Ash-ShawkaniAl‑Anbya · 21:78–97

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:78–97, continued

وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم﴾ قالَ: قِيلَ لَهُ يا أيُّوبُ إنَّ أهْلَكَ لَكَ في الجَنَّةِ، فَإنْ شِئْتَ أتَيْناكَ لَهم، وإنْ شِئْتَ تَرَكْناهم لَكَ في الجَنَّةِ بَلِ اتْرُكْهم لِي في الجَنَّةِ وعُوِّضَ مِثْلَهم في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ أنَّ مَرْوانَ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ قالَ: أُوتِيَ أهْلًا غَيْرَ أهْلِهِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَلْ أُوتِيَ أهْلَهُ بِأعْيانِهِمْ ومِثْلَهم مَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والرُّويانِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ أيُّوبَ لَبِثَ بِهِ بَلاؤُهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَرَفَضَهُ القَرِيبُ والبَعِيدُ إلّا رَجُلَيْنِ مِن إخْوانِهِ كانا مِن أخَصِّ إخْوانِهِ، كانا يَغْدُوانِ إلَيْهِ ويَرُوحانِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ ذاتَ يَوْمٍ: تَعْلَمُ واللَّهِ لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أذَنَبَهُ أحَدٌ، قالَ: وما ذاكَ ؟ قالَ مُنْذُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفْ عَنْهُ ما بِهِ، فَلَمّا راحا إلى أيُّوبَ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتّى ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ أيُّوبُ: لا أدْرِي ما يَقُولُ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنِّي أمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ يَذْكُرانِ اللَّهَ فَأرْجِعُ إلى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُما كَراهَةَ أنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إلّا في حَقٍّ وكانَ يَخْرُجُ لِحاجَتِهِ فَإذا قَضى حاجَتَهُ أمْسَكَتِ امْرَأتُهُ بِيَدِهِ حَتّى يَبْلُغَ، فَلَمّا كانَ ذاتَ يَوْمٍ أبْطَأ عَلَيْها، فَأوْحى اللَّهُ إلى أيُّوبَ في مَكانِهِ أنِ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ [ص: ٤٢] فاسْتَبْطَأتْهُ فَتَلَقَّتْهُ وأقْبَلَ عَلَيْها قَدْ أذْهَبَ اللَّهُ ما بِهِ مِنَ البَلاءِ وهو أحْسَنُ ما كانَ، فَلَمّا رَأتْهُ قالَتْ: أيْ بارَكَ اللَّهُ فِيكَ هَلْ رَأيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ المُبْتَلى، واللَّهِ عَلى ذَلِكَ ما رَأيْتُ رَجُلًا أشْبَهَ بِهِ مِنكَ إذْ كانَ صَحِيحًا ؟ قالَ: فَإنِّي أنا هو، قالَ: وكانَ لَهُ أنْدَرانِ: أنْدَرٌ لِلْقَمْحِ، وأنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحابَتَيْنِ، فَلَمّا كانَتْ إحْداهُما عَلى أنْدَرِ القَمْحِ أفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتّى فاضَ، وأفْرَغَتِ الأُخْرى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِقَ حَتّى فاضَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وذا الكِفْلِ﴾ قالَ: رَجُلٌ صالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ تَكَفَّلَ لِنَبِيِّ قَوْمِهِ أنْ يَكْفِيَهُ أمْرَ قَوْمِهِ ويُقَيِّمَهم بِهِ ويَقْضِيَ بَيْنَهم بِالعَدْلِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسُمِّيَ ذا الكِفْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ قاضٍ فَحَضَرَهُ المَوْتُ، فَقالَ: مَن يَقُومُ مَقامِي عَلى أنْ لا يَغْضَبَ، فَقالَ رَجُلٌ: أنا، فَسُمِّيَ ذا الكِفْلِ، فَكانَ لَيْلُهُ جَمِيعًا يُصَلِّي، ثُمَّ يُصْبِحُ قائِمًا فَيَقْضِي بَيْنَ النّاسِ، وذَكَرَ القِصَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ما كانَ ذُو الكِفْلِ نَبِيًّا، ولَكِنْ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ صالِحٌ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلاةٍ فَتُوُفِّيَ، فَتَكَفَّلَ لَهُ ذُو الكِفْلِ مِن بَعْدِهِ، فَكانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلاةٍ، فَسُمِّيَ ذا الكِفْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ سَعْدٍ مَوْلى طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ الكِفْلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا يَتَوَرَّعُ مِن ذَنْبٍ عَمِلَهُ فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَأعْطاها سِتِّينَ دِينارًا عَلى أنْ يَطَأها، فَلَمّا قَعَدَ مِنها مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأتِهِ ارْتَعَدَتْ وبَكَتْ، فَقالَ: ما يُبْكِيكِ أكْرَهْتُكِ ؟ قالَتْ: لا ولَكِنَّهُ عَمَلٌ ما عَمِلْتُهُ قَطُّ، وما حَمَلَنِي عَلَيْهِ إلّا الحاجَةُ، فَقالَ: تَفْعَلِينَ أنْتِ هَذا وما فَعَلْتِهِ اذْهَبِي فَهي لَكِ، وقالَ: واللَّهِ لا أعْصِي اللَّهَ بَعْدَها أبَدًا، فَماتَ مِن لَيْلَتِهِ فَأصْبَحَ مَكْتُوبٌ عَلى بابِهِ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعْدٍ مَوْلى طَلْحَةَ.

(p-٩٤٦)وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: فِيهِ ذُو الكِفْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ يَقُولُ: غَضِبَ عَلى قَوْمِهِ ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً ولا بَلاءً فِيما صَنَعَ بِقَوْمِهِ في غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ وفِرارِهِ، قالَ: وعُقُوبَتُهُ أخَذُ النُّونِ إيّاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَأْخُذَهُ العَذابُ الَّذِي أصابَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ قالَ: ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إذْ هو في بَطْنِ الحُوتِ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ رَبَّهُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «اسْمُ اللَّهِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتّى، قَلَّتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِيُونُسَ خاصَّةً أمْ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ ؟ قالَ: هي لِيُونُسَ خاصَّةً ولِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً إذا دَعَوْا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ ﴿وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ فَهو شَرْطٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن دَعاهُ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا نَحْوَهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ ابْنِ مَتّى» . ورُوِيَ أيْضًا في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ أيْضًا في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

21:89–97Page 329

وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩

And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while You are the best of inheritors."

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠

So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate1 Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.

وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١

And [mention] the one who guarded her chastity [i.e., Mary], so We blew into her [garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.

إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢

Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.

وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.

فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤

So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥

And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1

حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦

Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend

وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧

And [when] the true promise [i.e., the resurrection] has approached; then suddenly the eyes of those who disbelieved will be staring [in horror, while they say], "O woe to us; we had been unmindful of this; rather, we were wrongdoers."

.

قَوْلُهُ: وزَكَرِيّا أيْ واذْكُرْ خَبَرَ زَكَرِيّا وقْتَ نِدائِهِ لِرَبِّهِ قالَ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أيْ مُنْفَرِدًا وحِيدًا لا ولَدَ لِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ أيْ خَيْرُ مَن يَبْقى بَعْدَ كُلِّ مَن يَمُوتُ، فَأنْتَ حَسْبِي إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي ولَدًا فَإنِّي أعْلَمُ أنَّكَ لا تُضَيِّعُ دِينَكَ وأنَّهُ سَيَقُومُ بِذَلِكَ مِن عِبادِكَ مَن تَخْتارُهُ لَهُ وتَرْتَضِيهِ لِلتَّبْلِيغِ.

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ دُعاءَهُ ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ . وقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ . قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها كانَتْ عاقِرًا فَجَعَلَها اللَّهُ ولُودًا، فَهَذا هو المُرادُ بِإصْلاحِ زَوْجِهِ، وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئَةَ الخُلُقِ فَجَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ حَسَنَةَ الخُلُقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وذَلِكَ بِأنْ يُصْلِحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذاتَها، فَتَكُونُ ولُودًا بَعْدَ أنْ كانَتْ عاقِرًا، ويُصْلِحُ أخْلاقَها فَتَكُونُ أخْلاقُها مَرْضِيَّةً بَعْدَ أنْ كانَتْ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها مِن إحْسانِهِ سُبْحانَهُ إلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ راجِعٌ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى زَكَرِيّا وامْرَأتِهِ ويَحْيى. ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ ﴿رَغَبًا ورَهَبًا﴾ أيْ يَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ في حالِ الرَّخاءِ وحالِ الشِّدَّةِ، وقِيلَ: الرَّغْبَةُ: رَفْعُ بُطُونِ الأكُفِّ إلى السَّماءِ، والرَّهْبَةُ رَفْعُ ظُهُورِها، وانْتِصابُ رَغَبًا ورَهَبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ يَرْغَبُونَ رَغَبًا ويَرْهَبُونَ رَهَبًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ لِلرَّغَبِ والرَّهَبِ، أوْ عَلى الحالِ: أيْ راغِبِينَ وراهِبِينَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ويَدْعُونا بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الرّاءِ فِيهِما وإسْكانِ ما بَعْدَهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ الرّاءِ فِيهِما وفَتْحِ ما بَعْدَهُ فِيهِما ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ أيْ مُتَواضِعِينَ مُتَضَرِّعِينَ. ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أيْ واذْكُرْ خَبَرَها، وهي مَرْيَمُ، فَإنَّها أحْصَنَتْ فَرْجَها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ ولَمْ يَمْسَسْها بَشَرٌ، وإنَّما ذَكَرَها مَعَ الأنْبِياءِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِنهم لِأجْلِ ذِكْرِ عِيسى، وما في ذِكْرِ قِصَّتِها مِنَ الآيَةِ الباهِرَةِ ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ أضافَ سُبْحانَهُ الرُّوحَ إلَيْهِ، وهو لِلْمَلَكِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا، وهو يُرِيدُ رُوحَ عِيسى ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الآيَةُ فِيها واحِدَةٌ لِأنَّها ولَدَتْهُ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: وجَعَلْناها آيَةً وجَعَلْنا ابْنَها آيَةً كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ قِصَّتَهُما آيَةً تامَّةً مَعَ تَكاثُرِ آياتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ: أرادَ بِالآيَةِ الجِنْسَ الشّامِلَ، لِما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآياتِ، ومَعْنى أحْصَنَتْ عَفَّتْ فامْتَنَعَتْ مِنَ الفاحِشَةِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَرْجِ جَيْبُ القَمِيصِ: أيْ أنَّها طاهِرَةُ الأثْوابِ، وقَدْ مَضى بَيانُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ النِّساءِ ومَرْيَمَ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأنْبِياءَ بَيَّنَ أنَّهم كُلَّهم مُجْتَمِعُونَ عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ والأُمَّةُ الدِّينُ كَما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. ومِثْلُهُ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أيْ عَلى دِينٍ، كَأنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا دِينُكم دِينٌ واحِدٌ لا خِلافَ بَيْنَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ في التَّوْحِيدِ، ولا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلّا الكَفَرَةُ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكم في كِتابِكم شَرِيعَةٌ واحِدَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذِهِ مِلَّتُكم مِلَّةً واحِدَةً، وهي (p-٩٤٧)مِلَّةُ الإسْلامِ. وانْتِصابُ " أُمَّةً واحِدَةً " عَلى الحالِ. أيْ مُتَّفِقَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ، وقُرِئَ ( إنَّ هَذِهِ أُمَّتَكم ) بِنَصْبِ أُمَّتَكم عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ إنَّ والخَبَرُ ( أُمَّةٌ واحِدَةٌ ) . وقُرِئَ بِرَفْعِ ( أُمَّتُكم ) ورَفْعِ ( أُمَّةٌ ) عَلى أنَّهُما خَبَرانِ وقِيلَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: هي أُمَّةٌ واحِدَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( أُمَّتُكم ) عَلى أنَّهُ الخَبَرُ ونَصْبِ أُمَّةً عَلى الحالِ كَما قَدَّمْنا. وقالَ الفَرّاءُ: والزَّجّاجُ عَلى القَطْعِ بِسَبَبِ مَجِيءِ النَّكِرَةِ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ ﴿وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ خاصَّةً لا تَعْبُدُوا غَيْرِي كائِنًا ما كانَ.

﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أيْ تَفَرَّقُوا فِرَقًا في الدِّينِ حَتّى صارَ كالقِطَعِ المُتَفَرِّقَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: اخْتَلَفُوا فِيهِ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِمْ، فَنَصَبَ أمْرَهم بِحَذْفِ في، والمَقْصُودُ بِالآيَةِ المُشْرِكُونَ، ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِمُخالَفَةِ الحَقِّ واتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الخَلْقِ وأنَّهم جَعَلُوا أمْرَهم في أدْيانِهِمْ قِطَعًا وتَقَسَّمُوهُ بَيْنَهم، فَهَذا مُوَحِّدٌ، وهَذا يَهُودِيٌّ، وهَذا نَصْرانِيٌّ، وهَذا مَجُوسِيٌّ، وهَذا عابِدُ وثَنٍ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ مَرْجِعَ الجَمِيعِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الفِرَقِ راجِعٌ إلَيْنا بِالبَعْثِ، لا إلى غَيْرِنا.

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أيْ مَن يَعْمَل بَعْضَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا كُلَّها، إذْ لا يَطِيقُ ذَلِكَ أحَدٌ وهو مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ لا جُحُودَ لِعَمَلِهِ، ولا تَضْيِيعَ لِجَزائِهِ، والكُفْرُ ضِدُّ الإيمانِ، والكُفْرُ أيْضًا جُحُودُ النِّعْمَةِ وهو ضِدُّ الشُّكْرِ، يُقالُ كَفَرَ كُفُورًا وكُفْرانًا، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( فَلا كُفْرَ لِسَعْيِهِ )، ﴿وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ أيْ لِسَعْيِهِ حافِظُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] . ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ . قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأهْلُ المَدِينَةِ وحَرامٌ وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ( وحَرَمٌ ) وقَدِ اخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، ورُوِيَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ: وهُما لُغَتانِ مِثْلُ حِلٌّ وحَلالٌ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( وحَرِمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ ( حَرُمَ ) بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ، ومَعْنى أهْلَكْناها قَدَّرْنا إهْلاكَها، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ حَرامٌ، أوْ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لَهُ سادٌّ مَسَدَّ خَبَرِهِ. والمَعْنى: ومُمْتَنِعٌ ألْبَتَّةَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا لِلْجَزاءِ، وقِيلَ: إنَّ لا في لا يَرْجِعُونَ زائِدَةٌ: أيْ حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنْ يَرْجِعُوا بَعْدَ الهَلاكِ إلى الدُّنْيا، واخْتارَ هَذا أبُو عُبَيْدَةَ، وقِيلَ: إنَّ لَفْظَ حَرامٌ هُنا بِمَعْنى الواجِبِ: أيْ واجِبٌ عَلى قَرْيَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:

؎وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى صَخْرِ

وقِيلَ: حَرامٌ: أيْ مُمْتَنِعٌ رُجُوعُهم إلى التَّوْبَةِ، عَلى أنَّ لا زائِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: والآيَةُ مُشْكِلَةٌ ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ فِيها وأجَلِّهِ ما رَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وابْنُ عُلَيَّةَ وهُشَيْمٌ وابْنُ إدْرِيسَ ومُحَمَّدُ بْنُ فَضْلٍ وسُلَيْمُ بْنُ حِبّانَ ومُعَلًّى عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى الآيَةِ قالَ: واجِبٌ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ: أيْ لا يَتُوبُونَ. قالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، أيْ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِاسْتِئْصالِها، أوْ بِالخَتْمِ عَلى قُلُوبِ أهْلِها، أنْ يُتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلٌ لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ، أيْ لا يَتُوبُونَ.

﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ حَتّى هَذِهِ هي الَّتِي يُحْكى بَعْدَها الكَلامُ، عَلى حَذْفِ المُضافِ، وقِيلَ: إنَّ حَتّى هَذِهِ هي الَّتِي لِلْغايَةِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا مُسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي يَوْمُ فَتْحِ سَدِّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والحَدَبُ كُلُّ أكَمَةٍ مِنَ الأرْضِ مُرْتَفِعَةٍ والجَمْعُ أحْدابٌ، مَأْخُوذٌ مِن حَدَبَةِ الأرْضِ، ومَعْنى يَنْسِلُونَ يُسْرِعُونَ، وقِيلَ: يَخْرُجُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: والنَّسَلانُ مِشْيَةُ الذِّئْبِ إذا أسْرَعَ. يُقالُ نَسَلَ فُلانٌ في العَدْوِ يَنْسِلُ بِالكَسْرِ والضَّمِّ نَسْلًا ونُسُولًا ونُسْلانًا: أيْ أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن كُلِّ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ يُسْرِعُونَ المَشْيَ ويَتَفَرَّقُونَ في الأرْضِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وهم لِجَمِيعِ الخَلْقِ، والمَعْنى أنَّهم يُحْشَرُونَ إلى أرْضِ المَوْقِفِ وهم يُسْرِعُونَ مِن كُلِّ مُرْتَفَعٍ مِنَ الأرْضِ. وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ. حَكى ذَلِكَ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ أيْضًا الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي الصَّهْباءِ.

﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ﴾ عَطْفٌ عَلى فُتِحَتْ، والمُرادُ ما بَعْدَ الفَتْحِ مِنَ الحِسابِ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما: المُرادُ بِالوَعْدِ الحَقِّ القِيامَةُ والواوُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ اقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ وهو القِيامَةُ، فاقْتَرَبَ جَوابُ إذا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:

؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى

أيِ انْتَحى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٤]، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: قالُوا يا ويْلَنا.

وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، والضَّمِيرُ في فَإذا هي لِلْقِصَّةِ، أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ هي، والتَّقْدِيرُ: فَإذا هي، يَعْنِي القِيامَةَ بارِزَةٌ واقِعَةٌ كَأنَّها آتِيَةٌ حاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ: أيْ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا شاخِصَةٌ، ويا ويْلَنا عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: ﴿قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ مِن هَذا الَّذِي دَهَمَنا مِنَ البَعْثِ والحِسابِ ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ أضْرَبُوا عَنْ وصْفِ أنْفُسِهِمْ بِالغَفْلَةِ: أيْ لَمْ نَكُنْ غافِلِينَ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا بِالتَّكْذِيبِ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِلرُّسُلِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ قالَ: كانَ في لِسانِ امْرَأةِ زَكَرِيّا طُولٌ فَأصْلَحَهُ اللَّهُ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: وهَبْنا لَهُ ولَدَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتْ عاقِرًا فَجَعَلَها ولُودًا ووَهَبَ لَهُ مِنها يَحْيى، وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ قالَ: أذِلّاءَ. (p-٩٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ قالَ: رَغَبًا في رَحْمَةِ اللَّهِ ورَهَبًا مِن عَذابِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ قالَ: رَغَبًا هَكَذا ورَهَبًا هَكَذا وبَسَطَ كَفَّيْهِ، يَعْنِي جَعْلَ ظَهَرَهُما لِلْأرْضِ في الرَّغْبَةِ وعَكَسَهُ في الرَّهْبَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قالَ: خَطَبَنا أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ فَإنِّي أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ، وأنْ تُثْنُوا عَلَيْهِ بِما هو لَهُ أهْلٌ، وأنْ تَخْلِطُوا الرَّغْبَةَ بِالرَّهْبَةِ، فَإنَّ اللَّهَ أثْنى عَلى زَكَرِيّا وأهْلِ بَيْتِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: إنَّ هَذا دِينُكم دِينًا واحِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم﴾ قالَ: تَقَطَّعُوا اخْتَلَفُوا في الدِّينِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ قالَ: وجَبَ إهْلاكُها ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ قالَ: لا يَتُوبُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( وحَرُمَ عَلى قَرْيَةٍ ) قالَ: وجَبَ عَلى قَرْيَةٍ ﴿أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ كَما قالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ﴾ قالَ: شَرَفٍ يَنْسِلُونَ قالَ: يُقْبِلُونَ، وقَدْ ورَدَ في صِفَةِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وفي وقْتِ خُرُوجِهِمْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها هاهُنا كَثِيرُ فائِدَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском