Ash-ShawkaniAl‑Baqarah · 2:275–281

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:275–281

2:275–277Page 47

ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥

Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

الرِّبا في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ مُطْلَقًا، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ، وفي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلى شَيْئَيْنِ: عَلى رِبا الفَضْلِ، ورِبا النَّسِيئَةِ حَسْبَما هو مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وغالِبُ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ أنَّهُ إذا حَلَّ أجْلُ الدَّيْنِ قالَ مَن هو لَهُ لِمَن هو عَلَيْهِ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي ؟ فَإذا لَمْ يَقْضِ زادَ مِقْدارًا في المالِ الَّذِي عَلَيْهِ وأخَّرَ لَهُ الأجَلَ إلى حِينٍ.

وهَذا حَرامٌ بِالِاتِّفاقِ، وقِياسُ كِتابَةِ الرِّبا بِالياءِ لِلْكَسْرَةِ في أوَّلِهِ.

وقَدْ كَتَبُوهُ في المُصْحَفِ بِالواوِ.

قالَ في الكَشّافِ: عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ كَما كُتِبَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ انْتَهى.

قُلْتُ: وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ لا يَلْزَمُ المَشْيُ عَلَيْهِ، فَإنَّ هَذِهِ النُّقُوشَ الكِتابِيَّةَ أُمُورٌ اصْطِلاحِيَّةٌ لا يُشاحَحُ في مِثْلِها إلّا فِيما كانَ يَدُلُّ بِهِ مِنها عَلى الحَرْفِ الَّذِي كانَ في أصْلِ الكَلِمَةِ ونَحْوِهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَباحِثِ الخَطِّ مِن عِلْمِ الصَّرْفِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَرَسْمُ الكَلِمَةِ وجَعْلُ نَقْشِها الكِتابِيِّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ بِها هو الأوْلى، فَما كانَ في النُّطْقِ ألِفًا كالصَّلاةِ والزَّكاةِ ونَحْوِهِما كانَ الأوْلى في رَسْمِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وكَوْنُ أصْلِ هَذا الألِفِ واوًا أوْ ياءً لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ عِلْمَ الصَّرْفِ، وهَذِهِ النُّقُوشُ لَيْسَتْ إلّا لِفَهْمِ اللَّفْظِ الَّذِي يُدَلُّ بِها عَلَيْهِ كَيْفَ هو في نُطْقِ مَن يَنْطِقُ بِهِ لا لِتَفْهِيمِ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ كَذا مِمّا لا يَجْرِي بِهِ النُّطْقُ، فاعْرِفْ هَذا ولا تَشْتَغِلْ بِما يَعْتَبِرُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ النُّقُوشِ ويُلْزِمُونَ بِهِ أنْفُسَهم ويَعِيبُونَ مَن خالَفَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُشاحَحَةِ في الأُمُورِ الِاصْطِلاحِيَّةِ الَّتِي لا تُلْزِمُ أحَدًا أنْ يَتَقَيَّدَ بِها، فَعَلَيْكَ بِأنْ تَرْسُمَ هَذِهِ النُّقُوشَ عَلى ما يَلْفِظُ بِهِ اللّافِظُ عِنْدَ قِراءَتِها، فَإنَّهُ الأمْرُ المَطْلُوبُ مِن وضْعِها والتَّواضُعِ عَلَيْها، ولَيْسَ الأمْرُ المَطْلُوبُ مِنها أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى ما هو أصْلُ الكَلِمَةِ الَّتِي يَتَلَفَّظُ بِها المُتَلَفِّظُ مِمّا لا يَجْرِي في لَفْظِهِ الآنَ، فَلا تَغْتَرَّ بِما يُرْوى عَنْ سِيبَوَيْهِ ونُحاةِ البَصْرَةِ أنْ يُكْتَبَ الرِّبا بِالواوِ، لِأنَّهُ يَقُولُ في تَثْنِيَتِهِ رِبَوانِ.

وقالَ الكُوفِيُّونَ: يُكْتَبُ بِالياءِ، وتَثْنِيَتُهُ رِبَيانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ما رَأيْتُ خَطَأً أقْبَحَ مِن هَذا ولا أشْنَعَ، لا يَكْفِيهِمُ الخَطَأُ في الخَطِّ حَتّى يُخْطِئُوا في التَّثْنِيَةِ وهم يَقْرَءُونَ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩] ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ اخْتِصاصَ هَذا الوَعِيدِ بِمَن يَأْكُلُهُ، بَلْ هو عامٌّ لِكُلِّ مَن يُعامِلُ بِالرِّبا فَيَأْخُذُهُ ويُعْطِيهِ، وإنَّما خُصَّ الأكْلُ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى فاعِلِهِ، ولِكَوْنِهِ هو الغَرَضُ الأهَمُّ فَإنَّ آخِذَ الرِّبا إنَّما أخَذَهُ لِلْأكْلِ.

قَوْلُهُ: لا يَقُومُونَ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ يَوْمَ القِيامَةِ " .

أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وبِهَذا فَسَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّهُ يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عُقُوبَةً لَهُ وتَمْقِيتًا عِنْدَ أهْلِ المَحْشَرِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مَن يَحْرِصُ في تِجارَتِهِ فَيَجْمَعُ مالَهُ مِنَ الرِّبا بِقِيامِ المَجْنُونِ؛ لِأنَّ الحِرْصَ والطَّمَعَ والرَّغْبَةَ في الجَمْعِ قَدِ اسْتَفَزَّتْهُ حَتّى صارَ شَبِيهًا في حَرَكَتِهِ بِالمَجْنُونِ، كَما يُقالُ لِمَن يُسْرِعُ في مَشْيِهِ ويَضْطَرِبُ في حَرَكاتِهِ: إنَّهُ قَدْ جُنَّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى في ناقَتِهِ:

؎وتُصْبِحُ مِن غَبِّ السُّرى وكَأنَّها ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ

فَجَعَلَها بِسُرْعَةِ مَشْيِها ونَشاطِها كالمَجْنُونِ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ أيْ إلّا قِيامًا كَقِيامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ، والخَبْطُ: الضَّرْبُ بِغَيْرِ اسْتِواءٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ وهو المَصْرُوعُ.

والمَسُّ: الجُنُونُ، والأمَسُّ: المَجْنُونُ، وكَذَلِكَ الأوْلَقُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُومُونَ أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَقُومُ " .

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الصَّرَعَ لا يَكُونُ مِن جِهَةِ الجِنِّ، وزَعَمَ أنَّهُ مِن فِعْلِ الطَّبائِعِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ خارِجَةٌ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُهُ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَصْرَعُ الإنْسانَ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّ الشَّيْطانَ لا يَسْلُكُ في الإنْسانِ ولا يَكُونُ مِنهُ مَسٌّ.

وقَدِ «اسْتَعاذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن أنْ يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطانُ»، كَما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ: أنَّهم جَعَلُوا البَيْعَ والرِّبا شَيْئًا واحِدًا، وإنَّما شَبَّهُوا البَيْعَ بِالرِّبا مُبالَغَةً بِجَعْلِهِمُ الرِّبا أصْلًا والبَيْعَ فَرْعًا، أيْ: إنَّما البَيْعُ بِلا (p-١٩٠)زِيادَةٍ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ كالبَيْعِ بِزِيادَةٍ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تَعْرِفُ رِبًا إلّا ذَلِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ أحَلَّ البَيْعَ وحَرَّمَ نَوْعًا مِن أنْواعِهِ، وهو البَيْعُ المُشْتَمِلُ عَلى الرِّبا.

والبَيْعُ مَصْدَرُ باعَ يَبِيعُ: أيْ دَفَعَ عِوَضًا وأخَذَ مُعَوَّضًا، والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ مَن بَلَغَتْهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ اللَّهِ مِنَ المَواعِظِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها الأوامِرُ والنَّواهِي، ومِنها ما وقَعَ هُنا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا فانْتَهى أيْ فامْتَثَلَ النَّهْيَ الَّذِي جاءَهُ والزَّجْرَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ وهو مَعْطُوفٌ، أيْ قَوْلُهُ: فانْتَهى عَلى قَوْلِهِ: جاءَهُ.

وقَوْلُهُ: مِن رَبِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جاءَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ " مَوْعِظَةٌ ": أيْ كائِنَةٌ مِن ﴿مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ مِنهُ مِنَ الرِّبا لا يُؤاخَذُ بِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَهُ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الرِّبا أوْ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ آيَةُ تَحْرِيمِ الرِّبا.

وقَوْلُهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " ما سَلَفَ ": أيْ أمْرُهُ إلى اللَّهِ في العَفْوِ عَنْهُ وإسْقاطِ التَّبِعَةِ فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى المُرْبِي: أيْ أمْرُ مَن عامَلَ بِالرِّبا إلى اللَّهِ في تَثْبِيتِهِ عَلى الِانْتِهاءِ أوِ الرُّجُوعِ إلى المَعْصِيَةِ ومَن عادَ إلى أكْلِ الرِّبا والمُعامَلَةِ بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ والإشارَةُ إلى مَن عادَ، وجَمْعُ " أصْحابُ " بِاعْتِبارِ مَعْنى " مَن "، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى " مَن عادَ ": هو أنْ يَعُودَ إلى القَوْلِ: بِـ ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وأنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَحِقُّ الخُلُودَ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ الخُلُودُ مُسْتَعارًا عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ مُلْكٌ خالِدٌ: أيْ طَوِيلُ البَقاءِ، والمَصِيرُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ واجِبٌ لِلْأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ القاضِيَةِ بِخُرُوجِ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ.

قَوْلُهُ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ: يُذْهِبُ بَرَكَتَهُ في الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا فَلا يَبْقى بِيَدِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: يَمْحَقُ بَرَكَتَهُ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ يَزِيدُ في المالِ الَّذِي أُخْرِجَتْ صَدَقَتُهُ، وقِيلَ: يُبارِكُ في ثَوابِ الصَّدَقَةِ ويُضاعِفُهُ ويَزِيدُ في أجْرِ المُتَصَدِّقِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ أيْ لا يَرْضى؛ لِأنَّ الحُبَّ مُخْتَصٌّ بِالتَّوّابِينَ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ عَظِيمٌ عَلى مَن أرْبى حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ، ووَصَفَهُ بِأثِيمٍ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لِإزالَةِ الِاشْتِراكِ، إذْ قَدْ يَقَعُ عَلى الزُّرّاعِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: كُلَّ كَفّارٍ مَن صَدَرَتْ مِنهُ خَصْلَةٌ تُوجِبُ الكُفْرَ، ووَجْهُ التِصاقِهِ بِالمَقامِ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: " ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ " كُفّارٌ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ قالَ: يُعْرَفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ القِيامَ إلّا كَما يَقُومُ المُتَخَبِّطُ المُنْخَنِقُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ومَن عادَ فَأكَلَ الرِّبا ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: آكِلُ الرِّبا يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مَجْنُونًا يُخْنَقُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَقُومُونَ قالَ: ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِن قَبْرِهِ.

وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في تَرْغِيبِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَأْتِي آكِلُ الرِّبا يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَبِلًا يَجُرُّ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في تَعْظِيمِ ذَنْبِ الرِّبا، مِنها مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الرِّبا ثَلاثَةٌ وسَبْعُونَ بابًا، أيْسَرُها مِثْلُ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وإنَّ أرْبى الرِّبا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ» . ومِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ والبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ سَبْعُونَ بابًا ووَرَدَ هَذا المَعْنى مَعَ اخْتِلافِ العَدَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطانِ وهي في بَعْضِ القِراءاتِ: " لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ " .

يَعْنِي قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُها.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في الرِّبا " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى المَسْجِدِ فَقَرَأهُنَّ عَلى النّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ "» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ خَطَبَ فَقالَ: إنَّ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا آيَةَ الرِّبا، وإنَّهُ قَدْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا فَدَعُوا ما يُرِيبُكم إلى ما لا يُرِيبُكم.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أنْزَلَها عَلى رَسُولِهِ آيَةُ الرِّبا.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الرِّبا الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلى الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَيَقُولُ: لَكَ كَذا وكَذا وتُؤَخِّرُ عَنِّي فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ.

وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ أيْضًا وزادَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالَ: يَعْنِي البَيانُ الَّذِي في القُرْآنِ في تَحْرِيمِ الرِّبا فانْتَهى عَنْهُ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ يَعْنِي فَلَهُ ما كانَ أكَلَ مِنَ الرِّبا قَبْلَ التَّحْرِيمِ ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي بَعْدَ التَّحْرِيمِ وبَعْدَ تَرْكِهِ إنْ شاءَ عَصَمَهُ مِنهُ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ ومَن عادَ يَعْنِي في الرِّبا بَعْدَ التَّحْرِيمِ فاسْتَحَلَّهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يَعْنِي لا يَمُوتُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ قالَ: يُنْقِصُ الرِّبا ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قالَ: يَزِيدُ فِيها، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» .

(p-١٩١)وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا.

وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ بَعْدَ أنْ ساقَ الحَدِيثَ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ .

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَصَدَّقُ بِالكِسْرَةِ تَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ» وهَذِهِ الأحادِيثُ تُبَيِّنُ مَعْنى الآيَةِ.

2:278–281Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١

And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِهِ واتْرُكُوا البَقايا الَّتِي بَقِيَتْ لَكم مِنَ الرِّبا، وظاهِرُهُ أنَّهُ أبْطَلَ مِنَ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا.

قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ " إنْ " في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى " إذْ " .

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ امْتِثالَ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ وتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أُذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عُلِمَ بِهِ، قِيلَ: هو مِنَ الإذْنِ بِالشَّيْءِ وهو الِاسْتِماعُ لِأنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ " فَآذِنُوا " عَلى مَعْنى فَأعْلِمُوا غَيْرَكم أنَّكم عَلى حَرْبِهِمْ.

وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ عَلى أنَّ أكْلَ الرِّبا والعَمَلَ بِهِ مِنَ الكَبائِرِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وتَنْكِيرُ الحَرْبِ لِلتَّعْظِيمِ، وزادَها تَعْظِيمًا نِسْبَتُها إلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ وإلى رَسُولِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ خَلِيقَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ تَأْخُذُونَها ﴿لا تُظْلَمُونَ﴾ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ أنْتُمْ مِن قِبَلِهِمْ بِالمَطْلِ والنَّقْصِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ.

وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْوالَهم مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ حَلالٌ لِمَن أخَذَها مِنَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَنُوبُ عَنْهم.

قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ لَمّا حَكَمَ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الرِّبا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الواجِدِينَ لِلْمالِ حَكَمَ في ذَوِي العُسْرَةِ بِالنَّظَرِ إلى يَسارٍ، والعُسْرَةُ: ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ جَيْشُ العُسْرَةِ.

والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اليُسْرِ، وارْتَفَعَ " ذُو " بَكانِ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى وُجِدَ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وغَيْرِهِما.

وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

؎فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ يا فَتى إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: " وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ " عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ المَطْلُوبُ ذا عُسْرَةٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ " وإنْ كانَ مُعْسِرًا " قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى: وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

ورَوى المُعْتَمِرُ عَنْ حَجّاجٍ الوَرّاقِ قالَ: في مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ النَّحّاسُ ومَكِّيٌّ والنَّقّاشُ: وعَلى هَذا يَخْتَصُّ لَفْظُ الآيَةِ بِأهْلِ الرِّبا، وعَلى مَن قَرَأ " ذُو " فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ.

وقَرَأ الجَماعَةُ فَنَظِرَةٌ بِكَسْرِ الظّاءِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ بِسُكُونِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ " مَيْسُرَةٍ " بِضَمِّ السِّينِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي اليَسارُ.

قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ: أيْ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِالإبْراءِ خَيْرٌ لَكم، وفِيهِ التَّرْغِيبُ لَهم بِأنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عَلى مَن أعْسَرَ وجَعَلَ ذَلِكَ خَيْرًا مِن إنْظارِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ.

قالَ الطَّبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الآيَةِ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ خَيْرٌ لَكم.

والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ولَيْسَ في الآيَةِ مَدْخَلٌ لِلْغَنِيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمْ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ وصْفٌ لَهُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا اليَوْمَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ المَوْتِ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ: " إلى اللَّهِ " فِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِحالِ الجَزاءِ كَما أنَّ الإفْرادَ أنْسَبُ بِحالِ الكَسْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ لِجَمِيعِ النّاسِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ورَجُلٍ مِن بَنِي المُغِيرَةِ كانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثَقِيفٍ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ في الرِّبا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «كانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صالَحَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ ما لَهم مِن رِبًا عَلى النّاسِ، وما كانَ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ مِن رِبًا فَهو مَوْضُوعٌ، فَلَمّا كانَ الفَتْحُ اسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ عَلى مَكَّةَ، وكانَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَأْخُذُونَ الرِّبا مِن بَنِي المُغِيرَةِ، وكانَ بَنُو المُغِيرَةِ يَرْبُونَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهم عَلَيْهِمْ مالٌ كَثِيرٌ فَأتاهم بَنُو عَمْرٍو يَطْلُبُونَ رِباهم، فَأبى بَنُو المُغِيرَةِ أنْ يُعْطُوهم في الإسْلامِ، ورَفَعُوا ذَلِكَ إلى عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ، فَكَتَبَ عَتّابٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى عَتّابٍ وقالَ: إنْ رَضُوا وإلّا فَأْذَنْهم بِحَرْبٍ» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: مَن كانَ مُقِيمًا (p-١٩٢)عَلى الرِّبا لا يَنْزِعُ مِنهُ فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ، فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضَرَبَ عُنُقَهُ.

وأخْرَجُوا أيْضًا عَنْهُ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: اسْتَيْقِنُوا بِحَرْبٍ.

وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ أنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «ألا إنَّ كُلَّ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ، وأوَّلُ رِبًا مَوْضُوعٌ رِبا العَبّاسِ» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو وأصْحابِهِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم﴾ .

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الرِّبا.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شُرَيْحٍ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: وكَذَلِكَ كَلُّ دَيْنٍ عَلى مُسْلِمٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.

وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في التَّرْغِيبِ لِمَن لَهُ دَيْنٌ عَلى مُعْسِرٍ أنْ يُنْظِرَهُ.

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ السُّدِّيِّ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ أيْضًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِها وبَيْنَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إحْدى وثَمانُونَ يَوْمًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّهُ عاشَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِها تِسْعَ لَيالٍ ثُمَّ ماتَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском