Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:187–194
3:187–189Page 75
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
قَوْلُهُ: ذائِقَةٌ مِنَ الذَّوْقِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎مَن لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرِمًا المَوْتُ كَأْسٌ والمَرْءُ ذائِقُها
وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ بَعْدَ إخْبارِهِ عَنِ الباخِلِينَ القائِلِينَ: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ المَوْتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أجْرُ المُؤْمِنِ: الثَّوابُ، وأجْرُ الكافِرِ: العِقابُ؛ أيْ: أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ وتَكْمِيلَها إنَّما تَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وما يَقَعُ مِنَ الأُجُورِ في الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ فَإنَّما هو بَعْضُ الأُجُورِ.
والزَّحْزَحَةُ: التَّنْحِيَةُ، والإبْعادُ: تَكْرِيرُ الزَّحِّ وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، قالَهُ في الكَشّافِ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ؛ أيْ: فَمَن بَعُدَ عَنِ النّارِ يَوْمَئِذٍ ونُحِّيَ فَقَدْ فازَ؛ أيْ: ظَفَرَ بِما يُرِيدُ ونَجا مِمّا يَخافُ، وهَذا هو الفَوْزُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي لا فَوْزَ يُقارِبُهُ، فَإنَّ كُلَّ فَوْزٍ وإنْ كانَ بِجَمِيعِ المَطالِبِ دُونَ الجَنَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، اللَّهُمَّ لا فَوْزَ إلّا فَوْزُ الآخِرَةِ، ولا عَيْشَ إلّا عَيْشُها، ولا نَعِيمَ إلّا نَعِيمُها، فاغْفِرْ ذُنُوبَنا، واسْتُرْ عُيُوبَنا، وارْضَ عَنّا رِضًا لا سُخْطَ بَعْدَهُ، واجْمَعْ لَنا بَيْنَ الرِّضا مِنكَ عَلَيْنا والجَنَّةِ. والمَتاعُ: ما يَتَمَتَّعُ بِهِ الإنْسانُ ويَنْتَفِعُ بِهِ ثُمَّ يَزُولُ ولا يَبْقى، كَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
الغُرُورُ: الشَّيْطانُ يَغُرُّ النّاسَ بِالأمانِيِّ الباطِلَةِ والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ الدُّنْيا بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى مَن يُرِيدُهُ، ولَهُ ظاهِرٌ مَحْبُوبٌ وباطِنٌ مَكْرُوهٌ. قَوْلُهُ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأُمَّتِهِ تَسْلِيَةً لَهم عَمّا سَيَلْقَوْنَهُ مِنَ الكَفَرَةِ والفَسَقَةِ لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى (p-٢٦١)المَكارِهِ.
والِابْتِلاءُ: الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ، والمَعْنى: لَتُمْتَحَنُنَّ ولَتُخْتَبَرُنَّ في أمْوالِكم بِالمَصائِبِ والإنْفاقاتِ الواجِبَةِ وسائِرِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ. والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ بِالمَوْتِ والأمْراضِ، وفَقْدِ الأحْبابِ، والقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ المُوطِئَةُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ وهم سائِرُ الطَّوائِفِ الكُفْرِيَّةِ مِن غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ ﴿أذًى كَثِيرًا﴾ مِنَ الطَّعْنِ في دِينِكم وأعْراضِكم، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَإنَّ ذَلِكَ إلى الصَّبْرِ والتَّقْوى المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِالفِعْلَيْنِ، وعَزْمُ الأُمُورِ: مَعْزُوماتُها، أيْ: مِمّا يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَعْزِمُوا عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ عَزْمَةً مِن عَزَماتِ اللَّهِ الَّتِي أوْجَبَ عَلَيْهِمُ القِيامَ بِها، يُقالُ عَزَمَ الأمْرَ؛ أيْ: شَدَّهُ وأصْلَحَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِأهْلِ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أوِ اليَهُودُ فَقَطْ عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ - والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ كُلُّ مَن آتاهُ اللَّهُ عِلْمَ شَيْءٍ مِنَ الكِتابِ؛ أيِّ كِتابٍ كانَ، كَما يُفِيدُهُ التَّعْرِيفُ الجِنْسِيُّ في الكِتابِ.
قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ عالِمٍ، وكَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ: لَوْلا ما أخَذَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ ما حَدَّثْتُكم بِشَيْءٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " لَتُبَيِّنُنَّهُ " راجِعٌ إلى الكِتابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى أنْ يُبَيِّنُوا نُبُوَّتَهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُوها ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وأهْلُ المَدِينَةِ ( لَيُبَيِّنُنَّهُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَتُبَيِّنُنَّهُ ) [التوبة: ٣٠] ويُشْكِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: فَنَبَذُوهُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ فاعِلَهُ النّاسُ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَتُبَيِّنُونَهُ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ مُبالَغَةٌ في النَّبْذِ والطَّرْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي أُمِرُوا بِبَيانِهِ ونُهُوا عَنْ كِتْمانِهِ. وقَوْلُهُ: ثَمَنًا قَلِيلًا أيْ: حَقِيرًا يَسِيرًا مِن حُطامِ الدُّنْيا وأعْراضِها، قَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ " ما " نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ، ويَشْتَرُونَ صِفَةٌ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا يَشْتَرُونَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ قَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ. وقَوْلُهُ: بِما أتَوْا أيْ: بِما فَعَلُوا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي، والظّاهِرُ شُمُولُها لِكُلِّ مَن حَصَلَ مِنهُ ما تَضَمَّنَتْهُ عَمَلًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو المُعْتَبَرُ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ، فَمَن فَرِحَ بِما فَعَلَ وأحَبَّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ بِما لَمْ يَفْعَلْ فَلا تَحْسَبَنَّهُ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ( لا يَحْسَبَنَّ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ؛ أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الفارِحُونَ فَرَحَهم مُنْجِيًا لَهم مِنَ العَذابِ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ وهو فَرَحُهم، والمَفْعُولُ الثّانِي بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ.
وقَوْلُهُ: فَلا تَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ الأوَّلِ عَلى القِراءَتَيْنِ، والمَفازَةُ: المَنجاةُ، مَفْعَلَةٌ مِن فازَ يَفُوزُ إذا نَجا؛ أيْ: لَيْسُوا بِفائِزِينَ، سُمِّيَ مَوْضِعُ الخَوْفِ مَفازَةً عَلى جِهَةِ التَّفاؤُلِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. وقِيلَ: لِأنَّها مَوْضِعُ تَفْوِيزٍ ومَظِنَّةُ هَلاكٍ، تَقُولُ العَرَبُ: فَوْزُ الرَّجُلِ إذا ماتَ.
قالَ ثَعْلَبٌ: حَكَيْتُ لِابْنِ الأعْرابِيِّ قَوْلَ الأصْمَعِيِّ فَقالَ: أخْطَأ. قالَ لِي أبُو المَكارِمِ: إنَّما سُمِّيَتْ مَفازَةً لِأنَّ مَن قَطَعَها فازَ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: بَلْ لِأنَّهُ مُسْتَسْلِمٌ لِما أصابَهُ. وقِيلَ المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّهم بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ الفَوْزَ التَّباعُدُ عَنِ المَكْرُوهِ.
وقَرَأ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ والأعْمَشُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ ( آتَوْا ) بِالمَدِّ؛ أيْ: يَفْرَحُونَ بِما أعْطَوْا. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ - السَّبْعَةُ وغَيْرُهم - " أتَوْا " بِالقَصْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ مَوْضِعَ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم﴾ قالَ: هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى، فَكانَ المُسْلِمُونَ يَسْمَعُونَ مِنَ اليَهُودِ قَوْلَهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠]، ومِنَ النَّصارى قَوْلَهم: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ قالَ: مِنَ القُوَّةِ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأمَرَكم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ قالَ: فِنْحاصُ وأشْيَعُ وأشْباهُهُما مِنَ الأحْبارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أمَرَهم أنْ يَتَّبِعُوا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ الإسْلامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَهُ عَلى عِبادِهِ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَنَبَذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هُمُ اليَهُودُ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ قالَ: مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ العِلْمِ، فَمَن عَلِمَ عِلْمًا (p-٢٦٢)فَلْيُعَلِّمْهُ لِلنّاسِ، وإيّاكم وكِتْمانَ العِلْمِ، فَإنَّ كِتْمانَ العِلْمِ هَلَكَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْلا المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ العِلْمِ ما حَدَّثْتُكم بِكَثِيرٍ مِمّا تَسْألُونَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما: أنَّ مَرْوانَ قالَ لِبَوّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أُوتِيَ وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكَمَ ولِهَذِهِ الآيَةِ، إنَّما أُنْزِلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ تَلا ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «سَألَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا وقَدْ أرَوْهُ أنْ قَدْ أخْبَرُوهُ بِما سَألَهم عَنْهُ واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِ ما سَألَهم عَنْهُ» . وفي البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ. وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في فِنْحاصَ وأشْيَعَ وأشْباهِهِما. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وابْنُ سَعْدٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ. قالَ: لِمَ ؟ قالَ: قَدْ نَهانا اللَّهُ أنْ نُحِبَّ أنْ نُحْمَدَ بِما لَمْ نَفْعَلْ وأجِدُنِي أُحِبُّ الحَمْدَ، ونَهانا عَنِ الخُيَلاءِ وأجِدُنِي أُحِبُّ الجَمالَ، ونَهانا أنْ نَرْفَعَ أصْواتَنا فَوْقَ صَوْتِكَ وأنا رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَقالَ: يا ثابِتُ ألا تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وتُقْتَلَ شَهِيدًا وتَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَعاشَ حَمِيدًا وقُتِلَ شَهِيدا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: بِمَفازَةٍ قالَ بِمَنجاةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ.
3:190–194Page 75
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤
Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ فِيها. والمُرادُ ذاتُ السَّماواتِ والأرْضِ وصِفاتُها ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ تَعاقُبِهِما، وكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ الآخَرَ، وكَوْنِ زِيادَةِ أحَدِهِما في نُقْصانِ الآخَرِ، وتَفاوُتِهِما طُولًا وقِصَرًا وحَرًّا وبَرْدًا، وغَيْرِ ذَلِكَ لَآياتٍ أيْ: دَلالاتٍ واضِحَةٍ وبَراهِينَ بَيِّنَةٍ تَدُلُّ عَلى الخالِقِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ بَعْضِ ما هُنا في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِأُولِي الألْبابِ: أهْلُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ، فَإنَّ مُجَرَّدَ التَّفْكِيرِ فِيما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ يَكْفِي العاقِلَ ويُوصِلُهُ إلى الإيمانِ الَّذِي لا تُزَلْزِلُهُ الشُّبَهُ ولا تَدْفَعُهُ التَّشْكِيكاتُ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ المَوْصُولُ نَعْتٌ لِأُولِي الألْبابِ - وقِيلَ: هو مَفْصُولٌ عَنْهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. والمُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا ذِكْرُهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الأحْوالِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ حالِ الصَّلاةِ وغَيْرِها.
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الذِّكْرَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُونَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَيُصَلُّونَها قِيامًا مَعَ عَدَمِ العُذْرِ، وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ مَعَ العُذْرِ. قَوْلُهُ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَذْكُرُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الحالِ، أعْنِي ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾ وقِيلَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الأوَّلِ، والمَعْنى: أنَّهم يَتَفَكَّرُونَ في بَدِيعِ صُنْعِهِما وإتْقانِهِما مَعَ عِظَمِ أجْرامِها، فَإنَّ هَذا الفِكْرَ إذا كانَ صادِقًا أوْصَلَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: يَقُولُونَ ما خَلَقْتَ هَذا عَبَثًا ولَهْوًا، بَلْ خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلى حِكْمَتِكَ وقُدْرَتِكَ. والباطِلُ: الزّائِلُ الذّاهِبُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ
وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: خَلْقًا باطِلًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ، وخَلَقَ بِمَعْنى جَعَلَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ إلى الخَلْقِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.
قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ خَلْقُكَ لِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا. وقَوْلُهُ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ هَذا الدُّعاءِ عَلى ما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنِ اسْتِدْعاءِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ مِنهُ سُبْحانَهُ، وبَيانٌ لِلسَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ دَعاهُ عِبادُهُ بِأنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، وهو أنَّ مَن أدْخَلَهُ النّارَ فَقَدْ أخْزاهُ، أيْ أذَلَّهُ وأهانَهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: مَعْنى أخْزَيْتَهُ أهْلَكْتَهُ، وأنْشَدَ:
؎أخْزى الإلَهُ بَنِي الصَّلِيبِ عُنَيْزَةً ∗∗∗ واللّابِسِينَ مَلابِسَ الرُّهْبانِ
وقِيلَ: مَعْناهُ: فَضَحْتَهُ وأبْعَدْتَهُ، يُقالُ أخْزاهُ اللَّهُ: أبْعَدَهُ ومَقَتَهُ، والِاسْمُ الخِزْيُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: خَزى يَخْزِي خِزْيًا: إذا وقَعَ في بَلِيَّةٍ. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ المُنادِي عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وأوْقَعَ السَّماعَ عَلى المُنادِي مَعَ كَوْنِ المَسْمُوعِ هو النِّداءُ؛ لِأنَّهُ قَدْ وصَفَ المُنادِيَ بِما يُسْمَعُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا﴾ .
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنَّ ( يُنادِي ) هو المَفْعُولُ الثّانِي وذَكَرَ يُنادِي مَعَ أنَّهُ قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ: مُنادِيًا لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ هَذا المُنادى بِهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: لِلْإيمانِ بِمَعْنى إلى، وقِيلَ: إنَّ يُنادِي يَتَعَدّى بِاللّامِ وبِإلى، يُقالُ: يُنادِي لِكَذا ويُنادِي إلى كَذا، وقِيلَ: اللّامُ لِلْعِلَّةِ؛ أيْ: لِأجْلِ الإيمانِ. قَوْلُهُ: ( أنْ آمِنُوا ) هي إمّا تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ وأصْلُها بِأنْ آمِنُوا فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ.
قَوْلُهُ: فَآمَنّا أيِ: امْتَثَلْنا ما يَأْمُرُ بِهِ هَذا المُنادِي مِنَ (p-٢٦٣)الإيمانِ فَآمَنّا، وتَكْرِيرُ النِّداءِ في قَوْلِهِ: رَبَّنا لِإظْهارِ التَّضَرُّعِ والخُضُوعِ، قِيلَ: المُرادُ بِالذُّنُوبِ هُنا الكَبائِرُ وبِالسَّيِّئاتِ الصَّغائِرُ. والظّاهِرُ عَدَمُ اخْتِصاصِ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، والآخَرِ بِالآخَرِ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى في الذُّنُوبِ والسَّيِّئاتِ واحِدًا، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، كَما أنَّ مَعْنى الغَفْرِ والكُفْرِ السَّتْرُ. والأبْرارُ جَمْعُ بارٍّ أوْ بَرٍّ، وأصْلُهُ مِنَ الِاتِّساعِ، فَكَأنَّ البارَّ مُتَّسِعٌ في طاعَةِ اللَّهِ ومُتَّسِعَةٌ لَهُ رَحْمَتُهُ، قِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى اللَّفْظِ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ هَذا دُعاءٌ آخَرُ، والنُّكْتَةُ في تَكْرِيرِ النِّداءِ ما تَقَدَّمَ، والمَوْعُودُ بِهِ عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ هو الثَّوابُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ بِهِ أهْلَ طاعَتِهِ، فَفي الكَلامِ حَذْفٌ وهو لَفْظُ الألْسُنِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وقِيلَ: المَحْذُوفُ التَّصْدِيقُ؛ أيْ: ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ، وقِيلَ: ما وعَدْتَنا مُنَزَّلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلى رُسُلِكَ والأوَّلُ أوْلى.
وصُدُورُ هَذا الدُّعاءِ مِنهم مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ كائِنٌ لا مَحالَةَ، إمّا لِقَصْدِ التَّعْجِيلِ أوْ لِلْخُضُوعِ بِالدُّعاءِ لِكَوْنِهِ مُخَّ العِبادَةِ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَخافُوا خُلْفَ الوَعْدِ، وأنَّ الحامِلَ لَهم عَلى الدُّعاءِ هو ما ذَكَرْنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: ما جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ ؟ قالُوا: عَصاهُ ويَدُهُ بَيْضاءَ لِلنّاظِرِينَ، وأتَوُا النَّصارى فَقالُوا: كَيْفَ كانَ عِيسى فِيكم ؟ قالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى، فَأتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، فَدَعا رَبَّهُ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ الأواخِرَ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حَتّى خَتَمَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ عَنْ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ» فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّما هَذِهِ في الصَّلاةِ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ قائِمًا فَقاعِدًا، وإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قاعِدًا فَعَلى جَنْبِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «كانَتْ بِي بَواسِيرُ، فَسَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ فَقالَ: صَلِّ قائِمًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» .
وثَبَتَ فِيهِ عَنْهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وهو قاعِدٌ فَقالَ: مَن صَلّى قائِمًا فَهو أفْضَلُ، ومَن صَلّى قاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القائِمِ، ومَن صَلّى نائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القاعِدِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ حالاتُكَ كُلُّها يا ابْنَ آدَمَ، اذْكُرِ اللَّهَ وأنْتَ قائِمٌ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فاذْكُرْهُ جالِسًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ جالِسًا فاذْكُرْهُ وأنْتَ عَلى جَنْبِكَ، يُسْرٌ مِنَ اللَّهِ وتَخْفِيفٌ.
وأقُولُ: هَذا التَّقْيِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ مَعَ تَعْمِيمِ الذِّكْرِ لا وجْهَ لَهُ لا مِنَ الآيَةِ ولا مِن غَيْرِها، فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ في شَيْءٍ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الذِّكْرُ مِن قُعُودٍ إلّا مَعَ عَدَمِ اسْتِطاعَةِ الذِّكْرِ مِن قِيامٍ، ولا يَجُوزُ عَلى جَنْبٍ إلّا مَعَ عَدَمِ اسْتِطاعَتِهِ مِن قُعُودٍ، وإنَّما يَصْلُحُ هَذا التَّقْيِيدُ لِمَن جَعَلَ المُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا الصَّلاةَ كَما سَبَقَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: ويْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في التَّفَكُّرِ عَنْ سُفْيانَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ آخِرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها ويْلَهُ فَعَدَّ أصابِعَهُ عَشْرًا» . قِيلَ لِلْأوْزاعِيِّ: ما غايَةُ التَّفَكُّرِ فِيهِنَّ ؟ قالَ: يَقْرَؤُهُنَّ وهو يَعْقِلُهُنَّ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في اسْتِحْبابِ التَّفَكُّرِ مُطْلَقًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: مَن تُخَلِّدْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ خاصَّةٌ بِمَن لا يَخْرُجُ مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَدِمَ عَلَيْنا جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ في عُمْرَةٍ، فانْتَهَيْتُ إلَيْهِ أنا وعَطاءٌ فَقُلْتُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ قالَ: «أخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُمُ الكُفّارُ»، قُلْتُ لِجابِرٍ: فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: وما أخْزاهُ حِينَ أحْرَقَهُ بِالنّارِ !، وإنَّ دُونَ ذَلِكَ خِزْيًا ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: هو القُرْآنُ، لَيْسَ كُلَّ أحَدٍ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ قالَ: يَسْتَنْجِزُونَ مَوْعِدَ اللَّهِ عَلى رُسُلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ: لا تَفْضَحْنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences