Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:58–64, continued
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِالأعْمى أوِ الأعْرَجِ أوِ المَرِيضِ إلى بَيْتِ أبِيهِ أوْ بَيْتِ أخِيهِ أوْ بَيْتِ عَمِّهِ أوْ بَيْتِ عَمَّتِهِ أوْ بَيْتِ خالِهِ أوْ بَيْتِ خالَتِهِ. فَكانَ الزَّمْنى يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ يَقُولُونَ إنَّما يَذْهَبُونَ بِنا إلى بُيُوتِ غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةً لَهم.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ المُسْلِمُونَ يَرْغَبُونَ في النَّفِيرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ فَيَدْفَعُونَ مَفاتِيحَهم إلى أُمَنائِهِمْ ويَقُولُونَ لَهم قَدْ أحْلَلْنا لَكم أنْ تَأْكُلُوا مِمّا احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، فَكانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ لا يَحِلُّ لَنا أنْ نَأْكُلَ إنَّهم أذِنُوا لَنا مِن غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، وإنَّما نَحْنُ زَمْنى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ قالَ المُسْلِمُونَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ نَهانا أنْ نَأْكُلَ أمْوالَنا بَيْنَنا بِالباطِلِ، والطَّعامُ هو أفْضَلُ الأمْوالِ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ مِنّا أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ فَكَفَّ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ وهو الرَّجُلُ يُوَكِّلُ الرَّجُلَ بِضَيْعَتِهِ، والَّذِي رَخَّصَ اللَّهُ أنْ يَأْكُلَ مِن ذَلِكَ الطَّعامَ والتَّمْرَ ويَشْرَبَ اللَّبَنَ، وكانُوا أيْضًا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ الطَّعامَ وحْدَهُ حَتّى يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهم فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يُخالِطُهم في طَعامِهِمْ أعْمًى ولا مَرِيضٌ ولا أعْرَجُ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحَمَةَ عَلى الطَّعامِ، فَنَزَلَتْ رُخْصَةً في مُؤاكَلَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ ما بالُ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ ذُكِرُوا هُنا ؟ فَقالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا غَزَوْا خَلَّفُوا زَمْناهم، وكانُوا يَدْفَعُونَ إلَيْهِمْ مَفاتِيحَ أبْوابِهِمْ يَقُولُونَ قَدْ أحْلَلْنا لَكم أنْ تَأْكُلُوا مِمّا في بُيُوتِنا، وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ يَقُولُونَ لا نَدْخُلُها وهم غُيَّبٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رُخْصَةً لَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِن بَنِيَ كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَرى أحَدُهم أنَّ عَلَيْهِ مَخْزاةَ أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ في الجاهِلِيَّةِ، حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ يَسُوقُ الزَّوْدَ الحَفْلَ وهو جائِعٌ حَتّى يَجِدَ مَن يُؤاكِلُهُ ويُشارِبُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ وأبِي صالِحٍ قالا: كانَتِ الأنْصارُ إذا نَزَلَ بِهِمُ الضَّيْفُ لا يَأْكُلُونَ حَتّى يَأْكُلَ الضَّيْفُ مَعَهم، فَنَزَلَتْ رُخْصَةً لَهم.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ خَرَجَ الحارِثُ غازِيًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وخَلَّفَ عَلى أهْلِهِ خالِدَ بْنَ يَزِيدَ، فَحَرِجَ أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِهِ، وكانَ مَجْهُودًا فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ صَدِيقِكم﴾ قالَ: إذا دَخَلْتَ بَيْتَ صَدِيقِكَ مِن غَيْرِ مُؤامَرَتِهِ، ثُمَّ أكَلْتَ مِن طَعامِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ صَدِيقِكم﴾ قالَ: هَذا شَيْءٌ قَدِ انْقَطَعَ، إنَّما كانَ هَذا في أوَّلِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أبْوابٌ، وكانَتِ السُّتُورُ مُرْخاةً، فَرُبَّما دَخَلَ الرَّجُلُ البَيْتَ ولَيْسَ فِيهِ أحَدٌ، فَرُبَّما وجَدَ الطَّعامَ وهو جائِعٌ فَسَوَّغَهُ اللَّهُ أنْ يَأْكُلَهُ. وقالَ: ذَهَبَ ذَلِكَ اليَوْمَ البُيُوتُ فِيها أهْلُها، فَإذا خَرَجُوا أغْلَقُوا فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ يَقُولُ: إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتَكم فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو السَّلامُ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّهِ وهو تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا دَخَلْتَ عَلى أهْلِكَ فَسَلِّمَ عَلَيْهِمْ تَحِيَّةً مِن عِنْدِ (p-١٠٣٠)اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: هو المَسْجِدُ إذا دَخَلْتَهُ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في الأدَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إذا دَخَلَ البَيْتَ غَيْرَ المَسْكُونِ أوِ المَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ.
24:62–64Page 359
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢
The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣
Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٦٤
Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Already He knows that upon which you [stand]1 and [knows] the Day2 when they will be returned to Him and He will inform them of what they have done. And Allāh is Knowing of all things.
.
جُمْلَةُ إنَّما المُؤْمِنُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْدِيرِ ما تَقَدَّمَها مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما مِن صِيَغِ الحَصْرِ. والمَعْنى: لا يَتِمُّ إيمانٌ ولا يَكْمُلُ حَتّى يَكُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وجُمْلَةُ ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى آمَنُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، أيْ: إذا كانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلى أمْرٍ جامِعٍ، أيْ: عَلى أمْرِ طاعَةٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْها، نَحْوَ الجُمُعَةِ والنَّحْرِ والفِطْرِ والجِهادِ وأشْباهِ ذَلِكَ، وسُمِّيَ الأمْرُ جامِعًا مُبالَغَةً ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا صَعِدَ المِنبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وأرادَ الرَّجُلُ أنْ يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ لِحاجَةٍ أوْ عُذْرٍ لَمْ يَخْرُجْ حَتّى يَقُومَ بِحِيالِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَيْثُ يَراهُ، فَيَعْرِفُ أنَّهُ إنَّما قامَ لِيَسْتَأْذِنَ فَيَأْذَنُ لِمَن يَشاءُ مِنهم. قالَ مُجاهِدٌ: وإذْنُ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ إذا كانُوا مَعَ نَبِيِّهِ فِيما يَحْتاجُ فِيهِ إلى الجَماعَةِ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مَعَ الإمامِ لا يُخالِفُونَهُ ولا يَرْجِعُونَ عَنْهُ في جَمْعٍ مِن جُمُوعِهِمْ إلّا بِإذْنِهِ، ولِلْإمامِ أنْ يَأْذَنَ ولَهُ أنْ لا يَأْذَنَ عَلى ما يَرى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ وقَرَأ اليَمانِيُّ ( عَلى أمْرٍ جَمِيعٍ ) .
والحاصِلُ أنَّ الأمْرَ الجامِعَ أوِ الجَمِيعَ هو الَّذِي يَعُمُّ نَفْعُهُ أوْ ضَرَرُهُ، وهو الأمْرُ الجَلِيلُ الَّذِي يَحْتاجُ إلى اجْتِماعِ أهْلِ الرَّأْيِ والتَّجارِبِ.
قالَ العُلَماءُ: كُلُّ أمْرٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مَعَ الإمامِ لا يُخالِفُونَهُ ولا يَرْجِعُونَ عَنْهُ إلّا بِإذْنٍ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُسْتَأْذِنِينَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ كَما حَكَمَ أوَّلًا بِأنَّ المُؤْمِنِينَ الكامِلِينَ الإيمانَ: هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِهِما وبَيْنَ الِاسْتِئْذانِ ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أيْ: إذا اسْتَأْذَنَ المُؤْمِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ الأُمُورِ الَّتِي تُهِمُّهم فَإنَّهُ يَأْذَنُ لِمَن شاءَ مِنهم، ويَمْنَعُ مَن شاءَ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلِحَةُ الَّتِي يَراها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ أرْشَدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الِاسْتِغْفارِ لَهم، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ إنْ كانَ لِعُذْرٍ مُسَوَّغٍ، فَلا يَخْلُو عَنْ شائِبَةِ تَأْثِيرِ أمْرِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، بالِغٌ فِيهِما إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ.
﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها أيْ: لا تَجْعَلُوا دَعْوَتَهُ إيّاكم كالدُّعاءِ مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ في التَّساهُلِ في بَعْضِ الأحْوالِ عَنِ الإجابَةِ أوِ الرُّجُوعِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ أوْ رَفْعِ الصَّوْتِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ في رِفْقٍ ولِينٍ، ولا تَقُولُوا: يا مُحَمَّدُ بِتَجَهُّمٍ. وقالَ قَتادَةُ: أمَرَهم أنْ يُشَرِّفُوهُ ويُفَخِّمُوهُ. وقِيلَ: المَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِدُعاءِ الرَّسُولِ عَلَيْكم بِإسْخاطِهِ، فَإنَّ دَعْوَتَهُ مُوجَبَةٌ.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ التَّسَلُّلُ: الخُرُوجُ في خُفْيَةٍ، يُقالُ تَسَلَّلَ فُلانٌ مِن بَيْنِ أصْحابِهِ: إذا خَرَجَ مِن بَيْنِهِمْ، واللِّواذُ مِنَ المُلاوَذَةِ، وهو أنْ تَسْتَتِرَ بِشَيْءٍ مَخافَةَ مَن يَراكَ، وأصْلُهُ أنْ يَلُوذَ هَذا بِذَلِكَ وذاكَ بِهَذا، واللَّوْذُ ما يُطِيفُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: اللِّواذُ الزَّوَغانُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ في خُفْيَةٍ.
وانْتِصابُ ( لِواذًا ) عَلى الحالِ أيْ: مُتَلاوِذِينَ يَلُوذُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَنْضَمُّ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو الحالُ في الحَقِيقَةِ أيْ: يَلُوذُونَ لِواذًا.
وقَرَأ زَيْدٌ بْنُ قُطَيْبٍ ( لَواذًا ) بِفَتْحِ اللّامِ.
وفِي الآيَةِ بَيانُ ما كانَ يَقَعُ مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا يَتَسَلَّلُونَ عَنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ مُتَلاوِذِينَ يَنْضَمُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ اسْتِتارًا مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقَدْ كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ أثْقَلَ يَوْمٍ عَلى المُنافِقِينَ لِما يَرَوْنَ مِنَ الِاجْتِماعِ لِلصَّلاةِ والخُطْبَةِ فَكانُوا يَفِرُّونَ عَنِ الحُضُورِ ويَتَسَلَّلُونَ في خُفْيَةٍ ويَسْتَتِرُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَنْضَمُّ إلَيْهِ.
وقِيلَ: اللِّواذُ: الفِرارُ مِنَ الجِهادِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎وقُرَيْشٌ تَجُولُ مِنكم لِواذًا لَمْ تُحافِظْ وجَفَّ مِنها الحُلُومُ
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها أيْ: يُخالِفُونَ أمْرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِتَرْكِ العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ وعُدِّيَ فِعْلُ المُخالَفَةِ بِعَنْ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْراضِ أوِ الصَّدِّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ الآمِرُ بِالحَقِيقَةِ، و﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ مَفْعُولُ ( يَحْذَرْ ) وفاعِلُهُ المَوْصُولُ.
والمَعْنى: فَلْيَحْذَرِ المُخالِفُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ أوْ أمْرِ رَسُولِهِ أوْ أمْرِهِما جَمِيعًا إصابَةَ فِتْنَةٍ لَهم ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ في الآخِرَةِ، كَما أنَّ الفِتْنَةَ الَّتِي حَذَّرَهم مِن إصابَتِها لَهم هي في الدُّنْيا، وكَلِمَةُ ( أوْ ) لِمَنعِ الخُلُوِّ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: احْتَجَّ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ حَذَّرَ مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَوَعَّدَ بِالعِقابِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ الآيَةَ، فَيَجِبُ امْتِثالُ أمْرِهِ، وتَحْرُمُ مُخالَفَتُهُ، والفِتْنَةُ هُنا غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفِتَنِ، وقِيلَ: مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ.
(p-١٠٣١)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: ( عَنْ ) في هَذا المَوْضِعِ زائِدَةٌ. وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، بَلْ هي بِمَعْنى بَعْدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ: بَعْدَ أمْرِ رَبِّهِ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّضْمِينِ.
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها، فَهي مِلْكُهُ ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيُّها العِبادُ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها فَيُجازِيكم بِحَسَبِ ذَلِكَ، ويَعْلَمُ هاهُنا بِمَعْنى عَلِمَ ﴿ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أيْ: يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَعْلَمُ يَوْمَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، فَيُجازِيكم فِيهِ بِما عَمِلْتُمْ، وتَعْلِيقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِـ ( يَوْمَ يَرْجِعُونَ ) لا بِنَفْسِ رَجْعِهِمْ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ عِلْمِهِ، لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ وُقُوعِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِوُقُوعِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ يُخْبِرُهم بِما عَمِلُوا مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ الأمْرِ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ أنَّ هَذا الوَعِيدَ لِلْمُنافِقِينَ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُرْوَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالا: لَمّا أقْبَلَتْ قُرَيْشٌ عامَ الأحْزابِ نَزَلُوا بِمَجْمَعِ الأسْيالِ مِن رَوْمَةِ بِئْرٍ بِالمَدِينَةِ، قائِدُها أبُو سُفْيانَ، وأقْبَلَتْ غَطَفانُ حَتّى نَزَلُوا بِنَقَمى إلى جانِبِ أُحُدٍ، وجاءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الخَبَرُ، فَضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ وعَمِلَ فِيهِ المُسْلِمُونَ، وأبْطَأ رِجالٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وجَعَلُوا يُورُّونَ بِالضَّعِيفِ مِنَ العَمَلِ، فَيَتَسَلَّلُونَ إلى أهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا إذْنٍ، وجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَ المُسْلِمِينَ إذا نابَتْهُ النّائِبَةُ مِنَ الحاجَةِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها يَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَسْتَأْذِنُهُ في اللُّحُوقِ لِحاجَتِهِ فَيَأْذَنُ لَهُ، فَإذا قَضى حاجَتَهُ رَجَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في أُولَئِكَ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هي في الجِهادِ والجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ قالَ: مِن طاعَةِ اللَّهِ عامٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، قالَ: يَعْنِي كَدُعاءِ أحَدِكم إذا دَعا أخاهُ بِاسْمِهِ، ولَكِنْ وقِّرُوهُ وقُولُوا لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ في تَفْسِيرِهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ، قالَ: لا تَصِيحُوا بِهِ مِن بَعِيدٍ يا أبا القاسِمِ، ولَكِنْ كَما قالَ اللَّهُ في الحُجُراتِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ مُقاتِلٍ، قالَ: كانَ لا يَخْرُجُ أحَدٌ لِرُعافٍ أوْ إحْداثٍ حَتّى يَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشِيرُ إلَيْهِ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الإبْهامَ، فَيَأْذَنُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ، وكانَ مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَثْقُلُ عَلَيْهِ الخُطْبَةُ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ، فَكانَ إذا اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قامَ المُنافِقُ إلى جَنْبِهِ يَسْتَتِرُ بِهِ حَتّى يَخْرُجَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ في خاتِمَةِ سُورَةِ النُّورِ، وهو جاعِلٌ أُصْبُعَيْهِ تَحْتَ عَيْنَيْهِ يَقُولُ: بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences