Ash-ShawkaniAl‑Baqarah · 2:168–176

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:168–176

2:168–171Page 25

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

(p-١٠٩)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ.

حَكّاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

وقَوْلُهُ: ( حَلالًا ) مَفْعُولٌ أوْ حالٌ، وسُمِّيَ الحَلّالُ حَلالًا لِانْحِلالِ عُقْدَةِ الحَظْرِ عَنْهُ.

والطَّيِّبُ هُنا هو المُسْتَلَذُّ كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.

وقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: هو الحَلالُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: حَلالًا.

و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ لِلْقَطْعِ بِأنَّ في الأرْضِ ما هو حَرامٌ و( خُطُواتِ ) جَمْعُ خُطْوَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ، وهي بِالفَتْحِ لِلْمَرَّةِ، وبِالضَّمِّ لِما بَيْنَ القَدَمَيْنِ.

وقَرَأ الفَرّاءُ " خَطُؤاتِ " بِفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ أبُو سِماكٍ بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ وقَتادَةُ والأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والأعْمَشُ " خُطُؤاتِ " بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ والهَمْزِ عَلى الواوِ.

قالَ الأخْفَشُ: وذَهَبُوا بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطِيَّةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ: المَرَّةُ الواحِدَةُ، والجَمْعُ خُطُواتٌ وخُطًا. انْتَهى.

والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لا تَقْفُوا أثَرَ الشَّيْطانِ وعَمَلَهُ، وكُلُّ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فَهو مَنسُوبٌ إلى الشَّيْطانِ، وقِيلَ: هي النُّذُورُ والمَعاصِي، والأوْلى التَّعْمِيمُ وعَدَمُ التَّخْصِيصِ بِفَرْدٍ أوْ نَوْعٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ .

وقَوْلُهُ: ( بِالسُّوءِ ) سُمِّيَ السُّوءُ سُوءًا لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ بِسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهو مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوْءًا ومَساءَةً: إذا أحْزَنَهُ.

والفَحْشاءُ أصْلُهُ سُوءُ المَنظَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشِ

ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَقْبُحُ مِنَ المَعانِي، وقِيلَ: السُّوءُ: القَبِيحُ، والفَحْشاءُ: التَّجاوُزُ لِلْحَدِّ في القُبْحِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والفَحْشاءُ: ما فِيهِ الحَدُّ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ الزِّنا، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما نَهَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، ونَحْوَهِما مِمّا جَعَلُوهُ شَرْعًا، وقِيلَ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، بِغَيْرِ عِلْمٍ.

والظّاهِرُ أنَّهُ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما قِيلَ في الشَّرْعِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، أوْ ظاهِرٌ مِنَ الأعْيانِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ فَأصْلُهُ الحِلُّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وأوْضَحُ دِلالَةٍ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ .

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ، لِأنَّ الكُفّارَ مِنهم، وهُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وقِيلَ: كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً، و( ألْفَيْنا ) مَعْناهُ وجَدْنا، والألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ، وفُتِحَتِ الواوُ لِأنَّها واوُ العَطْفِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الذَّمِّ لِلْمُقَلِّدِينَ والنِّداءِ بِجَهْلِهِمُ الفاحِشِ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الآيَةَ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّقْلِيدِ، والمَنعِ مِنهُ، والبَحْثُ في ذَلِكَ يَطُولُ.

وقَدْ أفْرَدْتُهُ بِمُؤَلَّفٍ مُسْتَقِلٍّ سَمَّيْتُهُ [ القَوْلُ المُفِيدُ في حُكْمِ التَّقْلِيدِ ] واسْتَوْفَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في [ أدَبُ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ ] .

وقَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فِيهِ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ، وداعِيهِمْ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ بِالرّاعِي الَّذِي يَنْعِقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا يُسْمِعُ إلّا دُعاءً ونِداءً ولا يُفْهَمُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ وسِيبَوَيْهِ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُشَبَّهُوا بِالنّاعِقِ، إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنعُوقِ بِهِ، والمَعْنى: مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْهَمُ. فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.

وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ ما لا يَفْهَمُ، يَعْنِي الأصْنامَ، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا نَعَقَ بِغَنَمِهِ وهو لا يَدْرِي أيْنَ هي وبِهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمُ الآلِهَةَ الجَمادَ كَمَثَلِ الصّائِحِ في جَوْفِ اللَّيْلِ فَيُجِيبُهُ الصَّدى فَهو يَصِيحُ بِما لا يَسْمَعُ، ويُجِيبُهُ ما لا حَقِيقَةَ فِيهِ.

والنَّعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِّياحُ بِها، يُقالُ: نَعَقَ الرّاعِي بِغَنَمِهِ يَنْعِقُ نَعِيقًا ونُعاقًا، أيْ صاحَ بِها وزَجَرَها، والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِراعِي الغَنَمِ في الجَهْلِ ويَقُولُونَ: أجْهَلُ مِن راعِي الضَّأْنِ.

وقَوْلُهُ: ( صُمٌّ ) وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، يَعْنِي: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، فَقالَ: يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ فَما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: عَمَلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما خالَفَ القُرْآنَ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: خُطاهُ.

وأخْرَجا أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هي نَزَغاتُ الشَّيْطانِ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هي تَزْيِينُ الشَّيْطانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أتى بِضَرْعٍ ومِلْحٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوَلُوا صاحِبَكم: فَقالَ: لا أُرِيدُ، فَقالَ: (p-١١٠)أصائِمٌ أنْتَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَما شَأْنُكَ ؟ قالَ: حَرَّمْتُ عَلى نَفْسِي أنْ آكُلَ ضَرْعًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِياثٍ قالَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أنْ يَجْعَلَ في أنْفِهِ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: هي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا يَزالُ عاصِيًا لِلَّهِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ جَعَلَ يَمِينَ مَن حَلَفَ أنْ يَحُجَّ حَبْوًا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: هي النُّذُورُ في المَعاصِي.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ﴾ قالَ: المَعْصِيَةُ. ( والفَحْشاءِ ) قالَ: الزِّنا.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ ونِقْمَتَهُ، فَقالَ لَهُ» رافِعُ بْنُ خارِجَةَ ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتَّبِعُ يا مُحَمَّدُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا فَهم كانُوا أعْلَمَ وخَيْرًا مِنّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ألْفَيْنا قالا: وجَدْنا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَمَثَلِ البَقَرِ والحِمارِ والشّاةِ إنْ قُلْتَ لِبَعْضِهِمْ كَلامًا لَمْ يَعْلَمْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ، وكَذَلِكَ الكافِرُ إنْ أمَرْتَهُ بِخَيْرٍ أوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ أوْ وعَظْتَهُ لَمْ يَعْقِلْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ.

ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أخْرَجَهُ وكِيعٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ لِي عَطاءٌ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ .

2:172–173Page 26

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ هُنا لِكَوْنِهِمْ أفْضَلَ أنْواعِ النّاسِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالأكْلِ الِانْتِفاعُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأكْلُ المُعْتادُ، وهو الظّاهِرُ.

قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ يُقالُ شَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ كَما يُفِيدُهُ تَقَدُّمُ المَفْعُولِ.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " حُرِّمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( إنَّما ) كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ ما تَناوَلَهُ الخِطابُ وتَنْفِي ما عَداهُ.

وقَدْ حَصَرَتْ هاهُنا التَّحْرِيمَ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها.

قَوْلُهُ: ( المَيْتَةَ ) قَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يَجْعَلُ " ما " في ( إنَّما ) مَوْصُولَةً مُنْفَصِلَةً في الخَطِّ، والمَيْتَةَ وما بَعْدَها خَبَرَ المَوْصُولِ، وقِراءَةُ الجَمِيعِ بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ ( المَيِّتَةَ ) بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ يَجُوزُ في مَيِّتٍ التَّخْفِيفُ والتَّشْدِيدُ.

والمَيْتَةُ ما فارَقَها الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ.

وقَدْ خُصِّصَ هَذا العُمُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ» .

وأخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، ومِثْلُ حَدِيثِ جابِرٍ في العَنْبَرِ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ فالمُرادُ بِالمَيْتَةِ هُنا مَيْتَةُ البَرِّ لا مَيْتَةُ البَحْرِ.

وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى جَوازِ أكْلِ جَمِيعِ حَيَواناتِ البَحْرِ حَيِّها ومَيِّتِها.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ يَحْرُمُ مِن حَيَواناتِ البَحْرِ ما يَحْرُمُ شَبَهُهُ في البَرِّ، وتَوَقَّفَ ابْنُ حَبِيبٍ في خِنْزِيرِ الماءِ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: وأنا أتَّقِيهِ ولا أراهُ حَرامًا.

قَوْلُهُ: ( والدَّمَ ) قَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الدَّمَ حَرامٌ، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ لِأنَّ ما خُلِطَ بِاللَّحْمِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.

وقَدْ رَوَتْ «عائِشَةُ أنَّها كانَتْ تَطْبُخُ اللَّحْمَ فَتَعْلُو الصُّفْرَةُ عَلى البُرْمَةِ مِنَ الدَّمِ، فَيَأْكُلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ولا يُنْكِرُهُ» .

قَوْلُهُ: ﴿ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو اللَّحْمُ فَقَطْ.

وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ كَما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ اللَّحْمَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الشَّحْمُ.

وحَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ أيْضًا عَلى أنَّ جُمْلَةَ الخِنْزِيرِ مُحَرَّمَةٌ إلّا الشَّعَرَ فَإنَّهُ تَجُوزُ الخِرازَةُ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الإهْلالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، يُقالُ: أهَلَّ بِكَذا، أيْ رَفَعَ صَوْتَهُ.

قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ فَلاةً:

؎تُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرُ

وقالَ النّابِغَةُ:

؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ

ومِنهُ إهْلالُ الصَّبِيِّ، واسْتِهْلالُهُ: وهو صِياحُهُ عِنْدَ وِلادَتِهِ.

والمُرادُ هُنا: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ كاللّاتِ والعُزّى إذا كانَ الذّابِحُ وثَنِيًّا، والنّارِ إذا كانَ الذّابِحُ مَجُوسِيًّا.

ولا خِلافَ في تَحْرِيمِ هَذا وأمْثالِهِ، ومِثْلُهُ ما يَقَعُ مِنَ المُعْتَقِدِينَ لِلْأمْواتِ مِنَ الذَّبْحِ عَلى قُبُورِهِمْ، فَإنَّهُ مِمّا أُهِلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الذَّبْحِ لِلْوَثَنِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ لِلْإتْباعِ وبِكَسْرِها عَلى الأصْلِ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وفِيهِ إضْمارٌ، أيْ فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِ الطّاءِ.

والمُرادُ مَن صَيَّرَهُ الجُوعُ والعَدَمُ إلى الِاضْطِرارِ إلى المَيْتَةِ.

قَوْلُهُ: غَيْرَ باغٍ نُصِبَ عَلى الحالِ.

قِيلَ المُرادُ بِالباغِي: مَن يَأْكُلُ فَوْقَ حاجَتِهِ، والعادِي: مَن يَأْكُلُ هَذِهِ المُحَرَّماتِ وهو يَجِدُ عَنْها مَندُوحَةً، وقِيلَ: غَيْرَ باغٍ عَلى (p-١١١)المُسْلِمِينَ وعادٍ عَلَيْهِمْ، فَيَدْخُلُ في الباغِي والعادِي قُطّاعُ الطَّرِيقِ والخارِجُ عَلى السُّلْطانِ وقاطِعُ الرَّحِمِ ونَحْوُهم، وقِيلَ: المُرادُ: غَيْرَ باغٍ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ ولا عادٍ سَدَّ الجَوْعَةَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الحَلالِ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ: طَيِّبُ الكَسْبِ لا طَيِّبُ الطَّعامِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّها حَلالُ الرِّزْقِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ بِالحَرامِ، فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ﴾ قالَ: ذُبِحَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ﴾ لِلطَّواغِيتِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ.

قالَ: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ يَقُولُ: مَن أكَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ وهو مُضْطَرٌّ فَلا حَرَجَ، ومَن أكَلَهُ وهو غَيْرُ مُضْطَرٍّ فَقَدْ بَغى واعْتَدى.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: غَيْرَ باغٍ قالَ: في المَيْتَةِ ﴿ولا عادٍ﴾ قالَ: في الأكْلِ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قالَ: غَيْرَ باغٍ عَلى المُسْلِمِينَ ولا مُعْتَدٍ عَلَيْهِمْ، فَمَن خَرَجَ يَقْطَعُ الرَّحِمَ أوْ يَقْطَعُ السَّبِيلَ أوْ يُفْسِدُ في الأرْضِ أوْ مُفارِقًا لِلْجَماعَةِ والأئِمَّةِ، أوْ خَرَجَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فاضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: العادِي الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي في أكْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن أكَلَ مِنَ الحَرامِ، رَحِيمٌ بِهِ إذْ أحَلَّ لَهُ الحَرامَ في الِاضْطِرارِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ غَيْرَ باغٍ في أكْلِهِ، ولا عادٍ يَتَعَدّى الحَلالَ إلى الحَرامِ وهو يَجِدُ عَنْهُ بُلْغَةً ومَندُوحَةً.

2:174–176Page 26

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦

That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ اليَهُودِ، لِأنَّهم كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

والِاشْتِراءُ هُنا: الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهَذا السَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ الرِّشا، وذَكَرَ البُطُونَ دَلالَةً وتَأْكِيدًا أنَّ هَذا الأكْلَ حَقِيقَةٌ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ: أكَلَ فُلانٌ أرْضِيَ. ونَحْوِهِ.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ مَعْنى ( في بُطُونِهِمْ ) مِلْءَ بُطُونِهِمْ، قالَ: يَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ: ( إلّا النّارَ ) أيْ أنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ عَذابَ النّارِ، فَسَمّى ما أكَلُوهُ نارًا لِأنَّهُ يَئُولُ بِهِمْ إلَيْها، هَكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النّارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ الرِّضا عَنْهم، يُقالُ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَهُ لا بِما يَكْرَهُونَهُ.

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .

وقَوْلُهُ: ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) مَعْناهُ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا.

قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ مَعْناهُ: لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ فَيُطَهِّرُهم.

وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ ومِنهُمُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ.

والمُرادُ تَعْجِيبُ المَخْلُوقِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ باشَرُوا الأسْبابَ لِعَذابِ النّارِ، فَكَأنَّهم بِهَذِهِ المُباشَرَةِ لِلْأسْبابِ صَبَرُوا عَلى العُقُوبَةِ في نارِ جَهَنَّمَ.

وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: ما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ، وقِيلَ المَعْنى: ما أقَلَّ جَزَعَهم مِنَ النّارِ، فَجَعَلَ قِلَّةَ الجَزَعِ صَبْرًا.

وقالَ الكِسائِيُّ وقُطْرُبٌ، أيْ ما أدْوَمَهم عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، أيْ أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلِ النّارِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الإشارَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ، أيْ ذَلِكَ الأمْرُ وهو العَذابُ. قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مَعْلُومٌ.

والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ.

( بِالحَقِّ ) أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: بِالحُجَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ هُنا التَّوْراةُ، فادَّعى النَّصارى أنَّ فِيها صِفَةَ عِيسى وأنْكَرَها اليَهُودُ، وقِيلَ: خالَفُوا ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ واخْتَلَفُوا فِيها، وقِيلَ: المُرادُ القُرْآنُ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ، يَقُولُ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.

( لَفي شِقاقٍ ) أيْ خِلافٍ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشِّقاقِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأخَذُوا عَلَيْهِ طَمَعًا قَلِيلًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.

(p-١١٢)وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى والعَذابَ عَلى المَغْفِرَةِ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أجْرَأهم عَلى عَمَلِ النّارِ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أعْلَمَهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: واللَّهِ ما لَهم عَلَيْها مِن صَبْرٍ ولَكِنْ يَقُولُ: ما أجْرَأهم عَلى النّارِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ يَقُولُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم عَلى النّارِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: في عَداوَةٍ بَعِيدَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском