Ash-ShawkaniMaryam · 19:41–50

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:41–50

19:41–50Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١

And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢

[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?

يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣

O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.

يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤

O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.

يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥

O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦

[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧

[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.

وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨

And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."

فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩

So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.

وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠

And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.

.

قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ.

وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ.

ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ.

ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ.

قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ.

ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ.

وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ.

فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا.

قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ:

؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا

وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ

؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ

وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً.

وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ.

ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا.

قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا.

والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ.

﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском