَنْتَ يا مُحَمَّدُ أنَّهم كانُوا عَجَبًا مِن آياتِنا فَقَطْ ؟ لا تَحْسَبْ ذَلِكَ فَإنَّ آياتِنا كُلَّها عَجَبٌ، فَإنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى جَعْلِ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِلِابْتِلاءِ، ثُمَّ جَعْلِ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ، لا تَسْتَبْعِدْ قُدْرَتَهُ وحِفْظَهُ ورَحْمَتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وإنْ كانَتْ قِصَّتُهم خارِقَةً لِلْعادَةِ فَإنَّ آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ وفَوْقَ ذَلِكَ.

(p-٨٥١)وعَجَبًا مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ أيْ: ذاتَ عَجَبٍ، أوْ مَوْصُوفَةٌ بِالعَجَبِ مُبالَغَةً، و( مِن آياتِنا ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

و﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ﴾ ظَرْفٌ لِحَسِبْتَ أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو اذْكُرْ أيْ: صارُوا إلَيْهِ وجَعَلُوهُ مَأْواهم، والفِتْيَةُ هم أصْحابُ الكَهْفِ، والكَهْفُ هو الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ.

فَإنْ كانَ صَغِيرًا سُمِّيَ غارًا، والرَّقِيمُ قالَ كَعْبٌ والسُّدِّيُّ: إنَّهُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي خَرَجَ مِنها أصْحابُ الكَهْفِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: إنَّهُ لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ أوْ رَصاصٍ رُقِمَتْ فِيهِ أسْماؤُهم جُعِلَ عَلى بابِ الكَهْفِ.

قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ رَقِيمًا؛ لِأنَّ أسْماءَهم كانَتْ مَرْقُومَةً فِيهِ.

والرَّقْمُ الكِتابَةُ.

ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ في أُرْجُوزَةٍ لَهُ: ومُسْتَقَرِّي المُصْحَفُ الرَّقِيمُ وقِيلَ: إنَّ الرَّقِيمَ اسْمُ كَلْبِهِمْ، وقِيلَ: هو اسْمُ الوادِي الَّذِي كانُوا فِيهِ، وقِيلَ: اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الغارُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ لَيْسَتْ بِعَجِيبَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما أعْجَبُ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ: مِن عِنْدِكَ، و( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بَآياتِنا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، والتَّنْوِينُ في ( رَحْمَةً ) إمّا لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِلتَّنْوِيعِ، وتَقْدِيمُ ( مِن لَدُنْكَ ) لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: رَحْمَةً مُخْتَصَّةً بِأنَّها مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ، وهي المَغْفِرَةُ في الآخِرَةِ والأمْنُ مِنَ الأعْداءِ والرِّزْقُ في الدُّنْيا ﴿وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ أيْ: أصْلِحْ لَنا، مِن قَوْلِكَ: هَيَّأْتُ الأمْرَ فَتَهَيَّأ، والمُرادُ بِأمْرِهِمُ الأمْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، وهو مُفارَقَتُهم لِلْكُفّارِ، والرَّشَدُ نَقِيضُ الضَّلالِ، و( مِن ) لِلِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّجْرِيدِ كَما في قَوْلِكَ رَأيْتُ مِنكَ رَشَدًا. وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِهِما.

﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَمْناهم.

والمَعْنى: سَدَدْنا آذانَهم بِالنَّوْمِ الغالِبِ عَلى سَماعِ الأصْواتِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: ضَرَبْنا عَلى آذانِهِمِ الحِجابَ تَشْبِيهًا لِلْإنامَةِ الثَّقِيلَةِ المانِعَةِ مِن وُصُولِ الأصْواتِ إلى الآذانِ بِضَرْبِ الحِجابِ عَلَيْها، و﴿فِي الكَهْفِ﴾ ظَرْفٌ لِضَرَبْنا، وانْتِصابُ ( سِنِينَ ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ، و( عَدَدًا ) صِفَةٌ لِسِنِينَ أيْ: ذَواتَ عَدَدٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ بِمَعْنى: مَعْدُودَةً عَلى أنَّهُ لِمَعْنى المَفْعُولُ، ويُسْتَفادُ مِن وصْفِ السِّنِينَ بِالعَدَدِ الكَثْرَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الشَّيْءَ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُ عَدَدِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى العَدَدِ، وإنْ كَثُرَ احْتاجَ إلى أنْ يُعَدَّ وقِيلَ: يُسْتَفادُ مِنهُ التَّقْلِيلُ؛ لِأنَّ الكَثِيرَ قَلِيلٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ . [الحج: ٤٧] .

( ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ ) أيْ: أيْقَظْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ؛ لِنَعْلَمَ أيْ: لِيَظْهَرَ مَعْلُومُنا، وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، و( ﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ ) مُبْتَدَأٌ مُعَلَّقٌ عَنْهُ العِلْمُ لِما في ( أيُّ ) مِن الِاسْتِفْهامِ، وخَبَرُهُ ( أحْصى ) وهو فِعْلٌ ماضٍ، قِيلَ: والمُرادُ بِالعِلْمِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً لِلْبَعْثِ هو الِاخْتِبارُ مَجازًا، فَيَكُونُ المَعْنى: بَعَثْناهم لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ ظُهُورُ مَعْلُومِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ، والمُرادُ بِالحِزْبَيْنِ الفَرِيقانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِن أصْحابِ الكَهْفِ المُخْتَلِفِينَ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ.

ومَعْنى ( أحْصى ) أضْبَطَ، وكَأنَّهُ وقَعَ بَيْنَهم تَنازُعٌ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ في الكَهْفِ، فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ لِيَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ، ويَظْهَرَ مَن ضَبَطَ الحِسابَ مِمَّنْ لَمْ يَضْبِطْهُ، و( ما ) في ( لِما لَبِثُوا ) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: أحْصى لِلُبْثِهِمْ، وقِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ، و( ما ) بِمَعْنى الَّذِي، و( أمَدًا ) تَمْيِيزٌ، والأمَدُ الغايَةُ، وقِيلَ: إنَّ أحْصى أفْعَلُ تَفْضِيلٍ.

ورُدَّ بِأنَّهُ خِلافُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الإعْرابِ، وما ورَدَ مِنَ الشّاذِّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: أفْلَسُ مِنِ ابْنِ المُذَلَّقِ، وأعْدى مِنَ الجَرَبِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ مِنَ المَزِيدِ قِياسٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وابْنِ عُصْفُورٍ، وقِيلَ: إنَّ الحِزْبَيْنِ هم أصْحابُ الكَهْفِ اخْتَلَفُوا بَعْدَ انْتِباهِهِمْ كَمْ لَبِثُوا، وقِيلَ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ حِزْبٌ وأصْحابَهم حِزْبٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِ أصْحابِ الكَهْفِ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ.

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ هَذا شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ﴾ أيْ: نَحْنُ نُخْبِرُكَ بَخَبَرِهِمْ ( بِالحَقِّ ) أيْ: قَصَصْناهُ بِالحَقِّ، أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ أيْ: أحْداثُ شُبّانٌ، و( ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ ) صِفَةٌ لِفِتْيَةٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ، والفِتْيَةُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وزِدْناهم هُدًى بِالتَّثْبِيتِ والتَّوْفِيقِ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.

﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: قَوَّيْناها بِالصَّبْرِ عَلى هَجْرِ الأهْلِ والأوْطانِ، وفِراقِ الخِلّانِ والأخْدانِ ( ﴿إذْ قامُوا﴾ ) الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِرَبَطْنا.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا القِيامِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ: إنَّهُمُ اجْتَمَعُوا وراءَ المَدِينَةِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم - هو أكْبَرُ القَوْمِ -: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا، إنَّ رَبِّي رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، فَقالُوا: ونَحْنُ أيْضًا كَذَلِكَ نَجِدُ في أنْفُسِنا، فَقامُوا جَمِيعًا ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ كانَ لَهم مَلِكٌ جَبّارٌ يُقالُ لَهُ: دِقْيانُوسُ، وكانَ يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الطَّواغِيتِ، فَثَبَّتَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ وعَصَمَهم حَتّى قامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِنَ النَّوْمِ ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ أيْ: لَنْ نَعْبُدَ مَعْبُودًا آخَرَ غَيْرَ اللَّهِ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا ذا شَطَطٍ، أوْ قَوْلًا هو نَفْسُ الشَّطَطِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، واللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والشَّطَطُ الغُلُوُّ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.

قالَ أعْشى بْنُ قَيْسٍ:

؎أتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ ∗∗∗ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفَتْلُ

﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ هَؤُلاءِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ اتَّخَذُوا، وقَوْمُنا: عَطْفُ بَيانٍ، وفي هَذا الإخْبارِ مَعْنى الإنْكارِ، وفي الإشارَةِ إلَيْهِمْ تَحْقِيرٌ لَهم ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ أيْ: هَلّا يَأْتُونَ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ تَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِها ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَزَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ.

﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: فارَقْتُمُوهم وتَنَحَّيْتُمْ عَنْهم جانِبًا، أيْ: عَنِ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (p-٨٥٢)الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، و( ما ) مَوْصُولٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمْ مَعْبُودَهم أوِ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ، وقَوْلُهُ: ( إلّا اللَّهَ ) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا إلّا الأصْنامَ، أوْ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم شَرَكُوها في العِبادَةِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هو كَلامٌ مُعْتَرِضٌ، إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنِ الفِتْيَةِ أنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ، فَتَكُونُ ( ما ) عَلى هَذا نافِيَةً ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ أيْ: صِيرُوا إلَيْهِ واجْعَلُوهُ مَأْواكم.

قالَ الفَرّاءُ: هو جَوابُ إذْ، ومَعْناهُ: اذْهَبُوا إلَيْهِ واجْعَلُوهُ مَأْواكم، وقِيلَ: هو دَلِيلٌ عَلى جَوابِهِ، أيْ: إذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمُ اعْتِزالًا اعْتِقادِيًا، فاعْتَزِلُوهُمُ اعْتِزالًا جُسْمانِيًّا، وإذا أرَدْتُمُ اعْتِزالَهم فافْعَلُوا ذَلِكَ بِالِالتِجاءِ إلى الكَهْفِ ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: يَبْسُطْ ويُوَسِّعْ ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ أيْ: يُسَهِّلْ ويُيَسِّرْ لَكم مِن أمْرِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ بِصَدَدِهِ مِرْفَقًا، المِرْفَقُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها لُغَتانِ قُرِئَ بِهِما، مَأْخُوذٌ مِن الِارْتِفاقِ وهو الِانْتِفاعُ، وقِيلَ: فَتْحُ المِيمِ أقْيَسُ، وكَسْرُها أكْثَرُ.

قالَ الفَرّاءُ: وأكْثَرُ العَرَبِ عَلى كَسْرِ المِيمِ مِنَ الأمْرِ ومِن مِرْفَقِ الإنْسانِ، وقَدْ تَفْتَحُ العَرَبُ المِيمَ فِيهِما فَهُما لُغَتانِ، وكَأنَّ الَّذِينَ فَتَحُوا أرادُوا أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المِرْفَقِ مِنَ الأمْرِ، والمِرْفَقِ مِنَ الإنْسانِ.

وقالَ الكِسائِيُّ: الكَسْرُ في مِرْفَقِ اليَدِ، وقِيلَ: المِرْفَقُ بِالكَسْرِ ما ارْتَفَقْتَ بِهِ، والمَرْفَقُ بِالفَتْحِ الأمْرُ الرّافِقُ، والمُرادُ هُنا ما يَرْتَفِقُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِحُصُولِهِ، والتَّقْدِيمُ في المَوْضِعَيْنِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّقِيمُ الكِتابُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: الرَّقِيمُ وادٍ دُونَ فِلَسْطِينَ قَرِيبٌ مِن أيْلَةَ، والرّاوِيانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ضَعِيفانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الجَبَلُ الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ، قالَ: واللَّهِ ما أدْرِي ما الرَّقِيمُ الكِتابُ أمْ بُنْيانٌ ؟ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى قالَ: وسَألْتُ كَعْبًا فَقالَ: اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي خَرَجُوا مِنها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: الرَّقِيمُ الكَلْبُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ يَقُولُ: الَّذِي آتَيْتُكَ مِنَ العِلْمِ والسُّنَّةِ والكِتابِ أفْضَلُ مِن شَأْنِ أصْحابِ الكَهْفِ والرَّقِيمِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ يَقُولُ: أرْقَدْناهم.

﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ مِن قَوْمِ الفِتْيَةِ أهْلِ الهُدى، وأهْلِ الضَّلالَةِ ﴿أحْصى لِما لَبِثُوا﴾، وذَلِكَ أنَّهم كَتَبُوا اليَوْمَ الَّذِي خَرَجُوا فِيهِ والشَّهْرَ والسَّنَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وزِدْناهم هُدًى﴾ قالَ: إخْلاصًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: بِالإيمانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ قالَ: كَذِبًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: جَوْرًا.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ قالَ: كانَ قَوْمُ الفِتْيَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ مَعَهُ آلِهَةً شَتّى، فاعْتَزَلَتِ الفِتْيَةُ عِبادَةَ تِلْكَ الآلِهَةِ ولَمْ تَعْتَزِلْ عِبادَةَ اللَّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَهَذا تَفْسِيرُها.

18:17–20Page 295

۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧

And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.

وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨

And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.

وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩

And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.

إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠

Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."

.

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ﴾ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ ما أوَوْا إلى الكَهْفِ ﴿تَزاوَرُ﴾ قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ بِحَذْفِ تاءِ التَّفاعُلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَزْوَرُّ ) قالَ الأخْفَشُ: لا يُوضَعُ الازْوِرارُ في هَذا المَعْنى، إنَّما يُقالُ: هو مُزْوَرٌّ عَنِّي: أيْ: مُنْقَبِضٌ.

وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الزّايِ وإدْغامِ تاءِ التَّفاعُلِ فِيهِ بَعْدَ تَسْكِينِها، وتَزاوَرَ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ، وهو المَيْلُ، ومِنهُ زارَهُ: إذا مالَ إلَيْهِ، والزَّوَرُ المَيْلُ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَمِيلُ وتَنْتَحِي ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ قالَ الرّاجِزُ الكَلْبِيُّ: جابَ المُنَدّا عَنْ هَوانا أزْوَرُ أيْ: مائِلٌ ذاتَ اليَمِينِ أيْ: ناحِيَةِ اليَمِينِ، وهي الجِهَةُ المُسَمّاةُ بِاليَمِينِ، وانْتِصابُ ( ذاتَ ) عَلى الظَّرْفِ، ﴿وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ القَرْضُ: القَطْعُ.

قالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ والزَّجّاجُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَعْدِلُ عَنْهم وتَتْرُكُهم. قَرَضْتُ المَكانَ: عَدَلْتَ عَنْهُ، تَقُولُ لِصاحِبِكَ: هَلْ ورَدْتَ مَكانَ كَذا ؟ فَيَقُولُ: إنَّما قَرَضْتُهُ: إذا مَرَّ بِهِ وتَجاوَزَ عَنْهُ، والمَعْنى: أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مالَتْ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ أيْ: يَمِينِ الكَهْفِ، وإذا غَرَبَتْ تَمُرُّ ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: شِمالِ الكَهْفِ لا تُصِيبُهُ.

بَلْ تَعْدِلُ عَنْ سِمَتِهِ إلى الجِهَتَيْنِ، والفَجْوَةُ المَكانُ المُتَّسِعُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ في مَكانٍ مُنْفَتِحٍ انْفِتاحًا واسِعًا في ظِلِّ جَمِيعِ نَهارِهِمْ، لا تُصِيبُهُمُ الشَّمْسُ في طُلُوعِها ولا في غُرُوبِها؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَجَبَها عَنْهم.

والثّانِي: أنَّ بابَ ذَلِكَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى جانِبِ الشِّمالِ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ كانَتْ عَنْ يَمِينِ الكَهْفِ، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَنْ يَسارِهِ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ فَإنَّ صَرْفَ الشَّمْسِ عَنْهم مَعَ تَوَجُّهِ الفَجْوَةِ إلى مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ عادَةً أنْسَبُ بِمَعْنى كَوْنِها آيَةً، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا (p-٨٥٣)إطْلاقُ الفَجْوَةِ وعَدَمُ تَقْيِيدِها بِكَوْنِها إلى جِهَةِ كَذا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَجْوَةَ المَكانُ الواسِعُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ألْبَسْتَ قَوْمَكَ مَخْزاةً ومَنقَصَةً ∗∗∗ حَتّى أُبِيحُوا وخَلَّوْا فَجْوَةَ الدّارِ

ثُمَّ أثْنى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ الَّذِي ظَفِرَ بِالهُدى وأصابَ الرُّشْدَ والفَلاحَ ﴿ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ أيْ: ناصِرًا يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ كَدِقْيانُوسَ وأصْحابِهِ.

ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ طَرَفًا آخَرَ مِن غَرائِبِ أحْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا﴾ جَمْعُ يَقِظٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِها ﴿وهم رُقُودٌ﴾ أيْ: نِيامٌ، وهو جَمْعُ راقِدٍ كَقُعُودٍ في قاعِدٍ.

قِيلَ: وسَبَبُ هَذا الحُسْبانِ أنَّ عُيُونَهم كانَتْ مُفَتَّحَةً وهم نِيامٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ ﴿ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: نُقَلِّبُهم في رَقْدَتِهِمْ إلى الجِهَتَيْنِ؛ لِئَلّا تَأْكُلَ الأرْضُ أجْسادَهم ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ لا يَعْمَلُ إذا كانَ بِمَعْنى المُضِيِّ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.

قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَرَبُوا مِن مَلِكِهِمْ لَيْلًا، فَمَرُّوا بِراعٍ مَعَهُ كَلْبٌ فَتَبِعَهم.

و( الوَصِيدِ )، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو عُبَيْدَةَ هو فِناءُ البابِ، وكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وقِيلَ: العَتَبَةُ، ورُدَّ بِأنَّ الكَهْفَ لا يَكُونُ لَهُ عَتَبَةٌ ولا بابٌ، وإنَّما أرادَ أنَّ الكَلْبَ مَوْضِعُ العَتَبَةَ مِنَ البَيْتِ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( فِرارًا ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِمَعْنى التَّوْلِيَةِ، والفِرارُ: الهَرَبُ ﴿ولَمُلِئْتَ﴾ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ وتَخْفِيفِها ﴿مِنهم رُعْبًا﴾ قُرِئَ بِسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّها أيْ: خَوْفًا يَمْلَأُ الصَّدْرَ، وانْتِصابُ رُعْبًا عَلى التَّمْيِيزِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وسَبَبُ الرُّعْبِ الهَيْبَةُ الَّتِي ألْبَسَهُمُ اللَّهُ إيّاها، وقِيلَ: طُولُ أظْفارِهِمْ وشُعُورِهِمْ، وعِظَمُ أجْرامِهِمْ ووَحْشَةُ مَكانِهِمْ، ويَدْفَعُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا مِن حالِهِمْ شَيْئًا، ولا وجَدُوا مِن أظْفارِهِمْ وشُعُورِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى طُولِ المُدَّةِ.

﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم﴾ الإشارَةُ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ أيْ: وكَما فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا مِنَ الكَراماتِ بَعَثْناهم مِن نَوْمِهِمْ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى الإماتَةِ والبَعْثِ جَمِيعًا، ثُمَّ ذَكَرَ الأمْرَ الَّذِي لِأجْلِهِ بَعَثَهم فَقالَ: لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم. أيْ: لِيَقَعَ التَّساؤُلُ بَيْنَهم والِاخْتِلافُ والتَّنازُعُ في مُدَّةِ اللُّبْثِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنِ انْكِشافِ الحالِ وظُهُورِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ، والِاقْتِصارُ عَلى عِلَّةِ التَّساؤُلِ لا يَنْفِي غَيْرَها، وإنَّما أفْرَدَهُ لِاسْتِتْباعِهِ لِسائِرِ الآثارِ، وجُمْلَةُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ التَّساؤُلِ أيْ: كَمْ مُدَّةُ لُبْثِكم في النَّوْمِ ؟ قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم رَأوْا في أنْفُسِهِمْ غَيْرَ ما يَعْهَدُونَهُ في العادَةِ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن سَألَ مِنهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً، وبَعَثَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ آخِرَ النَّهارِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: يَوْمًا، فَلَمّا رَأوُا الشَّمْسَ قالُوا: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وكانَ قَدْ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنَ النَّهارِ، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا الجَوابِ في قِصَّةِ عُزَيْرٍ في البَقَرَةِ ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: قالَ البَعْضُ الآخَرُ هَذا القَوْلَ: إمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، أوْ كانَ ذَلِكَ إلْهامًا لَهم مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ: أنَّكم لا تَعْلَمُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم، وإنَّما يَعْلَمُها اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ أعْرَضُوا عَنِ التَّحاوُرِ في مُدَّةِ اللُّبْثِ، وأخَذُوا في شَيْءٍ آخَرَ، كَأنَّهُ قالَ القائِلُ مِنهم: اتْرُكُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ المُحاوَرَةِ، وخُذُوا في شَيْءٍ آخَرَ مِمّا يُهِمُّكم، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والوَرِقُ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةٌ أوْ غَيْرُ مَضْرُوبَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الرّاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِها، وقُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الرّاءِ.

وفِي حَمْلِهِمْ لِهَذِهِ الوَرِقِ مَعَهم دَلِيلٌ عَلى أنَّ إمْساكَ بَعْضِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ، و( المَدِينَةِ ) دَقْسْوسُ، وهي مَدِينَتُهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها، ويُقالُ لَها اليَوْمَ: طَرَسُوسُ، كَذا قالَ الواحِدِيُّ ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ أيْ: يَنْظُرْ أيَّ أهْلِها أطْيَبَ طَعامًا، وأحَلَّ مَكْسَبًا، أوْ أرْخَصَ سِعْرًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الأطْعِمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها في المَقامِ كَما يُقالُ: زَيْدٌ طِبْتَ أبًا. عَلى أنَّ الأبَ هو زَيْدٌ، وفِيهِ بُعْدٌ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى حِلِّ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ عامَّةَ أهْلِ المَدِينَةِ كانُوا كُفّارًا، وفِيهِمْ قَوْمٌ يُخْفُونَ إيمانَهم، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الطَّعامَ يَتَناوَلُ اللَّحْمَ كَما يَتَناوَلُ غَيْرَهُ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّعامِ ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ أيْ: يُدَقِّقِ النَّظَرَ حَتّى لا يُعْرَفَ أوْ لا يُغْبَنَ، والأُولى أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ أيْ: لا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشُّعُورِ ويَتَسَبَّبُ لَهُ، فَهَذا النَّهْيُ يَتَضَمَّنُ التَّأْكِيدَ لِلْأمْرِ بِالتَّلَطُّفِ.

ثُمَّ عَلَّلَ ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ فَقالَ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَطَّلِعُوا عَلَيْكم ويَعْلَمُوا بِمَكانِكم، يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ، وهَذِهِ القَتْلَةُ هي أخْبَثُ قَتْلَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ كانَ عادَةً لَهم، ولِهَذا خَصَّهُ مِن بَيْنِ أنْواعِ ما يَقَعُ بِهِ القَتْلُ ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أيْ: يَرُدُّوكم إلى مِلَّتِهِمُ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَهْدِيَكُمُ اللَّهُ، أوِ المُرادُ بِالعَوْدِ هُنا الصَّيْرُورَةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى مِلَّتِهِمْ، وإيثارُ كَلِمَةِ ( في ) عَلى كَلِمَةِ ( إلى ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْرارِ ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ في ( إذًا ) مَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ رَجَعْتُمْ إلى دِينِهِمْ فَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَزاوَرُ﴾ قالَ: تَمِيلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ قالَ: تَذَرُهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَقْرِضُهم﴾ قالَ: تَتْرُكُهم ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ قالَ: المَكانُ الدّاخِلُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الفَجْوَةُ: الخَلْوَةُ مِنَ الأرْضِ، ويَعْنِي بِالخَلْوَةِ النّاحِيَةَ مِنَ الأرْضِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُهم﴾ الآيَةَ قالَ: سِتَّةُ أشْهُرٍ عَلى ذِي الجَنْبِ اليَمِينِ، وسِتَّةُ أشْهُرٍ عَلى ذِي الجَنْبِ الشِّمالِ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: كَيْ لا تَأْكُلَ الأرْضُ (p-٨٥٤)لُحُومَهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اسْمَ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: اسْمُهُ قِطْمِيرٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِالوَصِيدِ﴾ قالَ: بِالفِناءِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: بِالبابِ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أزْكى طَعامًا﴾ قالَ: أحَلُّ ذَبِيحَةً، وكانُوا يَذْبَحُونَ لِلطَّواغِيتِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿أزْكى طَعامًا﴾: يَعْنِي أطْهَرَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَ لِلطَّواغِيتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском