Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:45–53
18:45–46Page 298
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥
And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.
ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦
Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.
.
ثُمَّ ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا آخَرَ لِجَبابِرَةِ قُرَيْشٍ فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: اذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُ الحَياةَ الدُّنْيا في حُسْنِها ونَضارَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها؛ لِئَلّا يَرْكَنُوا إلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَثَلُ في سُورَةِ يُونُسَ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ هَذا المَثَلَ فَقالَ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المَفْعُولَ الثّانِيَ لِقَوْلِهِ: ( اضْرِبْ ) عَلى جَعْلِهِ بِمَعْنى صَيِّرْ ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيِ: اخْتَلَطَ بِالماءِ نَباتُ الأرْضِ حَتّى اسْتَوى، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ النَّباتَ اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حِينِ نَزَلَ عَلَيْهِ الماءُ؛ لِأنَّ النَّباتَ إنَّما يَخْتَلِطُ ويَكْثُرُ بِالمَطَرِ، فَتَكُونُ الباءُ في ( بِهِ ) سَبَبِيَّةً، ( فَأصْبَحَ ) النَّباتُ ( هَشِيمًا ) الهَشِيمُ الكَسِيرُ، وهو مِنَ النَّباتِ ما تَكَسَّرَ بِسَبَبِ انْقِطاعِ الماءِ عَنْهُ وتَفَتَّتَ، ورَجُلٌ هَشِيمٌ: ضَعِيفُ البَدَنِ، وتَهَشَّمَ عَلَيْهِ فُلانٌ: إذا تَعَطَّفَ، واهْتَشَمَ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا احْتَلَبَهُ، وهَشَّمَ الثَّرِيدَ: كَسَّرَهُ وثَرَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزَّبْعَرِيِّ:
؎عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
( تَذْرُوهُ الرِّياحُ ) تُفَرِّقُهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: ( تَذْرُوهُ ) تَنْسِفُهُ، وقالَ ابْنُ كِيسانَ: تَذْهَبُ بِهِ وتَجِيءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( تَذْرِيهِ الرِّيحُ ) قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( تَذْرِيهِ ) يُقالُ: ذَرَتْهُ الرِّيحُ تَذْرُوهُ، وأذْرَتْهُ تُذْرِيهِ.
وحَكى الفَرّاءُ: أذْرَيْتُ الرَّجُلَ عَنْ فَرَسِهِ أيْ: قَلَبْتُهُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ يُحْيِيهِ ويُفْنِيهِ بِقُدْرَتِهِ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ.
﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هَذا رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ الَّذِينَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالمالِ والغِنى والأبْناءِ، فَأخْبَرَهم سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُتَزَيَّنُ بِهِ في الدُّنْيا لا مِمّا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقالَ ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم﴾ [التغابن: ١٤] . ولِهَذا عَقَّبَ هَذِهِ الزِّينَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ أيْ: أعْمالُ الخَيْرِ، وهي ما كانَ يَفْعَلُهُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ مِنَ الطّاعاتِ ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ أيْ: أفْضَلُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ بِالمالِ والبَنِينِ ثَوابًا وأكْثَرُ عائِدَةً ومَنفَعَةً لِأهْلِها ( وخَيْرٌ أمَلًا ) أيْ: أفْضَلُ أمَلًا، يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِأهْلِها مِنَ الأمَلِ أفْضَلُ مِمّا يُؤَمِّلُهُ أهْلُ المالِ والبَنِينَ؛ لِأنَّهم يَنالُونَ بِها في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِمّا كانَ يُؤَمِّلُهُ هَؤُلاءِ الأغْنِياءُ في الدُّنْيا، ولَيْسَ في زِينَةِ الدُّنْيا خَيْرٌ حَتّى تُفَضَّلَ عَلَيْها الآخِرَةُ، ولَكِنَّ هَذا التَّفْضِيلَ خَرَجَ مَخْرَجَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والظّاهِرُ أنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ كُلُّ عَمَلِ خَيْرٍ، فَلا وجْهَ لِقَصْرِها عَلى الصَّلاةِ كَما قالَ البَعْضُ، ولا لِقَصْرِها عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ الذِّكْرِ كَما قالَهُ بَعْضٌ آخَرُ، ولا عَلى ما كانَ يَفْعَلُهُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ بِاعْتِبارِ السَّبَبِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّ تَفْسِيرَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ في الأحادِيثِ بِما سَيَأْتِي لا يُنافِي إطْلاقَ هَذا اللَّفْظِ عَلى ما هو عَمَلٌ صالِحٌ مِن غَيْرِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ( ﴿المالُ والبَنُونَ﴾ ) حَرْثُ الدُّنْيا، والعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ، وقَدْ جَمَعَهُما اللَّهُ لِأقْوامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ ) قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، قِيلَ: وما هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: التَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ، والتَّسْبِيحُ، والتَّحْمِيدُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ شاهِينَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هُنَّ الباقِياتُ الصّالِحاتُ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «خُذُوا جُنَّتَكم، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن أيِّ عَدُوٍّ قَدْ حَضَرَ ؟ قالَ: بَلْ جُنَّتُكم مِنَ النّارِ قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، فَإنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مُقَدِّماتٍ مُعَقِّباتٍ ومُجَنِّباتٍ، وهي الباقِياتُ الصّالِحاتُ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانَ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا وإنَّ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ الباقِياتُ الصّالِحاتُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا، وزادَ التَّكْبِيرَ وسَمّاهُنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي (p-٨٦٣)هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وزادَتْ: «ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ دُونَ الحَوْقَلَةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ جُنادَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ نَحْوَهُ.
وكُلُّ هَذِهِ الأحادِيثِ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها الباقِياتُ الصّالِحاتُ، وأمّا ما ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِها المُرادَّةَ في الآيَةِ فَأحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا فائِدَةَ في ذِكْرِها هُنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِن طاعَةِ اللَّهِ، فَهو مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.
18:47–53Page 299
وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧
And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨
And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."
وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩
And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.
۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١
I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.
وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢
And [warn of] the Day when He will say, "Call My 'partners' whom you claimed," and they will invoke them, but they will not respond to them. And We will put between them [a valley of] destruction.
وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣
And the criminals will see the Fire and will be certain that they are to fall therein. And they will not find from it a way elsewhere.
.
وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( تُسَيَّرُ ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الجِبالِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ ( تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الجِبالَ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والجِبالَ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويُناسِبُ القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويُناسِبُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، واخْتارَ القِراءَةَ الثّالِثَةَ أبُو عُبَيْدَةَ لِأنَّها المُناسِبَةُ لِقَوْلِهِ: ( وحَشَرْناهم ) قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: التَّقْدِيرُ: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ. وقِيلَ: العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ، ومَعْنى تَسْيِيرِ الجِبالِ إزالَتُها مِن أماكِنِها وتَسْيِيرُها كَما تَسِيرُ السَّحابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ تَعُودُ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ كَما قالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، ومَعْنى بُرُوزِها ظُهُورُها وزَوالُ ما يَسْتُرُها مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والبُنْيانِ، وقِيلَ: المَعْنى بِبُرُوزِها: بُرُوزُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقالَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] فَيَكُونُ المَعْنى: وتَرى الأرْضَ بارِزًا ما في جَوْفِها ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: الخَلائِقَ، ومَعْنى الحَشْرِ الجَمْعُ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ: إذا تَرَكَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ:
؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَنْدَلِ
أيْ: تَرَكْتُهُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّ الغادِرَ تَرَكَ الوَفاءَ لِلْمَغْدُورِ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَ الغَدِيرُ غَدِيرًا؛ لِأنَّ الماءَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنهُ غَدائِرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها.
﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انْتِصابُ ( صَفًّا ) عَلى الحالِ أيْ: مَصْفُوفِينَ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ، وقِيلَ: عُرِضُوا صَفًّا واحَدًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أيْ: جَمِيعًا، وقِيلَ: قِيامًا.
وفِي الآيَةِ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ الجَيْشِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى السُّلْطانِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، والكافُ في ( كَما خَلَقْناكم ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ أنْ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ كائِنَيْنِ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: حُفاةً عُراةً غُرُلًّا، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بَعَثْناكم وأعَدْناكم كَما خَلَقْناكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) مَعْناهُ: بَعَثْناكم ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ هَذا إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو خِطابٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، وأنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا نُجازِيكم بِأعْمالِكم ونُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ.
وجُمْلَةُ ( ووُضِعَ الكِتابُ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى عُرِضُوا، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والوَضْعُ إمّا حِسِّيٌّ بِأنْ يُوضَعَ صَحِيفَةُ كُلِّ واحِدٍ في يَدِهِ، السَّعِيدُ في يَمِينِهِ، والشَّقِيُّ في شِمالِهِ، أوْ في المِيزانِ.
وإمّا عَقْلِيٌّ أيْ: أظْهَرَ عَمَلَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالحِسابِ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا في الكِتابِ المَوْضُوعِ لِما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن الِافْتِضاحِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، والمُجازاةِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا﴾ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ لِوُقُوعِهِمْ في الهَلاكِ، ومَعْنى هَذا النِّداءِ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في المائِدَةِ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ لَهُ، لا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً إلّا حَواها وضَبَطَها وأثْبَتَها ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، أوْ وجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا ﴿حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا مِن عِبادِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُنْقِصُ فاعِلَ الطّاعَةِ مِن أجْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى أرْبابِ الخُيَلاءِ مِن (p-٨٦٤)قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ واسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمُ: اسْجُدُوا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ( فَسَجَدُوا ) طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ وامْتِثالًا لِطَلَبِهِ السُّجُودَ ( إلّا إبْلِيسَ ) فَإنَّهُ أبى واسْتَكْبَرَ ولَمْ يَسْجُدْ، وجُمْلَةُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ سَبَبِ عِصْيانِهِ، وأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِهَذا عَصى، ومَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها لِخُرُوجِها مِنهُ.
قالَ النَّحّاسُ: اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ الفِسْقِ أمْرَ رَبِّهِ. كَما تَقُولُ: أُطْعِمُهُ عَنْ جُوعٍ. والقَوْلُ الآخَرُ قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: فَسَقَ عَنْ تَرْكِ أمْرِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَجَّبَ مِن حالِ مَن أطاعَ إبْلِيسَ في الكُفْرِ والمَعاصِي وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أعُقَيْبَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الإباءِ والفِسْقِ تَتَّخِذُونَهُ وتَتَّخِذُونَ ذُرِّيَّتَهُ أيْ: أوْلادَهُ، وقِيلَ: أتْباعُهُ، مَجازًا ( أوْلِياءَ مِن دُونِي ) فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي، والحالُ أنَّهم، أيْ: إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ( لَكم عَدُوٌّ ) أيْ: أعْداءٌ. وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالمَصادِرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ( هُمُ العَدُوُّ ) [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ وتَسْتَبْدِلُونَ بِمَن خَلَقَكم وأنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، بِمَن لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ مَنفَعَةٌ قَطُّ، بَلْ هو عَدُوٌّ لَكم يَتَرَقَّبُ حُصُولَ ما يَضُرُّكم في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُسْتَبْدِلِينَ بِطاعَةِ رَبِّهِمْ طاعَةَ الشَّيْطانِ، فَبِئْسَ ذَلِكَ البَدَلُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوهُ بَدَلًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلشُّرَكاءِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ كانُوا شُرَكاءَ لِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ لَكانُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ ذَلِكَ مُشارِكِينَ لِي فِيهِ، ولَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولا أشْهَدْتُهم إيّاهُ أنا فَلَيْسُوا لِي بِشُرَكاءَ.
وهَذا اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ المُساوِي عَلى انْتِفاءِ اللّازِمِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ التَمَسُوا طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّهم ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وما اعْتَضَدْتُ بِهِمْ، بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، والأوَّلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أوْلى لِما يَلْزَمُ في الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ما أشْهَدْناهم ) وقَرَأ الباقُونَ ( ما أشْهَدْتُهم ) ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيًرًا في مَعْنى العَوْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَضُدَ قِوامُ اليَدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُعِينُكَ ونُقَوِّيكَ بِهِ، ويُقالُ: أعَضَدْتُ بِفُلانٍ: إذا اسْتَعَنْتَ بِهِ، وذَكَرَ العَضُدَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، وخَصَّ المُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ.
والمَعْنى: ما اسْتَعَنْتُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِمْ ولا شاوَرْتُهم وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الشَّياطِينَ أوِ الكافِرِينَ أعْوانًا، ووَحَّدَ العَضُدَ لِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الجَحْدَرِيُّ: ( وما كُنْتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ مُتَّخِذًا لَهم عَضُدًا ولا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ. وفي ( عَضُدَ ) لُغاتٌ ثَمانٍ أفْصَحُها فَتْحُ العَيْنِ وضَمُّ الضّادِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( عُضُدًا ) بِضَمِّ العَيْنِ والضّادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ بِفَتْحِهِما، ولُغَةُ تَمِيمٍ فَتْحُ العَيْنِ وسُكُونُ الضّادِ.
ثُمَّ عادَ إلى تَرْهِيبِهِمْ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَنْفَعُونَكم ويَشْفَعُونَ لَكم، وأضافَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ جَرْيًا عَلى ما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ( فَدَعَوْهم ) أيْ: فَعَلُوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن دُعاءِ الشُّرَكاءِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذْ ذاكَ أيْ: لَمْ يَقَعْ مِنهم مُجَرَّدُ الِاسْتِجابَةِ لَهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْفَعُوهم أوْ يَدْفَعُوا عَنْهم ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَن جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ مَوْبِقًا، ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ اسْمُ وادٍ عَمِيقٍ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ - تَعالى - بَيْنَهم، وعَلى هَذا فَهو اسْمُ مَكانٍ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ حاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو مَوْبِقٌ. وقالَ الفَرّاءُ: المَوْبِقُ المُهْلِكُ.
والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مُهْلِكًا لَهم في الآخِرَةِ، يُقالُ: وبِقَ يَوْبَقُ فَهو وبَقٌ، هَكَذا ذَكَرَهُ الفَرّاءُ في المَصادِرِ.
وحَكى الكِسائِيُّ وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا فَهو وابِقٌ، والمُرادُ بِالمُهْلِكِ عَلى هَذا هو عَذابُ النّارِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ.
والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما زَعَمُوا أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرَ والمَسِيحَ، فالمَوْبِقُ هو المَكانُ الحائِلُ بَيْنَهم.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْبِقُ هُنا المَوْعِدُ لِلْهَلاكِ، وقَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ أوْبَقَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ
ولَكِنَّ المُناسِبَ لِمَعْنى الآيَةِ هو المَعْنى الأوَّلُ.
﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ المُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ الذَّمِّ لَهم بِهَذا الوَصْفِ المُسَجَّلِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ.
والمُواقَعَةُ المُخالَطَةُ بِالوُقُوعِ فِيها، وقِيلَ: إنِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ ظَنًّا ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إلَيْهِ، أوِ انْصِرافًا؛ لِأنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: المَصْرِفُ المَوْضِعُ الَّذِي يُنْصَرَفُ إلَيْهِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ، أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، (p-٨٦٥)وقِيلَ: مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ في الجَمِيعِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ: لَيْسَ عَلَيْها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ الضَّحِكُ.
وزادَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ.
وأقُولُ: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِصِغَرٍ، وكُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِالكِبَرِ، فَلا يَبْقى مِنَ الذُّنُوبِ شَيْءٌ إلّا أحْصاهُ اللَّهُ وما كانَ مِنَ الذُّنُوبِ مُلْتَبِسًا بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، فَذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَبِيلَةً يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، فَكانَ إبْلِيسُ مِنهم، وكانَ يُوَسْوِسُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعَصى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا رَجِيمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانَ خازِنَ الجِنانِ، فَسُمِّيَ بِالجانِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرَفِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ( كانَ مِنَ الجِنِّ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصَّلُ الإنْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ الشَّياطِينَ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَعِي هَذا ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قالَ: الشَّياطِينُ عَضُدًا، قالَ: ولا اتَّخَذْتُهم عَضُدًا عَلى شَيْءٍ عَضَّدُونِي عَلَيْهِ فَأعانُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ قالَ: عَلِمُوا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences