Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:204–210
2:204–207Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤
And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allāh to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥
And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.
وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦
And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧
And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ طائِفَتَيِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ طائِفَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ.
وسَبَبُ النُّزُولِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ كَما يَأْتِي بَيانُهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ثَبَتَ قَطُّ أنَّ الأخْنَسَ أسْلَمَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أضْمَرَ كُفْرًا أوْ نِفاقًا أوْ كَذِبًا، وأظْهَرَ بِلِسانِهِ خِلافَهُ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ واضِحٌ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِي مِن مَحَبَّتِكَ أوْ مِنَ الإسْلامِ، أوْ يَقُولُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي أقُولُ حَقًّا، وأنِّي صادِقٌ في قَوْلِي لَكَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: " ويَشْهَدُ اللَّهُ " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ ورَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، والمَعْنى: ويَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ خِلافَ ما قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ في الذَّمِّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ " وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ " .
وقَوْلُهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ، أوْ بِـ " يُعْجِبُكَ "، فَعَلى الأوَّلِ القَوْلُ صادِرٌ في الحَياةِ، وعَلى الثّانِي الإعْجابُ صادِرٌ فِيها.
والألَدُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ.
يُقالُ: رَجُلٌ ألَدُّ، وامْرَأةٌ لَدّاءُ، ولَدَدْتُهُ ألُدُّهُ: إذا جادَلْتَهُ فَغَلَبْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وألَدُّ ذِي جَنَفٍ عَلَيَّ كَأنَّما تَغْلِي عَداوَةُ صَدْرِهِ في مِرْجَلِ
والخِصامُ مَصْدَرُ " خاصَمَ "، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: جَمْعُ خَصْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ: كَكَلْبٍ وكِلابٍ، وصَعْبٍ وصِعابٍ وضَخْمٍ وضِخامٍ.
والمَعْنى: أنَّهُ أشَدُّ المُخاصِمِينَ خُصُومَةً، لِكَثْرَةِ جِدالِهِ وقُوَّةِ مُراجَعَتِهِ، وإضافَةُ الألَدِّ إلى الخِصامِ بِمَعْنى في: أيْ ألَدُّ في الخِصامِ، أوْ جُعِلَ الخِصامُ ألَدَّ عَلى المُبالَغَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ أيْ أدْبَرَ وذَهَبَ عَنْكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى ضَلَّ وغَضِبَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى الوِلايَةِ: أيْ إذا كانَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ.
والسَّعْيُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ السَّعْيَ بِالقَدَمَيْنِ إلى ما هو فَسادٌ في الأرْضِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وحَرْبِ المُسْلِمِينَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَمَلَ في الفَسادِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَعْيٌ بِالقَدَمَيْنِ، كالتَّدْبِيرِ عَلى المُسْلِمِينَ بِما يَضُرُّهم، وإعْمالِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الإنْسانُ بِجَوارِحِهِ أوْ حَواسِّهِ يُقالُ لَهُ سَعْيٌ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " ولِيُهْلِكَ " .
وقَرَأهُ قَتادَةُ بِالرَّفْعِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " ويَهْلِكُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الكافِ ورَفْعِ " الحَرْثُ والنَّسْلُ "، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ.
والمُرادُ بِالحَرْثِ: الزَّرْعُ، والنَّسْلِ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الحَرْثُ النِّساءُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وذَلِكَ لِأنَّ النِّفاقَ يُؤَدِّي إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ ووُقُوعِ القِتالِ، وفِيهِ هَلاكُ الخَلْقِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ الظّالِمَ يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ المَطَرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ.
وأصْلُ الحَرْثِ في اللُّغَةِ: الشَّقُّ، ومِنهُ المِحْراثُ لِما يُشُقُّ بِهِ الأرْضُ، والحَرْثُ: كَسْبُ المالِ وجَمْعُهُ.
وأصْلُ النَّسْلِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ والسُّقُوطُ ومِنهُ نَسْلُ الشَّعْرِ، ومِنهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ١]، ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ويُقالُ لِما خَرَجَ مِن كُلِّ أُنْثى نَسْلٌ لِخُرُوجِهِ مِنها.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما فِيهِ فَسادُ الدِّينِ، وما فِيهِ فَسادُ الدُّنْيا.
والعِزَّةُ: القُوَّةُ والغَلَبَةُ، مِن عَزَّهُ يَعُزُّهُ: إذا غَلَبَهُ، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣]، وقِيلَ العِزَّةُ هُنا: الحَمِيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِن جَهْلِهِ ∗∗∗ فَتَوَلّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ
وقِيلَ: العِزَّةُ هُنا المَنَعَةُ وشِدَّةُ النَّفْسِ.
ومَعْنى: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ العِزَّةُ عَلى الإثْمِ، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا: إذا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتُهُ إيّاهُ، وقِيلَ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِما يُؤْثِمُهُ: أيِ ارْتَكَبَ الكُفْرَ لِلْعِزَّةِ، ومِنهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] وقِيلَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِالإثْمِ﴾ بِمَعْنى اللّامِ: أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ والحَمِيَّةُ عَنْ قَبُولِ الوَعْظِ لِلْإثْمِ الَّذِي (p-١٣٥)فِي قَلْبِهِ، وهو النِّفاقُ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ مِنَ الإثْمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ كافِيَةٌ مُعاقَبَةً وجَزاءً، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفّاكَ ما حَلَّ بِكَ، وأنْتَ تَسْتَعْظِمُ عَلَيْهِ ما حَلَّ بِهِ.
والمِهادُ جَمْعُ المَهْدِ، وهو المَوْضِعُ المُهَيَّأُ لِلنَّوْمِ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ، وسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ مِهادًا، لِأنَّها مُسْتَقَرُّ الكُفّارِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها بَدَلٌ لَهم مِنَ المِهادِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
ويَشْرِي بِمَعْنى يَبِيعُ: أيْ يَبِيعُ نَفْسَهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ كالجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصْلُهُ الِاسْتِبْدالُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎يُعْطِي بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ∗∗∗ ويَقُولُ صاحِبُهُ ألا تَشْرِي
والمَرْضاةُ: الرِّضا، تَقُولُ: رَضِيَ يَرْضى، رِضًا ومَرْضاةً.
ووَجْهُ ذِكْرِ الرَّأْفَةِ هُنا أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ ما أوْجَبَهُ لِيُجازِيَهم ويُثِيبَهم عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ رَأْفَةً بِهِمْ ولُطْفًا لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَتِ السَّرِيَّةُ الَّتِي فِيها عاصِمٌ ومَرْثَدٌ قالَ رِجالٌ مِنَ المُنافِقِينَ: يا ويْحَ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا هَكَذا، لا هم قَعَدُوا في أهْلِهِمْ، ولا هم أدَّوْا رِسالَةَ صاحِبِهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ ما يُظْهِرُ مِنَ الإسْلامِ بِلِسانِهِ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما يَقُولُهُ بِلِسانِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ أيْ ذُو جِدالٍ إذا كَلَّمَكَ وراجَعَكَ ﴿وإذا تَوَلّى﴾ خَرَجَ مِن عِنْدِكَ ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ لا يُحِبُّ عَمَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الَّذِينَ يَشْرُونَ أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ، حَتّى هَلَكُوا عَلى ذَلِكَ: يَعْنِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ وقالَ: جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلامَ ويَعْلَمُ اللَّهُ أنِّي لَصادِقٌ، فَأعْجَبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ .
ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وحُمُرٍ، فَأحْرَقَ الزَّرْعَ، وعَقَرَ الحُمُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ قالَ: هو شَدِيدُ الخُصُومَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: عَمِلَ في الأرْضِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ قالَ: نَباتُ الأرْضِ ﴿والنَّسْلَ﴾ نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ، النّاسِ والدَّوابِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: يَلِي في الأرْضِ فَيَعْمَلُ فِيها بِالعُدْوانِ والظُّلْمِ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، فَتَهْلَكُ بِحَبْسِ القَطْرِ الحَرْثُ والنَّسْلُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ.
ثُمَّ قَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤١] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ قالَ: الحَرْثُ الزَّرْعُ، والنَّسْلُ: نَسَلُ كُلِّ دابَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ مِن أكْبَرِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأخِيهِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَقُولُ عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، أنْتَ تَأْمُرُنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِمالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: اتَّقِ اللَّهَ، فَسَقَطَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ تَواضُعًا لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ قالَ: بِئْسَ المَنزِلُ.
وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بِئْسَ ما شَهِدُوا لِأنْفُسِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ صُهَيْبٍ قالَ: لَمّا أرَدْتُ الهِجْرَةَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَتْ لِي قُرَيْشٌ: يا صُهَيْبُ قَدِمْتَ إلَيْنا ولا مالَ لَكَ، وتَخْرُجُ أنْتَ ومالُكَ، واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، فَقُلْتُ لَهم: أرَأيْتُمْ إنْ دَفَعْتُ إلَيْكم مالِي تُخَلُّونَ عَنِّي ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِمْ مالِي فَخَلُّوا عَنِّي، فَخَرَجْتُ حَتّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «رَبِحَ البَيْعُ صُهَيْبُ» مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ صُهَيْبٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتْ في خُرُوجِ صُهَيْبٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.
2:208–210Page 32
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠
Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ النّاسَ يَنْقَسِمُونَ إلى ثَلاثِ طَوائِفَ: مُؤْمِنِينَ، وكافِرِينَ، ومُنافِقِينَ، أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالكَوْنِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ.
وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الثَّلاثِ الطَّوائِفِ لَفْظُ الإيمانِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّهِمْ وكِتابِهِمْ، والمُنافِقُ مُؤْمِنٌ بِلِسانِهِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِقَلْبِهِ.
والسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها قالَ الكِسائِيُّ: ومَعْناهُما واحِدٌ، وكَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهُما جَمِيعًا يَقَعانِ لِلْإسْلامِ والمُسالَمَةِ.
وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّهُ بِالفَتْحِ لِلْمُسالَمَةِ، وبِالكَسْرِ لِلْإسْلامِ.
وأنْكَرَ المُبَرِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: السَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ: الصُّلْحُ، وتُكْسَرُ، ويُذَكُّرُ ويُؤَنَّثُ، وأصْلُهُ مِنَ (p-١٣٦)الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ.
ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ هُنا بِمَعْنى الإسْلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الكِنْدِيِّ:
؎دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا رَأيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ
أيْ إلى الإسْلامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " السَّلَمِ " بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَدْ حَكى البَصْرِيُّونَ في سِلْمٍ وسَلَمٍ وسَلْمٍ أنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وكافَّةً حالٌ مِنَ السَلْمِ أوْ مِن ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَمَعْناهُ عَلى الأوَّلِ: لا يَخْرُجُ مِنكم أحَدٌ، وعَلى الثّانِي: لا يَخْرُجُ مِن أنْواعِ السِّلْمِ شَيْءٌ بَلِ ادْخُلُوا فِيها جَمِيعًا: أيْ في خِصالِ الإسْلامِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ كَفَفْتُ: أيْ مَنَعْتُ، أيْ لا يَمْتَنِعُ مِنكم أحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، والكَفُّ: المَنعُ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمِيعُ، ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْهِ الشَّيْطانُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خُطُواتٍ.
قَوْلُهُ: زَلَلْتُمْ أيْ تَنَحَّيْتُمْ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وأصْلُ الزَّلَلِ في القَدَمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الِاعْتِقاداتِ والآراءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، يُقالُ: زَلَّ يَزِلُّ وزَلَلًا وزَلُولًا: أيْ دَحَضَتْ قَدَمُهُ.
وقُرِئَ: " زَلِلْتُمْ " بِكَسْرِ اللّامِ وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: فَإنْ ضَلَلْتُمْ وعَرَجْتُمْ عَنِ الحَقِّ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الحُجَجُ الواضِحَةُ والبَراهِينُ الصَّحِيحَةُ، أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ هو الحَقُّ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِنكم: حَكِيمٌ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ، يُقالُ: نَظَرْتُهُ وانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى، والمُرادُ هَلْ يَنْتَظِرُ التّارِكُونَ لِلدُّخُولِ في السِّلْمِ، والظُّلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ وهي ما يُظِلُّكَ، وقَرَأ قَتادَةُ ويَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ " في ظِلالٍ " وقَرَأ يَزِيدُ أيْضًا " والمَلائِكَةِ " بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى " الغَمامِ " أوْ عَلى " ظُلَلٍ " .
قالَ الأخْفَشُ: " والمَلائِكَةِ " بِالخَفْضِ بِمَعْنى: وفي المَلائِكَةِ قالَ: والرَّفْعُ أجْوَدُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ومِنَ المَلائِكَةِ.
والمَعْنى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ الحِسابِ والعَذابِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةِ.
قالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الإتْيانِ راجِعًا إلى الجَزاءِ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ إتْيانًا كَما سُمِّيَ التَّخْوِيفُ والتَّعْذِيبُ في قِصَّةِ ثَمُودَ إتْيانًا، فَقالَ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وقالَ في قِصَّةِ النَّضِيرِ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] وإنَّما احْتَمَلَ الإتْيانُ هَذا؛ لِأنَّ أصْلَهُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ القَصْدُ إلى الشَّيْءِ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ فِعْلًا مِنَ الأفْعالِ مَعَ خَلْقٍ مِن خَلْقِهِ يَقْصِدُ إلى مُحارَبَتِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ وحُكْمُهُ، وقِيلَ " إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ بِمَعْنى بِظُلَلٍ، وقِيلَ المَعْنى: يَأْتِيهِمْ بِبَأْسِهِ في ظُلَلٍ.
والغَمامُ: السَّحابُ الرَّقِيقُ الأبْيَضُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَغُمُّ: أيْ يَسْتُرُ.
ووَجْهُ إتْيانِ العَذابِ في الغَمامِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ ما في مَجِيءِ الخَوْفِ مِن مَحَلِّ الأمْنِ مِنَ الفَظاعَةِ وعِظَمِ المَوْقِعِ؛ لِأنَّ الغَمامَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ لا مَظِنَّةَ العَذابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ عُطِفَ عَلى " يَأْتِيَهِمُ " داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ، وإنَّما عُدِلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها واقِعٌ لا مَحالَةَ: أيْ وفَرَغَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي هو إهْلاكُهم.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ " وقَضاءِ الأمْرَ " بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى " المَلائِكَةِ " .
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ " وقَضى الأُمُورَ " بِالجَمْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَرْجِعُ الأُمُورُ " عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ قالَ: يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم كانُوا مَعَ الإيمانِ بِاللَّهِ مُسْتَمْسِكِينَ بِبَعْضِ أمْرِ التَّوْراةِ والشَّرائِعِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهِمْ، يَقُولُ: ادْخُلُوا في شَرائِعِ دِينِ مُحَمَّدٍ ولا تَدَعُوا مِنها شَيْئًا، وحَسْبُكُمُ الإيمانُ بِالتَّوْراةِ وما فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وابْنِ يامِينَ وأسَدٍ وأُسِيدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ كُلُّهم مِن يَهُودَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمٌ كُنّا نُعَظِّمُهُ فَدَعْنا فَلَنَسْبِتْ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ فَلْنَقُمْ بِها اللَّيْلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّلْمُ الطّاعَةُ لِلَّهِ، و" كافَّةً " يَقُولُ: جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: السِّلْمُ الإسْلامُ، والزَّلَلُ: تَرْكُ الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ قالَ: فَإنْ ضَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَكم مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيامًا شاخِصَةً أبْصارُهم إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضاءِ ويَنْزِلُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العَرْشِ إلى الكُرْسِيِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: قالَ: يَهْبِطُ حِينَ يَهْبِطُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ سَبْعُونَ ألْفَ حِجابٍ، مِنها النُّورُ والظُّلْمَةُ والماءُ، فَيُصَوِّتُ الماءُ في تِلْكَ الظُّلْمَةِ صَوْتًا تَنْخَلِعُ لَهُ القُلُوبُ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَأْتِي اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلَلٍ مِنَ السَّحابِ قَدْ قُطِعَتْ طاقاتٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ مِنَ الغَمامِ طاقاتٍ يَأْتِي اللَّهُ فِيها مَحْفُوفاتٍ بِالمَلائِكَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ قالَ: طاقاتٌ والمَلائِكَةُ حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَأْتِيهِمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وتَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ.
وأخْرَجَ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: قامَتِ السّاعَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences