Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:149–155
3:149–153Page 69
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩
O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.
بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠
But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.
سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١
We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.
وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢
And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.
۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣
[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.
لَمّا أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالِاقْتِداءِ بِمَن تَقَدَّمَ مِن أنْصارِ الأنْبِياءِ حَذَّرَ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهم مُشْرِكُو العَرَبِ، وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: المُنافِقُونَ في قَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ ارْجِعُوا إلى دِينِ آبائِكم.
وقَوْلُهُ: ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ: يُخْرِجُوكم مِن دِينِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أيْ: تَرْجِعُوا مَغْبُونِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم﴾ إضْرابٌ عَنْ مَفْهُومِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ أيْ: إنْ تُطِيعُوا الكافِرِينَ يَخْذُلُوكم ولا يَنْصُرُوكم بَلِ اللَّهُ ناصِرُكم لا غَيْرُهُ، وقُرِئَ بَلِ اللَّهَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ.
قَوْلُهُ: " سَنُلْقِي " قَرَأ السَّخْتِيانِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ( الرُّعُبَ ) بِضَمِّ العَيْنِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالسُّكُونِ وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: رَعَبْتُهُ رُعْبًا ورُعُبًا فَهو مَرْعُوبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، والرُّعُبُ بِالضَّمِّ الِاسْمُ، وأصْلُهُ المَلْءُ، يُقالُ سَيْلٌ راعِبٌ؛ أيْ: يَمْلَأُ الوادِيَ، ورَعَبْتُ الحَوْضَ مَلَأْتُهُ، فالمَعْنى: سَنَمْلَأُ قُلُوبَ الكافِرِينَ رُعْبًا؛ أيْ: خَوْفًا وفَزَعًا، والإلْقاءُ يُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً في الأجْسامِ، ومَجازًا في غَيْرِها كَهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ نَدِمُوا أنْ لا يَكُونُوا اسْتَأْصَلُوا المُسْلِمِينَ، وقالُوا: بِئْسَما صَنَعْنا قَتَلْناهم حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا الشَّرِيدُ تَرَكْناهم، ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهم. فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حَتّى رَجَعُوا عَمّا هَمُّوا بِهِ ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَنُلْقِي وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أيْ: ما لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِجَعْلِهِ شَرِيكًا لَهُ حُجَّةً وبَيانًا وبُرْهانًا، والنَّفْيُ يَتَوَجَّهُ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ؛ أيْ: لا حُجَّةَ ولا إنْزالَ، والمَعْنى: أنَّ الإشْراكَ (p-٢٤٩)بِاللَّهِ لَمْ يَثْبُتْ في شَيْءٍ مِنَ المِلَلِ. والمَثْوى: المَكانُ الَّذِي يُقامُ فِيهِ، يُقالُ: ثَوى يَثْوِي ثَواءً.
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ نَزَلَتْ لَمّا قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ الظَّفَرُ لَهم في الِابْتِداءِ، حَتّى قَتَلُوا صاحِبَ لِواءِ المُشْرِكِينَ وتِسْعَةَ نَفَرٍ بَعْدَهُ، فَلَمّا اشْتَغَلُوا بِالغَنِيمَةِ وتَرَكَ الرُّماةُ مَرْكَزَهم طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ كانَ ذَلِكَ سَبَبَ الهَزِيمَةِ. والحِسُّ: الِاسْتِئْصالُ بِالقَتْلِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
يُقالُ جَرادٌ مَحْسُوسٌ: إذا قَتَلَهُ البَرُّ، وسَنَةٌ حَسُوسٌ؛ أيْ: جَدْبَةٌ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ. قِيلَ: وأصْلُهُ مِنَ الحِسِّ الَّذِي هو الإدْراكُ بِالحاسَّةِ، فَمَعْنى حِسِّهِ: أذْهَبَ حِسَّهُ بِالقَتْلِ، وتَحُسُّونَهم: تَقْتُلُونَهم وتَسْتَأْصِلُونَهم، قالَ الشّاعِرُ:
؎حَسَسْناهم بِالسَّيْفِ حِسًّا فَأصْبَحَتْ بَقِيَّتُهم قَدْ شُرِّدُوا وتَبَدَّدُوا
وقالَ جَرِيرٌ:
؎تَحُسُّهُمُ السُّيُوفُ كَما تَسامى ∗∗∗ حَرِيقُ النّارِ في الأجْمِ الحَصِيدِ
بِإذْنِهِ أيْ: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ أيْ: جَبُنْتُمْ وضَعُفْتُمْ، قِيلَ: جَوابُ حَتّى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ امْتُحِنْتُمْ وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ حَتّى قَوْلُهُ: وتَنازَعْتُمْ والواوُ مُقْحَمَةٌ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ صَرَفَكم عَنْهم، وقِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ؛ أيْ: حَتّى إذا تَنازَعْتُمْ وعَصَيْتُمْ فَشِلْتُمْ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ عَصَيْتُمْ، والواوُ مُقْحَمَةٌ.
وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨]، وقِيلَ: حَتّى بِمَعْنى إلى، وحِينَئِذٍ لا جَوابَ لَها، والتَّنازُعُ المَذْكُورُ هو ما وقَعَ مِنَ الرُّماةِ حِينَ قالَ بَعْضُهم: نَلْحَقُ الغَنائِمَ، وقالَ بَعْضُهم: نَثْبُتُ في مَكانِنا كَما أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ ما وقَعَ لَهم مِنَ النَّصْرِ في الِابْتِداءِ في يَوْمِ أُحُدٍ كَما تَقَدَّمَ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي الغَنِيمَةَ ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيِ: الأجْرُ بِالبَقاءِ في مَراكِزِهِمُ امْتِثالًا لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ( ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ) أيْ: رَدَّكُمُ اللَّهُ عَنْهم بِالِانْهِزامِ بَعْدَ أنِ اسْتَوْلَيْتُمْ عَلَيْهِمْ لِيَمْتَحِنَكم ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ لَمّا عَلِمَ مِن نَدَمِكم فَلَمْ يَسْتَأْصِلْكم بَعْدَ المَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ، والخِطابُ لِجَمِيعِ المُنْهَزِمِينَ وقِيلَ: لِلرُّماةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: إذْ تُصْعِدُونَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: صَرَفَكم أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ( لِيَبْتَلِيَكم ) وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ بِفَتْحِ التّاءِ والعَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وقُنْبُلٌ ( تَصْعَدُونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: أصْعَدْتُ إذا مَضَيْتَ حِيالَ وجْهِكَ، وصَعِدْتُ إذا ارْتَقَيْتَ في جَبَلٍ، فالإصْعادُ السَّيْرُ في مُسْتَوى الأرْضِ وبُطُونِ الأوْدِيَةِ، والصُّعُودُ الِارْتِفاعُ عَلى الجِبالِ والسُّطُوحِ والسَّلالِمِ والدَّرَجِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صُعُودُهم في الجَبَلِ بَعْدَ إصْعادِهِمْ في الوادِي، فَيَصِحُّ المَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْعَدَ إذا أبْعَدَ في الذَّهابِ وأمْعَنَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أيُّهَذا السّائِلِي أيْنَ أصْعَدَتْ ∗∗∗ فَإنَّ لَها مِن بَطْنِ يَثْرِبَ مَوْعِدا
وقالَ الفَرّاءُ: الإصْعادُ الِابْتِداءُ في السَّفَرِ، والِانْحِدارُ الرُّجُوعُ مِنهُ، يُقالُ: أصْعَدْنا مِن بَغْدادَ إلى مَكَّةَ وإلى خُراسانَ وأشْباهِ ذَلِكَ: إذا خَرَجْنا إلَيْها وأخَذْنا في السَّفَرِ، وانْحَدَرْنا إذا رَجَعْنا.
وقالَ المُفَضَّلُ: صَعِدَ وأصْعَدَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَعْنى ( تَلْوُونَ ) تَعْرُجُونَ وتُقِيمُونَ: أيْ: لا يَلْتَفِتُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ هَرَبًا، فَإنَّ المُعَرِّجَ إلى الشَّيْءِ يَلْوِي إلَيْهِ عُنُقَهُ أوْ عُنُقَ دابَّتِهِ، عَلى أحَدٍ: أيْ عَلى أحَدٍ مِمَّنْ مَعَكم، وقِيلَ: عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وقَرَأ الحَسَنُ تَلُونَ بِواوٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ التّاءِ وهي لُغَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ أيْ: في الطّائِفَةِ المُتَأخِّرَةِ مِنكم، يُقالُ: جاءَ فُلانٌ في آخِرِ النّاسِ، وآخِرَةِ النّاسِ، وأُخْرى النّاسِ، وأُخْرَياتِ النّاسِ. وكانَ دُعاءُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( أيْ عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا ) .
قَوْلُهُ: فَأثابَكم: عَطْفٌ عَلى صَرَفَكم؛ أيْ: فَجازاكُمُ اللَّهُ غَمًّا حِينَ صَرَفَكم عَنْهُ بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِعِصْيانِكم، أوْ غَمًّا مَوْصُولًا بِغَمٍّ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإرْجافِ والجُرْحِ والقَتْلِ وظَفَرِ المُشْرِكِينَ، والغَمُّ في الأصْلِ التَّغْطِيَةُ، غَمَّيْتُ الشَّيْءَ غَطَّيْتُهُ، ويَوْمٌ غَمٌّ، ولَيْلَةٌ غَمَّةٌ: إذا كانا مُظْلِمَيْنِ: ومِنهُ غَمُّ الهِلالِ، وقِيلَ: الغَمُّ الأوَّلُ الهَزِيمَةُ، والثّانِي إشْرافُ أبِي هُرَيْرَةَ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلَيْهِمْ في الجَبَلِ.
قَوْلُهُ: لِكَيْلا تَحْزَنُوا: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: فَأثابَكم أيْ: هَذا الغَمُّ بَعْدَ الغَمِّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَ مِنَ الغَنِيمَةِ ولا ما أصابَكم مِنَ الهَزِيمَةِ، تَمْرِينًا لَكم عَلى المَصائِبِ وتَدْرِيبًا لِاحْتِمالِ الشَّدائِدِ. وقالَ المُفَضَّلُ: مَعْنى لِكَيْلا تَحْزَنُوا لِكَيْ تَحْزَنُوا، ولا زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أيْ: أنْ تَسْجُدَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] أيْ لِيَعْلَمَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: لا تَنْصَحُوا اليَهُودَ والنَّصارى عَلى دِينِكم ولا تَصْدُقُوهم بِشَيْءٍ في دِينِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ يَقُولُ: إنْ تُطِيعُوا أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ يَرُدُّكم كُفّارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ نَحْوَ ما قَدَّمْناهُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ وعَدَهم عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى أنْ يَمُدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وكانَ قَدْ فَعَلَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وتَرَكُوا مَصافَّهم وتَرَكَتِ الرُّماةُ عَهْدَ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ أنْ لا يَبْرَحُوا مَنازِلَهم، وأرادُوا الدُّنْيا رُفِعَ عَنْهم مَدَدُ المَلائِكَةِ.
وقِصَّةُ أُحُدٍ مُسْتَوْفاةٌ في السِّيَرِ والتَّوارِيخِ فَلا حاجَةَ إلى إطالَةِ الشَّرْحِ هُنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في قَوْلِهِ: إذْ تَحُسُّونَهم قالَ: الحَسُّ القَتْلُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ. قالَ: الفَشَلُ الجُبْنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في (p-٢٥٠)قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ قالَ: الغَنائِمُ وهَزِيمَةُ القَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ عَفا عَنْكم قالَ: يَقُولُ اللَّهُ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكم أنْ لا أكُونَ اسْتَأْصَلْتُكم.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إذْ تُصْعِدُونَ قالَ: أصْعَدُوا في أُحُدٍ فِرارًا والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم: ( إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قالَ: الغَمُّ الأوَّلُ بِسَبَبِ الهَزِيمَةِ، والثّانِي: حِينَ قِيلَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم أعْظَمَ مِنَ الهَزِيمَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: غَمًّا بِغَمٍّ، قالَ: فِرَةٌ بَعْدَ الفِرَةِ الأُولى حِينَ سَمِعُوا الصَّوْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الغَمُّ الأوَّلُ الجِراحُ والقَتْلُ، والغَمُّ الآخَرُ حِينَ سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ.
3:154–155Page 70
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤
Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥
Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.
الأمَنَةُ والأمْنُ سَواءٌ، وقِيلَ: الأمَنَةُ إنَّما تَكُونُ مَعَ أسْبابِ الخَوْفِ، والأمْنُ مَعَ عَدَمِهِ، وهي مَنصُوبَةٌ بِأنْزَلَ. ونُعاسًا بَدَلٌ مِنها أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ أمَنَةً حالٌ مِن نُعاسًا مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ فَبَعِيدٌ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( أمْنَةً ) بِسُكُونِ المِيمِ. قَوْلُهُ: يَغْشى: قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّعاسِ وبِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِأمَنَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى هم مُعَتَّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأصْحابُهُ، وكانُوا خَرَجُوا طَمَعًا في الغَنِيمَةِ وجَعَلُوا يُناشِدُونَ عَلى الحُضُورِ، ويَقُولُونَ الأقاوِيلَ.
ومَعْنى أهَمَّتْهم أنْفُسُهم حَمَلَتْهم عَلى الهَمِّ، أهَمَّنِي الأمْرُ أقْلَقَنِي، والواوُ في قَوْلِهِ: وطائِفَةٌ لِلْحالِ، وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِاعْتِمادِها عَلى واوِ الحالِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ﴿أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ صارَتْ هَمَّهم لا هَمَّ لَهم غَيْرُها. يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ: هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُظَنَّ بِهِ، وظَنُّ الجاهِلِيَّةِ: بَدَلٌ مِنهُ. وهو الظَّنُّ المُخْتَصُّ بِمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ، أوْ ظَنُّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهو ظَنُّهم أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ باطِلٌ، وأنَّهُ لا يُنْصَرُ ولا يَتِمُّ ما دَعا إلَيْهِ مِن دِينِ الحَقِّ.
وقَوْلُهُ: يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن يَظُنُّونَ أيْ: يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ أيْ: هَلْ لَنا مِن أمْرِ اللَّهِ نَصِيبٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الجَحْدُ؛ أيْ: ما لَنا شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ. وهو النَّصْرُ والِاسْتِظْهارُ عَلى العَدُوِّ، وقِيلَ هو الخُرُوجُ؛ أيْ: إنَّما خَرَجْنا مُكْرَهِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ولَيْسَ لَكم ولا لِعَدُوِّكم مِنهُ شَيْءٌ، فالنَّصْرُ بِيَدِهِ والظُّفْرُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: يُضْمِرُونَ في أنْفُسِهِمُ النِّفاقَ ولا يُبْدُونَ لَكَ ذَلِكَ، بَلْ يَسْألُونَكَ سُؤالَ المُسْتَرْشِدِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هو الأمْرُ الَّذِي يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ فِيما بَيْنَهم أوْ في أنْفُسِهِمْ ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ أيْ: ما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ قاعِدِينَ في بُيُوتِكم لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن خُرُوجِ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ القَتْلُ إلى هَذِهِ المُصارِعِ الَّتِي صَرَعُوا فِيها، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ لا يُرَدُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم﴾ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَلٍ لَهُ أُخْرى مَطْوِيَّةٌ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِها، كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ ما فُعِلَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ، ولِيَبْتَلِيَ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَطْوِيَّةٍ لِبَرَزَ، والمَعْنى: لِيَمْتَحِنَ ما في صُدُورِكم مِنَ الإخْلاصِ، ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيِ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ: وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ اسْتَدْعى زَلَلَهم بِسَبَبِ بَعْضِ ما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي مِنها مُخالَفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ واعْتِذارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أمِنَهُمُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ بِنُعاسٍ غَشّاهم، وإنَّما يَنْعَسُ مَن يَأْمَنُ. وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ أبا طَلْحَةَ قالَ: غَشِينا ونَحْنُ في مَصافِّنا يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي وآخُذُهُ ويَسْقُطُ وآخُذُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ وما مِنهم مِن أحَدٍ إلّا وهو يَمِيلُ تَحْتَ جُحْفَتِهِ مِنَ النُّعاسِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وكانَ سَيِّدَ المُنافِقِينَ: قُتِلَ اليَوْمَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقالَ: وهَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ قالَ: ظَنَّ أهْلِ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مُعَتَّبٌ هو الَّذِي قالَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الَّذِي قالَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ (p-٢٥١)عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ قالَ: هم ثَلاثَةٌ، واحِدٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، واثْنانِ مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ ورافِعِ بْنِ المُعَلّى وخارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ. وقَدْ رُوِيَ في تَعْيِينِ " مِن " في الآيَةِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences